وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٥٢] (١٤٧١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَن نَافِعٍ عَن ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مُرْهُ، فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا، حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
_________________
(١) "المغني" ١٠/ ٣٢٣.
(٢) "الفتح" ١٢/ ٥ - ٦.
(٣) هكذا ترجم القرطبيّ - ﵀ -، وترجمته أولى وأخصر من ترجمة النووي، فتأمله.
[ ٢٦ / ٨ ]
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسِ) بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله إمام دار الهجرة الفقيه، رأس المتقنين، وكبير المتثبِّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ - العدويّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مات سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٣٦) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوري.
٤ - (ومنها): أنه أصحّ الأسانيد عند البخاريّ: مالك، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -.
٥ - (ومنها): أن فيه ابن عمر - ﵄ - من المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، وأحد العبادلة الأربعة، وأشدّ الناس اتّباعًا للأثر، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ) وفي رواية الليث التالية: "أن ابن عمر طلق امرأة له"، وفي رواية عبيد الله بن عمر الثالثة: "طَلَّقتُ امرأتي"، وكذا في رواية يونس بن جُبير الآتية أيضًا.
قال في "الفتح": قال النوويّ في "تهذيبه": اسمها آمنة بنت غِفَار، قاله ابن باطيش، ونقله عن النوويّ جماعة ممن بعده، منهم الذهبيّ في "تجريد الصحابة"، لكن قال: في "مبهماته"، فكأنه أراد "مبهمات التهذيب"، وأوردها الذهبي في "آمنة" بالمدّ، وكسر الميم، ثم نون، وأبوها غِفَار ضبطه ابن يقظة (^١)
_________________
(١) هكذا نسخة: "الفتح"، ولعله مصحّف من ابن نُقطة، فليحرّر.
[ ٢٦ / ٩ ]
بكسر المعجمة، وتخفيف الفاء، قال: ولكني رأيت مستند ابن باطيش في أحاديث قتيبة، جمعِ سعيد العيار بسند فيه ابن لَهِيعة: أن ابن عمر طَلَّق امرأته آمنة بنت عَمّار، كذا رأيتها في بعض الأصول، بمهملة مفتوحة، ثم ميم ثقيلة، والأول أولى، وأقوى من ذلك ما رأيته في "مسند أحمد"، قال: حدّثنا يونس، حدثنا الليث، عن نافع؛ أن عبد الله طلّق امرأته، وهي حائض، فقال عمر: يا رسول الله إن عبد الله طلق امرأته النوَارِ، فأمره أن يراجعها. . . الحديث، وهذا الإسناد على شرط الشيخين، ويونس شيخ أحمد، هو ابن محمد المؤدِّب، من رجالهما، وقد أخرجه الشيخان عن قتيبة، عن الليث، ولكن لم تُسَمَّ عندهما، ويمكن الجمع بأن يكون اسمها آمنة، ولقبها النوَارِ. انتهى (^١).
(وَهِيَ حَائِضٌ) جملة حاليّة من المفعول، وفي رواية قاسم بن أصبغ، من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه طلّق امرأته، وهي في دمها حائضٌ"، وعند البيهقيّ: "أنه طلّق امرأته في حيضها"، (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية أبي الزبير الآتية: "على عهد رسول الله - ﷺ -"، قال في "الفتح": وأكثر الرواة لم يذكروا ذلك؛ استغناءً بما في الخبر أن عمر سأل رسول الله - ﷺ -، فاستلزم أن ذلك وقع في عهده.
وزاد الليث، عن نافع في الرواية التالية: "تطليقةً واحدةً"، وقال المصنّف في آخره: "جوّد الليث في قوله: "تطليقة واحدة"، وكذا وقع عنده من طريق محمد بن سيرين الآتية: قال: "مكثتُ عشرين سنة يُحدّثني من لا أتّهم أن ابن عمر طلّق امرأته ثلاثًا، وهي حائضٌ، فأمره أن يراجعها، فكنتُ لا أتّهمهم، ولا أعرف وجه الحديث، حتى لقيت أبا غلّاب يونس بن جُبير، وكان ذا ثبت، فحدّثني أنه سأل ابن عمر، فحدّثه أنه طلّق امرأته تطليقة، وهي حائضٌ"، وأخرجه الدارقطنيّ، والبيهقيّ من طريق الشعبيّ، قال: "طلّق ابن عمر امرأته، وهي حائضٌ واحدةً"، ومن طريق عطاء الخراسانيّ، عن الحسن، عن ابن عمر؛ أنه "طلّق امرأته تطليقةً، وهي حائضٌ". قاله في "الفتح" (^٢).
(فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ) وفي رواية سالم الآتية:
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٧ - ٨.
(٢) "الفتح" ١٠/ ٨.
[ ٢٦ / ١٠ ]
"قال: طلّقت امرأتي، وهي حائض، فذَكَرَ ذلك عمر للنبيّ - ﷺ -، فتغيّظ رسول الله - ﷺ - في ذلك"، وفي رواية يونس بن جبير: "طلّقت امرأتي، فأتى عمر النبيَّ - ﷺ -، فذكر له ذلك".
قال في "الفتح" بعد ذكر رواية سالم، ما نصّه: ولم أر هذه الزيادة في رواية غير سالم، وهو أجلّ مَن روى الحديث عن ابن عمر، وفيه إشعارٌ بأن الطلاق في الحيض كان تقدّم النهي عنه، وإلا لم يقع التغيّظ على أمر لم يسبق النهي عنه.
ولا يعكُرُ على ذلك مبادرة عمر بالسؤال عن ذلك؛ لاحتمال أن يكون عرَفَ حكم الطلاق في الحيض، وأنه منهيّ عنه، ولم يَعرِف ماذا يَصنَع من وقع له ذلك؟
قال ابن العربيّ: سؤال عمر - ﵁ - مُحْتَمِلٌ لأن يكون أنهم لم يروا قبلها مثلها، فسأل لِيَعْلَم. ويَحْتَمِل أن يكون لَمّا رأى في القرآن قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أراد أن يعلم أن هذا قرء، أم لا؟
ويَحْتَمِل أن يكون سمع من النبيّ - ﷺ - النهي، فجاء ليسأل عن الحكم بعد ذلك.
وقال ابن دقيق العيد: وتغيُّظُ النبيِّ - ﷺ - إِمّا لأن المعنى الذي يقتضي المنع كان ظاهرًا، فكان مقتضى الحال التثبّتَ في ذلك، أو لأنه كان مقتضى الحال مشاورة النبيّ - ﷺ - في ذلك إذا عزم عليه. انتهى (^١).
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مُرْهُ) - بضمّ الميم، وسكون الراء -: فعل أمر من أَمَر يأمُرُ، من باب نصر ينصُرُ، وأصله اؤمر، فحذفت فاء الكلمة شذوذًا؛ لكثرة الاستعمال، وهمزة الوصل؛ استغناء عنها، فصار "مُر"، بضمّ، فسكون، وإليه أشار ابن مالك في "لاميّته" حيث قال:
وَشَذَّ بِالْحَذْفِ "مُرْ" و"خُذْ" و"كُلْ "وَفَشَا … و"امُرْ" وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْمِيمُ "خُذْ" و"كُلَا"
(فَلْيُرَاجِعْهَا) فيه أن المراجعة واجبة؛ لأَمْره - ﷺ - المراجعة، وهو القول
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٩.
[ ٢٦ / ١١ ]
الراجح، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -.
(ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا) بكسر اللام، ويجوز تسكينها؛ أي: يترك مسّها، وفي الرواية التالية: "ثم يُمسكها"؛ أي: يستمرّ بها في عصمته (حَتَّى تَطْهُرَ) بضمّ الهاء لا غير؛ أي: من حيضتها هذه التي وقع فيها الطلاق (ثُمَّ تَحِيضَ) حيضة أخرى (ثُمَّ تَطْهُرَ)؛ أي: من هذه الحيضة، وفي رواية عبيد الله الآتية: "ثم ليدعها حتى تطهر، ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت، فليطلّقها"، ونحوه في رواية الليث، وأيوب، عن نافع، وكذا في رواية عبد الله بن دينار، ورواية الزهري عن سالم.
وفي رواية محمد بن عبد الرحمن، عن سالم الآتية: "مره، فليراجعها، ثم ليطلّقها طاهرًا، أو حاملًا"، قال الشافعيّ: غير نافع إنما رَوَى: "حتى تطهر من الحيضة التي طلّق فيها، ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلّق"، رواه يونس بن جبير، وأنس بن سيرين، وسالم.
قال الحافظ: وهو كما قال، لكن رواية الزهريّ، عن سالم موافقةٌ لرواية نافع، وقد نبّه على ذلك أبو داود، والزيادة من الثقة مقبولةٌ، ولا سيّما إذا كان حافظًا. انتهى (^١).
(ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ)؛ أي: بعد طهارتها من هذه الحيضة (وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ) تقدّم أن فتح ميمه أفصح من ضمها؛ أي: قبل أن يجامعها، وفي رواية أيوب: "ثم يطلِّقها قبل أن يمسها"، وفي رواية عبيد الله بن عمر: "فإذا طَهُرت، فليطلقها قبل أن يجامعها، أو يُمْسكها"، ونحوه في رواية الليث، وفي رواية الزهريّ، عن سالم: "فإن بدا له أن يطلقها، فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها"، وفي رواية محمد بن عبد الرحمن، عن سالم: "ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا".
(فَتِلْكَ الْعِدَّةُ) الإشارة إلى الحالة التي هي حالة الطهر؛ أي: إن حالة الطهر هي عين العدّة (الَّتِي أَمَرَ) أي: أَذِنَ (اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ") وهذا بيان لمراد الآية، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٣٥١.
[ ٢٦ / ١٢ ]
لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١]، وصرّح معمر في روايته، عن أيوب، عن نافع بأن الكلام عن النبيّ - ﷺ -، وفي رواية الزبير، قال ابن عمر: وقرأ النبيّ - ﷺ -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية، واستدلّ به من ذهب إلى أن الأقراء هي الأطهار للأمر بطلاقها في الطهر، وقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾؛ أي: وقت ابتداء عدّتهنّ، وقد جعل للمطلّقة تربّص ثلاثة قروء، فلما نهى عن الطلاق في الحيض، وقال: إن الطلاق في الطهر هو الطلاق المأذون فيه عُلم أن الأقراء الأطهار. قاله ابن عبد البرّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٣٦٥٢ و٣٦٥٣ و٣٦٥٤ و٣٦٥٥ و٣٦٥٦ و٣٦٥٧ و٣٦٥٨ و٣٦٥٩ و٣٦٦٠ و٣٦٦١ و٣٦٦٢ و٣٦٦٣ و٣٦٦٤ و٣٦٦٥ و٣٦٦٦ و٣٦٦٧ و٣٦٦٨ و٣٦٦٩ و٣٦٧٠ و٣٦٧١ و٣٦٧٢] (١٤٧١)، و(البخاريّ) في "التفسير" (٤٩٠٨) و"الطلاق" (٥٢٥٢ و٥٢٥٣ و٥٢٥٨ و٥٣٣٢ و٥٣٣٣) و"الأحكام" (٧١٦٠)، و(أبو داود) في "الطلاق" (٢١٧٩ و٢١٨٢)، و(الترمذيّ) في "الطلاق" (١١٧٥ و١١٧٦)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٦/ ١٣٧ - ١٣٨ و١٤٠ و٢١٢) و"الكبرى" (٣/ ٣٣٨ و٣٣٩ و٣٤١ و٣٤٣ و٣٤٤ و٣٤٥ و٤٠٢ و٤٠٣)، و(ابن ماجه) في "الطلاق" (٢٠١٩ و٢٠٢٢ و٢٠٢٣)، و(مالك) في "الموطّإ" (١٢٢٠)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ٣٢ - ٤٣)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٠٩٥٢)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٨٥٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٥/ ٢ - ٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٥٤ و٦٣ و١٠٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٢٦٢ و٢٢٦٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٢٦٣)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٧٣٤)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٥٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٤٤ و١٤٥ و١٤٧ و١٤٨ و١٤٩ و١٥٠ و١٥١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٤٧ و١٤٨ و١٤٩
[ ٢٦ / ١٣ ]
و١٥٠ و١٥١ و١٥٢)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٤/ ٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٣٢٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣٥١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان طلاق السنّة، وهو أن يطلّقها كما أمره - ﷺ - في هذا الحديث، قال البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه": وطلاق السنّة أن يطلّقها طاهرًا، من غير جماع، ويُشهد شاهدين. انتهى (^١).
٢ - (ومنها): بيان المعنى المراد في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية، وهو أن يطلّقها في طهر لم يُجامعها فيه.
٣ - (ومنها): تحريم طلاق الحائض، وأنه إذا طلّق يقع الطلاق عند الجمهور، وهو الحقّ، وخالف في ذلك بعض الظاهريّة، وسيأتي تحقيق القول في ذلك قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): تحريم طلاق المرأة في طهر جامعها فيه، وبه قال الجمهور، وقال المالكيّة: لا يحرم، وفي رواية كالجمهور، ورجحها الفاكهانيّ؛ لكونه شَرَط في الإذن في الطلاق عدم المسيس، والمعلّق بشرط معدوم عند عدمه، وهذا هو الحقّ.
٥ - (ومنها): أن الزوج يستقلّ بالرجعة، دون الوليّ، ورضا المرأة؛ لأنه جعل ذلك إليه، دون غيره، وهو كقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
٦ - (ومنها): أن الأب يقوم عن ابنه البالغ الرشيد في الأمور التي تقع له مما يَحتَشِم الابن من ذِكْره، ويتلقّى عنه ما لعلّه يلحقه من العتاب على فعله شفقةً منه، وبرًّا.
