وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦١٣] (١٤٥٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ في غُلَامٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ ابْنُ أَخِي، عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ"، قَالَتْ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَوْلَهُ: "يَا عَبْدُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد، تقدّم قبل بابين.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٥ - (عُرْوَةُ) بنً الزبير، تقدّم قريبًا.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدّمت قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى ابن رُمح، فانفرد به هو وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير قتيبة، فبغلانيّ، وابن رُمْح، والليث، فمصريان.
[ ٢٥ / ٦٩٢ ]
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عُرْوَةَ) وفي رواية شعيب، عن الزهريّ عند البخاريّ في "العتق": "حدّثني عروة"، وكذا وقع في رواية عبد الله بن مسلمة، عن مالك، في "المغازي"، لكن أخرجه في "الوصايا" بلفظ: "عن عروة"، قاله في "الفتح" (^١). (عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ -، أنها (قَالَتْ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) مالك بن وُهيب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب الزهريّ، أبو إسحاق، أحد العشرة، وأوّل من رمى بسهم في سبيل الله، مناقبه كثيرة، مات - ﵁ - بالعقيق، سنة (٥٥ هـ) على المشهور، وهو آخر من مات من العشرة المبشّرين بالجنّة - ﵃ -، تقدّمت ترجمته في "المقدمة" ٦/ ٧١. (وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ) بغير إضافة "عبد"، ووقع في "مختصر ابن الحاجب": "عبد الله"، وهو غلطٌ، نعم عبد الله بن زمعة آخر، وفي بعض الطرق من غير رواية عائشة عند الطحاويّ في هذا الحديث: عبد الله بن زمعة، ونبّه على أنه غلطٌ، وأن عبد الله بن زمعة هو ابن الأسود بن عبد المطّلب بن أسد بن عبد العزّى.
و"زمعة": - بفتح الزاي، وسكون الميم، وقد تُحرّك - قال النوويّ: التسكين أشهر، وقال أبو الوليد الوقشيّ: التحريك هو الصواب، قال الحافظ: والجاري على ألسنة المحدّثين التسكين في الاسم، والتحريك في النسبة، وهو ابن قيس بن عبد شمس القرشيّ العامريّ، والد سودة، زوج النبيّ - ﷺ - ﵂ -.
وعبد بن زمعة قال ابن عبد البرّ: كان من سادات الصحابة، وأخوه لأمه قَرَظَة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف، أمهما عاتكة بنت الأخيف - بخاء معجمة، بعدها مثنّاة تحتانيّة - من بني هُصيص بن عامر بن لؤيّ.
وأخرج ابن أبي عاصم بسند حسن إلى يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عائشة - ﵂ -، قالت: تزوّج رسول الله - ﷺ - سودة بنت زمعة، فجاء أخوها
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ٤٦٤ "كتاب الفرائض" رقم (٦٧٤٩).
[ ٢٥ / ٦٩٣ ]
عبد بن زمعة من الحجّ، فجعل يحثو من التراب على رأسه، فقال بعد أن أسلم: إنّي لسفيهٌ يوم أحثو التراب على رأسي أن تزوّج رسول الله - ﷺ - سودة. قاله في "الإصابة" (^١).
(فِي غُلَامٍ) هو الابن الصغير، وجمع القلّة منه غِلْمة بالكسر، وجمع الكثرة غِلمانٌ، ويُطلق الغلام على الرجل، مجازًا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير شيخٌ، مجازًا باسم ما يؤول إليه، وجاء في الشعر: غلامةٌ، بالهاء، للجارية، قال أوس بن غلفاء الْهُجَيميّ، يصف فرسًا [من الكامل]:
وَمُرْكِضَةٌ صَرِيحِيٌّ أَبُوهَا … يُهَانُ لَهَا الْغُلَامَةُ وَالْغُلَامُ
قال الأزهريّ: وسمعت العرب تقول للمولود حين يولد ذكرًا: غُلامٌ، وسمعتهم يقولون للكهل: غُلام، وهو فاشٍ في كلامهم (^٢).
واسم الغلام المذكور: عبد الرحمن، وذكره ابن عبد البرّ في الصحابة وغيره، وقد أعقب بالمدينة، قاله في "الفتح" (^٣).
وقال في "الإصابة": وقال ابن عبد البرّ: لم يختلف النسّابون أن اسم ابن الوليدة، صاحب القصّة: عبد الرحمن، قال الحافظ: خبط ابن منده، وتبعه أبو نُعيم في نسبه، فجعله من بني أسد بن عبد العزّى، وليس كذلك، ووهم ابن قانع، فجعله هو الذي خاصم سعدَ بنَ أبي وقّاص، وكأنه انقلب عليه، فإنه المخاصَمُ فيه، لا المخاصِمُ، والمخاصِمُ عبدٌ بغير إضافة، بلا نزاع. انتهى (^٤).
وقال في "الفتح": وقد وقع لابن منده خبطٌ في ترجمة عبد الرحمن بن زمعة، فإنه زعم أن عبد الرحمن، وعبد الله، وعبدًا إخوة ثلاثة، أولاد زمعة بن الأسود، وليس كذلك، بل عبدٌ بغير إضافة، وعبد الرحمن أخوان، عامريّان، من قريش، وعبد الله بن زمعة قرشيّ أسديّ، من قريش أيضًا. انتهى (^٥).
(فَقَالَ سَعْدٌ) ابن أبي وقّاص - ﵁ - (هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ أَخِي، عُتْبَةَ بْنِ
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٦/ ٣٤١ - ٣٤٢.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٥٢.
(٣) "الفتح" ١٥/ ٤٦٥.
(٤) "الإصابة" ٧/ ٢١٥.
(٥) "الفتح" ١٥/ ٤٦٥، و"الإصابة" ٥/ ٣٥ - ٣٦.
[ ٢٥ / ٦٩٤ ]
أَبِي وَقَّاصٍ) "عتبة" بدلٌ من "أخي"، وهو أخو سعد المذكور، مختلفٌ في صحبته، فذكره في الصحابة العسكريّ، وذكر ما نقله الزبير بن بكّار في النسب أنه كان أصاب دمًا بمكّة في قريش، فانتقل إلى المدينة، ولَمّا مات أوصى إلى سعد، وذكره ابن منده في الصحابة، ولم يذكر مستندًا إلا قول سعد: "عهد إليّ أخي أنه ولده"، واستنكر أبو نعيم ذلك، وذكر أنه الذي شجّ وجه رسول الله - ﷺ - بأُحد، قال: وما علمت له إسلامًا، بل قد روى عبد الرزّاق من طريق عثمان الجزريّ، عن مقسم: "أن النبيّ - ﷺ - دعا بأن لا يحول على عتبة الحول حتى يموت كافرًا، فمات قبل الحول". وهذا مرسل، وأخرجه من وجه آخر عن سعيد بن المسيّب بنحوه.
