قال الجامع عفا الله عنه: ترجم الإمام البخاريّ - ﵀ - على حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا بقوله: "بابٌ إذا عرّض بنفي الولد"، قال في "الفتح": قوله: "عَرَّضَ" - بتشديد الراء - من التعريض، وهو ذِكْرُ شيء يُفهَم منه شيء آخر، لَمْ يُذكَر، ويفارق الكناية بأنها ذكر شيء بغير لفظه الموضوع، يقوم مقامه، وترجم البخاريّ لهذا الحديث في "الحدود": "ما جاء في التعريض"، وكأنه أخذه من قوله في بعض طرقه: "يُعَرِّض بنفيه".
وقد اعترضه ابن الْمُنَيِّر، فقال: ذَكَر ترجمة التعريض عقب ترجمة الإشارة؛ لاشتراكهما في إفهام المقصود، لكن كلامه يُشعر بإلغاء حكم التعريض، فيتناقض مذهبه في الإشارة. والجوابُ أن الإشارة المعتبرة هي التي لا يُفهم منها إلَّا المعنى المقصود، بخلاف التعريض، فإن الاحتمال فيه إما راجح، وإما مساوٍ، فافترقا.
قال الشافعيّ في "الأُمّ": ظاهر قول الأعرابيّ أنه اتَّهَم امرأته، لكن لما كان لقوله وجه غير القذف، لَمْ يَحكم النبي - ﷺ - فيه بحكم القذف، فدلّ ذلك على أنه لا حدّ في التعريض.
ومما يدلّ على أن التعريض لا يُعطَى حكمَ التصريح الإذن بِخِطبة المعتدّة بالتعريض، لا بالتصريح، فلا يجوز، والله أعلم. انتهى (^٢).
وقد أشار السيوطيّ - ﵀ - في "الكوكب الساطع" إلى بيان الفرق بين الكناية، والتعريض، فقال:
اللَّفْظُ إِنْ أُطْلِقَ فِي مَعْنَاهُ ثُمَّ … أُرِيدَ مِنْهُ لَازِمُ الْمَعْنَى فَسَمْ
كِنَايَةً وَهْوَ حَقِيقَةً جَرَى … أَوْ لَمْ يُرَدْ مَعْنًى وَلَكِنْ عبِّرَا
_________________
(١) ترجم القرطبيّ في "مختصره" بنحو هذه الترجمة، وأما بقيّة شرّاح مسلم، فلم يتعرّضوا للترجمة، بل جعلوا الأحاديث كلّها تحت الترجمة السابقة "كتاب اللعان".
(٢) "الفتح" ١٢/ ١٦١ "كتاب الطلاق" رقم (٥٣٠٥).
[ ٢٦ / ٤٣٧ ]
عَنْ لَازِمٍ مِنْهُ بِمَلْزُومٍ فَذَا … يَجْرِي مَجَازًا فِي الَّذِي السُّبْكِي احْتَذَى
وَمَنْ يَقُلْ مَجَازٌ أَوْ حَقِيقَةُ … أَوْ لَا وَلَا كُلٌّ لَدَيْهِ حُجَّةُ
وَإِنْ لِتَلْوِيحٍ سِوَاهُ قُصِدَا … تَعْرِيضُهُمْ لَيْسَ مَجَازًا أَبَدَا
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٦١] (١٥٠٠) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إِلَى النَّبِيّ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ كُلَامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَمَا أَلْوَانُهَا؟ " قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: "هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ " قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: "فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟ " قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: "وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ).
رجال هذا الإسناد: ثمانيةٌ:
١ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الإمام المثبت الحجة الفقيه، من كبار [٣] (٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَن الزُّهْرِيِّ) قال الدارقطنيّ: أخرجه أبو مصعب في "الموطإ" عن مالك، وتابعه جماعة من الرواة خارج "الموطإ"، ثم ساقه من رواية محمد بن الحسن، عن مالك: أنا الزهريّ، ومن طريق عبد الله بن محمد بن أسماء، عن مالك، ومن طريق ابن وهب، أخبرني ابن أبي ذئب، ومالك، كلاهما عن ابن شهاب. وطريق ابن وهب هذه أخرجها أبو داود، قاله في "الفتح" (^١).