٧ - (ومنها): أن طلاق الطاهرة لا يُكره؛ لأنه أنكر إيقاعه في الحيض، لا في غيره؛ ولقوله في آخر الحديث: "فإن شاء أمسك، وإن شاء طلّق".
٨ - (ومنها): أن الحامل لا تحيض؛ لقوله في طريق سالم المتقدّمة: "ثم لْيُطلّقها طاهرًا، أو حاملًا"، فحرّم الطلاق في زمن الحيض، وأباحه في زمن الحمل، فدلّ على أنهما لا يجتمعان.
_________________
(١) "صحيح البخاري" بنسخة: "الفتح" ١٠/ ٥.
[ ٢٦ / ١٤ ]
وأجاب من قال: تحيض الحامل بأن حيض الحامل لمّا لم يكن له تأثير في تطويل العدّة، ولا تخفيفها؛ لأنها بوضع الحمل، أباح الشارع طلاقها حاملًا مطلقًا، وأما غير الحامل ففرق بين الحائض والطاهر؛ لأن الحيض يؤثر في العدّة، فالفرق بين الحامل وغيرها إنما هو بسبب الحمل، لا بسبب الحيض، ولا الطهر.
٩ - (ومنها): أن الأقراء في العدّة هي الأطهار.
١٠ - (ومنها): أنه تمسّك بالزيادة التي في رواية سالم الآتية: "ثم ليطلقها طاهرًا، أو حاملًا" من استثنى من تحريم الطلاق في طهر جامعها فيه ما إذا ظهر الحمل، فإنه لا يحرم، والحكمة فيه أنه إذا ظهر الحمل فقد أقدم على ذلك على بصيرة، فلا يندم على الطلاق، وأيضًا فإن زمن الحمل زمن الرغبة في الوطء، فإقدامه على الطلاق فيه يدلّ على رغبته عنها.
ومحلّ ذلك أن يكون الحمل من المطلِّق، فلو كان من غيره بأن نكح حاملًا من زنا، ووطئها، ثم طلّقها، أو وُطئت منكوحته بشبهة، ثم حملت منه، فطلّقها زوجها، فإن الطلاق يكون بدعيًّا؛ لأن عدّة الطلاق تقع بعد وضع الحمل، والنقاء من النفاس، فلا تُشرع عقب الطلاق في العدّة، كما في الحامل منه. قاله في "الفتح " (^١).
١١ - (ومنها): أن الخطابيّ - ﵀ - قال في قوله: "ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلّق" دليلٌ على أن من قال لزوجته، وهي حائضٌ: إذا طهرتِ، فأنت طالقٌ لا يكون مطلّقًا للسنّة؛ لأن المطلّق للسنّة هو الذي يكون مخيّرًا عند وقوع طلاقه بين إيقاع الطلاق وتركه، ومن سبق منه هذا القول في وقت الحيض زائلٌ عنه الخيار في وقت الطهر. انتهى (^٢).
١٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقوله: "قبل أن يمسّ" على أن الطلاق في طهر جامعها فيه حرام، وبه صرّح الجمهور، فلو طلّق هل يُجبر على الرجعة كما يُجبر عليها إذا طلّقها، وهي حائضٌ؟ طرده بعض المالكيّة فيهما، والمشهور عنهم إجباره في الحائض، دون الطاهر، وقالوا فيما إذا طلّقها، وهي حائض:
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ١٢ - ١٣.
(٢) "معالم السنن" ٣/ ٢٠١ - ٢٠٢.
[ ٢٦ / ١٥ ]
يُجبر على الرجعة، فمان امتنع أدّبه الحاكم، فإن أصرّ ارتجع عليه، وهل يجوز له وطؤها بذلك؟ روايتان لهم، أصحّهما الجواز، وعن داود يجبر على الرجعة إذا طلّقها حائضًا، ولا يُجبر إذا طلّقها نفساء، وهو جمود، ذكره في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وقوع الطلاق في الحيض: قال النوويّ - ﵀ -: أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض الحائل بغير رضاها، فلو طلّقها أَثِم، ووقع طلاقه، ويؤمر بالرجعة؛ لحديث ابن عمر المذكور في الباب، وشذّ بعض أهل الظاهر، فقال: لا يقع طلاقه؛ لأنه غير ماذون له فيه، فأشبه طلاق الأجنبيّة، والصواب الأول، وبه قال العلماء كافّةً، ودليلهم أمره بمراجعتها، ولو لم يقع لم تكن رجعة.
[فإن قيل]: المراد بالرجعة الرجعة اللغويّة، وهي الرّدّ إلى حالها الأول، لا أنه تحسب عليه طلقةٌ.
[قلنا]: هذا غلطٌ لوجهين:
[أحدهما]: أن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعيّة يُقدّم على حمله على الحقيقة اللغويّة، كما تقرّر في أصول الفقه.
[الثاني]: أن ابن عمر صرّح في روايات مسلم وغيره بأنه حسبها عليه طلقة. انتهى.
وقال في "الفتح": قال النوويّ: شذّ بعض أهل الظاهر، فقال: إذا طلّق الحائض لم يقع الطلاق لأنه غير مأذون فيه، فأشبه طلاق الأجنبيّة، وحكاه الخطابيّ عن الخوارج والروافض، وقال ابن عبد البرّ: لا يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال - يعني الآن. قال: وروي مثله عن بعض التابعين، وهو شذوذ، وحكاه ابن العربيّ وغيره عن ابن عُليّة - يعني إبراهيم بن إسماعيل بن عليّة الذي قال الشافعيّ في حقّه: إبراهيم ضالٌّ، جلس في باب الضوالّ يُضلّ الناس، وكان بمصر، وله مسائل ينفرد بها، وكان من فقهاء المعتزلة. وقد غَلِطَ من ظنّ أن المنقول عنه المسائل الشاذّة أبوه، وحاشاه، فإنه من كبار أهل
_________________
(١) ١٠/ ١٣.
[ ٢٦ / ١٦ ]
السنّة. وكأن النوويّ أراد ببعض الظاهريّة ابنَ حزم، فإنه ممن جرّد القول بذلك، وانتصر له، وبالغ، وأجاب عن أمر ابن عمر بالمراجعة بأن ابن عمر كان اجتنبها، فأمره أن يُعيدها إليه على ما كانت عليه من المعاشرة، فحمل المراجعة على معناها اللغويّ.
وتُعُقّب بأن الحمل على الحقيقة الشرعيّة مقدّمٌ على اللغويّة اتفاقًا.
وأجاب عن قول ابن عمر: "حسبت عليّ بتطليقة" بأنه لم يُصرّح بمن حسبها عليه، ولا حجة في أحد دون رسول الله - ﷺ -
وتُعُقّب بأن مثل قول الصحابيّ: "أمرنا في عهد رسول الله - ﷺ - بكذا"، فإنه ينصرف إلى من له الأمر حينئذ، وهو النبيّ - ﷺ -، كذا قال بعض الشرّاح.
قال الحافظ: وعندي أنه لا ينبغي أن يجيء فيه الخلاف الذي في قول الصحابيّ: أمرنا بكذا، فإن ذلك محلّه حيث يكون اطلاع النبيّ - ﷺ - على ذلك ليس صريحًا، وليس كذلك في قصّة ابن عمر هذه، فإن النبيّ - ﷺ - هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد لابن عمر فيما يَفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حُسبت عليه تطليقة، كان احتمال أن يكون الذي حسبها غير النبيّ - ﷺ - بعيدًا جدًّا مع احتفاف القرائن في هذه القصّة بذلك، وكيف يتخيّل أن ابن عمر يفعل في القصّة شيئًا برأيه، وهو ينقل أن النبيّ - ﷺ - تغيّظ من صنيعه؟ كيف لم يشاوره فيما يفعل في القصّة المذكورة؟
وقد أخرج ابن وهب في "مسنده" عن ابن أبي ذئب أن نافعًا أخبره: أن ابن عمر طلّق امرأته، وهي حائض، فسال عمر رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فقال: "مره، فليُراجعها، ثم يُمسكها حتى تطهر"، قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبيّ - ﷺ -: "وهي واحدة". قال ابن أبي ذئب: وحدّثني حنظلة بن أبي سفيان؛ أنه سمع سالمًا يُحدّث، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ - بذلك.
وأخرجه الدارقطنيّ من طريق يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، وابن إسحاق جميعًا، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ -، قال: "هي واحدة"، وهذا نصٌّ في موضع الخلاف، فيجب المصير إليه.
وأورده بعض العلماء على ابن حزم، فأجابه بأن قوله: "هي واحدة" لعله ليمس من كلام النبيّ - ﷺ - فألزمه بأنه نقض أصله لأن الأصل لا يُدفع بالاحتمال.
[ ٢٦ / ١٧ ]
وعند الدارقطنيّ في رواية شعبة، عن أنس بن سيرين، عن ابن عمر في القصّة: "فقال عمر: يا رسول اللهُ أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم"، ورجاله إلى شعبة ثقات.
وعنده من طريق سعيد بن عبد الرحمن الْجُمَحيّ، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رجلًا قال: إني طلّقت امرأتي البتّةَ، وهي حائضٌ، فقال: عصيت ربّك، وفارقت امرأتك، قال: فإن رسول الله - ﷺ - أمر ابن عمر أن يراجعها بطلاق بقي له، وأنت لم تُبق ما ترتجع به امرأتك".
وفي هذا السياق ردٌّ على من حمل الرجعة في قصّة ابن عمر على المعنى اللغويّ.
وقد وافق ابنَ حزم على ذلك من المتأخّرين ابنُ تيميّةَ، وله كلام طويلٌ في تقرير ذلك، والانتصار له، وأعظم ما احتجّوا به ما وقع في رواية أبي الزبير، عن ابن عمر عند مسلم، وأبي داود، والنسائيّ، وفيه: فقال له رسول الله - ﷺ -: "ليُراجعها، فردّها، وقال: إذا طهرت فليُطلّق، أو يمسك"، لفظ مسلم، وللنسائيّ، وأبي داود: "فردّها عليّ"، زاد أبو داود: "ولم يرها شيئًا"، وإسناده على شرط الصحيح، فإن مسلمًا أخرجه من رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج، وساقه على لفظه، ثم أخرجه من رواية أبي عاصم، عنه، وقال: نحو هذه القصّة، ثم أخرجه من رواية عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال: مثل حديث حجاج، وفيه بعض الزيادة، فاشار إلى هذه الزيادة، ولعلّه طَوَى ذكرها عمدًا.
وقد أخرج أحمد الحديث عن رَوح بن عُبادة، عن ابن جريج، فذكرها، فلا يتخيّل انفراد عبد الرزّاق بها.
قال أبو داود: روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة، وأحاديثهم كلّها على خلاف ما قال أبو الزبير.
وقال ابن عبد البرّ: قوله: "ولم يرها شيئًا" منكرٌ، لم يقله غير أبي الزبير، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بمن هو أثبت منه؟ ولو صحّ فمعناه عندي - والله أعلم -: ولم يرها شيئًا مستقيمًا؛ لكونها لم تقع على السنّة.
[ ٢٦ / ١٨ ]
وقال الخطّابيّ: قال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثًا منكرًا من هذا، وقد يَحْتَمِل أن يكون معناه: ولم يرها شيئًا تَحْرُم معه المراجعة، أو لم يرها شيئًا جائزًا في السنّة، ماضيًا في الاختيار، وإن كان لازمًا له مع الكراهة.
ونقل البيهقيّ في "المعرفة" عن الشافعيّ أنه ذكر رواية أبي الزبير، فقال: نافعٌ أثبتُ من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يؤخذ به إذا تخالفا، وقد وافق نافعًا غيره من أهل الثبت، قال: وبسط الشافعيّ القول في ذلك، وحمل قوله: "لم يرها شيئًا" على أنه لم يعدّها شيئًا صوابًا غير خطإ، بل يؤمر صاحبه أن لا يقيم عليه؛ لأنه أمره بالمراجعة، ولو كان طلّقها طاهرًا لم يؤمر بذلك، فهو كما يقال للرجل إذا أخطأ في فعله، أو أخطأ في جوابه: لم يصنع شيئًا؛ أي: لم يصنع شيئًا صوابًا.
قال ابن عبد البرّ: واحتجّ بعض من ذهب إلى أن الطلاق لا يقع بما روي عن الشعبيّ، قال: إذا طلّق الرجل امرأته، وهي حائضٌ لم يعتدّ بها في قول ابن عمر.
قال ابن عبد البرّ: وليس معناه ما ذهب إليه، وإنما معناه: لم تعتدّ المرأة بتلك الحيضة في العدّة، كما روي ذلك عنه منصوصًا أنه قال: يقع عليها الطلاق، ولا تعتدّ بتلك الحيضة. انتهى.
وقد روى عبد الوهّاب الثقفيّ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر نحوًا مما نقله ابن عبد البرّ، عن الشعبيّ، أخرجه ابن حزم بإسناد صحيح، والجواب عنه مثله.