وأخرج الحاكم في "المستدرك" من طريق صفوان بن سُليم، عن أنس أنه سمع حاطب بن أبي بلتعة، يقول: "إن عتبة لَمّا فعل بالنبيّ - ﷺ - ما فعل، تبعته، فقتلته"، كذا قال، وجزم ابن التين، والدمياطيّ بأنه مات كافرًا.
وأم عتبة: هند بنت وهب بن الحارث بن زُهرة، وأم أخيه سعد: حمنة بنت سفيان بن أميّة، قاله في "الفتح" (^١).
(عَهِدَ إِلَيَّ) أي أوصى إليّ. يقال: عَهِدَ إليه يَعْهَدُ، من باب تَعِبَ: إذا أوصاه، قاله الفيّوميّ. (أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ) أي إلى مماثلته لعتبة، قال في "القاموس": الشِّبْهُ بالكسر، والتحريك، وكأمير: المِثل، جمعه أشباه. انتهى.
وفي رواية البخاريّ في "الفرائض": "فلما كان عام الفتح أخذه سعد، فقال: ابن أخي". وفي رواية له في "المغازي": "فلما قدم رسول الله - ﷺ - مكّة في الفتح"، وفي رواية لأحمد، وهي لمسلم، ولم يسق لفظها: "فلما كان يوم الفتح رأى سعدٌ الغلامَ، فعرفه بالشبه، فاحتضنه، وقال: ابن أخي، وربّ الكعبة" (وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أخِي، وُلِدَ) بالبناء للمفعول (عَلَى فِرَاشِ أَبِي) زاد في رواية: "من جاريته" (مِنْ وَليدَتِهِ) الوليدة في الأصل المولودة، وتُطلق على الأمة، قال الحافظ: وهذه الوليدة لم أقف على اسمها، لكن ذكر مصعب الزبيريّ، وابن أخيه الزبير في "نسب قريش" أنها كانت أمة يمانية.
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ٤٦٥ - ٤٦٦.
[ ٢٥ / ٦٩٥ ]
والوليدة فَعِيلة من الولادة، بمعنى مفعولة، قال الجوهريّ: هي الصبيّة، والأمة، والجمع ولائد. وقيل: إنها اسم لغير أم الولد.
(فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ) وفي رواية: "فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقّاص".
قال الخطّابيّ، وتبعه عياضٌ، والقرطبيّ، وغيرهما: كان أهل الجاهليّة يقتنون الولائد، ويقرّرون عليهنّ الضرائب، فيكتسبن بالفجور، وكانوا يُلحقون النسب بالزناة، إذا ادّعوا الولد، كما في النكاح، وكانت لزمعة أمةٌ، وكان يُلمّ بها، فظهر بها حملٌ، زعم عتبة بن أبي وقّاص أنه منه، وعهد إلى أخيه سعد أن يستلحقه، فخاصم فيه عبد بن زمعة، فقال له سعد: هو ابن أخي، على ما كان عليه الأمر في الجاهليّة، وقال عبد الرحمن: هو أخي، على ما استقرّ عليه الأمر في الإسلام، فأبطل النبيّ - ﷺ - حكم الجاهليّة، وألحقه بزمعة. وأبدل عياضٌ قوله: إذا ادّعوا الولد بقوله: إذا اعترفت به الأمّ، وبنى عليهما القرطبيّ، فقال: ولم يكن حصل إلحاقه بعتبة في الجاهليّة، إما لعدم الدعوى، وإما لكون الأمّ لم تعترف به لعتبة.
قال الحافظ: وقد مضى في "النكاح" (^١) من حديث عائشة ما يؤيّد أنهم
_________________
(١) هو ما أخرجه البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه" ١٦/ ٨٦ فقال:
(٢) - قال يحيى بن سليمان: حدّثنا ابن وهب، عن يونس (ح) وحدّثنا أحمد بن صالح، حدّثنا عنبسة، حدثنا يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبيّ - ﷺ - أخبرته أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاحٌ منها: نكاح الناس اليوم، يَخْطُب الرجل إلى الرجل وليته، أو ابنته، فيُصْدِقها، ثم ينكحها، ونكاح آخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طَهُرتْ من طَمْثها: أرسلي إلى فلان، فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبدًا حتى يتبيّن حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبيّن حملها أصابها زوجها إذا أحبّ، وإنما يفعل ذلك رغبة في نَجَابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر: يَجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، فإذا حَمَلت، ووضعت، ومرَّ عليها لَيَالٍ بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان =
[ ٢٥ / ٦٩٦ ]
كانوا يعتبرون استلحاق الأمّ في صورة، وإلحاق القائف في صورة، ولفظها: "إن النكاح في الجاهليّة كان على أربعة أنحاء. . ." الحديث، وفيه: "يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يُصيبها، فإذا حملت، ووضعت، ومضت ليالٍ، أرسلت إليهم، فاجتمعوا عندها، فقالت: قد ولدت فهو ابنك يا فلان، فيُلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع. . ."، إلى أن قالت: "ونكاح البغايا، كنّ يَنصبن على أبوابهنّ رايات، فمن أرادهنّ، دخل عليهنّ، فإذا حملت إحداهنّ، فوضعت، جُمِعوا لها، ودعوا القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرى القائف، لا يمتنع من ذلك". انتهى.
واللائق بقصّة أمة زمعة الأخير، فلعلّ جمع القافة لهذا الولد تعذّر بوجه من الوجوه، أو أنها لم تكن بصفة البغايا، بل أصابها عتبة سرًّا من زنا، وهما كافران، فحملت، وولدت ولدًا يُشبهه، فغلب على ظنّه أنه منه، فبغته الموت قبل استلحاقه، فأوصى أخاه أن يستلحقه، فعمد سعد بعد ذلك، تمسّكًا بالبراءة الأصليّة.
قال القرطبيّ: وكان عبد بن زمعة سمع أن الشرع ورد بأن الولد للفراش، وإلا فلم يكن عادتهم الإلحاق به، كذا قال، قال الحافظ: ولا أدري من أين له هذا الجزم بالنفي، وكأنه بناه على ما قاله الخطّابيّ: من أن أمة زمعة كانت من البغايا اللاتي عليهن من الضرائب، فكان الإلحاق مختصًّا باستلحاقها على ما ذكر، أو بإلحاق القائف على ما في حديث عائشة، لكن لم يذكر الخطّابيّ مستندًا لذلك.