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ) قال في "الفتح": كذا لأكثر أصحاب الزهريّ، وخالفهم يونس، فقال: عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وسيأتي بعد
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٦١ - ١٦٢.
[ ٢٦ / ٤٣٨ ]
حديث من طريق ابن وهب، عنه، وهذا يدلّ على أن الشيخين يريان إلى أنه عند الزهريّ، عن سعيد، وأبي سلمة معًا، قال الحافظ: ويؤيده رواية يحيى بن الضحاك، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عنهما جميعًا، وقد أطلق الدارقطنيّ أن المحفوظ رواية مالك، ومن تابعه، وهو محمول على العمل بالترجيح، وأما طريق الجمع فهو ما صنعه الشيخان، ويتأيّد أيضًا بأن عُقيلًا رواه عن الزهريّ، قال: بلغنا عن أبي هريرة، فإن ذلك يُشعر بأنه عنده عن غير واحد، وإلا لو كان عن واحد فقط، كسعيد مثلًا لاقتصر عليه. انتهى (^١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ) - بفتح الفاء، وبالزاي، وبعد الألف راء مهملة - وللبخاريّ: "أن رجلًا أتى النبيّ - ﷺ - "، وفي رواية له: "جاء أعرابيّ"، وللنسائيّ: ي جاء رجل من أهل البادية"، وكذا في رواية أشهب، عن مالك، عند الدارقطنيُّ، وفي رواية ابن وهب عند أبي داود: "أن أعرابيًّا من بني فزارة".
قال الحافظ - ﵀ -: واسم هذا الأعرابي ضمضم بن قتادة، أخرج حديثه عبد الغنيّ بن سعيد في "المبهمات" له، من طريق قُطبة بنت عمرو بن هَرِم؛ أن مدلوكًا حدّثها أن ضمضم بن قتادة، وُلد له مولود أسود، من امرأة من بني عِجْل، فشكا النبيّ - ﷺ -، فقال: "هل لك من إبل؟ " (إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -) وفي رواية ابن أبي ذئب: "صَرَخَ بالنبيّ - ﷺ - " (فَقَالَ: "إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ) قال الحافظ - ﵀ -: لَمْ أقف على اسم المرأة، ولا على اسم الغلام، وزاد في رواية يونس: "وإني أنكرته"؛ أي: استنكرته بقلبي، ولم يرد أنه أنكر كونه ابنه بلسانه، وإلا لكان تصريحًا بالنفي، لا تعريضًا، ووجه التعريض أنه قال: غلامًا أسود؛ أي: وأنا أبيض، فكيف يكون مني؟
ووقع في رواية معمر، عن الزهريّ في الرواية التالية: "وهو حينئذ يُعَرِّض بأن ينفيه"، ويؤخذ منه أن التعريض بالقذف ليعس قذفًا، وبه قال الجمهور، واستدلّ الشافعيّ بهذا الحديث لذلك، وعن المالكية: يجب به الحدّ، إذا كان مفهومًا، وأجابوا عن الحديث بما سيأتي بيانه في آخر شرحه.
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٦٢.
[ ٢٦ / ٤٣٩ ]
وقال ابن دقيق العيد - ﵀ -: في الاستدلال بالحديث نظرٌ؛ لأن المستفتي لا يجب عليه حدّ، ولا تعزير.
قال الحافظ: وفي هذا الإطلاق نظر؛ لأنه قد يستفتي بلفظ لا يقتضي القذف، وبلفظ يقتضيه، فمن الأول أن يقول مثلًا: إذا كان زوج المرأة أبيض، فأتت بولد أسود: ما الحكم؟ ومن الثاني أن يقول مثلًا: إن امرأتي أتت بولد أسود، وأنا أبيض، فيكون تعريضًا، أو يزيد فيه مثلًا: زنت، فيكون تصريحًا، والذي ورد في حديث الباب هو الثاني، فيتم الاستدلال، وقد نبه الخطابيّ (^١) على عكس هذا، فقال: لا يلزم الزوج إذا صرح بأن الولد الذي وضعته امرأته ليس منه حدّ قذف؛ لجواز أن يريد أنَّها وُطئت بشبهة، أو وضعته من الزوج الذي قبله، إذا كان ذلك ممكنًا. انتهى.
(فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ) - ﷺ - " (فَمَا أَلْوَانُهَا؟ " قَالَ: حُمْرٌ) بضمّ، فسكون: جمع أحمَر، وفي رواية محمد بن مصعب، عن مالك عند الدارقطنيّ: "قال: أرمك"، والأرمك الأبيض إلى حمرة (قَالَ) - ﷺ - ("هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ ") بوزن أحمر، قال النوويّ - ﵀ -: الأورق: هو الذي فيه سواد ليس بصاف، ومنه قيل للرماد: أورق، وللحمامة ورقاء، وجمعه وُرْقٌ - بضم الواو، وإسكان الراء - كأحمر وحُمْرٍ. انتهى (^٢)، وقال في "الفتح": الأورق: الذي فيه سواد، ليس بحالِكٍ، بل يميل إلى الْغُبْرة (^٣)، ومنه قيل للحمامة: وَرْقاء. انتهى. (قَالَ) الرجل (إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا) بضمّ، فسكون: جمع أورق (قَالَ) - ﷺ - ("فَأَتَى) - بفتح الهمزة، وتشديد النون - بمعنى"من أين" (أَتَاهَا ذَلِكَ؟ ") أي: من أين أتاها اللون الذي خالفها؟ هل هو بسبب فحل من غير لونها، طرأ عليها، أو لأمر آخر؟ (قَالَ) الرجل (عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ) وفي رواية يونس الآتية: "فقال: لعله يا رسول الله يكون نزعه عِرْق له"، وزاد في رواية معمر التالية: "فلم يُرخّص له في الانتفاء منه"، وفي رواية شُعيب بن
_________________
(١) راجع: "الأعلام" ٤/ ٢٣٠٠ و٢٣٠١، و"معالم السنن" ٣/ ٢٣٥.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٣٣.
(٣) بفتحتين، أو بضمّ، فسكون: التراب.
[ ٢٦ / ٤٤٠ ]
أبي حمزة عند النسائيّ: "فمن أجله قضى رسول الله - ﷺ - هذا: لا يجوز لرجل أن ينتفي من وَلَد وُلد على فراشه، إلَّا أن يزعم أنه رأى فاحشةً".
ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: "لعلّ نزعه عِرْق"، وفي رواية كريمة: "لعله"، ولا إشكال فيها، بخلاف الأول، فجزم جمع بأن الصواب النصب؛ أي: لعل عِرْقًا نزعه، وقال الصغانيّ: وَيحْتَمِل أن يكون في الأصل: لعله، فسقطت الهاء، ووَجَّهَهُ ابن مالك باحتمال أنه حُذف منه ضمير الشأن، ويؤيد توجيهه ما وقع في رواية كريمة، والمعنى: يَحْتَمِل أن يكون في أصولها ما هو باللون المذكور، فاجتذبه إليه، فجاء على لونه، وادَّعَى الداوديّ أن "لَعَلَّ" هنا للتحقيق. قاله في "الفتح" (^١).
قال النوويّ - ﵀ -: المراد بالعِرق هنا: الأصل من النسب، شَبَّهَهُ بعِرْق الشجرة، ومنه قولهم: فلان عَرِيق في الأصالة؛ أي: أن أصله متناسب، وكذا مُعْرِق في النسب، والحسَب، وفي اللؤم والكرَم، ومعنى نَزَعه: أشبهه، واجتذبه إليه، وأظهر لونه عليه، وأصل النزع: الجذب، فكأنه جذبه إليه؛ لِشَبَهه، يقال منه: نَزَعَ الولد لأبيه، وإلى أبيه، ونَزَعه أبوه، ونزعه إليه، وقد يُطلَق النزع على الميل، ومنه ما وقع في قصة عبد الله بن سلام - ﵁ - حين سأل النبيّ - ﷺ - عن شَبَه الولد بأبيه، أو بأمه: "نَزَعَ إلى أبيه، أو إلى أمه" (^٢).
(قَالَ) - ﷺ - ("وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ") أي: كذلك يَحْتَمِل أن يكون نزَعَ هذا الولد الأسود المخالف للونك أحدُ من كان بهذا اللون من أصوله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٣٧٦١ و٣٧٦٢ و٣٧٦٣ و٣٧٦٤] (١٥٠٠)،
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٦٣.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٣٣ - ١٣٤، و"الفتح" ١٢/ ١٦٣ - ١٦٤.
