قال الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه": "باب إنكاح الرجل وُلْدَه الصغار؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]، فجعل عدّتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ، ثم أورد حديث عائشة المذكور في الباب.
قال في "الفتح": قوله: لقول الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ إلخ، أي فدلّ على أن نكاحها قبل البلوغ جائزٌ، وهو استنباط حسنٌ، لكن ليس في الآية تخصيص ذلك بالولد، ولا بالبكر، ويمكن أن يقال: الأصل في الأبضاع التحريم إلا ما دلّ عليه الدليل، وقد ورد حديث عائشة في تزويج أبي بكر لها، وهي دون البلوغ، فبقي ما عداه على الأصل، ولهذا السرّ أورد حديث عائشة - ﵂ -، قال المهلّب: أجمعوا على أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر، ولو كانت لا يوطأ مثلها، إلا أن الطحاويّ حكى عن ابن شُبْرُمة منعه فيمن لا توطأ، وحكى ابن حزم عن ابن شُبرمة مطلقًا أن الأب لا يُزوّج ابنته البكر الصغيرة حتى تبلغ، وتأذن، وزعم أن تزويج النبيّ - ﷺ - عائشة، وهي بنت ستّ سنين كان من خصائصه، ومقابله تجويز الحسن، والنخعيّ للأب إجبار
[ ٢٥ / ٢٣٥ ]
بنته كبيرة كانت، أو صغيرةً، بكرًا كانت، أو ثيّبًا. انتهى (^١).
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٧٩] (١٤٢٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَزَوَّجَني رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِسِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ. قَالَتْ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَوُعِكْتُ شَهْرًا، فَوَفَى شَعْرِي جُمَيْمَةً، فَأَتَتْنِي أُمُّ رَومَانَ، وَأَنَا عَلَى أُرْجُوحَةٍ، وَمَعِي صَوَاحِبِي، فَصَرَخَتْ بِي، فَأَتَيْتُهَا، وَمَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي، فَأَخَذَتْ بِيَدِي، فَأَوْقَفَتْنِي عَلَى الْبَابِ، فَقُلْتُ: هَهْ هَهْ، حَتَّى ذَهَبَ نَفَسِي، فَأَدْخَلَتْنِي بَيْتًا، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ، فَغَسَلْنَ رَأْسِي، وَأَصْلَحْنَنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - ضُحًى، فَأَسْلَمْنَنِي إِلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هِشَامُ) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ ربما دَلَّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٢ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهور [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
والباقون ذُكروا في الأبواب الثلاثة الماضية.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٤٥٣ - ٤٥٤.
[ ٢٥ / ٢٣٦ ]
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، وأبي أسامة، فكوفيون.
٤ - (ومنها): أن قول أبي بكر بن أبي شيبة: "وجدت في كتابي عن أبي أسامة" فيه أن هذا وجادة، وليس سماعًا، لكن يُجاب عنه بأنه قد وُصل من رواية أبي كريب التي قبله، فإنه قال: "حدّثنا أبو أسامة"، فليس فيه انقطاع، على أن هذه الوجادة في كتاب نفسه، لا في كتاب غيره، فتنبّه.
قال النوويّ - ﵀ - في "شرحه": قوله: "وجدت في كتابي إلخ" معناه: أنه وجد في كتابه، ولم يذكر أنه سمعه، ومثل هذا تجوز روايته على الصحيح، وقول الجمهور، ومع هذا فلم يقتصر مسلم عليه، بل ذكره متابعة لغيره. انتهى (^١).
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الحديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - أنها (قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي) أي عقد عليّ النكاح، وكان ذلك بمكة قبل الهجرة (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِسِتِّ سِنِينَ) أي في السنة السادسة من مولدي، وسيأتي أنه - ﷺ - تزوّجها، وهي بنت سبع سنين، قال النوويّ: أما قولها في رواية: "تزوجني وأنا بنت سبع"، وفي أكثر الروايات: بنت ست، فالجمع بينهما أنه كان لها ستّ وكسر، ففي رواية اقتصرت على السنين، وفي رواية عَدَّت السنة التي دخلت فيها، والله أعلم. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقول عائشة - ﵂ -: "تزوجني رسول الله - ﷺ - لستِّ سنين"، وفي الرواية الأخرى: "وهي بنت سبع سنين" ظاهر هاتين الروايتين الاختلاف، فيمكن أن يقال: إن ذلك تقديرٌ لا تحقيقٌ، ويمكن أن يقال: إن ذلك كان في أوائل السنة السابعة، فيكون معنى قولها: "لست سنين": انقضت، وقولها: "وهي بنت سبع سنين" أي: هي فيها، والله أعلم. انتهى (^٣).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٠٧.
