وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٦٨] (١٤٤٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ عِنْدَهَا، وَإِنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أُرَاهُ فُلَانًا" لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا لِعَمِّهَا مِنْ
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٢٩.
[ ٢٥ / ٥٧٠ ]
الرَّضَاعَةِ، دَخَلَ عَلَيَّ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "نَعَمْ، إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بَكْر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الفقيه المجتهد، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدَّم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ) بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٥) عن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "الصلاة" ١٧/ ٩١٦.
٤ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ [٣] ماتت قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٧.
٥ - (عَائِشَةُ) بنت الصديق - ﵄ -، ماتت سنة (٥٧) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة.
٥ - (ومنها): أن فيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت من الحديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرحمن الأنصاريّة (أَنَّ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ - (أَخْبَرَتْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ عِنْدَهَا، وَإِنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ) لم يُسمّ (يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ) بنت عمر بن الخطّاب، أم المؤمنين - ﵄ - (قَالَتْ
[ ٢٥ / ٥٧١ ]
عَائِشَةُ) - ﵂ -، قال في "الفتح": فيه التفات، وكان السياق يقتضي أن تقول: قلت. انتهى. (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أُرَاهُ) بضمّ الهمزة: أي أظنّه (فُلَانًا"، لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ) اللام هنا بمعنى "عن"، نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، وبه يقول ابن الحاجب، وقال ابن مالك، وغيره: هي لام التعليل، وقيل: لام التبليغ، قال ابن هشام: وحيث دخلت اللام على غير المقول له، فالتأويل على بعض ما ذكرناه، نحو: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ الآية [الأعراف: ٣٨]، وقول الشاعر [من الكامل]:
كَضَرَائِرِ الْحَسْنَاءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَا … حَسَدًا وَبُغْضًا إِنَّهُ لَذَمِيمُ (^١)
(فَقَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ - (يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا) قال الحافظ - ﵀ -: لم أقف على اسمه، ووَهِمَ من فسّره بأفلح أخي أبي القعيس؛ لأن أبا القُعيس أبو عائشة من الرضاعة، وأما أفلح فهو أخوه، وهو عمها من الرضاعة، كما سيأتي أنه عاش حتى جاء يستأذن على عائشة، فأمرها النبيّ - ﷺ - أن تأذن له بعد أن امتنعت، وقولها: "لو كان حيًّا" يدلّ على أنه كان مات، فيَحْتَمِل أن يكون أخًا لهما آخر، ويَحْتَمِل أن تكون ظنت أنه مات لبُعد عهدها به، ثم قَدِم بعد ذلك، فاستأذن.
وقال ابن التين: سُئل الشيخ أبو الحسن عن قول عائشة - ﵂ -: "لو كان فلانٌ حيًّا" أين هو من الحديث الآخر الذي فيه: "فأبَيْتُ أن آذن له"، فالأول ذكرت أنه ميت، والثاني ذكرت أنه حيّ؟.
فقال: هما عمان من الرضاعة: أحدهما رَضَعَ مع أبي بكر الصدّيق - ﵁ -، وهو الذي قالت فيه: "لو كان حيًّا"، والآخر أخو أبيها من الرضاعة.
قال الحافظ: الثاني ظاهرٌ من الحديث، والأول حسنٌ مُحْتَمِلٌ، وقد ارتضاه عياضٌ، إلا أنه يَحتاج إلى نقل؛ لكونه جزم به، قال: وقال ابن أبي
_________________
(١) "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" ١/ ٢١٣ - ٢١٤.
[ ٢٥ / ٥٧٢ ]
حازم: أرى أن المرأة التي أرضعت عائشة امرأة أخي الذي استأذن عليها، قال الحافظ: وهذا بيّنٌ في الحديث الثاني، لا يحتاج إلى ظنّ، ولا هو مشكلٌ، إنما المشكل كونها سألت عن الأول، ثم توقّفت في الثاني.