وروى سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن مالك، عن عمر أنه طلّق امرأته، وهي حائض، فقال رسول الله - ﷺ -: "ليس ذلك بشيء"، وهذه متابعات لأبي الزبير، إلا أنها قابلة للتأويل، وهو أولى من إلغاء الصريح في قول ابن عمر: إنها تحتسب عليه بتطليقة. وهذا الجمع الذي ذكره ابن عبد البرّ وغيره يتعيّن، وهو أولى من تغليط بعض الثقات. وأما قول ابن عمر: "إنها حُسبت عليه بتطليقة"، فإنه وإن لم يُصرّح برفع ذلك إلى النبيّ (- ﷺ -)، فإن فيه تسليم أن ابن عمر قال: إنها حُسبت عليه، فكيف يجتمع مع هذا قوله: إنه لم يعتدّ بها، أو لم يرها شيئًا على المعنى الذي ذهب إليه المخالفون؟ لأنه إن جُعِل الضمير
[ ٢٦ / ١٩ ]
للنبيّ - ﷺ - لزم منه أن ابن عمر خالف ما حكم به النبيّ - ﷺ - في هذه القصّة بخصوصها؛ لأنه قال: إنها حُسبت عليه بتطليقة، فيكون من حسبها عليه خالف كونه لم يرها شيئًا، وكيف يُظنّ به ذلك، مع اهتمامه، واهتمام أبيه بسؤال النبيّ - ﷺ - عن ذلك ليفعل ما يأمره به؟ وإن جُعل الضمير في "لم يعتدّ بها"، أو "لم يرها" لابن عمر لزم منه التناقض في القصّة الواحدة، فيفتقر إلى الترجيح، ولا شكّ أن الأخذ بما رواه الأكثر، والأحفظ أولى من مقابله عند تعذّر الجمع عند الجمهور، والله أعلم.
واحتجّ ابن القيّم لترجيح ما ذهب إليه شيخه بأقيسة، ترجع إلى مسألة أن النهي يقتضي الفساد، فقال: الطلاق ينقسم إلى حلال وحرام، فالقياس أن حرامه باطلٌ؛ كالنكاح، وسائر العقود، وأيضًا فكما أن النهي يقتضي التحريم، فكذلك يقتضي الفساد، وأيضًا فهو طلاقٌ مَنَعَ منه الشرع، فأفاد منه عدم جواز إيقاعه، فكذلك يفيد عدم نفوذه، وإلا لم يكن للمنع فائدة؛ لأن الزوج لو وكّل رجلًا أن يطلّق امرأته على وجه، فطلّقها على غير الوجه المأذون فيه لم ينفذ، فكذلك لم يأذن الشارع للمكلّف في الطلاق إلا إذا كان مباحًا، فإذا طلّق طلاقًا محرّمًا لم يصحّ، وأيضًا فكلّ ما حرّمه الله من العقود مطلوب الإعدام، فالحكم ببطلان ما حرّمه أقرب إلى تحصيل هذا المطلوب من تصحيحه، ومعلومٌ أن الحلال المأذون فيه ليس كالحرام الممنوع منه، ثم أطال من هذا الجنس بمعارضات كثيرة، لا تنهض مع التنصيص على صريح الأمر بالرجعة، فإنها فرع وقوع الطلاق على تصريح صاحب القصّة بأنها حسبت عليه تطليقة، والقياس في معارضة النصّ فاسد الاعتبار، والله أعلم.
وقد عورض بقياس أحسن من قياسه، فقال ابن عبد البرّ: ليس الطلاق من أعمال البرّ التي يُتقرّب بها، وإنما هو إزالة عصمة فيها حقّ آدميّ، فكيفما أوقعه وقع، سواء أُجر في ذلك، أم أثم، ولو لزم المطيع، ولم يلزم العاصي لكان العاصي أخفّ حالًا من المطيع.
ثم قال ابن القيّم: لم يَرِد التصريح بان ابن عمر احتسب بتلك التطليقة إلا في رواية سعيد بن جبير عنه، عند البخاريّ، وليس فيها تصريحٌ بالرفع، قال: فانفراد سعيد بن جبير بذلك كانفراد أبي الزبير بقوله: "لم يرها شيئًا"،
[ ٢٦ / ٢٠ ]
فإما أن يتساقطا، وإما أن ترجّحوا رواية أبي الزبير؛ لتصريحها بالرفع، وتُحمل رواية سعيد بن جبير على أن أباه هو الذي حسبها عليه بعد موت النبيّ - ﷺ - في الوقت الذي ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث، بعد أن كانوا في زمن النبيّ - ﷺ - لا يحتسب عليهم به ثلاثًا، إذا كان بلفظ واحد.
قال الحافظ: وغفل ﵀ عما ثبت في "صحيح مسلم" من رواية أنس بن سيرين على وفاق ما روى سعيد بن جبير، وفي سياقه ما يُشعر بأنه إنما راجعها في زمن النبيّ - ﷺ - ولفظه: "سألت ابن عمر عن امرأته التي طلّق، فقال: طلّقتها، وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبيّ - ﷺ -، فقال: "مره فليراجعها، فإذا طهرت، فليُطلّقها لطهرها، قال: فراجعتها، ثم طلّقتها لطهرها، قلت: فاعتددت بتلك التطليقة، وهي حائض؟ فقال: ما لي لا أعتدّ بها، وإن كنت عجزت، واستحمقت".
وعند مسلم أيضًا من طريق ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن سالم في حديث الباب: "وكان عبد الله بن عمر طلّقها تطليقة، فحسبت من طلاقها، فراجعها كما أمره رسول الله - ﷺ -"، وله من رواية الزُّبيديّ، عن ابن شهاب: "قال ابن عمر: فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلّقتها".
وعند الشافعيّ عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج: "أنهم أرسلوا إلى نافع يسألونه، هل حسبت تطليقة ابن عمر على عهد النبيّ - ﷺ -؟ فقال: نعم".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الحافظ - ﵀ - في هذا التحرير والتقرير الذي ساقه في هذه المسألة، من الروايات المختلفة فيها، والتوفيق بينها بما ساقه من أقوال أهل العلم، فتبيّن بذلك أن الحقّ هو ما ذهب إليه الجمهور من وقوع الطلاق في حالة الحيض، مع كونه مخالفًا للسنّة.
ولقد أجاد البحث الشيخ ناصر الدين الألباني - ﵀ - في كتابه "إرواء الغليل" حيث استوفى معظم الروايات المختلفة لحديث ابن عمر هذا، وتكلّم عليها بكلام مفصّل نفيس جدًّا، ثم قال في آخر بحثه:
فإذا نظر المتأمل في طرق هذين القسمين، وفي ألفاظهما تبيّن له بوضوح لا غُموض فيه أرجحية القسم الأول - يعني الاعتداد بتلك التطليقة - على الآخر - يعني عدم الاعتداد بها - وذلك لوجهين:
[ ٢٦ / ٢١ ]
(الأول): كثرة الطرق، فإنها ستة: ثلاث منها مرفوعة، وثلاث أخرى موقوفة، واثنان من الثلاث الأولى صحيحةٌ، والأخرى ضعيفة، وأما القسم الآخر، فكلّ طرقه ثلاث: اثنان منها صحيحة أيضًا، والأخرى ضعيفة، فتقابلت المرفوعات في القسمين قوّةً وضعفًا، وبقي في القسم الأول الموقوفات الثلاث فضلة، يترجّح بها على القسم الآخر، لا سيّما وهي في حكم المرفوع؛ لأن معناها أن عبد الله بن عمر عمل بما في المرفوع، فلا شكّ أن ذلك مما يعطي المرفوع قوّةً على قوّة كما هو ظاهر.
(والوجه الآخر): قوّة دلالة القسم الأول على المراد دلالة صريحةً لا تقبل التأويل، بخلاف القسم الآخر، فهو ممكن التأويل بمثل قول الإمام الشافعيّ: "ولم يرها شيئًا" أي: صوابًا، وليس نصًّا في أنه لم يرها طلاقًا، بخلاف القسم الأول، فهو نصّ في أنه رآها طلاقًا، فوجب تقديمه على القسم الآخر، وقد اعترف ابن القيّم - ﵀ - بهذا، ولكنه شكّ في صحّة المرفوع من هذا القسم، فقال: وأما قوله في حديث ابن وهب، عن ابن أبي ذئب في آخره: "وهي واحدة" فلعمر الله لو كانت هذه اللفظة من كلام رسول الله - ﷺ - ما قدّمنا عليها شيئًا، ولصرنا إليها بأول وَهْلة، ولكن لا ندري أقالها ابن وهب من عنده، أم ابن أبي ذئب، أو نافع؟ فلا يجوز أن يضاف إلى رسول الله - ﷺ - ما لا يُتيقّن أنه من كلامه، ويشهد به عليه، ونرتّب عليه الأحكام، ويقال: هذا من عند الله بالوهم والاحتمال.
قال الشيخ الألباني: وفي هذا الكلام صواب وخطأ.
أما الصواب: هو اعترافه بكون هذه اللفظة نصًّا في المسألة يجب التسليم بها، والمصير إليها لو صحّت.
وأما الخطأ: فهو تشككه في صحتها، وردّه لها بدعوى أنه لا يدري أقالها ابن وهب من عنده. . . وهذا شيء عجيب من مثله؛ لأن من المتّفق عليه بين العلماء أن الأصل قبول رواية الثقة كما رواها، وأنه لا يجوز ردّها بالاحتمالات والتشكيك، وأن طريق المعرفة هو التصديق بخبر الثقة، ألا ترى أنه يمكن للمخالف لابن القيّم أن يردّ حديثه: "فردّها عليّ، ولم يرها شيئًا" بمثل الشكّ الذي أورده هو على حديث ابن وهب بالطعن في أبي الزبير؟ ونحو
[ ٢٦ / ٢٢ ]
ذلك من الشكوك، وقد فعل ذلك بعض المتقدّمين كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك، وكلّ ذلك مخالفٌ للنهج العلميّ المجرّد عن الانتصار لشيء سوى الحقّ.
على أن ابن وهب لم يتفرّد بإخراج الحديث، بل تابعه الطيالسيّ، كما تقدّم، فقال: حدّثنا ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر: "أنه طلّق امرأته، وهي حائضٌ، فأتى عمر النبيّ - ﷺ -، فذكر ذلك له، فجعله واحدة".
وتابعه أيضًا يزيد بن هارون، نا ابن أبي ذئب به، أخرجه الدارقطنيّ من طريق محمد بن إشكاب، وهو ثقة من شيوخ البخاريّ، - وكذا بقية الرجال ثقات - نا يزيد بن هارون. وتابع ابنَ أبي ذئب ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر: "أن رسول الله - ﷺ - قال: واحدة"، أخرجه الدارقطنيّ أيضًا، عن عياش بن محمد، وهو ثقة، نا أبو عاصم، عن ابن جريج، وهو إسناد صحيح، إن كان ابن جريج سمعه من نافع. وتابع نافعًا الشعبيّ بلفظ أنه - ﷺ - وقال: "ثم يحتسب بالتطليقة التي طلّق أول مرّة"، وهو صحيح السند، كما تقدم.
وكلّ هذه الروايات مما لم يقف عليها ابن القيّم - ﵀ -، وظني أنه لو وقف عليها لتبدّد الشكّ الذي أبداه في رواية ابن وهب، ولصار إلى القول بما دلّ عليه الحديث من الاعتداد بطلاق الحائض. انتهى كلام الشيخ الألبانيّ: - ﵀ - باختصار، وهو تحقيقٌ مهمّ، ونفيس جدًّا.
وخلاصة القول في المسألة أن الصحيح قول الجمهور الذين قالوا: إن طلاق الحائض يقع، وإن كان حرامًا؛ لوضوح أدلّته، وقوّة حجّته، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في قوله - ﷺ -: "مره فليُراجعها": قال الشيخ ابن دقيق العيد - ﵀ -: تتعلّق به مسألة أصوليّة، وهي أن الأمر بالأمر بالشيء، هل هو أمرٌ بذلك الشيء، أم لا؟ فإنه - ﷺ - قال لعمر: "مُره"، فأمره بأن يأمره.
قال في "الفتح": هذه المسألة ذكرها ابن الحاجب، قال: الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا بذلك الشيء، لنا لو كان لكان مُر عبدك بكذا تعدّيًا، ولكان يُناقض قولك للعبد: لا تفعل. قالوا: فُهم ذلك من أمر الله تعالى، ورسوله - ﷺ -، ومن قول الملك لوزيره: قل لفلان: افعل. قلنا: للعلم بأنه مبلّغٌ.
[ ٢٦ / ٢٣ ]
قال الحافظ: والحاصل أن النفي إنما هو حيث تجرّد الأمر، وأما إذا وُجدت قرينة تدلّ على أن الأمر الأول أمر المأمور الأول أن يبلّغ المأمور الثاني فلا، وينبغي أن ينزّل كلام الفريقين على هذا التفصيل، فيرتفع الخلاف.
ومنهم من فرّق بين الأمرين، فقال: إن كان الآمر الأول بحيث يسوغ له الحكم على المأمور الثاني، فهو آمرٌ له، وإلا فلا، وهذا قويّ، وهو مستفاد من الدليل الذي استدلّ به ابن الحاجب على النفي؛ لأنه لا يكون متعدّيًا إلا إذا أمر من لا حكم له عليه؛ لئلا يصير متصرّفًا في ملك غيره بغير إذنه، والشارع حاكمٌ على الآمر والمأمور، فوجد فيه سلطان التكليف على الفريقين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية [طه: ١٣٢]، فإن كلّ أحد يفهم منه أمر الله لأهل بيته بالصلاة، ومثله حديث الباب، فإن عمر - ﵁ - إنما استفتى النبيّ - ﷺ - عن ذلك ليمتثل ما يأمره به، ويُلزم ابنه به، فمن مثّل بهذا الحديث لهذه المسألة فهو غالطٌ؛ فإن القرينة واضحةٌ في أن عمر في هذه الكائنة كان مأمورًا بالتبليغ، ولهذا وقع في رواية أيوب، عن نافع: "فأمره أن يراجعها"، وفي رواية أنس بن سيرين، ويونس بن جُبير، وطاوس، عن ابن عمر، وفي رواية الزهريّ، عن سالم: "فليُراجعها"، وفي رواية لمسلم: "فراجعها عبد الله كما أمره رسول الله - ﷺ -"، وفي رواية أبي الزبير، عن ابن عمر: "ليراجعها"، وفي رواية الليث، عن نافع، عن ابن عمر: "فإن النبيّ - ﷺ - أمرني بهذا".