قال الحافظ: والذي يظهر من سياق القصّة ما قدّمته أنها كانت أمةً،
_________________
(١) = من أمركم، وقد ولدت، فهو ابنك يا فلان، تُسَمِّي من أحبت باسمه، فيلحق به ولدها، لا يستطيع أن يمتنع به الرجل، ونكاحُ الرابعِ: يَجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهنّ البغايا، كُنّ ينصبن على أبوابهن رايات، تكون عَلَمًا، فمن أرادهنّ دخل عليهنّ، فإذا حملت إحداهنّ، ووضعت حملها جُمعوا لها، ودَعَوا لهم القافة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به، ودُعِي ابنه، لا يمتنع من ذلك، فلما بُعث محمد - ﷺ - بالحقّ هُدِم نكاح الجاهلية كله، إلا نكاح الناس اليوم. انتهى.
[ ٢٥ / ٦٩٧ ]
مستفرشةً لزمعة، فاتّفق أن عتبة زنى بها، كما تقدّم، وكانت طريقة الجاهليّة في مثل ذلك أن السيّد إن استلحقه لحقه، وإن نفاه انتفى عنه، وإذا ادّعاه غيره كان مردّ ذلك إلى السيّد، أو القافة. وقد وقع في حديث ابن الزبير الذي أسوقه بعد هذا ما يؤيّد ما قلته.
وأما قوله: إن عبد بن زمعة سمع أن الشرع. . . إلخ، ففيه نظر؛ لأنه يبعد أن يسمع ذلك عبد بن زمعة، وهو بمكة لم يُسلم بعدُ، ولا يسمعه سعد بن أبي وقّاص، وهو من السابقين الأوّلين الملازمين لرسول الله - ﷺ - من حين إسلامه إلى حين فتح مكة نحو العشرين سنة، حتى ولو قلنا: إن الشرع لم يرد بذلك، إلا في زمن الفتح، فبلوغه لعبد قبل سعد بعيدٌ أيضًا.
والذي يظهر لي أن شرعيّة ذلك إنما عُرفت من قوله - ﷺ - في هذه القصّة: "الولد للفراش"، وإلا فما كان سعد لو سبق علمه بذلك ليَدَعَه، بل الذي يظهر أن كُلًّا من سعد، وعتبة بنى على البراءة الأصليّة، وأن مثل هذا الولد يقبل النزاع.
وقد أخرج أبو داود تلو حديث الباب بسند حسن إلى عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قام رجلٌ، فقال: يا رسول الله، إن فلانًا عاهرت بأمه في الجاهليّة، فقال رسول الله - ﷺ -: "لا دعوة في الإسلام، ذهب أمر الجاهليّة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر".
وقد وقع في بعض طرقه أن ذلك وقع زمن الفتح، وهو يؤيّد ما قلته. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - (^١) وهو بحث نفيسٌ.
(فَقَالَ) - ﷺ - ("هُوَ لَكَ، يَا عَبْدُ) وفي لفظ للبخاريّ: "هو لك يا عبد بن زمعة" يجوز في "عبد" الضمّ، على أنه منادى مفرد علم، والفتح؛ اتباعًا لِمَا بعده، وأما "ابن" فهو واجب النصب على الحالين؛ لكونه مضافًا، وقد أشار ابن مالك - ﵀ - إلى هذا في "خلاصته"، حيث قال:
وَنَحْوَ زيدٍ ضُمَّ وَافْتَحَنَّ مِنْ … نَحْوِ أَزَيْدُ ابْنَ سَعِيدٍ لَا تَهِنْ
وَالضَّمُّ إِنْ لَمْ يَلِ الابْنُ عَلَمَا … أَوْ يَلِ الابْنَ عَلَمٌ قَدْ حُتِمَا
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ٤٦٧ - ٤٦٨.
[ ٢٥ / ٦٩٨ ]
قال في "الفتح": ووقع في رواية للنسائيّ: "وهو لك عبد بن زمعة" بحذف حرف النداء، وقرأه بعض المخالفين بالتنوين، وهو مردود، فقد وقع في رواية يونس المعلّقة في "المغازي": "هو لك، هو أخوك يا عبد"، ووقع لمسدّد، عن ابن عيينة، عند أبي داود: "هو أخوك يا عبد".
(الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) أي لصاحب الفراش، وهو الزوج، أو السيّد (وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) أي للزاني الخيبة، والحرمان، والعهر - بفتحتين -: الزنا، وقيل: يختصّ بالليل، ومعنى الخيبة هنا حرمان الولد الذي يدّعيه، وجرت عادة العرب أن تقول لمن خاب: له الحجر، وبفيه الحجر والتراب، ونحو ذلك، وقيل: المراد بالحجر هنا أنه يُرجم، قال النوويّ: وهو ضعيف؛ لأن الرجم مختصّ بالمحصن، ولأنه لا يلزم من رجمه نفي الولد، والخبر إنما سيق لنفي الولد. وقال السبكيّ: والأول أشبه بمساق الحديث؛ لتعمّ الخيبة كلّ زان، ودليل الرجم مأخوذ من موضع آخر، فلا حاجة للتخصيص من غير دليل.
قال الحافظ: ويؤيّد الأول أيضًا ما أخرجه أبو أحمد الحاكم من حديث زيد بن أرقم - ﵁ -، رفعه: "الولد للفراش، وفي فم العاهر الحجر".
وفي حديث ابن عمر - ﵄ - عند ابن حبّان: "الولد للفراش، وبفي العاهر الأثلب" - بفتح الهمزة، وكسرها، وإسكان المثلّثة، بعدها باءٌ موحّدة، بينهما لام، ويُفتح أوله، وثالثه، ويُكسران - قيل: هو الحجر، وقيل: دقاقه، وقيل: التراب.