وقد أجاب عنه القرطبيّ، قال: هما سؤالان، وقعا مرّتين في زمنين عن رجلين، وتكرّر منها ذلك، إما لأنها نسيت القصّة الأولى، وإما لأنها جوّزت تغيّر الحكم، فأعادت السؤال. انتهى، وتمامه أن يقال: السؤال الأول كان قبل الوقوع، والثاني بعد الوقوع، فلا استبعاد في تجويز ما ذكر من نسيان، أو تجويز النسخ.
ويؤخذ من كلام عياض جواب آخر، وهو أن أحد العمّين كان أعلى، والآخر أدنى، أو أحدهما كان شقيقًا، والآخر لأب فقط، أو لأم فقط، أو أرضعتها زوجة أخيه بعد موته، والآخر في حياته.
وقال ابن المرابط: حديث عمّ حفصة قبل حديث عمّ عائشة، وهما متعارضان في الظاهر، لا في المعنى؛ لأن عمّ حفصة أرضعته المرأة مع عمر، فالرضاعة فيهما من قِبَل المرأة، وعمّ عائشة إنما هو من قِبَل الفحل، كانت امرأة أبي القعيس أرضعتها، فجاء أخوه يستأذن عليها، فأبت، فأخبرها الشارع أن لبن الفحل يُحّرم، كما يُحرّم من قبل المرأة. انتهى.
فكأنه جوّز أن يكون عمّ عائشة الذي سألت عنه في قصّة عمّ حفصة كان نظير عمّ حفصة في ذلك، فلذلك سألت ثانيًا في قصّة أبي القعيس، وهذا إن كان وجده منقولًا، فلا مَحِيد عنه، وإلا فهو محملٌ حسنٌ. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(لِعَمِّهَا) تقدَّم البحث في معنى هذه اللام آنفًا (مِنَ الرَّضَاعَةِ، دَخَلَ عَلَيَّ؟) جواب "لو" (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "نَعَمْ، إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ") أي وتبيح ما تبيحه، وهو بالإجماع فيما يتعلّق بتحريم النكاح وتوابعه، وانتشار الحرمة بين الرضيع، وأولاد المرضعة، وتنزيلهم منزلة الأقارب في جواز
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٣٧٣ - ٣٧٤.
[ ٢٥ / ٥٧٣ ]
النظر، والخلوة، والمسافرة، ولكن لا يترتّب عليه باقي أحكام الأمومة، من التوارث، ووجوب الإنفاق، والعتق بالملك، والشهادة، والعقل، وإسقاط القصاص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأول): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٣٥٦٨ و٣٥٦٩ و٣٥٧٠] (١٤٤٤)، و(البخاريّ) في "الشهادة" (٢٦٤٦)، و(٣١٠٥) و"النكاح" (٥٠٩٩)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٦/ ٩٩ و١٠٢)، و(مالك) في "الموطّإ" (٢/ ٦٠١)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٣٠٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ١٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٤ و٥١ و١٧٨)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٧٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٠٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١١٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ١٥٩ و٤٥١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الرضاع يُحرّم كما يُحرّم النسب، قال النوويّ - ﵀ -: هذه الأحاديث متفقة على ثبوت حرمة الرضاع، وأجمعت الأمة على ثبوتها بين الرضيع والمرضعة، وأنه يصير ابنها يَحْرُم عليه نكاحها أبدًا، ويَحِلّ له النظر إليها، والخلوة بها، والمسافرة، ولا يترتب عليه أحكام الأمومة من كل وجه، فلا يتوارثان، ولا يجب على واحد منهما نفقة الآخر، ولا يَعْتِق عليه بالمِلك، ولا تُرَدّ شهادته لها، ولا يَعْقِل عنها، ولا يسقط عنها القصاص بقتله، فهما كالأجنبيين في هذه الأحكام.
وأجمعوا أيضًا على انتشار الحرمة بين المرضعة، وأولاد الرضيع، وبين الرضيع، وأولاد المرضعة، وأنه في ذلك كولدها من النسب؛ لهذه الأحاديث. انتهى.
[ ٢٥ / ٥٧٤ ]
٢ - (ومنها): بيان أن ما حَرُم بالرضاع هو الذي يحرم بالنسب.
٣ - (ومنها): بيان مشروعيّة استئذان المَحْرَم على محرمه.