[ ٢٦ / ٤٤١ ]
و(البخاريّ) في "الطلاق" (٤/ ٩٩٩) و"الحدود" (٦٨٤٧)، و"الاعتصام" (٧٣١٤)، و(أبو داود) في "سننه" (٢٢٦٠ - ٢٢٦١)، و(الترمذيّ) في "جامعه" (٢١٢٨)، و(النسائيّ) في "المجتبى" (٦/ ١٧٨ و١٧٩)، و"الكبرى" (١٠/ ٢٦٥)، و(ابن ماجة) في (٢٠٠٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٣ و٢٣٤ و٢٣٩ و٢٧٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٤١١)، و"الصغرى" (٢/ ٣٢٦)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٥/ ٣٠٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٧ - ٢١٥)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٣/ ١٥٣)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٢٧٠)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٢٦٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الولد لا يُنفَى بمخالفة لونه لون الزوج، فلا يجوز للزوج الانتفاء من ولده بمجرد الظنّ، وأن الولد يُلحق به، ولو خالف لونه لونه، حتى لو كان الأب أبيض، والولد أسود، أو عكسه لحقه، وكذا لو كان الزوجان أبيضين، فجاء الولد أسود، أو عكسه؛ لاحتمال أن نَزَعه عِرْقٌ من أسلافه.
وقال القرطبيّ تبعًا لابن رشد: لا خلاف في أنه لا يحل نفي الولد باختلاف الألوان المتقاربة؛ كالأُدْمة، والسُّمْرة، ولا في البياض والسواد، إذا كان قد أقر بالوطء، ولم تمض مدة الاستبراء، قال الحافظ: وكأنه أراد في مذهبه، وإلا فالخلاف ثابت عند الشافعية بتفصيل، فقالوا: إن لَمْ ينضم إليه قرينة زنا لَمْ يجز النفي، فإن اتّهمها، فأتت بولد على لون الرجل الذي اتّهمها به، جاز النفي على الصحيح، وفي حديث ابن عباس - ﵄ - المتقدَّم ما يقوَيه، وعند الحنابلة: يجوز النفي مع القرينة مطلقًا، والخلاف إنما هو عند عدمها، وهو عكس ترتيب الخلاف عند الشافعية. انتهى (^١).
٢ - (ومنها): أن فيه إثبات ضرب الأمثال، وتشبيه المجهول بالمعلوم؛ تقريبًا لفهم السائل.
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به لصحة العمل بالقياس، قال الخطابيّ - ﵀ -:
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٦٤.
[ ٢٦ / ٤٤٢ ]
هو أصل في قياس الشَّبَه، وقال ابن العربيّ: فيه دليل على صحة القياس، والاعتبار بالنظير، وتوقف فيه ابن دقيق العيد، فقال: هو تشبيه في أمر وجوديّ، والنزاع إنما هو في التشبيه في الإحكام الشرعية من طريق واحدة قوية.
٤ - (ومنها): تقديم حكم الفراش على ما يُشعر به مخالفة الشبه.
٥ - (ومنها): الاحتياط للأنساب، وإلحاقها بمجرّد الإمكان، والزجر عن تحقيق ظنّ السوء.
٦ - (ومنها): ما قال القرطبيّ: يؤخذ منه منع التسلسل العقليّ، وأن الحوادث لا بدّ لها أن تستند إلى أول ليس بحادث. انتهى (^١).
٧ - (ومنها): بيان حكم التعريض بالقذف، وهو أنه لا يوجب حكم القذف حتى يقع التصريح، وبه قال أبو حنيفة، والشافعيّ، وآخرون، وذهب المالكية إلى وجوب الحدّ بالتعريض إذا كان مفهومًا، قاله وليّ الدين - ﵀ - (^٢).