(٢) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٠٧.
(٣) "المفهم" ٤/ ١٢٠.
[ ٢٥ / ٢٣٧ ]
(وَبَنَى بِي) بالبناء للفاعل، أي دخل بي، وكان ذلك بالمدينة في شوّال من السنة الأولى من الهجرة، وقيل: من السنة الثانية.
[فائدة]: قال الفيّوميّ - ﵀ -: وبنى على أهله: دخل بها، وأصله أن الرجل كان إذا تزوّج بنَى للعِرْسِ خِبَاءً جديدًا، وعَمَّرَه بما يَحتاج إليه، أو بُنِيَ له؛ تكريمًا، ثم كثُر، حتى كُنِي به عن الجماع، وقال ابن دُريد: بَنَى عليها، وبَنَى بها، والأول أفصح، هكذا نقله جماعةٌ. ولفظ "التهذيب": والعامّة تقول: بَنَى بأهله، وليس من كلام العرب، قال ابن السّكّيت: بَنَى على أهله: إذا زُفّت إليه. انتهى (^١).
وعبارة ابن منظور: والباني: العَرُوس الذي يبني على أهله، قال الشاعر [شطر بيت من الوافر]:
يَلُوحُ كَأَنَّهُ مِصْبَاحُ بَانِي
وبَنَى فلان على أهله بِناءً، ولا يُقال بأهله، هذا قول أهل اللغة، وحكى ابن جنّي: بنى بأهله، وابتنى بها، عدّاهما جميعًا بالباء، ثم ذكر نحو ما تقدّم عن "تهذيب الأزهريّ"، قال: وقد ورد: بنى بأهله في شعر جِرْدَانِ الْعَوْدِ، قال [من الطويل]:
بَنَيْتُ بِهَا قَبْلَ الْمِحَاقِ بِلَيْلَةٍ … فَكَانَ مِحَاقًا كُلُّهُ ذَلِكَ الشَّهْرُ
قال ابن الأثير: وقد جاء: بَنَى بأهله في غير موضع من الحديث، وغير الحديث. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح" - بعد ما ذكر قول من قال: لا يقال: بنى بأهله - ما نصّه: ولا معنى لهذا التغليط؛ لكثرة استعمال الفصحاء له، وحسبك بقول عائشة: "بنى بي"، وبقول عروة في آخر الحديث: "وبنى بها". انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن "بنى بها" لغة عربيّة، فصيحة؛ لورودها في الشعر العربيّ، وفي كلام الفصحاء، كعائشة، وعروة،
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٦٣.
(٢) "لسان العرب" في مادة بنى.
(٣) "الفتح" ٧/ ٦٢٨ "كتاب مناقب الأنصار".
[ ٢٥ / ٢٣٨ ]
وغيرهم، وأثبتها من اللغويين ابن دُريد، وابن جنّي، فلا يصحّ دعوى أنها لغة عاميّة، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ) وفي رواية البخاريّ من طريق أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، قال: "تُوفّيت خديجة قبل مخرج النبيّ - ﷺ - إلى المدينة بثلاث سنين، فلبث سنتين، أو قريبًا من ذلك، ونكح عائشة، وهي بنت ستّ سنين، ثم بنى بها، وهي بنت تسع سنين".