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: في الحديث دلالة على أن الرضاع يَنْشُر الحرمة بين الرضيع والمرضعة، وزوجها، يعني الذي وقع الإرضاع بين ولده منها، أو السيد، فإذا أرضعت المرأة صبيًّا حرمت على الصبيّ؛ لأنها تصير أمه، وأمها؛ لأنها جدّته فصاعدًا، وأختها؛ لأنها خالته، وبنتها؛ لأنها أخته، وبنت بنتها فنازلًا؛ لأنها بنت أخته، وبنت صاحب اللبن؛ لأنها أخته، وبنت بنته فنازلًا؛ لأنها بنت أخته، وأمه فصاعدًا؛ لأنها جدّته، وأخته؛ لأنها عمته، ولا يتعدى التحريم إلى أحد من قرابة الرضيع، فليست أخته من الرضاعة أختًا لأخيه، ولا بنتا لأبيه؛ إذ لا رضاع بينهم.
قال: والحكمة في ذلك أن سبب التحريم ما يَنفَصِل من أجزاء المرأة، وهو اللبن، ويتّصل بالرضيع، فيتغذّى به، فتصير أجزاؤها أجزاءه، فينتشر التحريم بينهما، واعتَبَر في حقّ صاحب اللبن أن وجود اللبن بسبب مائه وغذائه، فأما قرابات الرضيع فليس بينهم، ولا بين المرضعة، ولا زوجها نسبٌ، ولا سببٌ، فتدبّره. انتهى (^١).
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبي - ﵀ - أيضًا: قوله: "إن الرضاعة تُحرّم ما تُحَرِّم الولادة"، وفي رواية: "يَحْرُم من الرضاعة ما يَحْرُم من النسب"، دليلٌ على جواز نقل الرواية بالمعنى إن كانت القصّة واحدة، ويَحْتَمِل أن يكون تكرّر ذلك المعنى منه - ﷺ - باللفظين المختلفين، وقد صرّح الرواة عن عائشة - ﵂ - برفع هذه الألفاظ للنبيّ - ﷺ -، فهي مسندة مرفوعة، ولا يضرّها وقف من وقفها على عائشة - ﵂ -، كما جاء في الرواية الأخرى. انتهى (^٢).
قال الحافظ - ﵀ - بعد ذكر ما قاله القرطبيّ من الاحتمالين ما نصّه: الثاني هو المعتمد، فإن الحديثين مختلفان في القصة، والسبب، والراوي، وإنما يأتي ما قال إذا اتحد ذلك، وقد وقع عند أحمد من وجه آخر: عن عائشة - ﵂ -:
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٧٧ - ١٧٨ بزيادة من "الفتح" ١١/ ٣٧٥.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٧٧.
[ ٢٥ / ٥٧٥ ]
"يَحْرُمُ من الرضاع ما يَحْرُم من النسب، من خالٍ، أو عمّ، أو أخ". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في ذكر ما استثناه العلماء من عموم "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب":
قال في "الفتح": قال العلماء: يستثنى من عموم قوله: "يَحْرُم من الرضاع ما يَحْرُم من النسب" أربع نسوة يَحْرُمن في النسب مطلقًا، وفي الرضاع قد لا يحرمن:
[الأولى]: أمُّ الأخ في النسب حرام؛ لأنها إما أمّ، وإما زوج أب، وفي الرضاع قد تكون أجنبية، فترضع الأخ، فلا تحرم على أخيه.
[الثانية]: أمُّ الْحَفِيد حرام في النسب؛ لأنها إما بنت، أو زوج ابن، وفي الرضاع قد تكون أجنبية، فترضع الحفيد، فلا تَحْرُم على جده.
[الثالثة]: جدّة الولد في النسب حرام؛ لأنها إما أُمٌّ، أو أم زوجة، وفي الرضاع قد تكون أجنبية، أرضعت الولد، فيجوز لوالده أن يتزوجها.
[الرابعة]: أخت الولد حرام في النسب؛ لأنها بنت، أو ربيبة، وفي الرضاع قد تكون أجنبية، فترضع الولد، فلا تحرم على الوالد.
وهذه الصور الأربع اقتصر عليها جماعة، ولم يستثن الجمهور شيئًا من ذلك، وفي التحقيق لا يُستثنى شيء من ذلك؛ لأنهنّ لم يحرمن من جهة النسب، وإنما حَرُمن من جهة المصاهرة.