وقال في "الفتح" بعد ذكره مخالفة المالكيّة في ذلك، ما نصّه: وأجاب بعض المالكية بأن التعريض الذي يجب به القذف عندهم هو ما يُفهَم منه القذف، كما يفهم من التصريح، وهذا الحديث لا حجة فيه؛ لدفع ذلك، فإن الرجل لَمْ يُرِد قذفًا، بل جاء سائلًا، مستفتيًا عن الحكم؛ لِمَا وَقَع له من الريبة، فلمّا ضَرَب له المثل أذعن، وقال المهلَّب: التعريض إذا كان على سبيل السؤال لا حدّ فيه، وإنما يجب الحدّ في التعريض إذا كان على سبيل المواجهة والمشاتمة، وقال ابن الْمُنَيِّر: الفرق بين الزوِج والأجنبيّ في التعريض أن الأجنبيّ يقصد الأذية المحضة، والزوج قد يُعذر بالنسبة إلى صيانة النسب. انتهى (^٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٦٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٠٨.
(٢) "طرح التثريب" ٧/ ١١٩.
(٣) "الفتح" ١٢/ ١٦٤ - ١٦٥.
[ ٢٦ / ٤٤٣ ]
(ع) وَحَدَّثَنِي ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، جَمِيعًا عَنْ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، وَلَدَتْ امْرَأَتِي غُلَامًا أَسْوَدَ، وَهُوَ حِينَئِذٍ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ، وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الانْتِفَاءِ مِنْهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مَعْمَرُ) بن راشد اليمنيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الديليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٥.
٣ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيه فاضلٌ [٧] (ت ١٥٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
[تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ، ساقها النسائيّ في "المجتبى" (٦/ ٤٩٠)، فقال:
(٣٤٧٩) - أخبرنا محمد بن عبد الله بن بَزِيع، قال: حدّثنا يزيد بن زُريع، قال: حدّثنا معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل من بني فَزارة إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، وهو يريد الانتفاء منه، فقال: "هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "ما ألوانها؟ " قال: حُمْرٌ، قال: "هل فيها من أورق؟ " قال: فيها ذَوْدُ وُرْقٍ (^١)، قال: "فما ذاك ترى؟ " قال: لعله أن يكون نزعها عرق، قال: "فلعل هذا أن
_________________
(١) قوله: "ذَوْدُ وُرْق" بإضافة "ذَوْد" إلى "وُرْق"، و"الذَّوْد" بفتح الذال المعجمة، وسكون الواو، آخره دال مهملة: ما بين الثلاث إلى العشر، وجمعه أذواد، وإضافته لما بعده من إضافة الموصوف إلى الصفة، كمسجد الجامع.
[ ٢٦ / ٤٤٤ ]
يكون نزعه عرق"، قال: فلم يُرَخِّصْ له في الانتفاء منه. انتهى.
وأما رواية ابن أبي ذئب، عن الزهريّ، فلم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٦٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ أَعْرَابيًّا أَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "مَا أَلْوَانُهَا؟ " قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: "فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ: "فَأَنَّى هُوَ؟ " قَالَ: لَعَلَّهُ يَا رَسُولَ اللهِ يَكُونُ نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: "وَهَذَا لَعَلَّهُ يَكُونُ (^١) نَزَعَهُ عِرْقٌ لَهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا قريبًا، و"أبو الطاهر" هو: أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، و"يونس" هو: ابن يزيد الأيليّ، و"أبو سلمة بن عبد الرَّحمن" بن عوف، وقد تقدّم أن الزهري روى هذا الحديث عنه، وعن المسيّب، ولذا أخرجه الشيخان من طريقيهما، فتنبّه.
وقوله: (وَإِنِّي أنكَرْتُهُ) قال النوويّ - ﵀ -: معناه: استغربته بقلبي أن يكون مني، لا أنه نفاه عن نفسه بلفظه. انتهى (^٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٦٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ).
_________________
(١) وفي نسخة: "أن يكون".
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٣٤.
[ ٢٦ / ٤٤٥ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حُجَيْنُ) بن المثنّى اليماميّ، أبو عُمير، سكن بغداد، وولي قضاء خُرَاسان، ثقةٌ [٩] (٢٠٥) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٧.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية عُقيل، عن ابن شهاب هذه في إسنادها انقطاع؛ لأن ابن شهاب قال: "بلغنا"، وإنما أخرجها المصنّف من باب المتابعة، ولم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أجملم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
* * *
[ ٢٦ / ٤٤٦ ]