فقال في "الفتح": فيه إشكال؛ لأن ظاهره يقتضي أنه لم يبن بها إلا بعد قدومه المدينة بسنتين، ونحو ذلك؛ لأن قوله: "فلبث سنتين، أو نحو ذلك"، أي بعد موت خديجة، وقوله: "ونكح عائشة"، أي عقد عليها لقوله بعد ذلك: "وبنى بها، وهي بنت تسع"، فيخرج من ذلك أنه بنى بعد قدومه بسنتين، وليس كذلك؛ لأنه وقع عند البخاريّ في "النكاح" من رواية الثوريّ، عن هشام بن عروة في هذا الحديث: "ومكثت عنده تسعًا"، وسيأتي ما قيل: من إدراج النكاح في هذه الطريق، وهو في الجملة صحيح، فإن عند مسلم من حديث الزهريّ، عن عروة، عن عائشة في هذا الحديث: "وزُفّت إليه، وهي بنت تسع، ولُعْبَتها معها، ومات عنها، وهي بنت ثمان عشرة"، وله من طريق الأسود، عن عائشة نحوه، ومن طريق عبد الله بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "تزوّجني رسول الله - ﷺ - في شوّال، وبنى بي في شوّال"، فعلى هذا فقوله: "فلبث سنتين، أو قريبًا من ذلك"، أي لم يدخل على أحد من النساء، ثم دخل على سودة بنت زمعة قبل أن يُهاجر، ثم بنى بعائشة بعد أن هاجر، فكأنّ ذكر سودة سقط على بعض رواته.
وقد روى أحمد، والطبرانيّ بإسناد حسن، عن عائشة، قالت: "لما تُوفّيت خديجة قالت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون: يا رسول الله ألا تَزَوّج؟ قال: نعم، فما عندكِ؟ قالت: بكر وثيّب، البكر بنت أحبّ خلق الله إليك عائشة، والثيّب سودة بنت زمعة، قال: فاذهبي، فاذكريهما عليّ، فدخلت على أبي بكر، فقال: إنما هي بنت أخيه، قال: قولي له: أنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي، فجاءه، فأنكحه، ثم دخلت على سودة، فقالت
[ ٢٥ / ٢٣٩ ]
لها: أخبري أبي، فذكرت له، فزوّجه" (^١)، وذكر ابن إسحاق وغيره أنه دخل على سودة بمكّة.
_________________
(١) هذا الحديث ساقه الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده" ٦/ ٢١٠ مطوّلًا، ولفظه:
(٢) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمد بن بشر، قال: حدّثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو سلمة ويحيى، قالا: لَمّا هَلَكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون، قالت: يا رسول الله ألا تزوج؟ قال: "من؟ " قالت: إن شئت بكرًا، وإن شئت ثيبًا، قال: "فمن البكر؟ " قالت: ابنة أحب خلق الله إليك، عائشة بنت أبي بكر، قال: "ومن الثيب؟ " قالت: سودة ابنة زمعة، قد آمنت بك، واتبعتك على ما تقول، قال: "فاذهبي، فاذكريهما عليّ"، فدخلت بيت أبي بكر، فقالت: يا أم رُومان ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله - ﷺ - أخطب عليه عائشة، قالت: انتظري أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر، فقالت: يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله - ﷺ - أخطب عليه عائشة، قال: وهل تصلح له، إنما هي ابنة أخيه، فرجعت إلى رسول الله - ﷺ -، فذكرت له ذلك، قال: "ارجعي إليه، فقولي له: أنا أخوك، وأنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي"، فرجعت، فذكرت ذلك له، قال: انتظري، وخرج، قالت أم رُومان: إن مطعم بن عديّ قد كان ذكرها على ابنه، فوالله ما وعد وعدًا قط، فأخلفه - لأبي بكر - فدخل أبو بكر على مطعم بن عديّ، وعنده امرأته أم الفتى، فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مُصْبٍ صاحبنا مدخله في دينك الذي أنت عليه أن تزوج إليك، قال أبو بكر للمطعم بن عديّ: أقول هذه تقول، إنها تقول ذلك، فخرج من عنده، وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عِدَته التي وعده، فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله - ﷺ -، فدعته، فزوّجها إياه، وعائشة يومئذ بنت ست سنين. ثم خرجت، فدخلت على سودة بنت زمعة، فقالت: ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله - ﷺ - أخطبك عليه، قالت: وَدِدت، ادخلي إلى أبي، فاذكري ذاك له، وكان شيخًا كبيرًا قد أدركه السنّ، قد تخلف عن الحجّ، فدخلت عليه، فحيّته بتحية الجاهلية، فقال: من هذه؟ فقالت: خولة بنت حكيم، قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة، قال: كفء كريم، ماذا تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذاك، قال: ادعها لي، فدعيتها، قال: أي بُنيةُ إن هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك، وهو كفء كريم، أتحبين أن أزوجك به؟ قالت: نعم، قال: ادعيه =
[ ٢٥ / ٢٤٠ ]
وأخرج الطبرانيّ من وجه آخر عن عائشة قالت: "لما هاجر رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر خَلَّفَنا بمكة، فلما استقرّ بالمدينة، بعث زيد بن حارثة، وأبا رافع، وبعث أبو بكر عبد الله بن أُرَيقط، وكتب إلى عبد الله بن أبي بكر أن يَحْمِل معه أُمَّ رُومان، وأم أبي بكر، وأنا وأختي أسماء، فخرج بنا، وخرج زيد، وأبو رافع بفاطمة، وأمّ كلثوم، وسودة بنت زمعة، وأخذ زيد امرأته أم أيمن، وولديها أيمن، وأسامة، واصطحبنا، حتى قدمنا المدينة، فنزلت في عيال أبي بكر، ونزل آل النبيّ - ﷺ - عنده، وهو يومئذ يبني المسجد وبيوته، فأدخل سودة بنت زمعة أحد تلك البيوت، وكان يكون عندها، فقال له أبو بكر: ما يمنعك أن تبني بأهلك؟ فبنى بي. . ." الحديث.