(وَاحْتَجِبِي مِنْهُ، يَا سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ") زاد في حديث ابن الزبير عند النسائيّ: "فليس لك بأخٍ" (قَالَتْ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ) وفي لفظ: "فلم تره سودة قط"، يعني في المدّة التي بين هذا القول، وبين موت أحدهما، وفي رواية معمر: قالت عائشة: "فوالله ما رآها حتى ماتت"، وللبخاريّ في رواية الكشميهني: "فلم تره سودة بعدُ"، قال الحافظ - ﵀ -: وهذه إذا ضُمّت إلى رواية مالك ومعمر استُفيد منها أنها امتثلت الأمر، وبالغت في الاحتجاب منه، حتى إنها لم تره فضلًا عن أن يراها؛ لأنه ليس في الأمر المذكور دلالة على منعها من رؤيته.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ قَوْلَهُ: يَا عَبْدُ) أشار به إلى اختلاف
[ ٢٥ / ٦٩٩ ]
واقع بين شيخيه: قتيبة، وابن رُمح، فإن الأول قال في روايته: "هو لك يا عبد"، وقال الثاني: "هو لك"، ولم يذكر قوله: "يا عبد"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٣٦١٣ و٣٦١٤] (١٤٥٧)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢٠٥٣ و٢٢١٨) و"الخصومات" (٢٤٢١) و"العتق" (٢٥٣٣) و"الوصايا" (٢٧٤٥) و"المغازي" (٤٣٠٣) و"الفرائض" (٦٧٤٩) و"الحدود" (٦٨١٧) و"الأحكام" (٧١٨٢)، و(أبو داود) في "الطلاق" (٢٢٧٣)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٣٥١١ و٣٥١٤) وفي "الكبرى" (٦٥٧٨ و٥٦٨١)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (٢٠٠٤)، و(مالك) في "الموطّإ" (١٤٤٩)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ٣٠)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٤٤٤)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣/ ٣٢١ - ٣٢٢)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢٣٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٥١ و٦/ ٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٧ و١٢٩ و٢٠٠ و٢٢٦ و٢٣٧ و٢٤٦)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٢١٧ - ٢١٨)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٢٣٦ و٢٢٣٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٩/ ٤١٣ - ٤١٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٢٦ - ١٢٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٢٩ - ١٣٠)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٤/ ٢٤١ - ٢٤٢)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٧/ ٣٩٢)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (٢/ ١٠٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٤١٢) و"الصغرى" (٥/ ٣١٦) و"المعرفة" (٤/ ٤٧٩ و٥/ ٥٦٠ - ٥٦١)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣٧٨)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال في "الفتح": حديث: "الولد للفراش" قال ابن عبد البرّ هو من أصحّ ما يروى عن النبيّ - ﷺ -، جاء عن بضعة وعشرين نفسًا من الصحابة، فذكره البخاريّ في هذا الباب عن أبي هريرة، وعائشة، وأخرجه النسائيّ من
[ ٢٥ / ٧٠٠ ]
حديث أبي هريرة، وعائشة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن مسعود، وقال الترمذيّ - عقب حديث أبي هريرة -: وفي الباب عن عمر، وعثمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو، وأبي أُمامة، وعمرو بن خارجة، والبراء، وزيد بن أرقم.
وزاد الحافظ العراقيّ عليه: معاوية، وابن عمر، وزاد أبو القاسم بن منده في "تذكرته": معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأنس بن مالك، وعليّ بن أبي طالب، والحسين بن عليّ، وعبد الله بن حُذافة، وسعد بن أبي وقّاص، وسودة بنت زمعة.
قال الحافظ: ووقع لي من حديث ابن عباس، وأبي مسعود البدريّ، وواثلة بن الأسقع، وزينب بنت جحش، وقد رقّمت عليها علامات من أخرجها من الأئمّة، فـ "طب" علامة الطبرانيّ في "الكبير"، و"طس" علامته في "الأوسط"، و"بز" علامة البزّار، و"ص" علامة أبي يعلى الموصليّ، و"تم" علامة تمام في "فوائده".
وجميع هؤلاء وقع عندهم: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر"، ومنهم من اقتصر على الجملة الأولى، وفي حديث عثمان قصّة، وكذا عليّ، وفي حديث معاوية قصّة أخرى له مع نصر بن حجّاج، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فقال له نصر: فأين قضاؤك في زياد؟، فقال: قضاء رسول الله - ﷺ - خير من قضاء معاوية، وفي حديث أبي أمامة، وابن مسعود، وعبادة أحكام أخرى، وفي حديث عبد الله بن حُذافة قصّة له في سؤاله عن اسم أبيه، وفي حديث ابن الزبير قصّة نحو قصّة عائشة باختصار، وقد أشرت إليه، وفي حديث سودة نحوه، ولم تُسَمَّ في رواية أحمد، بل قال: "عن بنت زمعة"، وفي حديث زينب قصّة، ولم يُسَمَّ أبوها، بل فيه: "عن زينب الأسديّة".
وجاء من مرسل عُبيد بن عمير، وهو أحد كبار التابعين، أخرجه ابن عبد البرّ بسند صحيح إليه. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ٤٧٥ - ٤٧٦ "كتاب الفرائض" رقم (٦٧٤٩).
[ ٢٥ / ٧٠١ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن الولد يُلحَق بالفراش، إذا لم ينفه صاحب الفراش.
٢ - (ومنها): أن الوصيّ يجوز له أن يستلحق ولد موصيه، إذا أوصى إليه بأن يستلحقه، ويكون كالوكيل عنه في ذلك.
٣ - (ومنها): أن الأمة تصير فراشًا بالوطء، إذا اعترف السيّد بذلك، أو ثبت ذلك بأيّ طريق كان.
٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن القائف إنما يُعتمَد في الشبه إذا لم يُعارضه ما هو أقوى منه؛ لأن الشارع لم يلتفت هنا إلى الشبه، والتفت إليه في قصّة زيد بن حارثة - ﵄ -، وكذا لم يحكم بالشبه في قصّة الملاعنة؛ لأنه عارضه حكم أقوى منه، وهو مشروعيّة اللعان.
٥ - (ومنها): أن عموم قوله - ﷺ -: "الولد للفراش" مخصوص بمشروعية اللعان، وخالف فيه الشعبيّ، وبعض المالكيّة، وهو شاذٌّ، ونقل عن الشافعيّ أنه قال: لقوله: "الولد للفراش" معنيان: أحدهما: هو له ما لم ينفه، فإذا نفاه بما شُرع له، كاللعان انتفى عنه. والثاني: إذا تنازع ربّ الفراش، والعاهر، فالولد لربّ الفراش، قال الحافظ: والثاني منطبقٌ على خصوص الواقعة، والأول أعمّ. انتهى.
٦ - (ومنها): أنه يدلّ على أن حكم الحاكم لا يُحِلّ الأمر في الباطن، كما لو حكم بشهادة، فظهر أنها زورٌ؛ لأنه - ﷺ - حكم بأنه أخو عبد، وأمر سودة بالاحتجاب عنه بسبب الشبه بعتبة، فلو كان الحكم يُحلّ الأمر في الباطن، لَمَا أمرها بالاحتجاب.