واستدرك بعض المتأخرين أم العمّ، وأمّ العمة، وأم الخال، وأم الخالة، فإنهن يحرمن في النسب، لا في الرضاع، وليس ذلك على عمومه. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: نظمت هذه المستثنيات بقولي:
حَدِيثُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا … يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ نَصٌّ أُحْكِمَا
وَاسْتَثْنِ مِنْهُ أَرْبَعًا تُحَرَّمُ … بِنَسَبٍ دُونَ رَضَاعٍ يُعْلَمُ
مِنْ تِلْكَ أُمُّ الأَخِ أُمُّ الْحَفَدَهْ … وَجَدَّةُ الوَلَدِ خُذْهَا فَائِدَهْ
كَذَاكَ أُخْتُ وَلَدٍ فَالأَرْبَعُ … تُكُونُ فِي النَّسَبِ مِمَّنْ يُمْنَعُ
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٣٧٤ - ٣٧٥.
(٢) "الفتح" ١١/ ٣٧٦.
[ ٢٥ / ٥٧٦ ]
دُونَ رَضَاعٍ وَالصَّوَابُ هَهُنَا … عَدُمُ الاسْتِثْنَاءِ رَأْيٌ حَسُنَا
لأَنَّ ذَا التَّحْرِيمَ بِالْمُصَاهَرَهْ … لَا نَسَبٍ فَخُذْ بِلَا مُكَابَرَهْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٦٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) عن (٨٧) سنةً (ع) من مشايخ الجماعة بلا واسطة تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيُّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٣ - (أَبُو مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مَعْمَر بن الحسن الْهُذَليّ، أبو مَعْمَر الْقَطِيعيّ الْهَرَويّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠].
رَوَى عن إبراهيم بن سعد، وابن علية، وهشيم، وابن عيينة، وعبد الله بن معاذ الصنعانيّ، والدَّرَاورديّ، وشريك، وابن المبارك، وغيرهم.
وروى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، وروي له النسائي بواسطة أبي بكر المروزيّ، وزكريا السِّجْزيّ، وروى عنه أيضًا صاعقة، وبَقِيّ بن مَخْلَد، والذُّهْليّ، وعبد الله بن أحمد، وإبراهيم الحربيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.
قال ابن سعد: صاحب سنة وفضل وخير، وهو ثقةٌ ثبتٌ، وقال عُبيد بن شريك: كان أبو معمر القَطِيعيّ من شدة إدلاله بالسنة يقول: لو تكلمت بغلتي لقالت: إنها سنيةٌ، قال: فأُخذ في المحنة، فأجاب، فلما خرج قال: كَفَرنا، وخرجنا، وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبا معمر يقول: من زعم أن الله لا
[ ٢٥ / ٥٧٧ ]
يتكلم، ولا يسمع، ولا يبصر، وذكر أشياء من الصفات، فهو كافر بالله، وقال أبو زرعة: كان أحمد لا يرى الكتابة عن أبي نصر التّمّار، ولا عن أبي معمر، ولا عن يحيى بن معين، ولا أحدٍ ممن امْتُحِن فأجاب، وقال عبد الخالق بن منصور: وسئل يحيى بن معين عن أبي معمر الكرخيّ؟ فقال: مثل أبي معمر لا يسأل عنه، أنا أعرفه يكتب الحديث، وهو غلام، ثقةٌ، مأمونٌ، وقال أبو يعلى الموصليّ: يُحْكَى أن أبا معمر حدّث بالْمَوْصِل بنحو ألفي حديث حفظًا، فلما رجع إلى بغداد كَتَب إليهم بالصحيح من أحاديثَ كان أخطأ فيها، أحسبه قال: نحوٍ من ثلاثين، أو أربعين، وقال ابن قانع: ثقةٌ ثبتٌ، وقال عباس الدُّوريّ: سئل يحيى عن أبي معمر، وهارون بن معروف، فقال: أبو معمر أكيس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
ورَوَى الخطيب من طريق الحسين بن فَهْم قال: قال لي جعفر الطيالسيّ: قال يحيى بن معين، وذكر أبا معمر: لا صلى الله عليه، ذهب إلى الرَّقّة، فحدَّث بخمسة آلاف حديث، أخطأ في ثلاثة آلاف، قال: ولم يحدث أبو معمر حتى مات يحيى بن معين.