قال الماورديّ: الفقهاء يقولون: تزوّج عائشة قبل سودة، والمحدّثون يقولون: تزوّج سودة قبل عائشة، وقد يُجمع بينهما بأنه عقد على عائشة، ولم يدخل بها، ودخل بسودة.
_________________
(١) = لي، فجاء رسول الله - ﷺ - إليه، فزوّجها إياه، فجاءها أخوها عبد بن زمعة من الحج، فجعل يحثي في رأسه التراب، فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب أن تزوج رسول الله - ﷺ - سودة بنت زمعة. قالت عائشة: فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحرث بن الخزرج في السُّنْح، قالت: فجاء رسول الله - ﷺ -، فدخل بيتنا، واجتمع إليه رجال من الأنصار، ونساء، فجاءتني أمي، وإني لفي أرجوحة بين عذقين، ترجح بي، فأنزلتني من الأرجوحة، ولي جُميمة، ففرقتها، ومسحت وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودني، حتى وقفت بي عند الباب، وإني لأنهج، حتى سكن من نَفَسي، ثم دخلت بي، فإذا رسول الله - ﷺ - جالس على سرير في بيتنا، وعنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك، فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك، فوثب الرجال والنساء، فخرجوا، وبنى بي رسول الله - ﷺ - في بيتنا، ما نُحرت عليّ جزور، ولا ذُبحت عليّ شاة، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بِجَفْنة، كان يرسل بها إلى رسول الله - ﷺ - إذا دار إلى نسائه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين. انتهى "المسند" ٦/ ٢١٠ - ٢١١. وهذا مرسلٌ صحيح.
[ ٢٥ / ٢٤١ ]
قال الحافظ: والرواية التي ذكرتها عن الطبرانيّ ترفع الإشكال، وتوجّه الجمع المذكور، والله أعلم.
وقد أخرج الإسماعيليّ من طريق عبد الله بن محمد بن يحيى، عن هشام، عن أبيه "أنه كتب إلى الوليد: إنك سألتني متى توفّيت خديجة؟ وإنها توفّيت قبل مخرج النبيّ - ﷺ - من مكّة بثلاث سنين، أو قريب من ذلك، نكح النبيّ - ﷺ - عائشة بعد مُتَوَفَّى خديجة، وعائشةُ بنت ستّ سنين، ثم إن النبيّ - ﷺ - بنى بها بعد ما قدم المدينة، وهي بنت تسع سنين"، وهذا السياق لا إشكال فيه، ويرتفع به ما تقدّم من الإشكال أيضًا، والله أعلم.
وإذا ثبت أنه بنى بها في شوّال من السنة الأولى من الهجرة قوِيَ قولُ من قال: إنه دخل بها بعد الهجرة بسبعة أشهر، وقد وهّاه النوويّ في "تهذيبه"، وليس بواهٍ إذا عددناه من ربيع الأول، وجزمه بأن دخوله بها كان في السنة الثانية يُخالف ما ثبت أنه دخل بها بعد خديجة بثلاث سنين.