وقد اقتضى كلام سليم الرازيّ في"التقريب" أنه يجب على الثاني الفعل جزمًا، وإنما الخلاف في تسميته آمرًا، فرجع الخلاف عنده لفظيًّا.
وقال الفخر الرازيّ في "المحصول": الحقّ أن الله تعالى إذا قال لزيد: أوجبتُ على عمرو كذا، وقال لعمرو: كلّ ما أوجب عليك زيدٌ، فهو واجبٌ عليك، كان الأمر بالأمر أمرًا بالشيء. انتهى.
قال الحافظ: وهذا يمكن أن يؤخذ منه التفرقة بين الأمر الصادر من رسول الله - ﷺ -، ومن غيره، فمهما أمر الرسول - ﷺ - أحدًا أن يأمر به غيره وجب؛ لأن الله تعالى أوجب طاعته، وهو أوجب طاعة أميره، كما ثبت في "الصحيح": "من أطاعني، فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني"، وأما غيره ممن بعده فلا، وفيهم تظهر صورة التعدّي التي أشار إليها ابن الحاجب.
[ ٢٦ / ٢٤ ]
وقال ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يتردّد في اقتضاء ذلك الطلب، وإنما ينبغي أن ينظر في أن لوازم صيغة الأمر هل هي لوازم صيغة الأمر بالأمر أو لا؟ بمعنى أنهما يستويان في الدلالة على الطلب من وجه واحد أو لا، قال الحافظ: وهو حسنٌ، فإن أصل المسألة التي انبنى عليها هذا الخلاف حديث: "مروا أولادكم بالصلاة لسبع"، فإن الأولاد ليسوا بمكلّفين، فلا يتّجه عليهم الوجوب، وإنما الطلب متوجّه على أوليائهم أن يُعَلِّموهم ذلك، فهو مطلوب من الأولاد بهذه الطريق، وليس مساويًا للأمر الأول، وهذا إنما عرض من أمر خارج، وهو امتناع توجه الأمر على غير المكلّف، وهو بخلاف القصّة التي في حديث الباب.
والحاصل أن الخطاب إذا توجّه لمكلّف أن يأمر مكلّفًا آخر بفعل شيء كان المكلّف الأول مبلّغًا محضًا، والثاني مأمور من قبل الشارع، وهذا كقوله لمالك بن الحويرث، وأصحابه: "ومروهم بصلاة كذا في حين كذا"، وقوله لرسول ابنته - ﷺ -: "مرها، فلتصبر، ولتحتسب"، ونظائره كثيرة، فإذا أمر الأول الثاني بذلك، فلم يمتثله كان عاصيًا، وإن توجّه الخطاب من الشارع لمكلّف أن يأمر غير مكلّف، أو توجه الخطاب من غير الشارع بأمر من له عليه الأمر أن يأمر من لا أمر للأول عليه لم يكن الأمر بالأمر بالشيء أمرًا بالشيء، فالصورة الأولى هي التي نشأ عنها الاختلاف، وهو أمر أولياء الصبيان أن يأمروا الصبيان، والصورة الثانية هي يتصوّر فيها أن يكون الأمر متعدّيًا بأمر للأول أن يأمر الثاني، فهذا فصل الخطاب في هذه المسألة، والله المستعان، قاله في "الفتح" وهو تحقيق حسن.
وقد نظمت هذه المسألة في "التحفة المرضيّة"، فقلت:
وَالأَمْرُ بِالأَمْرِ بِشَيْء لَا يُرَى … أَمْرًا بِهِ نَحْوُ "مُرُوا" كَمَا جَرَى
"أَوْلَادَكُمْ" لَيْسَ خِطَابًا لِلصّبِي … بَلِ الْوُجُوبَ لِلْوَلِيِّ نَجْتَبِي
وَإِنْ يَكُنْ حَصَلَ مَا دَلَّ عَلَيْهْ … كَـ "فَلْيُرَاجِعْهَا" فَيُصْرَفُ إِلَيْهْ
وإن أردت تحقيق معنى الأبيات، فراجع الشرح (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "المنحة الرّضِيّة" ٣/ ١٨١ - ١٨٢.
[ ٢٦ / ٢٥ ]
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الأمر في قوله - ﷺ -: "فليُراجعها"، هل هو للوجوب، أم للاستحباب؟
ذهب إلى القول بالاستحباب الأئمة: أبو حنيفة، والشافعيّ، وأحمد في المشهور عنه، وحكاه النوويّ عن سائر الكوفيين، وفقهاء المحدّثين.
وذهب مالك، وأصحابه إلى أنه للوجوب، يجبر على المراجعة ما بقي من العدّة شيء، وقال أشهب: ما لم تطهر من الثانية، فان أبى أجبره الحاكم، فإن أبى ارتجع الحاكم عليه، وله وطؤها بذلك على الأصحّ.
قال الحافظ وليّ الدين: وما تقدّم عن أبي حنيفة من الاستحباب هو المشهور في كتب الخلاف، وممن حكاه عنه النوويّ، لكن حكاه صاحب "الهداية" عن بعض المشايخ، ثم قال: والأصحّ أنه واجبٌ؛ عملًا بحقيقة الأمر، ورفعًا للمعصية بالقدر الممكن برفع أثره، وهو العدّة، ودفعًا لضرر تطويل العدّة. انتهى.
وقال داود الظاهريّ: يُجبر على الرجعة إذا طلّقها حائضًا، ولا يُجبر إذا طلّقها نفساء. وذكر إمام الحرمين أن المراجعة، وإن كانت مستحبّةً، فلا ينتهي الأمر فيه إلى أن نقول: ترك المراجعة مكروه.
قال النوويّ في "الروضة": وينبغي أن يقال بالكراهة؛ للحديث الصحيح الوارد فيها، ولدفع الإيذاء.
وحكى ابن عبد البرّ خلافًا في سبب الأمر بالرجعة، قيل: عقوبةٌ له، وقيل: دفع للضرر عنها بتطويل العدّة عليها، فلو ادعت المرأة أنه طلّقها في الحيض، وقال الزوج: في طهر، فقال سحنون: القول قولها، ويجبر على الرجعة، والأصحّ أن القول قوله، قاله في "طرح التثريب" (^١).
وقال في "الفتح": والحجة لمن قال بالوجوب ورود الأمر بها، ولأن الطلاق لما كان محرّمًا في الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة، فلو تمادى الذي طلّق في الحيض حتى طهرت قال مالكٌ، وأكثر أصحابه: يُجبر على الرجعة أيضًا، وقال أشهب منهم: إذا طهرت انتهى الأمر بالمراجعة، واتفقوا
_________________
(١) "طرح التثريب" ٧/ ٨٧.
[ ٢٦ / ٢٦ ]
على أنها إذا انقضت عدّتها أن لا رجعة، وأنه لو طلّق في طهر قد مسّها فيه لا يؤمر بمراجعتها، كذا نقله ابن بطّال وغيره، لكن الخلاف فيه ثابتٌ، قد حكاه الحناطيّ من الشافعيّة وجهًا، واتفقوا على أنه لو طلّق قبل الدخول، وهي حائضٌ يؤمر بالمراجعة، إلا ما نقل عن زفر، فطرد الباب. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القولُ بوجوب الرجعة على من طلّق امرأته في حيضها هو الأرجح؛ لظهور حجته؛ لأن الأمر للوجوب إلا لصارف؛ وليس هنا صارف يُعتدّ به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): ذكر العلماء في الحكمة في تأخير الطلاق إلى طهر بعد الطهر الذي يلي ذلك الحيض الذي وقع فيه الطلاق أمورًا:
[أحدها]: ما قاله الشافعيّ: يَحْتَمِل أن يكون أراد بذلك أن يستبرئها بعد الحيضة التي طلّقها فيها بطهر تامّ، ثم حيض تامّ؛ ليكون تطليقها، وهي تعلم عدّتها، إما بحمل، أو بحيض، أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل، وهو غير جاهل بما صنع؛ إذ يرغب، فيُمسك للحمل، أو ليكون إن كانت سألت الطلاق غير حامل أن تكفّ عنه.
[الثاني]: أن الطهر الذي يلي الحيض الذي طلّقها كقرء واحد، فلو طلّقها فيه لكان كمن طلّق في الحيض، وهو ممتنعٌ من الطلاق في الحيض، فلزم أن يتأخّر إلى الطهر الثاني.
[الثالث]: أن لا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فوجب أن يمسكها زمانًا يحلّ له فيه طلاقها، وإنما أمسكها؛ لتظهر فائدة الرجعة.
[الرابع]: أنه عقوبةٌ له، وتوبةٌ من معصيته باستدراك ما جناه، وعبّر عنه بعضهم بأنه معاملة بنقيض مقصوده، فإنه عجل ما حقّه أن يتأخر قبل وقته، فمُنع منه في وقته، وصار كمستعجل الإرث بقتل مورِّثه.
[الخامس]: أنه نهي عن طلاقها في الطهر، ليطول مقامه معها، فقد يجامعها، فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها، فيمسكها، قال أبو العبّاس
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ١١.
[ ٢٦ / ٢٧ ]
القرطبيّ: وهذا أشبهها، وأحسنها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): اختلفوا في جواز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق والرجعة، وفيه للشافعيّة وجهان، أصحّهما المنع، وبه قطع المتولّي، وهو الذي يقتضيه ظاهر الزيادة التي في الحديث، وعبارة الغزاليّ في "الوسيط"، وتبعه مجلي: هل يجوز أن يطلّق في هذا الطهر؟ وجهان، وكلام المالكيّة يقتضي أن التأخير مستحبّ، وقال ابن تيميّة في "المحرّر": ولا يُطلّقها في الطهر المتعقّب له، فإنه بدعةٌ، وعنه - أي: عن أحمد - جواز ذلك، وفي كتب الحنفيّة عن أبي حنيفة الجواز، وعن أبي يوسف ومحمد المنع.
ووجه الجواز أن التحريم إنما كان لأجل الحيض، فإذا طهرت زال موجب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر، كما يجوز في الطهر الذي بعده، وكما يجوز طلاقها في الطهر إن لم يتقدّم طلاق في الحيض.
ومن حجج المانعين أنه لو طلّقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلّقها، وهذا عكس مقصود الرجعة، فإنها شُرعت لإيواء المرأة، ولهذا سماها إمساكًا، فأمره أن يمسكها في ذلك الطهر، وأن لا يطلّق فيه حتى تحيض حيضةً أخرى، ثم تطهر؛ لتكون الرجعة للإمساك، لا للطلاق، ويؤيّد ذلك أن الشارع أكّد هذا المعنى حيث أمر بأن يمسكها في الطهر الذي يلي الحيض الذي طلّقها فيه؛ لقوله في رواية عبد الحميد بن جعفر: "مره أن يراجعها، فإذا طهرت أمسكها، حتى إذا طهرت أخرى، فإن شاء طلّقها، وإن شاء أمسكها"، فإذا كان قد أمره بأن يمسكها في ذلك الطهر، فكيف يُبيح له أن يطلّقها فيه؟ وقد ثبت النهي عن الطلاق في طهر جامعها فيه، ذكره في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكر من الأدلّة أن الأرجح قول من قال بمنع الطلاق في الطهر الذي يلي الحيضة التي وقع فيها الطلاق؛ لمخالفته الأمر بإمساكها في ذلك الطهر بنصّ قوله - ﷺ -: "فإذا طهرت أمسكها حتى إذا طهرت أخرى" إلخ، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ١٢.
[ ٢٦ / ٢٨ ]
(المسألة التاسعة): اختلف الفقهاء في المراد بقوله - ﷺ -: "طاهرًا" هل المراد به انقطاع الدم، أو التطهّر بالغسل؟ على قولين، وهما روايتان عن أحمد، والراجح الثاني؛ لما في رواية النسائيّ، من طريق معتمر بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع في هذه القصّة، قال: "مُرْ عبد الله، فليراجعها، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى، فلا يمسّها حتى يطلّقها، وإن شاء أن يمسكها، فليمسكها"، وهذا مفسّر لقوله: "فإذا طهرت"، فليحمل عليه.
قال في "الفتح": ويتفرّع من هذا أن العدّة هل تنقضي بانقطاع الدم، وترتفع الرجعة، أو لا بُدّ من الاغتسال؟ فيه خلاف أيضًا.
والحاصل أن الأحكام المرتّبة على الحيض نوعان: الأول يزول بانقطاع الدم؛ كصحّة الغسل، والصوم، وترتّب الصلاة في الذّمّة، والثاني: لا يزول إلا بالغسل؛ كصحّة الصلاة، والطواف، وجواز اللبث في المسجد، فهل يكون الطلاق من النوع الأول، أو من الثاني؟ انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الطلاق من النوع الثاني؛ لرواية النسائيّ المذكورة في ذلك، فإنها صريحة في اشتراط الاغتسال، فلا يجوز أن يطلّقها إلا بعد اغتسالها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): في قوله - ﷺ -: "فإنها العدّة التي أمر الله أن تطلّق لها النساء"، هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١] قال الجرجانيّ: اللام بمعنى "في"، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ الآية [الحشر: ٢]؛ أي: في أول الحشر، فقوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾؛ أي: في الزمان الذي يصلح لعدّتهنّ، وحصل الإجماع على أن الطلاق في الحيض ممنوع، وفي الطهر مأذون فيه، ففيه دليل على أن القرء هو الطهر، ذكره القرطبيّ - ﵀ - (^٢).