٧ - (ومنها): أنه يدلّ على صحّة ملك الكافر الوثنيّ الأمة الكافرة، وأن حكمها بعد أن تلد من سيّدها حكم القنّ؛ لأن عَبْدًا، وسعدًا أطلقا عليها أمةً، ووليدةً، ولم يُنكر ذلك النبيّ - ﷺ -.
وأجيب بأن عتق أم الولد بموت السيّد ثبت بأدلّة أخرى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في استلحاق غير الأب:
ذهب الشافعيّ - ﵀ - وجماعة إلى أن الاستلحاق لا يختصّ بالأب، بل
[ ٢٥ / ٧٠٢ ]
للأخ أن يستلحق، لكن بشرط أن يكون حائزًا للإرث، أو يوافقه باقي الورثة، وإمكان كونه من المذكور، وأن يوافق على ذلك، إن كان بالغًا عاقلًا، وأن لا يكون معروف الأب.
وتُعُقّب بأن زمعة كان له ورثة غير عبد.
وأجيب بأنه لم يخلُف وارثًا غيره، إلا سودة، فإن كان زمعة مات كافرًا، فلم يرثه إلا عبدٌ وحده، وعلى تقدير أن يكون أسلم، وورثته سودة، فيَحْتَمِل أن تكون وكّلت أخاها في ذلك، أو ادّعت أيضًا.
وذهب مالك - ﵀ -، وطائفة إلى أنّ الاستلحاق خاصّ بالأب، وأجابوا عن هذا الحديث بان الإلحاق لم ينحصر في استلحاق عبد؛ لاحتمال أن يكون النبيّ - ﷺ - اطّلع على ذلك بوجه من الوجوه، كاعتراف زمعة بالوطء، ولأنه إنما حكم بالفراش؛ لأنه قال - بعد قوله: "هو لك" -: "الولد للفراش"؛ لأنه لمّا أبطل الشرع إلحاق هذا الولد بالزاني لم يبق صاحبَ الفراش.
وجرى المُزَنيّ على القول بأن الإلحاق يختصّ بالأب، فقال: أجمعوا على أنه لا يُقبل إقرار أحد على غيره، والذي عندي في قصّة عبد بن زمعة أنه - ﷺ - أجاب عن المسألة، فأعلمهم أن الحكم كذا بشرط أن يدّعي صاحب الفراش، لا أنه قَبِلَ دعوى سعد عن أخيه عتبة، ولا دعوى عبد بن زمعة عن زمعة، بل عرّفهم أن الحكم في مثلها يكون كذلك، قال: ولذلك قال: "احتجبي منه يا سودة".
وتُعُقّب بأن قوله لعبد بن زمعة: "هو أخوك" يدفع هذا التأويل (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن ما ذهب إليه الشافعيّة وجماعة، من أن الاستلحاق يجوز للأخ هو الراجح؛ عملًا بظاهر حديث الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): استُدلّ بهذا الحديث على أن الأمة تصير فراشًا بالوطء، فإذا اعترف السيّد بوطء أمته، أو ثبت ذلك بأيّ طريق كان، ثم أتت بولد لمدّة الإمكان بعد الوطء لحقه من غير استلحاق، كما في الزوجة، لكن
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ٤٦٨.
[ ٢٥ / ٧٠٣ ]
الزوجة تصير فراشًا بمجرّد العقد، فلا يُشترط في الاستلحاق إلا الإمكان؛ لأنها تراد للوطء، فجعل العقد عليها كالوطء، بخلاف الأمة، فإنها تراد لمنافع أخرى، فاشتُرط في حقّها الوطء، ومن ثَمّ يجوز الجمع بين الأختين بالمُلك، دون الوطء، وهذا قول الجمهور.
وعن الحنفيّة لا تصير الأمة فراشًا إلا إذا ولدت من السيّد ولدًا، ولحق به، فمهما ولدت بعد ذلك لحقه إلا أن ينفيه.
وعن الحنابلة: من اعترف بالوطء، فأتت منه لمدّة الإمكان لحقه، وإن ولدت منه أوّلًا، فاستلحقه لم يلحقه ما بعده إلا بإقرار مستأنف على الراجح عندهم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجيح المذهب الأول - كما قال الحافظ - ظاهرٌ؛ لأنه لم يُنقل أنه كان لزمعة من هذه الأمة ولد آخر، والكلّ متّفقون على أنها لا تصير فراشًا إلا بالوطء، قال النوويّ: وطء زمعة أمته المذكورة عُلم، إما ببيّنة، وإما باطلاع النبيّ - ﷺ - على ذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وحديث ابن الزبير - ﵄ - عند النسائيّ، بلفظ: "كانت لزمعة جارية يطؤها" يشعر بأن ذلك كان مشهورًا عندهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): استُدلّ بالحديث على أن السبب لا يُخْرَج، ولو قلنا: إن العبرة بعموم اللفظ، ونقل الغزاليّ تبعًا لشيخه، والآمديّ، ومن تبعه عن الشافعيّ قولًا بخصوص السبب؛ تمسّكًا بما نُقل عن الشافعيّ أنه ناظر بعض الحنفيّة، لما قال: إن أبا حنيفة خصّ الفراش بالزوجة، وأخرج الأمة من عموم: "الولد للفراش"، فردّ عليه الشافعيّ بأن هذا ورد على سبب خاصّ.
وردّ الفخر الرازيّ على من قال بأن مراد الشافعيّ أن خصوص السبب لا يُخْرَج، والخبر إنما ورد في حقّ الأمة، فلا يجوز إخراجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): اتفق أهل العلم على أن قوله - ﷺ -: "الولد للفراش" يعمّ الزوجة أيضًا؛ أخذًا بعموم اللفظ، كما تقدّم، لكن بشرط الإمكان، فلو نكح مشرقيّ مغربيّةً، ولم يُفارق واحد منهما وطنه، ثم أتت بولد لستة أشهر،
[ ٢٥ / ٧٠٤ ]
أو أكثر، لم يلحقه؛ لعدم إمكان كونه منه، وكذا لو اجتمعا، لكن أتت به لأقلّ من ستة أشهر من حين إمكان اجتماعهما لم يلحقه أيضًا، هذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، والعلماء كافّة، إلا أبا حنيفة، فلم يشترط الإمكان، بل اكتفى بمجرّد العقد، حتى لو طلّق عقب العقد من غير إمكان وطء، فولدت لستة أشهر من العقد لحقه الولد.