وقال الدمياطيّ في "السيرة" له: ماتت خديجة في رمضان، وعقد على سودة في شوّال، ثم على عائشة، ودخل بسودة قبل عائشة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحرر بما سبق أنه - ﷺ - تزوج عائشة قبل سودة، ودخل بسودة قبل عائشة - ﵂ -، وهذا هو الجمع السديد، والله تعالى أعلم بالصواب.
(قَالَتْ) عائشة - ﵂ - (فَقَدِمْنَا) بكسر الدال (الْمَدِينَةَ، فَوُعِكْتُ شَهْرًا) ببناء الفعل للمفعول، أي أصابني الْوَعْك، وهو أَلَمُ الْحُمَّى، قال المجد - ﵀ -: الْوَعْكُ: سكون الريح، وشِدّة الحرّ، كالْوَعْكة، وأذى الْحُمى، ووَجَعها، ومَغْثُهَا في البدن، وأَلَمٌ من شِدّة التعب، ورجلٌ وَعْكٌ - بفتح، فسكون - ووَعِكٌ - بفتح، فكسر - ومَوعُوكٌ. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قولها: "فوُعكت شهرًا": أي مرضت بالحمَّى، وكان هذا في أوّل قدومهم المدينة في الوقت الذي وُعِك فيه أبو بكر - ﵁ -، وقبل أن
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٦٢٩ - ٦٣٠ "كتاب مناقب الأنصار".
(٢) "القاموس المحيط" ٣/ ٣٢٣.
[ ٢٥ / ٢٤٢ ]
يَدْعُو النبِيُّ - ﷺ - للمدينة بأن يصحِّحها، وينقل حُمَّاها إلى الْجُحْفَة، فلمّا دعا؛ فعل الله ذلك. انتهى (^١).
(فَوَفَى شَعْرِي) أي كَمُل (جُمَيْمَةً) تصغير جُمّةٍ، وهي الشعر النازل إلى الأذنين، ونحوهما، أي صار إلى هذا الحدّ بعد أن كان قد ذهب بسبب المرض.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قولها: "فوفى شعري جُمَيْمَةً" أي بلغ إلى أن صار جُمَّةً صغيرة، وقد تقدم أنَّ "الجمَّة" إلى شحمة الأذن و"اللمَّة" للمنكب، وفي كلامها حذف، وتقديره: فوُعِكْتُ؛ فسقط شعري، ثم بَرِئْتُ فوفى جُميمةً. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": قولها: "فَوَفَى": أي كَثُر، وفي الكلام حذف تقديره: ثم فصلت من الوعك، فتَرَبَّى شعري، فكثر. وقولها: "جُميمة" بالجيم مصغرُ الجمةِ بالضم، وهي مُجْتَمَع شعر الناصية، ويقال للشعر إذا سقط عن المنكبين: جمةٌ، وإذا كان إلى شحمة الأذنين: وَفْرَةٌ. انتهى (^٣).
(فَأَتَتْنِي أُمُّ رُومَانَ) قال النوويّ - ﵀ -: هي أم عائشة - ﵄ -، وهي بضم الراء، وإسكان الواو، وهذا هو المشهور، ولم يذكر الجمهور غيره، وحَكَى ابن عبد البرّ في "الاستيعاب" ضم الراء وفتحها، ورجّح الفتح، وليس هو براجح. انتهى (^٤).
وقال في "العمدة": أم رَومان بفتح الراء، وضمها، زينب بنت عامر، وهي أم عبد الرحمن أخي عائشة أيضًا، ماتت سنة ست في قول الواقديّ والزبير، وهو الأصح. انتهى (^٥).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قولها: "فأتتني أُمَّ رُومان" أم رُومان - بضم الراء المهملة، ويقال بفتحها، والأول أشهر -، واسمها: زينب بنت عامر الكنانية، وهي زوج أبي بكر الصديق - ﵁ -، وأم ولديه: عبد الرحمن، وعائشة، أسلمت
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٢١.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٢١.
(٣) "الفتح" ٨/ ٦٦٢ "كتاب مناقب الأنصار" رقم (٣٨٩٤).
(٤) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٠٧.
(٥) "عمدة القاري" ١/ ٣٨.
[ ٢٥ / ٢٤٣ ]
وهاجرت، وتوفيت في حياة رسول الله - ﷺ -، ونزل رسول الله - ﷺ - في قبرها، واستغفر لها (^١).