وقال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: استُدلّ به على أن الأقراء هي الأطهار؛
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ١٣ - ١٤.
(٢) راجع: "الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ١٥٢ - ١٥٣.
[ ٢٦ / ٢٩ ]
لأن الله تعالى لم يأمر بطلاقهنّ في الحيض، بل حرّمه، وبهذا قال مالكٌ، والشافعيّ، وقال أبو حنيفة، وأحمد: هي الحيض، وأجاب بعضهم عن هذا الحديث بأن الإشارة في قوله: "فتلك العدّة" إلى الحيضة، وهو مردود؛ لأن الطلاق في الحيض غير مأمور به، بل هو محرّم، وإنما الإشارة إلى الحالة المذكورة، وهي حالة الطهر، أو إلى العدّة.
وقال الذاهبون إلى أنها الحيض: من قال بالأطهار جعلها قرءين وبعض الثالث، وظاهر القرآن أنها ثلاثة، ونحن نشترط ثلاث حِيَض كوامل، فهي أقرب إلى موافقة القرآن، ولهذا صار الزهريّ مع قوله: إن الأقراء هي الأطهار إلى أنه لا تنقضي العدّة إلا بثلاثة أطهار كاملة، ولا تنقضي بطهرين وبعضِ الثالث، وهذا مذهب انفرد به، وقال غيره: لو طلّقها، وقد بقي من الطهر لحظة يسيرةٌ، حُسبت قُرءًا، ويكفيها طهران. وأجابوا عن هذا الاعتراض بأن الشيئين وبعض الثالث يُطلق عليها اسم الجمع، قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ومدّته شهران وبعض الثالث، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] والمراد: وبعض الثاني. انتهى كلام وليّ الدين - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بأن الأقراء هي الأطهار هو الأرجح؛ لأن الأرجح في اللام في قوله: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ كونها بمعنى: "في"، فظهر به أن وقت العدّة هو الطهر؛ لأنه الوقت الذي أمر الله تطليق النساء فيه، وسيأتي تكميل هذا البحث - إن شاء الله تعالى -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): في اختلاف أهل العلم في معنى القرء المراد في قوله - ﷿ -: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]:
قال أبو عبد الله القرطبيّ - ﵀ -: اختَلَف العلماء في الأقراء، فقال أهل الكوفة: هي الحيض، وهو قول عمر، وعليّ، وابن مسعود، وأبي موسى، ومجاهد، وقتادة، والضحّاك، وعكرمة، والسّدّيّ.
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٧/ ٩٣.
[ ٢٦ / ٣٠ ]
وقال أهل الحجاز: هي الأطهار، وهو قول عائشة، وابن عمر، وزيد بن ثابت، والزهريّ، وأبان بن عثمان، والشافعيّ.
فمن جعل القرء اسمًا للحيض سماه بذلك؛ لاجتماع الدم في الرحم، ومن جعله اسمًا للطهر؛ فلاجتماعه في البدن، والذي يُحقّق لك هذا الأصل في القرء: الوقت، يقال: هبّت الريح لقرئها، وقارئها؛ أي: لوقتها، قال الشاعر [من الوافر]:
كَرِهْتُ الْعَقْرَ عَقْرَ بَنِي شَلِيلِ … إِذَا هَبَّتْ لِقَارِئِهَا الرِّيَاحُ
فقيل: للحيض وقت، وللطهر وقتٌ؛ لأنهما يرجعان لوقت معلوم، وقال الأعشى في الأطهار [من الطويل]:
أَفِي كُلِّ عَامِ أَنْتَ جَاشِمُ غَزْوَةٍ … تَشُدُّ لأقْصَاهَا عَزِيمَ عَزَائِكَا
مُوَرِّثَةٍ عِزًّا وَفِي الْحَيِّ رِفْعَةً … لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا
وقال آخر في الحيض [من الرجز]:
يَا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فَارِضِ … لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الْحَائِضِ
يعني أنه طعنه، فكان له دم كدم الحائض.
وقال قوم: هو مأخوذ من قرء الماء في الحوض، وهو جمعه، ومنه القرآن؛ لاجتماع المعاني، ويقال: لاجتماع حروفه، ويقال: ما قرأت الناقة سَلًى قطّ؛ أي: لم تجمع في جوفها؛ وقال عمرو بن كُلثوم:
ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بِكْرِ … هِجَانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينَا
فكأنّ الرحم يَجمَع الدمَ وقت الحيض، والجسم يجمعه وقت الطهر، قال أبو عمر بن عبد البرّ: قول من قال: إن القرء مأخوذ من قولهم: قريت الماء في الحوض ليس بشيء؛ لأن القرء مهموز، وهذا غير مهموز.
قال القرطبيّ: هذا صحيح بنقل أهل اللغة: الجوهريّ وغيره، واسم ذلك الماء قِرًى - بكسر القاف، مقصور -. وقيل: القرء الخروج، إما من طهر إلى حيض، أو من حيض إلى طهر، وعلى هذا قال الشافعيّ في قولٍ: القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض، ولا يرى الخروج من الحيض إلى الطهر قرءًا، وكان يلزم بحكم الاشتقاق أن يكون قرءًا، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾؛ أي: ثلاثة أدوار، أو ثلاثة انتقالات، والمطلّقة
[ ٢٦ / ٣١ ]
متّصفة بحالتين فقط، فتارة تنتقل من طهر إلى حيض، وتارة من حيض إلى طهر، فيستقيم معنى الكلام، ودلالته على الطهر والحيض جميعًا، فيصير المعنى مشتركًا، ويقال: إذا ثبت أن القرء الانتقال، فخروجها من طهر إلى حيض غير مراد بالآية أصلًا، ولذلك لم يكن الطلاق في الحيض طلاقًا سُنّيًّا، مأمورًا به، وهو الطلاق للعدّة، فإن الطلاق للعدّة ما كان في الطهر، وذلك يدلّ على كون القرء مأخوذًا من الانتقال، فإذا كان الطلاق في الطهر سنيًّا، فتقدير الكلام: فعدّتهنّ ثلاثة انتقالات، فاولها الانتقال من الطهر الذي وقع فيه الطلاق، والذي هو الانتقال من حيض إلى طهر، لم يُجعل قُرءًا؛ لأن اللغة لا تدلّ عليه، ولكن عَرَفْنَا، بدليل آخر، أن الله تعالى لم يُرد الانتقال من حيض إلى طهر، فإذا خرج أحدهما عن أن يكون مرادًا بقي الآخر، وهو الانتقال من الطهر إلى الحيض مرادًا، فعلى هذا عدّتها ثلاثة انتقالات، أولها الطهر، وعلى هذا يمكن استيفاء ثلاثة أقراء كاملة إذا كان الطلاق في حالة الطهر، ولا يكون ذلك حملًا على المجاز بوجه ما.
قال إلكيا الطبريّ: وهذا نظر دقيق في غاية الاتجاه لمذهب الشافعيّ، ويُمكن أن نذكر في ذلك سرًّا فهمه من دقائق حِكَمِ الشريعة، وهو أن الانتقال من الطهر إلى الحيض إنما جُعل قرءًا لدلالته على براءة الرحم، فإن الحامل لا تحيض في الغالب، فبحيضها عُلم براءة رحمها، والانتقال من حيض إلى طهر بخلافه، فإن الحائض يجوز أن تحبل في أعقاب حيضها، وإذا تمادى أمد الحمل، وقَوِي الولد انقطع دمها، ولذلك تمتدح العرب بحمل نسائهم في حالة الطهر، وقد مدحت عائشة رسول الله - ﷺ - بقول الشاعر [من الكامل]:
وَمُبَرَّإٍ مِنْ كُلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ … وَفَسَادِ مُرْضِعَةٍ وَدَاءِ مُغْيَلِ
يعني أن أمه لم تحمل به في بقيّة حيضها، فهذا ما للعلماء، وأهل اللسان في تأويل القرء.
وقالوا: قرأت المرأة قرءًا: إذا حاضت، أو طهرت، وقرأت أيضًا: إذا حملت، واتفقوا على أن القرء الوقت، فإذا قلت: والمطلّقات يتربّصن بأنفسهنّ ثلاثة أوقات، صارت الآية مفسَّرَةً في العدد، محتمِلَةً في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها، فدليلنا قول الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾،
[ ٢٦ / ٣٢ ]
ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت الطهر، فيجب أن يكون هو المعتبر في العدّة، فإنه قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ يعني وقتًا تعتدّ به، ثم قال تعالى: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١] يريد ما تعتدّ به المطلّقة، وهو الطهر الذي تطلّق فيه، وقال - ﷺ - لعمر - ﵁ -: "مره، فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فتلك العدّة التي أمر الله أن تُطلّق لها النساء"، أخرجه مسلم وغيره، وهو نصّ في أن زمن الطهر هو الذي يسمّى عدّةً، وهو الذي تُطلّق فيه النساء، ولا خلاف أن من طلّق في حال الحيض لم تعتدّ بذلك الحيض، ومن طلّق في حال الطهر، فإنها تعتدّ عند الجمهور بذلك الطهر، فكان ذلك أولى. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن أرجح الأقوال في المعنى المراد من القرء في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ قول من قال: إنه الطهر، لا الحيضُ، وإن كان اللفظ يُطلق عليهما جميعًا، كما تقدّم بيانه عن أهل اللغة، إلا أن المراد في هذه الآية هو الطهر؛ بدليل توضيح النبيّ - ﷺ - ذلك في حديث ابن عمر - ﵄ - المذكور في الباب، فبيانه أوضح بيان، وأتمّه، حيث إن الله - ﷾ - وَكَل بيان معنى كتابه إليه، بقوله - ﷿ -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤]، ولقد أجاد العلامة ابن القيّم - ﵀ - في بيان الأقوال المذكورة في معنى القرء، وأدلتها، وترجيح أنه الطهر بأدلة كثيرة في كتابه الممتع "زاد المعاد" بما لا تجده مجموعًا عند غيره، ولولا خوف التطويل لنقلته بحروفه، فإن شئت فارجع إليه (٥/ ٥٩٤ - ٦٥٠) تزدد علما جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٥٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأةً لَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ٣/ ١١٣ - ١١٥ "تفسير سورة البقرة".
[ ٢٦ / ٣٣ ]
أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُمْسِكَهَا، حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا، حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ. وَزَادَ ابْنُ رُمْحٍ فِي رِوَايَتِهِ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ لِأَحَدِهِمْ: أَمَّا أنْتَ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَنِي بِهَذَا، وَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهَا (^١) ثَلَاثًا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَكَ، وَعَصَيْتَ اللهَ فِيمَا أَمَرَكَ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ. قَالَ مُسْلِم: جَوَّدَ اللَّيْثُ: في قَوْلِهِ: تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانىّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (ابْنُ رُمْحٍ) هو: محمد بن رُمح بن المهاجر التجيبيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدِ) بن عبد الرحمن الفَهْميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، كسابقه، وهو (٢٣٧) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَ امْرَأَتَكَ) إلخ بفتح همزة "أمّا"، وهي مركّبة من "أن" المصدريّة، و"ما" الزائدة، وفيه حذف "كان"، وإبقاء اسمها وخبرها، و"ما" عِوَضٌ عن "كان"، وأصل التركيب (^٢): أن كنت طلّقت امرأتك فإن
_________________
(١) وفي نسخة: "وإن كنت قد طلّقتها".
(٢) هذا هو الأصل الثاني، والأصل الأول: "لأن كنت طلّقت. . . إلخ" فقدّمت العلّة على المعلول؛ للحصر، ثم حُذفت اللام؛ لاطراد حذفها مع "أن"، وزيدت الفاء في المعلول؛ تشبيهًا بجواب الشرط في ترتُّبه على ما قبله، ثم حُذفت "كان"، =
[ ٢٦ / ٣٤ ]
رسول الله - ﷺ - إلخ، فحذفت "كان"، فانفصل الضمير المتّصل بها، وهو التاء، فصار "أن أنت طلّقت" ثم أُتي بـ "ما" عِوَضًا عن "كان"، فصار "أن ما أنت طلّقت"، ثم أدغمت النون في الميم، فصار "أَمَّا أنت طلّقت"، ومثله قول الشاعر [من الطويل]:
أَبَا خُرَاشَةَ أَمَّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ … فَإنَّ قَوْمِيَ لَمْ تَأْكُلْهُمُ الضَّبُعُ
فـ "أن" مصدريّة، و"ما" زائدة عوضًا عن "كان"، و"أنت" اسم "كان" المحذوفة، و"ذا نفر" خبرها، ولا يجوز الجمع بين "كان" و"ما"؛ لكون "ما" عوضًا عنها، ولا يُجمع بين العوض والمعوّض، وأجازه المبرّد، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك - ﵀ - في "الخلاصة" حيث قال:
وَبَعْدَ "أَنْ" تَعْويضُ "مَا" عَنْهَا ارْتُكِبْ … كَمِثْلِ "أَمَّا أَنْتَ بَرًّا فَاقْتَرِبْ"
هذا الذي ذكرته هو الجاري على القاعدة المذكورة في كتب النحاة، وأما ما قاله القرطبيّ في "المفهم" من أنّ "إِمّا" بكسر الهمزة ففيه نظر لا يخفى، فتأمّل.