قال النوويّ: وهذا ضعيفٌ، ظاهر الفساد، ولا حجة له في إطلاق الحديث؛ لأنه خرج على الغالب، وهو حصول الإمكان عند العقد (^١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ: الفراش هنا كناية عن الموطوءة؛ لأن الواطئ يستفرشها، أي يُصيّرها كالفراش، ويعني به أن الولد لاحقٌ بالواطئ، قال الإمام: وأصحاب أبي حنيفة يحملونه على أن المراد به صاحب الفراش، ولذلك لم يشترطوا إمكان الوطء في الحرّة، واحتجّوا بقول جرير [من الكامل]:
بَاتَتْ تُعَانِقُهُ وَبَاتَ فِرَاشُهَا … خَلَقَ الْعَبَاءَةِ فِي الدِّمَاءِ قَتِيلَا
يعني زوجها، والأول أولى؛ لما ذكرناه من الاشتقاق، ولأن ما قدّره من حذف المضاف ليس في الكلام ما يدلّ عليه، ولا ما يُحوج إليه. انتهى (^٢).
قال الحافظ: وفهم بعض الشرّاح - يريد به ولي الدين العراقيّ - عن القرطبيّ خلاف مراده، فقال: كلامه يقتضي حصول مقصود الجمهور بمجرّد كون الفراش هو الموطوءة، وليس هو المراد، فعُلم أنه لا بدّ من تقدير محذوف؛ لأنه قال: إن الفراش هو الموطوءة، والمراد به أن الولد لا يلحق بالواطئ، قال المعترض: وهذا لا يستقيم إلا مع تقدير المحذوف. قلت: وقد بيّنت وجه استقامته بحمد الله، ويؤيد ذلك أيضًا أن ابن الأعرابيّ اللغويّ نقل أن الفراش عند العرب يعبّر به عن الزوج، وعن المرأة، والأكثر إطلاقه على المرأة، ومما ورد في التعبير عن الرجل قول جرير، فيمن تزوّجت بعد قتل زوجها، أو سيّدها [من الكامل]:
بَاتَتْ تُعَانِقُهُ وَبَاتَ فِرَاشُهَا … خَلَقَ الْعَبَاءَةِ بِالْبَلَاءِ ثَقِيلَا
وقد يُعبّر به عن حالة الافتراش، ويمكن حمل الخبر عليها، فلا يتعيّن الحذف.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٣٧.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٩٦.
[ ٢٥ / ٧٠٥ ]
نعم لا يمكن حمل الخبر على كلّ واطئ، بل المراد من له الاختصاص بالوطء، كالزوج، والسيّد، ومن ثمّ قال ابن دقيق العيد: معنى "الولد للفراش": تابع للفراش، أو محكوم به للفراش، أو ما يقارب هذا.
وقد شنّع بعضهم على الحنفيّة بأن من لازم مذهبهم إخراج السبب مع المبالغة في العمل بالعموم في الأحوال.
وأجاب بعضهم بأنه خصّص الظاهر القويّ بالقياس، وقد عُرف من قاعدته تقديم القياس في مواضع على خبر الواحد، وهذا منها. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا بدّ لثبوت النسب من الإمكان زمانًا ومكانًا هو الصواب عندي؛ لوضوح متمسّكه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): قال المازريّ - ﵀ -: يتعلّق بهذا الحديث استلحاق الأخ لأخيه، وهو صحيح عند الشافعيّ، إذا لم يكن له وارث سواه، وقد تعلّق أصحابه بهذا الحديث لأنه لم يرد أن زمعة ادّعاه ولدًا، ولا اعترف بوطء أمه، فكان المعوّل في هذه القصّة على استلحاق عبد بن زمعة، قال: وعندنا - يعني المالكيّة - لا يصحّ استلحاق الأخ، ولا حجة في هذا الحديث؛ لأنه يمكن أن يكون ثبت عند النبيّ - ﷺ - أن زمعة كان يطأ أمته، فألحق الولد به؛ لأن من ثبت وطؤه لا يحتاج إلى الاعتراف بالوطء، وإنما يصعب هذا على العراقيين، ويعسر عليهم الانفصال عما قاله الشافعيّ؛ لما قرّرناه أنه لم يكن لزمعة ولدٌ من الأمة المذكورة سابقٌ، ومجرّد الوطء لا عبرة به عندهم، فيلزمهم تسليم ما قال الشافعيّ، قال: ولَمّا ضاق عليهم الأمر، قالوا: الرواية في هذا الحديث: "هو لك عبد بن زمعة"، وحُذف حرف النداء بين عبد وابن زمعة، والأصل: يا ابن زمعة، قالوا: والمراد أن الولد لا يلحق بزمعة، بل هو عبد لولده؛ لأنه وارثه، وأمر سودة بالاحتجاب منه؛ لأنها لم ترث زمعة؛ لأنه مات كافرًا، وهي مسلمةٌ، قال: وهذه الرواية التي ذكروها غير صحيحة، ولو وردت لرددناها إلى الرواية المشهورة، وقلنا: بل المحذوف حرف النداء بين "لك"، و"عبد"، كقوله
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ٤٧٠.
[ ٢٥ / ٧٠٦ ]
تعالى، حكاية عن صاحب يوسف - ﵇ -، حيث قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الآية [يوسف: ٢٩]. انتهى.
وسلك الطحاويّ فيه مسلكًا آخر، فقال: معنى قوله: "هو لك" أي يدك عليه، لا أنك تملكه، ولكن تمنع غيرك منه إلى أن يتبيّن أمره، كما قال لصاحب اللُّقطة: "هي لك"، وقال له: "إذا جاء صاحبها فأدّها إليه"، قال: ولما كانت سودة شريكة لعبد في ذلك، لكن لم يعلم منها تصديق ذلك، ولا الدعوى به، ألزم عبدًا بما أقرّ به على نفسه، ولم يجعل ذلك عليها، فأمَرَها بالاحتجاب.
وكلامه هذا كلّه متعقّبٌ بالرواية الثانية المصرّح فيها بقوله - ﷺ -: "أخوك"، فإنها رفعت الإشكال، وكأنه لم يقف عليها، ولا على حديث ابن الزبير وسودة الدّالّ على أن سودة وافقت أخاها عبدًا في الدعوى بذلك، قاله في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): أنه قد استدلّت الحنفيّة بهذا الحديث على أنه - ﷺ - لم يلحقه بزمعة؛ لأنه لو ألحقه به لكان أخا سودة، والأخ لا يؤمر بالاحتجاب منه.