وقولها: (وَأَنَا عَلَى أُرْجُوحَةٍ) جملة حاليّة من "فأتتني"، و"الأرجوحة" بضم الهمزة، هي خشبة يَلعَب عليها الصبيان، والجواري الصغار، يكون وسطها على مكان مرتفع، ويجلسون على طرفيها، ويحركونها، فيرتفع جانب منها، وينزل جانب (^٢).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: "الأُرجوحة" خشبة يَرْكَبُ على طرفيها صغيران، فيترجح أحدهما على الآخر تارة، والآخر أخرى، وبقال: الأرجوحة: حبل يُعَلَّق، فيركبه الصبيان، يلعبون عليه، قاله شيخنا المنذريّ الشافعيّ. انتهى.
وقولها: (وَمَعِي صَوَاحِبِي) جملة حاليّة أيضًا، و"الصواحب" جمع صاحبة (فَصَرَخَتْ بِي) أي صاحت صياحًا مُزعِجًا، ونادتني (فَأَتَيْتُهَا، وَمَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي) "ما" الأولى نافيةٌ، والثانية موصولة، أي: لم أعرف الذي تريد مني بندائها (فَأَخَذَتْ بِيَدِي، فَأَوْقَفَتْنِى) بقطع الهمزة، أي جعلتني واقفًا (عَلَى الْبَابِ) أي على باب البيت الذي فيه رسول الله - ﷺ -، وهو بيت أبي بكر - ﵁ -، كما بيّنته رواية أحمد الآتية، وقولها: (فَقُلْتُ: هَهْ هَهْ) بالتكرار، وهي كلمة يقولها المبهور (^٣) حتى يتراجع إلى حال سكونه، وهي بفتح الهاء الأولى، وإسكان الهاء الثانية، وهي هاء السكت.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قولها: "هه، هه" هي حكاية عن صوت المنْبَهِر؛ الذي ضاق نَفَسه، وذلك أنَّها كانت تتأرجح، ثم إنها صِيح بها صياحًا مزعجًا، فأتت مسرعة، فضاق نفسها لذلك، وانبهرت، ولذلك قالت: (حَتَّى ذَهَبَ نَفَسِي) وهو بفتح الفاء، وقد أخطأ من سكَّنها (فَأَدْخَلَتْنِي بَيْتًا، فَإِذَا) هي الفُجائيّة، أي ففاجأني (نِسْوَةٌ) بكسر النون أفصح من ضمّها، وهي والنساء اسمان لجماعة إناث الأَناسيّ، الواحدة امرأة من غير لفظ الجمع، قاله الفيّوميّ (^٤). (مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ) قال القرطبيّ - ﵀ -:
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٢١.
(٢) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٠٧.
(٣) أي المغلوب، أي الذي غلبه نفسه.
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٦٠٤.
[ ٢٥ / ٢٤٤ ]
هو نحو مِمَّا روي من حديث معاذ: أنَّ النبيّ - ﷺ - قال لرجل من الأنصار شهد إملاكه، فقال: "على الأُلفة والخير والطائر الميمون" (^١)، وقد قال - ﷺ - لابن عوف: "بارك الله لك" (^٢)، وروي عنه - ﷺ - أنه قال: "بارك الله لكم وعليكم" (^٣)، قال: وهذه أدعية، والدُّعاء كلُّه حسن، غير أن الدُّعاء بما دعا به النبيّ - ﷺ - أولى، ولذلك كره بعضهم قول العرب: بالرفاء والبنين. انتهى (^٤).
(وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ) الطائر: الحظُّ، يُطلَق على الحظّ من الخير والشر، والمراد هنا: على أفضل حظّ وبركة (^٥).
وقال في "المشارق": قوله: "على الخير والبركة، وعلى خير طائر": دعاءٌ بالسعادة، وأصل استعمالها من تفاؤل العرب بالطير، وقد يكون المراد بالطائر هنا: القَسْم والنصيب أيضًا. انتهى (^٦).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقولهن: "على خير طائر"، وقول النبيّ - ﷺ -: "وعلى الطائر الميمون"؛ على جهة التفاؤل الحسن، والكلام الطيب، وليس هذا من قبيل الطِّيَرة المنهي عنها؛ التي قال فيها - ﷺ -: "لا طِيَرة، وخيرها الفأل"، وقد ذكرنا أصل هذه اللفظة، وحكمها في كتاب الإيمان. انتهى.