وقوله: (فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَنِي بِهَذَا) هذا تعليل للجواب المقدّر، والأصل: أمّا أنت طلّقت امرأتك مرةً أو مرتين، فراجعها، فإن رسول الله - ﷺ - إلخ؛ أي: لأنه أمرني بذلك.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله: "فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَنِي بِهَذَا" إشارة إلى أمره له بالمراجعة، فكأنه قال للسائل: إن طلقت تطليقةً، أو تطليقتين، فأنت مأمور بالمراجعة لأجل الحيض، وإن طلّقت ثلاثًا لم تكن لك مراجعة؛ لأنها لا تحلّ لك إلا بعد زوج. انتهى (^١).
وقوله: (وَعَصَيْتَ اللهَ) إلخ قال القرطبيّ: يعني بالطلاق ثلاثًا في كلمة واحدة، وظاهره أنه محرَّمٌ، وهو قول ابن عبّاس المشهور عنه، وعمر بن الخطاب، وعمران بن حصين، وإليه ذهب مالك، وقال الكوفيّون: إنه غير
_________________
(١) = فانفصل الضمير؛ لأن صلة الحرف المصدريّ قد تحذف، نحو: لا أصحبك ما أن حراءً مكانه؛ أي: ما ثبت إن حراء مكانه، راجع: "حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل، على الخلاصة" ١/ ١٦٨.
(٢) "المفهم" ٤/ ٢٣١.
[ ٢٦ / ٣٥ ]
جائز، وإنه للبدعة، وقال الشافعيّ: له أن يطلّق واحدةً، أو اثنتين، أو ثلاثًا، كلّ ذلك سنّةٌ، ومثله قال أحمد بن حنبل، إلا أنه قال: أحبّ إليّ أن يوقع واحدةً، وهو الاختيار، والأول أولى؛ لما يأتي - إن شاء الله تعالى - انتهى (^١).
وقوله: قَالَ مُسْلِم: (جَوَّدَ اللَّيْثُ فِي قَوْلِهِ: تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً) يعني أنه حفظ، وأتقن قدر الطلاق الذي لم يُتقنه غيره، ولم يُهمله كما أهمله غيره، ولا غلط فيه، وجعله ثلاثًا، كما غَلِط فيه غيره، وقد تظاهرت روايات مسلم بأنها طلقة واحدة، قاله النوويّ - ﵀ - (^٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٥٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيَدَعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا، أَوْ يُمْسِكْهَا، فَإِنَّهَا الْعِدَّةُ الَّتي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ"، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: قُلْتُ لِنَافِعٍ: مَا صَنَعَت التَّطْلِيقَةُ؟ قَالَ: وَاحِدَةٌ اعْتَدَّ بِهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) وله (٨٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب الْعُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٣١.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ٦٣.
[ ٢٦ / ٣٦ ]
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٥٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ عُبَيْدِ اللهِ لِنَافِعٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى فِي رِوَايَتِهِ: "فَلْيَرْجِعْهَا"، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ: "فَلْيُرَاجِعْهَا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبسيّ الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، مصنّف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) محمد الْعَنَزيّ، أبو موسى البصريّ الزَّمِنُ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
و"عبيد الله" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله، ساقها ابن ماجه - ﵀ - في "سننه" (٦/ ١٧٧) فقال:
(٢٠٠٩) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا عبد الله بن إدريس، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: طلّقت امرأتي، وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله - ﷺ -، فقال: "مُرْهُ فليراجعها، حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء طلقها قبل أن يجامعها، وإن شاء أمسكها، فإنها العدة التي أمر الله". انتهى.
وأما رواية ابن المثنّى، عن عبد الله بن إدريس التي أشار إليها المصنّف، لم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٢٦ / ٣٧ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٥٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ. قَالَ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سُئِلَ عَن الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، يَقُولُ: أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا (^١)، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، وَأَمَّا أَنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا، فَقَدْ عَصَيْتَ رَبَّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ، وَبَانَتْ مِنْكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم ابن عليّة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من الرَّجْع ثلاثيًّا، يتعدّى بنفسه في اللغة الْفُصحى، فيقال: رجعته عن الشيء، وإليه، ورجعتُ الكلامَ وغيرَهُ؛ أي: رددته، وبها جاء القرآن، قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ الآية [التوبة: ٨٣]، وهُذَيلٌ تُعدّيه بالألف، قاله الفيّوميّ (^٢).
وقوله: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَمَرَهُ) إلخ فيه التفاتٌ؛ إذ الظاهر أن يقول: "أمرني" كما في الرواية السابقة: "فإن رسول الله - ﷺ - أمرني بهذا".
وقوله: (ثُمَّ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا) هذه الرواية، والروايات الآتية بعدها
_________________
(١) وفي نسخة: "أن يراجعها".
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٢٠.
[ ٢٦ / ٣٨ ]
تخالف الروايات السابقة، حيث يدلّ ظاهرها أنه يطلّقها عقب الحيضة التي بعد المراجعة، وتلك تدل على أنه يراجعها بعد الحيضة الثانية، وهي الراجحة؛ لأنها زيادة ثقة حافظ مقبولة، فالأولى أن تؤول هذه الرواية بأن المراد: الحيضة الثانية التي بعد الأولى.
والحاصل أنها تحيض عنده بعد المراجعة حيضتين، فالحيضة الثانية هي التي يطلّق، أو يمسك بعدها، وعلى هذا فتتفق الروايات، دون تخالف، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٥٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي، وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، ثُمَّ قَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى مُسْتَقْبَلَةً، سِوَى حَيْضَتِهَا الَّتِى طَلَّقَهَا فِيهَا، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ حَيْضَتِهَا، قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَذَلِكَ الطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ، كَمَا أَمَرَ اللهُ"، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) بن نصر، أبو محمد الكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سعد الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٣ - (مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ) هو: محمد بن عبد الله بن مسلم المدنيّ، صدوقٌ له أوهام [٦] (ت ١٥٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٢.
٤ - (عَمُّهُ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ
[ ٢٦ / ٣٩ ]
الإمام الحجة الحافظ الشهير، رأس [٤] (ت ١٢٥) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٥ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب القرشيّ العدويّ، أبو عُمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه فاضلٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
و"عبد الله بن عمر - ﵄ -" ذُكر قبله.
وقوله: (فتغيّظ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) هذا يدلّ على حرمة الطلاق في حال الحيض.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٥٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَن الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرَاجَعْتُهَا، وَحَسَبْتُ لَهَا التَّطْلِيقَةَ الَّتِي طلَّقْتُهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ) الزُّبيديّ - بالضمّ - أبو الفضل الحمصيّ المؤذّن، الْجُرْجُسيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٤) (م د س ق) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٤٣/ ١٨٧٦.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الْخَولانيّ الْحِمصيّ الأبرش، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٠/ ١١٧٤.
٤ - (الزُّبَيْدِيُّ) محمد بن الوليد بن عامر الزُّبيديّ، أبو الْهُذيل الْحِمصيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] (ت ٦ أو ٧ أو ٢٤٩) (خ م د س ق) تقدم في (المساجد ومواضع الصلاة" ١٠/ ١١٧٤.
و"الزهريّ" ذُكر قبله.
[ ٢٦ / ٤٠ ]
[تنبيه]: رواية الزُّبيديّ، عن الزهريّ هذه ساقها النسائيّ في "الكبرى" (٣/ ٣٤٠) فقال:
(٥٥٨٤) - أخبرني كثير بن عُبيد الحمصيّ، عن محمد بن حرب، قال: حدَّثنا الزُّبيديّ، واسمه محمد بن الوليد، قال: سُئل الزهريّ: كيف الطلاق للعدّة؟ فقال: أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر، أن عبد الله بن عمر قال: طَلَّقت امرأتي في حياة رسول الله - ﷺ -، وهي حائض، فذَكَر ذلك عمر لرسول الله - ﷺ -، فتغيّظ رسول الله - ﷺ - في ذلك، فقال: "ليراجعها، ثم يمسكها حتى تحيض حيضة، وتطهر، فإن بدا له أن يطلِّقها طاهرًا قبل أن يمسها، فذلك الطلاق للعدّة، كما أمر الله - ﷿ -". قال عبد الله بن عمر: فراجعتها، وحَسَبْتُ لها التطليقة التي طلَّقتها. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٥٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِى بَكْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا، أَوْ حَامِلًا").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرُّؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن حبيب الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، الإمام الحجة الثبت العابد الفقيه الشهير من رؤوس الطبقة [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن عُبيد القرشيّ التيميّ، مولى آل طلحة الكوفيّ، ثقة [٦].
رَوَى عن السائب بن يزيد، وعيسى وموسى ابني طلحة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وسالم بن عبد الله بن عمر، وكريب مولى ابن عباس، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، ومِسعر، والثوريّ، وشريك، وإسرائيل، وسفيان بن عيينة، وغيرهم.
[ ٢٦ / ٤١ ]
قال البخاريّ: قال لنا عليّ، عن ابن عيينة: كان أعلم مَن عندنا بالعربية، وقال عباس الدُّوريّ وغيره، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو داود: صالح الحديث، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال الترمذيّ، وأبو عليّ الطوسيّ، ويعقوب بن سفيان: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم (١٤٧١)، و(٢١٤٠)، و(٢٢٦١)، و(٢٧٢٦).
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا، أَوْ حَامِلًا) قال النوويّ - ﵀ -: فيه دلالة لجواز طلاق الحامل التي تبيّن حملها، وهو مذهب الشافعيّ، قال ابن المنذر: وبه قال أكثر العلماء، منهم طاوس، والحسن، وابن سيرين، وربيعة، وحماد بن أبي سليمان، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، قال ابن المنذر: وبه أقول، وبه قال بعض المالكية، وقال بعضهم: هو حرام، وحَكَى ابن المنذر رواية أخرى عن الحسن أنه قال: طلاق الحامل مكروه، ثم مذهب الشافعيّ، ومن وافقه أن له أن يطلق الحامل ثلاثًا بلفظ واحد، وبألفاظ متصلة، وفي أوقات متفرقة، وكل ذلك جائزٌ، لا بدعةَ فيه، وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: يجعل بين الطلقتين شهرًا، وقال مالك، وزفر، ومحمد بن الحسن: لا يوقع عليها أكثر من واحدة حتى تَضَعَ. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": تمسّك بهذه الزيادة من استثنى من تحريم الطلاق في طهر جامع فيه ما إذا ظهر الحمل، فإنه لا يحرم، والحكمة فيه أنه إذا ظهر الحمل فقد أقدم على ذلك على بصيرة، فلا يندم على الطلاق، فإنه يدلّ على رغبته عنها. انتهى (^٢).
والحديث متّفقٌ عليه في أصله، وإن كان هذا السياق من أفراد المصنّف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٦٥.
(٢) "الفتح" ١٢/ ١٣.
[ ٢٦ / ٤٢ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٦٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ يُطَلِّقُ بَعْدُ، أَوْ يُمْسِكُ").
رجال هذا الإسنادة خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٦١) (خ م س ق) تقدم في "الزكاة" ١٩/ ٢٣٤٤.
٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوَانيّ، أبو الْهَيثم البجليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٧.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ، مولى ابن عمر، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
و"ابنُ عمر - ﵄ -" ذُكر قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَن أَيُّوبَ، عَن ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: مَكَثْتُ عِشْرِينَ سنَةً يُحَدِّثُنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، وَهِيَ حَائِضٌ، فَأُمِرَ أَنْ يُرَاجِعَهَا، فَجَعَلْتُ لَا أَتَّهِمُهُمْ، وَلَا أَعْرِفُ الْحَدِيثَ حَتَّى لَقِيتُ أَبا غَلَّابٍ، يُونُسَ بْنَ جُبَيْرٍ الْبَاهِلِيَّ، وَكَانَ ذَا ثَبَتٍ، فَحَدَّثَنِي أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ، فَحَدَّثَهُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً، وَهِيَ
[ ٢٦ / ٤٣ ]
حَائِضٌ، فَأُمِرَ أَنْ يَرْجِعَهَا (^١)، قَالَ: قُلْتُ: أَفَحُسِبَتْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَمَهْ، أَوَ إِنْ عَجَزَ، وَاسْتَحْمَقَ؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (ابْنُ سِيرِينَ) محمد، أبو بكر بن أبي عمرة الأنصاريّ مولاهم، البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨.
٣ - (يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ الْبَاهِلِيُّ) أبو غلّاب البصريّ، ثقةٌ [٣] مات بعد التسعين، وأوصى أن يصلي عليه أنس (ع) تقدم في "الصلاة" ١٦/ ٩٠٩.
والباقون ذُكروا في الباب، و"إسماعيل بن إبراهيم" هو: ابن عليّة، و"أيوب" هو: السّختيانيّ.
وقوله: (مَنْ لَا أَتَّهِمُ) لم أر من سمّاه، فالله تعالى أعلم.
وقوله: (طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا) رواية أن ابن عمر طلّق امرأته ثلاثًا أخرجها الدارقطنيّ في "سننه" ٤/ ٧ فقال:
(١٤) - نا محمد بن أحمد بن يوسف بن يزيد الكوفيّ، أبو بكر ببغداد، وأبو بكر أحمد بن أبي دارم، قالا: نا أحمد بن موسى بن إسحاق، نا أحمد بن صبيح الأسديّ، نا طريف بن ناصح، عن معاوية، عن عمار الدُّهْنيّ، عن أبي الزبير، قال: سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثًا، وهي حائض، فقال: أتعرف ابن عمر؟ قلت: نعم، قال: طلقت امرأتي ثلاثًا على عهد رسول الله - ﷺ - وهي حائضٌ، فردّها رسول الله - ﷺ - إلى السنّة.