وأجاب الجمهور بأن الأمر بذلك كان للاحتياط؛ لأنه وإن حكم بأنه أخوها؛ لقوله في الطرق الصحيحة: "هو أخوك يا عبد"، وإذا ثبت أنه أخو عبد لأبيه، فهو أخو سودة لأبيها، لكن لما رأى الشبه بيّنًا بعتبة أمرها بالاحتجاب منه احتياطًا، وأشار الخطّابيّ إلى أن في ذلك مزيّة لأمهات المؤمنين؛ لأن لهنّ في ذلك ما ليس لغيرهنّ، قال: والشبه يُعتبر في بعض المواطن، لكن لا يُقضى به، إذا وُجد ما هو أقوى منه، وهو كما يُحكم في الحادثة بالقياس، ثم يوجد فيها نصّ، فيُترك القياس، قال: وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث، وليس بثابت: "احتجبي منه، يا سودة، فإنه ليس لك بأخ"، وتبعه النوويّ، فقال: هذه الزيادة باطلة مردودة.
وتُعُقّب بأنها وقعت في حديث عبد الله بن الزبير، عند النسائيّ، بسند
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ٤٧١.
[ ٢٥ / ٧٠٧ ]
حسن، ولفظه: "كانت لزمعة جارية يطؤها. . ." الحديث، ورجال سنده رجال الصحيح، إلا شيخ مجاهد، وهو يوسف مولى آل الزبير.
وقد طعن البيهقيّ في سنده، فقال: فيه جرير، وقد نُسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، وفيه يوسف، وهو غير معروف، وعلى تقدير ثبوته، فلا يعارض حديث عائشة المتّفق على صحّته.
وتُعُقّب بأن جريرًا هذا لم يُنسب إلى سوء حفظ، وكأنه اشتبه عليه بجرير بن حازم، وبأن يوسف معروف في موالي آل الزبير، وبان الجمع بينهما ممكن، فلا ترجيح، وعلى هذا فيتعيّن تأويله، وإذا ثبتت هذه الزيادة تعيّن تأويل نفي الأخوة عن سودة على نحو ما تقدّم من أمرها بالاحتجاب منه.
ونقل ابن العربيّ في "القوانين" عن الشافعيّ نحو ما تقدّم، وزاد: ولو كان أخاها بنسب محقّق لَمَا منعها، كما أمر عائشة أن لا تحتجب من عمها من الرضاعة.
وقال البيهقيّ: معنى قوله: "ليس لك بأخ" بالنسبة للميراث من زمعة؛ لأن زمعة مات كافرًا، وخلف عبد بن زمعة، والولد المذكور، وسودة، فلا حقّ لسودة في إرثه، بل حازه عبد قبل الاستلحاق، فإذا استلحق الابن المذكور شاركه في الإرث، دون سودة، فلهذا قال لعبد: "هو أخوك"، وقال لسودة: "ليس لك بأخ".
وقال القرطبيّ - بعد أن قرّر أنّ أمر سودة بالاحتجاب للاحتياط، وتوقّي الشبهات -: ويَحْتَمِل أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حقّ أمهات المؤمنين، كما قال: "أفعَمْيَاوان أنتما"، فنهاهما عن رؤية الأعمى، مع قوله لفاطمة بنت قيس: "اعتدّي عند ابن أم مكتوم، فإنه أعمى"، فغلّظ الحجاب في حقّهنّ، دون غيرهنّ.
وقد قال بعض أهل العلم: إنه كان يحرم عليهنّ بعد الحجاب إبراز أشخاصهنّ، ولو كنّ مستترات، إلا لضرورة، بخلاف غيرهنّ، فلا يُشترط.
وأيضًا فإن للزوج أن يمنع زوجته من الاجتماع بمحارمها، فلعلّ المراد بالاحتجاب عدم الاجتماع في الخلوة.
وقال ابن حزم: لا يجب على المرأة أن يراها أخوها، بل الواجب عليها
[ ٢٥ / ٧٠٨ ]
صلة رحمها، ورَدّ على من زعم أن معنى قوله: "هو لك" أي عبدٌ بأنه لو قضى بأنه عبدٌ لما أمر سودة بالاحتجاب منه؛ إما لأن لها فيه حصّةً، وإما لأن من في الرقّ لا يُحتجب منه على القول بذلك، أفاده في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الراجح أن نهيه - ﷺ - سودة - ﵂ -، وقوله: "فإنه ليس لك بأخ" إن صح محمول على الاحتياط، فإنه وإن ثبت نسبه لأجل الفراش، إلا أن شَبَهه بعتبة يورث الشبهة، فيُحتاط من أجله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): استدلّ بالحديث بعض المالكيّة على مشروعيّة الحكم بين حُكْمين، وهو أن يأخذ الفرع شبهًا من أكثر من أصل، فيُعطَى أحكامًا بعدد ذلك، وذلك أن الفراش يقتضي إلحاقه بزمعة في النسب، والشبه يقتضي إلحاقه بعتبة، فأعطي الفرع حكمًا بين حكمين، فروعي الفراش في النسب، والشبه البيّن في الاحتجاب، قال: وإلحاقه بهما، ولو كان من وجه أولى من إلغاء أحدهما من كلّ وجه.
قال ابن دقيق العيد: ويُعتَرض على هذا بأن صورة المسألة ما إذا دار الفرع بين أصلين شرعيين، وهنا الإلحاق شرعيّ للتصريح بقوله: "الولد للفراش"، فبقي الأمر بالاحتجاب مشكلًا؛ لأنه يناقض الإلحاق، فتعيّن أنه للاحتياط، لا لوجوب حكم شرعيّ، وليس فيه إلا ترك مباح، مع ثبوت المحرميّة. انتهى، وهو اعتراض وجيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): أنه استُدلّ بهذا الحديث على أن لوطء الزنا حكم وطء الحلال في حرمة المصاهرة، وهو قول الجمهور، ووجه الدّلالة أمر سودة بالاحتجاب بعد الحكم بأنه أخوها لأجل الشبه بالزاني.
وقال مالك في المشهور عنه، والشافعيّ: لا أثر لوطء الزنا، بل للزاني أن يتزوّج أم التي زنى بها، وبنتها، وزاد الشافعيّ، ووافقه ابن الماجشون: والبنت التي تلدها المزنيّ بها، ولو عرفت أنها منه.
_________________
(١) "الفتح" ٤٧٢ - ٤٧٤.