وقال الخطيب: في هذا القول نظر، ويبعد صحته عند من اعتبر.
قال الحافظ: الحسين بن فهم قد قال فيه الدارقطنيّ: ليس بالقويّ، وقال الذهبيّ فيما قرأت بخطه: هذه حكاية منكرة.
وقال عُبيد بن محمد بن خلف: مات يوم الاثنين النصف من جمادى الأولى سنة (٢٣٦).
روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، وروى النسائيّ عنه بواسطة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (١٤٤٤)، وحديث (٢٣٥٠): "كم كان النَّبيّ - ﷺ - بمكة؟. . ." الحديث، و(٢٤٤٩): "إنما فاطمة بضعة مني. . ." الحديث.
٤ - (عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ) - بفتح الموحّدة، وبعد الراء تحتانيّة ساكنة - الْبَرِيديّ العائذيّ مولاهم، أبو الحسن الكوفيّ الخزّاز، صدوق يتشيّع، من صغار [٨].
رَوَى عن هشام بن عروة، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى،
[ ٢٥ / ٥٧٨ ]
والأعمش، وطلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، ويزيد بن كيسان، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو معاوية، وإسماعيل بن إبراهيم القَطِيعيّ، وأحمد بن منيع، وسعيد بن سليمان الواسطيّ، وأبو بكر بن أبي شيبة، وغيرهم.
قال حنبل، عن أحمد: ليس به بأسٌ، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ما أرى به بأسًا، وقال ابن أبي خيثمة، وغير واحد عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو الحسن بن البراء، عن ابن المدينيّ: كان صدوقًا، زاد الباغنديّ، عن ابن المدينيّ: وكان يتشيع، وقال غيره، عن عليّ: ثقةٌ، وكذا قال يعقوب بن شيبة، وقال الْجُوزَجانيّ: كان هو وأبوه غاليين في مذهبهما، وقال أبو زرعة: صدوقٌ، وقال أبو حاتم: كان يتشيع، ويُكْتَب حديثه، وقال الآجريّ، عن أبي داود: سئل عنه عيسى بن يونس، فقال: أهل بيت تشيع، وليس ثَمَّ كَذِبٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان غاليًا في التشيع، ورَوَى المناكير عن المشاهير، وقال ابن سعد: كان صالح الحديث، صدوقًا، وقد ذكره ابن حبان في "الضعفاء" بعدما ذكره في "الثقات"، وقال: فيه ما هو منقول في الأصل، وقال اللالكائيّ: له في مسلم حديثان، وقال ابن عديّ: حَدَّث عنه جماعة من الأئمة، ويَروِي في فضائل عليّ أشياء لا يرويها غيره، وهو - إن شاء الله - صدوقٌ، لا بأس به، ووَثَّقه العجليّ، وضعّفه الدارقطنيّ.
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: سمعت منه سنة تسع وسبعين ومائة أول سنة طلبت الحديث مجلسًا، ثم عُدت إليه المجلس الآخر، وقد مات، وقال ابن المثنى: مات سنة (١٨٠).
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٤٤٤)، وحديث (٢١٥٤) في "كتاب الأدب": "الاستئذان ثلاث، فإن أُذن، وإلا فارجع".
٥ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو المنذر، أو أبو
[ ٢٥ / ٥٧٩ ]
عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، ربَّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) وله (٨٧) سنةً، تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٧٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرَام الْكَوْسَج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) وله (٨٥) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، يدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
و"عبد الله بن أبي بكر" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية ابن جُريج، عن عبد الله بن أبي بكر هذه ساقها عبد الرزاق - ﵀ - في "مصنّفه" (٧/ ٤٧٦) فقال:
(١٣٩٥٢) - عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج، وإبراهيم، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "يَحْرُم من الرضاعة ما يَحْرُم من الولادة". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ٢٥ / ٥٨٠ ]