ثم قال الدارقطني: هؤلاء كلهم من الشيعة، والمحفوظ أن ابن عمر طلّق امرأته واحدةً في الحيض. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: غرض الدارقطنيّ - ﵀ - بهذا الكلام تضعيف
_________________
(١) وفي نسخة: "أن يراجعها".
[ ٢٦ / ٤٤ ]
قوله: "طلقت امرأتي ثلاثًا"، من وجهين: أحدهما أن هذا السند مسلسل بالشيعة، فلا يصحّ، والثاني كون متنه منكرًا، حيث إن المحفوظ كونه طلّقها واحدةً.
والحاصل أن الحديث ضعيف، فلا يكون معارضًا لما في "الصحيحين" من كونها واحدة، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَجَعَلْتُ لَا أَتَّهِمُهُمْ) هذا من تمام قول ابن سيرين؛ أي: لا أتّهم الذين حدّثوني بهذا.
وقوله: (وَلَا أَعْرِفُ الْحَدِيثَ) يعني أنه لا يعرف وجه الحديث، وكيف أمر رسول الله - ﷺ - ابن عمر بالمراجعة بعد ما تغلّظ طلاقها بالثلاث، ويَحْتَمِل أن يكون معناه: لا أعرف الحديث الصحيح، والله تعالى أعلم (^١).
وقوله: (حَتَّى لَقِيتُ أَبَا غَلَّابٍ) قال النوويّ - ﵀ -: هو بفتح الغين المعجمة، وتشديد اللام، وآخره باء موحّدة، هكذا ضبطناه، وكذا ذكره ابن ماكولا، والجمهور، وذكر القاضي عن بعض الرواة تخفيف اللام. انتهى (^٢).
وقوله: (وَكَانَ ذَا ثَبَتٍ) هذا ثناء من ابن سيرين على يونس بن جُبير، وهو بفتح الثاء المثلّثة، والباء الموحّدة؛ أي: متثبّتًا، قاله النوويّ (^٣).
وقال الفيّوميّ: - ﵀ -: رجلٌ ثَبْتٌ ساكن الباء: متثبّتٌ في أموره، وثَبْتُ الْجَنَان؛ أي: ثابت القلب، وثَبُتَ في الحرب، فهو ثَبيتٌ، مثالُ قَرُبَ فهو قريبٌ، والاسم ثَبَتٌ بفتحتين، ومنه قيل للحجة: ثَبَتٌ، ورجلٌ ثَبَتٌ بفتحتين: إذا كان عَدْلًا ضابطًا، والجمع أثبات، مثلُ سبب وأسباب. انتهى (^٤).
فأفاد أنه يجوز ضبط ثَبْت هنا بالفتح والسكون، فافهم، والله تعالى أعلم.
وقوله: (قَالَ: قُلْتُ: أفَحُسِبَتْ عَلَيْهِ؟) القائل: "قلتُ" هو يونس بن جبير.
وقوله: (قَالَ: فَمَهْ) قال النوويّ - ﵀ -: يَحْتَمِل أن يكون للكفّ والزجر عن هذا القول؛ أي: لا تشكّ في وقوع الطلاق، واجْزِمْ بوقوعه، وقال القاضي
_________________
(١) "تكملة فتح الملهم" ١/ ١٤٥ - ١٤٦.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ٦٦.
(٣) "شرح النوويّ" ١٠/ ٦٦.
(٤) "المصباح المنير" ١/ ٨٠.
[ ٢٦ / ٤٥ ]
عياض: المراد بـ "مهْ": "مَا"، فيكون استفهامًا؛ أي: فما يكون إن لم أَحْتَسِبْ بها؟ ومعناه: لا يكون إلا الاحتساب بها، فأُبدلت من الألف هاءٌ، كما قالوا في "مهما": إن أصلها "ما ما"؛ أي: أيّ شيء؟ انتهى (^١).
وقال في "الفتح": أصله: "فما"، وهو استفهام فيه اكتفاء؛ أي: فما يكون، إن لم تُحتَسَب؟ ويَحْتَمِل أن تكون الهاء أصليّة، وهي كلمة تُقال للزجر؛ أي: كُفّ عن هذا الكلام، فإنه لا بدّ من وقوع الطلاق بذلك، قال ابن عبد البرّ: قول ابن عمر: "فمه" معناه: فأيّ شيء يكون إذا لم يعتدّ بها، إنكارًا لقول السائل: "أيعتدّ بها؟ "، فكأنه قال: وهل من ذلك بُدٌّ؟ انتهى (^٢).
وقوله: (أَوَ إِنْ عَجَزَ، وَاسْتَحْمَقَ؟) قال النوويّ - ﵀ -: معناه: أفيرتفع عنه الطلاق، وإن عجز، واستحمق؟ وهو استفهام إنكار، وتقديرُه: نعم تُحْسَب، ولا يمتنع احتسابها لعجزه وحماقته، قال القاضي: أي إن عجز عن الرجعة، وفَعَل فعل الأحمق، والقائل لهذا الكلام هو ابن عمر، صاحب القصَّة، وأعاد الضمير بلفظ الغيبة، وقد بيّنه بعد هذه في رواية أنس بن سيرين، قال: قلت - يعني لابن عمر -: فاعتددت بتلك التطليقة التي طَلَّقت، وهي حائض؟ قال: ما لي لا أعتد بها، وإن كنتُ عَجَزتُ، واستحمقتُ، وجاء في غير مسلم أن ابن عمر قال: أرأيت إن كان ابن عمر عجز، واستحمق فما يمنعه أن يكون طلاقًا؟ انتهى (^٣).
وقال في "الفتح" قوله: "أوَ إن عجز، واستحمق"؛ أي: إن عجز عن فرضٍ، فلم يُقمه، أو استحمق، فلم يأت به، أيكون ذلك عذرًا له؟
وقال الخطّابيّ: في الكلام حذفٌ؛ أي: أرأيت إن عجز، واستحمق أَيُسقِطُ عنه الطلاقَ حُمقُهُ، أو يُبطلُهُ عجزه؟ وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه.
وقال الكرمانيّ: يَحْتَمِل أن تكون "إن" نافية بمعنى "ما"؛ أي: لم يعجز ابن عمر، ولا استحمق؛ لأنه ليس بطفل، ولا مجنون، قال: وإن كانت الرواية
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٦٦ - ٦٧.
(٢) "الفتح" ١٢/ ١٦.
(٣) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٦٦.
[ ٢٦ / ٤٦ ]
بفتح ألف "أن" فمعناه أظهر، والتاء من "استحمق" مفتوحةٌ، قاله ابن الخشّاب، وقال: المعنى فَعَل فعلًا يُصَيِّرُهُ أحمق عاجزًا، فيسقط عنه حكم الطلاق عجزه، أو حمقه، والسين والتاء فيه إشارةٌ إلى أنه تكلّف الحمق بما فعله من تطليق امرأته، وهي حائض.
وقد وقع في بعض الأصول بضمّ التاء، مبنيًّا للمجهول؛ أي: أن الناس استحمقوه بما فعل، وهو موجّهٌ.
وقال المهلّب: معنى قوله: "إن عجز، واستحمق" يعني عجز في المراجعة التي أُمر بها عن إيقاع الطلاق، أو فقد عقله، فلم تمكن منه الرجعة، أتبقى المرأة معلّقةً، لا ذات بعلٍ، ولا مطلّقة؟، وقد نهى الله عن ذلك، فلا بُدّ أن تَحتَسِبَ بتلك التطليقة التي أوقعها على غير وجهها، كما أنه لو عجز عن فرضٍ آخر لله، فلم يُقمه، واستحمق، فلم يات به ما كان يُعذر بذلك، ويسقط عنه. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٦٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَسَأَل عُمَرُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَمَرَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء البغلاني، ثقة ثبت [١٠] تقدم "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (حَمَّادُ) بن زيد بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
و"أيوبُ" هو: السختيانيّ، ذُكر قبله.
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٦.
[ ٢٦ / ٤٧ ]
[تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد، عن أيوب هذه ساقها الترمذيّ - ﵀ - في "سننه" (٤/ ٤١٠) فقال:
(١٠٩٥) - حدّثنا قتيبة، قال: حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن يونس بن جُبير، قال: سألت ابن عمر عن رجل طلّق امرأته، وهي حائض، فقال: هل تعرف عبد الله بن عمر؟ فإنه طلق امرأته، وهي حائض، فسأل عمر النبيّ - ﷺ -، فأمره أن يراجعها، ثم يستقبل عدّتها، قال: قلت: فيعتد بتلك التطليقة؟ قال: فمه، أرأيتَ إن عَجَزَ، واستَحْمَقَ؟ انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٦٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، حَتَّى يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا، مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ، وَقَالَ: "يُطَلِّقُهَا فِي قُبُلِ عِدَّتِهَا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) أبو عُبيدة البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٥٢) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣١١.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد العنبريّ مولاهم التَّنُّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقةٌ ثبت في شعبة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٣ - (جَدُّهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
و"أيوبُ" ذُكر قبله.
وقوله: ("يُطَلِّقُهَا فِي قُبُلِ عِدَّتِهَا") هو بضم القاف والباء؛ أي: في وقتٍ تَستَقْبِل فيه العدة، وتَشْرَع فيها، وهذا يدلّ على أن الأقراء هي الأطهار، وأنها إذا طُلّقت في الطهر شَرَعت في الحال في الأقراء؛ لأن الطلاق المأمور به هو في الطهر؛ لأنها إذا طُلِّقت في الحيض لا يُحسب ذلك الحيض قرءًا بالإجماع،
[ ٢٦ / ٤٨ ]
فلا تَستقبِل فيه العدةَ، وإنما تستقبلها إذا طُلِّقت في الطهر، والله أعلم. قاله النوويّ (^١).
[تنبيه]: رواية عبد الوارث بن سعيد، عن أيوب هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٦٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، عَن ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَالَ: أَتَعْرِفُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ؟ فَإِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَسَأَلَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَهَا، ثُمَّ تَسْتَقْبِلَ عِدَّتَهَا، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، أَتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟ فَقَالَ: فَمَهْ، أَوَ إِنْ عَجَزَ، وَاسْتَحْمَقَ؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٢ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) ذُكر قبل حديثين.
٣ - (يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار الْعَبديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ وَرِعٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَتَعْرِفُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ؟) قال في "الفتح": إنما قال له ذلك مع أنه يَعْرِف أنه يعرفه، وهو الذي يخاطبه؛ ليقرّره على اتباع السنة، وعلى القبول من ناقلها، وأنه يلزم العامةَ الاقتداء بمشاهير العلماء، فقرَّره على ما يلزمه من ذلك، لا أنه ظَنّ أنه لا يعرفه.
وقال ابن الْمُنَيِّر: ليس فيه مواجهة ابن عمر المرأة بالطلاق، وإنما فيه
_________________
(١) " شرح النوويّ" ١٠/ ٦٧ - ٦٨.
[ ٢٦ / ٤٩ ]
طلَّق ابن عمر امرأته، لكن الظاهر من حاله المواجهة؛ لأنه إنما طلقها عن شقاق. انتهى.
قال الحافظ: ولم يذكر مستنده في الشقاق المذكور، فقد يَحْتَمِل أن لا تكون عن شقاق، بل عن سبب آخر، وقد رَوَى أحمد، والأربعة، وصححه الترمذيّ، وابن حبان، والحاكم من طريق حمزة بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: كان تحتي امرأة أحبها، وكان عمر يكرهها، فقال: طلِّقها، فأتيت النبيّ - ﷺ -، فقال: "أَطِعْ أباك"، فَيَحْتَمِل أن تكون هي هذه، ولعل عمر لما أمره بطلاقها، وشاور النبيّ - ﷺ -، فامتثل أمره اتَّفَقَ أن الطلاق وقع، وهي في الحيض، فعَلِم عمر بذلك، فكان ذلك هو السرَّ في توليه السؤال عن ذلك؛ لكونه وقع من قبله. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٦٥] (. . .) -حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: طَلَّقْتُ امْرَأَتي، وَهِيَ حَائِضٌ، فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "لِيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ، فَإِنْ شَاءَ فَلْيُطَلِّقْهَا"، قَالَ: فَقُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: أفَاحْتَسَبْتَ بِهَا؟ (^٢) قَالَ: مَا يَمْنَعُهُ؟ أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ، وَاسْتَحْمَقَ؟).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) محمد المعروف ببُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٢٩ - ٣٠.
(٢) وفي نسخة: "أفتحتسب بها؟ ".
[ ٢٦ / ٥٠ ]
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الورد، أبو بسام الواسطيّ، نزيل البصرة الإمام الحافظ الحجة الثبت الناقد العابد [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، مدلّسٌ، من رؤوس [٤] (ت ٧ أو ١١٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (أفَاحْتَسَبْتَ بِهَا؟) أي: أفاعتدّدت بتلك التطليقة؟ وفي نسخة: "أفتحتسب بها؟ ". وقَولُه: (مَا يَمْنَعُهُ؟) فيه التفاتٌ؛ إذ الظاهر أن يقول: "ما يمنعني؟ "، فتنبّه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٦٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ أنَس بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَن امْرَأَتِهِ الَّتِي طَلَّقَ، فَقَالَ: طَلَّقْتُهَا، وَهِيَ حَائِضٌ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا لِطُهْرِهَا"، قَالَ: فَرَاجَعْتُهَا، ثُمَّ طَلَّقْتُهَا لِطُهْرِهَا، قُلْتُ: فَاعْتَدَدْتَ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ الَّيي طَلَّقْتَ، وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: مَا لِيَ لَا أَعْتَدُّ بِهَا؟ وَإِنْ كُنْتُ عَجَزْتُ، وَاسْتَحْمَقْتُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله) بن عبد الرحمن بن يزيد المزنيّ مولاهم، أبو الهيثم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٣ - (أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أبو موسى، أو أبو حمزة، أو أبو عبد الله البصريّ، أخو محمد، ثقةٌ [٣] (ت ١١٨ أو ١٢٠) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٤٧/ ١٤٩٤.