[ ٢٥ / ٧٠٩ ]
قال النوويّ: وهذا احتجاج باطلٌ؛ لأنه على تقدير أن يكون من الزنا، فهو أجنبيّ من سودة لا يحلّ لها أن تظهر له سواء ألحق بالزاني، أم لا، فلا تعلّق له بمسألة البنت المخلوقة من الزنا.
قال الحافظ: كذا قال، وهو ردّ للفرع بردّ الأصل، وإلا فالبناء الذي بَنَوْه صحيحٌ.
وقد أجاب الشافعيّة عنه بما تقدّم أن الأمر بالاحتجاب للاحتياط، ويُحْمَل الأمر في ذلك إما على الندب، وإما على تخصيص أمهات المؤمنين بذلك، فعلى تقدير الندب، فالشافعيّ قائل به في المخلوقة من ماء الزنا، فيُجيز عند فقد الشبه، ويمنع عند وجوده، قاله في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه مالك والشافعي من أنه لا أثر لوطء الزنا هو الراجح عندي، وقد صح عن عليّ، وابن عباس، وغيرهما أنهم قالوا: إن الحرام لا يُحَرِّمُ الحلال، وأما أمره - ﷺ - سودة - ﵂ - بالاحتجاب فمن باب الاحتياط، ولأن أمهات المؤمنين - ﵅ - لسن كغيرهنّ من النساء، فيشدد عليهنّ ما لا يشدد على غيرهنّ، كما قال الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٢]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦١٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، كِلَاهُمَا عَن الزُّهْرِيِّ، بِهَذا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ، غَيْرَ أَنَّ مَعْمَرًا، وَابْنَ عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثِهِمَا: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ"، وَلَمْ يَذْكُرَا: "وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ").
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ٤٧٤.
[ ٢٥ / ٧١٠ ]
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو عثمان الْخُراسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: ابن محمد بن بُكير، تقدّم قبل بابين.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم أيضًا قبل بابين.
٥ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل باب.
٦ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين.
٧ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريبًا.
و"الزهريّ" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن الزهريّ ساقها البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه"، فقال:
(٢٢٨٩) - حدّثنا عبد اللهِ بن مُحَمَّدٍ، حدّثنا سُفْيَانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ - ﵂ - أَنَّ عَبْدَ بن زَمْعَةَ، وَسَعْدَ بن أبي وَقَّاصٍ، اخْتَصَمَا إلى النبيّ - ﷺ - في ابن أَمَةِ زَمْعَةَ، فقال سَعْدٌ: يا رَسُولَ اللهِ أَوْصَانِي أخِي، إذا قَدِمْتُ أَنْ أَنْظُرَ ابن أَمَةِ زَمْعَةَ، فَأَقْبِضَهُ، فإنه ابْنِي، وقال عبد بن زَمْعَةَ: أَخِي وابن أَمَةِ أبي، وُلِدَ على فِرَاشِ أبي، فَرَأَى النبيّ - ﷺ - شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فقال: "هو لك يا عبد بن زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَاحْتَجِبِي منه يا سَوْدَةُ". انتهى.
ورواية معمر، عن الزهريّ ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده" ٣/ ١٢٦ فقال:
(٤٤٤٨) - حدّثنا محمد بن يحيى، ومحمد بن إسحاق بن الصباح، والدَّبَرِيّ، قالوا: ثنا عبد الرزاق، قال: أنبا معمرٌ، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، أن عتبة بن أبي وقاص قال لأخيه سعد: أتعلم أن ابن جارية زمعة ابني؟ قالت عائشة: فلما كان يومُ الفتح رأى سعد الغلام، فعرفه بالشبه، فاحتضنه إليه، وقال: ابن أخي ورب الكعبة، فجاء عبد بن زمعة، فقال: بل هو أخي، وُلد على فراش أبي من جاريته، فانطلقا إلى النبيّ - ﷺ -، فقال سعد: يا رسول الله، هو ابن أخي، انظر إلى شبهه بعتبة، قالت: فرأى رسول الله - ﷺ -
[ ٢٥ / ٧١١ ]
شَبَهًا لم ير الناس شبها أبين منه بعتبة، فقال عبد بن زمعة: يا رسول الله، بل هو أخي، وُلد على فراش أبي من جاريته، فقال رسول الله - ﷺ -: "الولد للفراش، واحتجبي منه يا سودة"، قالت عائشة: فوالله ما رآها حتى ماتت. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦١٥] (١٤٥٨) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَن ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) هو: سعيد المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ من كبار [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٣ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٤ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون ذُكروا قبله، وشرح الحديث سبق في الذي قبله.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٣٦١٥ و٣٦١٦] (١٤٥٨)، و(البخاريّ) في "الفرائض" (٦٧٥٠) و"الحدود" (٦٨١٨)، و(الترمذيّ) في "النكاح" (١١٥٧)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٦/ ١٨٠) و"الكبرى" (٣/ ٣٧٨)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (٢٠٠٦)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧/ ٤٤٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٥١)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٤٦٥)، و(أحمد) في
[ ٢٥ / ٧١٢ ]
"مسنده" (٢/ ٢٣٩ و٢٨٠ و٣٨٦ و٤٠٩ و٤٦٦ و٤٧٥ و٤٩٢)، و(الدارميّ) ٢/ ٢٠٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٢٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٣١)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ١٧٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٤١٢) و"المعرفة" (٦/ ١٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦١٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الزُّهْرِيِّ، أَمَّا ابْنُ مَنْصُورٍ فَقَالَ: عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَمَّا عَبْدُ الْأَعْلَى فَقَالَ: عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَوْ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ زُهَيْرٌ: عَنْ سَعِيدٍ، أَوْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَحَدُهُمَا، أَوْ كِلَاهُمَا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ مَرَّةً عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَمَرَّةً عَنْ سَعِيدٍ، أَوْ أَبِي سَلَمَةَ، وَمَرَّةً عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ مَعْمَرٍ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادِ) بن نصر الباهليّ مولاهم، أبو يحيى البصريّ، المعروف بالنَّرْسيّ، ثقةٌ، من كبار [١٠] (ت ٦ أو ٢٣٧) (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين.
[تنبيه]: رواية سعيد بن منصور، عن سفيان، فساقها هو في "سننه" ٢١/ ١٠٧ فقال:
(٢١٣١) - أخبرنا سعيد (^١)، نا سفيان، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) قائل "أخبرنا" هو الراوي عن سعيد.
[ ٢٥ / ٧١٣ ]