[ ٢٦ / ٥١ ]
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (فَلْيُطَلِّقْهَا لِطُهْرِهَا) اللام بمعنى "في"؛ أي: في طهرها.
والحديث مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٦٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: طَلَّقْتُ امْرَأَتِي، وَهِيَ حَائِضٌ، فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: "مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا"، قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: أفَاحْتَسَبْتَ (^١) بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟ قَالَ: فَمَهْ؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم ذُكروا في الإسنادين الماضيين، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٦٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا: "لِيَرْجِعْهَا"، وَفِي حَدِيثِهِمَا: قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَتَحْتَسِبُ بِهَا؟ قَالَ: فَمَهْ؟).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
_________________
(١) وفي نسخة: "أفحسبت؟ ".
[ ٢٦ / ٥٢ ]
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ) بن الحكم الْعَبْديّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ١٦٠) أو بعدها (خ م د ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٩.
٤ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
و"شعبة" ذُكر قبله.
وقوله: (فَمَهْ؟) تقدّم أنه يَحْتَمل أن يكون للكفّ والزجر عن هذا القول؛ أي: لا تشكّ في وقوع الطلاق، بل اجزم به، ويَحتَمل أن تكون "ما" الاستفهاميّة، والهاء للسكت؛ أي: فما يكون إن لم تُحتسب عليه؟ يعني أنه لا يكون إلا الاحتساب بها، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث، وبهز بن أسد كلاهما عن شعبة لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٦٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا، فَقَالَ: أَتَعْرِفُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا، فَذَهَبَ عُمَرُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، لِأَبِيهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعاني، ثقةٌ حافظ مصنّف، يتشيّع، تغيّر بآخره [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيه فاضل لكنه يُدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
[ ٢٦ / ٥٣ ]
٤ - (ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله، أبو محمد اليمنيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٥ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
و"ابن عمر - ﵄ -" ذُكر قبله.
وقوله: (قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، لِأَبِيهِ) قال النوويّ - ﵀ -: قوله: "لأبيه" بالباء الموحدة، ثم الياء المثناة من تحتُ، ومعناه أن ابن طاوس قال: لم أسمعه؛ أي: لم أسمع أبي طاوسًا يزيد على هذا القدر من الحديث، والقائل: "لأبيه" هو ابن جريج، وأراد تفسير الضمير في قول ابن طاوس: "لم أسمعه"، واللام زائدة، فمعناه: يعني أباه، ولو قال: يعني أباه لكان أوضح. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وأما هذا الطريق فمن أفراد المصنّف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٧٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ مَوْلَى عَزَّةَ، يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ، وَأبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ ذَلِكَ: كيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا؟ فَقَالَ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: "لِيُرَاجِعْهَا"، فَرَدَّهَا، وَقَالَ: "إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ، أَوْ لِيُمْسِكْ"، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَقَرَأَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال، أبو موسى البزّاز البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور الْمصّيصيّ، ثقةٌ ثقةٌ اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
[ ٢٦ / ٥٤ ]
٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (سَمْعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ مَوْلَى عَزَّةَ) ويقال: مولى أيمن المخزوميّ مولاهم المكيّ، لا بأس به [٣].
سمعه أبو الزبير يسأل عبدَ الله بن عمر عن رجل طلّق امرأته حائضًا - أي: حديث الباب - وذكره ابن حبان في "الثقات"، فقال: روى عن ابن عمر، وأبي سعيد، وروى عنه عمرو بن دينار، وله ذكرٌ بلا رواية، عند المصنّف في هذا الموضع، وأبي داود، والنسائي، قال الحافظ المزيّ: ذكره غير واحد في رجال مسلم، وليس له عندهم رواية، وقال الحافظ: قال البخاريّ: رأى أبا سعيد، وسمع ابن عمر، أثنى عليه ابن عيينة خيرًا. انتهى.
وقوله: (وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ ذَلِكَ) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: وأنا أسمع.
وقوله: (فَقَالَ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ) فيه التفات أيضًا؛ إذ الظاهر أن يقول: طلّقت امرأتي.
وقوله: (إذا طهرت فليُطلّق، أو ليُمسك) ظاهر هذه الرواية أنه يطلّق إذا طهرت من الحيضة الأولى التي وقع فيها الطلاق، فتكون مخالفةً للروايات المتقدّمة، وغيرها، فالأولى أن تُحمَل على موافقة تلك الروايات، فيُحمَل الطهر على الطهر من الحيضة الثانية، لا الأولى.
وقوله: (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَقَرَأَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ") قال النوويّ - ﵀ -: هذه قراءة ابن عباس، وابن عمر - ﵃ -، وهي شاذّة، لا تثبت قرآنًا بالإجماع، ولا يكون لها حُكم خبر الواحد عندنا، وعند محققي الأصوليين. انتهى (^١).
وقال أبو العباس القرطبيّ - ﵀ -: وقوله: "فقرأ النبيّ - ﷺ - إلخ" هذا تصريح برفع هذه القراءة إلى رسول الله - ﷺ -، غير أنها شاذّة عن المصحف، ومنقولة
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٦٩.
[ ٢٦ / ٥٥ ]
آحادًا، فلا تكون قرآنًا، لكنها خبر مرفوعٌ إلى النبيّ - ﷺ - صحيحٌ، فهي حجةٌ واضحةٌ لمن يقول بأن الأقراء هي الأطهار، كما تقدّم، وهي قراءة ابن عمر، وابن عبّاس - ﵃ -، وفي قراءة ابن مسعود - ﵁ -: "لقُبُل طهرهنّ"، قال جماعة من العلماء: وهي محمولة على التفسير، لا التلاوة. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي رجحه القرطبيّ - ﵀ - خلاف قول النوويّ من أن لها حكم خبر الواحد في الاحتجاج هو الذي رجحته في "التحفة المرضيّة"، حيث قلت:
وَكُلُّ مَا تَوَاتُرًا لَمْ يَنَلِ … عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ شَاذًا يَنْجَلِي
وَاتَّفَقُوا أَنْ لَيْسَ قُرْآنًا تُلِي … وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِثْلُهُ فِي الْعَمَلِ
وَكَوْنُهُ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي … وُجُوبِ الاحْتِجَاجِ رَاجِحًا يَفِي
وَقَوْلُهُمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا … مَذْهَبَ رَاوِيهِ فَيَطْعَنُونَا
فِي نَقْلِهِ رُدَّ بِأنَّهُ افْتِرَا … عَلَى الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ الْكُبَرَا
بِجَعْلِهِمْ رَأْيًا لَهُمْ قُرْآنَا … يُعْزَى إِلَى اللهِ فَيَا سُبْحَانَا
كَذَلِكَ التَّجْوِيزُ لِلْقِرَاءَهْ … أَعْنِي بِمَعْنًى بِئْسَتِ الْجَرَاءَهْ
فَهُمْ بَرِيئُونَ عَنِ الْبُهْتَانِ ذَا … تَبًّا لِمَنْ يَطْعَنُ فِيهِمْ بِالْبَذَا
وقوله: (في قُبُل عدّتهنّ): قال النوويّ - ﵀ -: هو - بضم القاف، والباء - أي: في وقتٍ تَستقبل فيه العدّةَ، وتَشرع فيها. انتهى.
وقال السيوطيّ: قوله: "في قُبُل عدّتهنّ" أي: إقبالها، وأوّلها، وحين يمكن الدخول فيها، والشروع، وذلك حال الطهر، يقال: كان ذلك في قُبُل الشتاء؛ أي: إقباله. انتهى (^٢).
وقال السنديّ - ﵀ - ما حاصله: هذا الذي قاله السيوطيّ على وفق مذهبه، وأما على مذهب من يقول بأن القرء هو الحيض، فمعنى "في قُبُل عدّتهنّ" أي: إقبالها، فإنها بالطهر صارت مُقبلة للحيض، وصار الحيض مقبلًا عليها. انتهى (^٣).
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٣٣.
(٢) "شرح السيوطيّ على النسائيّ" ٦/ ١٣٧ - ١٤١.
(٣) "حاشية السنديّ على النسائيّ" ٦/ ١٣٧ - ١٣٩.
[ ٢٦ / ٥٦ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح ما قاله السيوطيّ - ﵀ -؛ لأن أحاديث الباب ظاهرة فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٧١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَن ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحاك بن مخلد النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (٢١٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية أبي عاصم، عن ابن جريج هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٧٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ مَوْلَى عُرْوَةَ، يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ حَجَّاجٍ، وَفِيهِ بَعْضُ الزِّيَادَةِ، قَالَ مُسْلِم: أَخْطَأَ حَيْثُ قَالَ عُرْوَةَ: إِنَّمَا هُوَ مَوْلَى عَزَّةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَفِيهِ بَعْضُ الزِّيَادَةِ) هي قوله: "ولم يرها شيئًا"، قال الحافظ: ولعل مسلمًا طوى ذكرها عمدًا؛ أي: حيث خالفت روايات الحفّاظ؛ كنافع، وسالم، وغيرهما، بأنها اعتدت تطليقة، وحُسبت عليه، وسيأتي تمام البحث بعدُ، فتنبّه.
وقوله: (قَالَ مُسْلِم: أَخْطَأَ إلخ) "مسلم" هو المصنّف - ﵀ -، وفاعل "أخطأ" ضمير عبد الرزّاق، يعني أنه أخطأ في قوله: "مولى عروة"؛ لأن
[ ٢٦ / ٥٧ ]
الصواب أنه "مولى عزّة"، كما هو رواية حجاج بن محمد الأعور السابقة.
[تنبيه]: رواية عبد الرزّاق، عن ابن جريج هذه ساقها عبد الرزّاق في "مصنّفه" ٦/ ٣٠٩ فقال:
(١٠٩٦٠) - عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع ابن عمر، وسأله عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ فقال: طَلَّق عبد الله بن عمر امرأته، وهي حائض، على عهد النبيّ - ﷺ -، فسأل عمر النبيّ - ﷺ -، فقال النبيّ - ﷺ -: "فليراجعها"، فرَدَّها، ولم يرها شيئًا، فقال: "إذا طهرت، فليُطَلِّق، أو ليمسك"، قال ابن عمر: وقرأ النبيّ - ﷺ -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. انتهى.
[تنبيه آخر]: قوله: (ولم يرهما شيئًا) هذه الزيادة في رواية أبي الزبير، عن ابن عمر مخالفة للحفاظ من أصحاب ابن عمر؛ كنافع، وسالم، وغيرهما، ولذا قال أبو داود في "سننه" بعد إخراج الحديث، ما نصّه: الأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير. انتهى.
وقال أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: قوله في هذا الحديث: "ولم يرها شيئًا" منكر، عن ابن عمر؛ لما ذكرنا عنه أنه اعتَدَّ بها، ولم يقله أحد عنه غير أبي الزبير، وقد رواه عنه جماعة جِلّةٌ، فلم يقل ذلك واحد منهم، وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بخلاف من هو أثبت منه؟ ولو صح لكان معناه عندي - والله أعلم - ولم يرها على استقامة؛ أي: ولم يرها شيئًا مستقيمًا؛ لأنه لم يكن طلاقه لها على سنة الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ -، هذا أولى المعاني بهذه اللفظة إن صحت، وكل من روى هذا الخبر من الحفاظ لم يذكروا ذلك، وليس من خالف الجماعة الحفاظ بشيء فيما جاء به. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وأخرج البيهقيّ في "الكبرى" من طريق الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعيّ - ﵀ -: وحديث أبي الزبير شبيه به - يعني بما رَوَى نافع عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ - في الأمر بالرجعة، قال الشافعيّ: ونافع أثبت عن ابن عمر من
_________________
(١) "التمهيد لابن عبد البرّ" ١٥/ ٦٦.
[ ٢٦ / ٥٨ ]
أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يقال به إذا خالفه، قال: وقد وافق نافعٌ غيرَه من أهل الثبت في الحديث، فقيل له: أَحُسِبت تطليقة ابن عمر على عهد النبيّ - ﷺ - تطليقةً؟ قال: فمه، وإن عجز - يعني أنها حسبت، والقرآن يدلّ على أنها تُحسب، قال الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] لم يخصص طلاقًا دون طلاق، ثم ساق الكلام إلى أن قال: وقد يَحْتَمِل أن يكون لم تُحْسَب شيئًا صوابًا غير خطأ، كما يقال للرجل أخطأ في فعله، وأخطأ في جوابٍ أجاب به: لم يصنع شيئًا، يعني لم يصنع شيئًا صوابًا. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من كلام الأئمة أن هذه الزيادة التي زادها أبو الزبير؛ أعني: "ولم يرها شيئًا" زيادة منكرة؛ لمخالفتها روايات الحفّاظ المتقنين من أصحاب ابن عمر - ﵄ -، وعلى تقدير صحّتها، فيكون معناها: لم يرها شيئًا؛ أي: صوابًا، كما قال الشافعيّ، وغيره، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في المسألة الرابعة من المسائل المذكورة في شرح الحديث المذكور أول الباب برقم [٣٦٥٢]، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].