(فَأَسْلَمَتْنِي) أي دفعتني أمي (إِلَيْهِنَّ) أي إلى نسوة الأنصار (فَغَسَلْنَ رَأْسِي، وَأَصْلَحْنَنِي) أي جهّزنني للدخول على النبيّ - ﷺ - بصفة العروس؛ لأن ذلك يُحبّبها إليه، ولأنه يتضمن إعلان النكاح، ولأنهن يؤانسنها، ويؤدبنها، ويُعلِّمنها آدابها حال الزفاف، وحال لقائها الزوج.
(فَلَمْ يَرُعْنِي) بضمّ الراء، وسكون العين: أي لم يفاجأني، ويأتيني بغتةً، وقال القرطبيّ: أي لم يُفْزِعني، والرَّوع: الفَزَع، وهو مستعملٌ في كلِّ أمر يطرأ على الإنسان فَجْأَةً، من خير أو شرٍّ، فيرتاع لفَجْأته. انتهى (^٧).
_________________
(١) رواه البيهقيّ في "الكبرى" ٧/ ٢٨٨، وراجع: "مجمع الزوائد" ٤/ ٢٩٠.
(٢) متّفقٌ عليه.
(٣) رواه أبو داود (٢١٣٠)، والترمذيّ (١٠٩١).
(٤) "المفهم" ٤/ ١٢٢.
(٥) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٠٧.
(٦) "مشارق الأنوار" ١/ ٣٢٤.
(٧) "المفهم" ٤/ ١٢٣.
[ ٢٥ / ٢٤٥ ]
وقال في "الفتح": قولها: "فلم يَرُعني" بضم الراء، وسكون العين: أي لم يُفزعني شيءٌ إلا دخوله عليّ، وكَنَتْ بذلك عن المفاجأة بالدخول على غير عالم بذلك، فإنه يُفْزِع غالبًا.
ورَوَى أحمد من وجه آخر هذه القصة مُطوَّلة: "قالت عائشة: قدِمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث، فجاء رسول الله - ﷺ -، فدخل بيتنا، فجاءت بي أمي، وأنا في أُرجوحة، ولي جُميمة، ففرقتها، ومسحت وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت بي تقودني حتى وقفت بي عند الباب، حتى سكن نَفَسي. . . الحديث (^١)، وفيه: "فإذا رسول الله - ﷺ - جالس على سريره، وعنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك يا رسول الله، بارك الله لك فيهم، فوثب الرجال والنساء، وبنى بي رسول الله - ﷺ - في بيتنا، وأنا يومئذ بنت تسع سنين".
(إِلَّا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - ضُحًى) أي في وقت الضحى (فَأَسْلَمْنَنِي إِلَيْهِ) فيه جواز الزفاف، والدخول بالعروس نهارًا، وهو جائز ليلًا ونهارًا، واحتجّ به البخاريّ في الدخول نهارًا، وترجم عليه بابًا، فقال: "باب البناء بالنهار"، وأورد حديث الباب مختصرًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٣٤٧٩ و٣٤٨٠ و٣٤٨١ و٣٤٨٢] (١٤٢٢)، و(البخاريّ) في "مناقب الأنصار" (٣٨٩٦) و"النكاح" (٥١٣٣ و٥١٣٤ و٥١٥٨)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢١٢١) و"الأدب" (٤٩٣٣ و٤٣٥) والنسائيّ) في "النكاح" (٣٢٥٦ و٣٢٥٧ و٣٢٥٨ و٣٢٥٩ و٣٣٧٨ و٣٣٧٩ و٣٣٨٠) وفي "الكبرى" (٥٣٦٥ و٥٣٦٦ و٥٣٦٧ و٥٣٦٨ و٥٣٦٩ و٥٥٦٩
_________________
(١) تقدّم ذكر حديث أحمد في الهامش بتمامه في هذا الباب، فتنبّه.
[ ٢٥ / ٢٤٦ ]
و٥٥٧٠ و٥٥٧١ و٥٥٧٢)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٨٧٦)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٤٥٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ١١٨ و٢٨٠)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٢٦١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٠٩٧)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤٦٠٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٧٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٨٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ٤٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ١٤٨ - ١٤٩ و١٠/ ٢٢٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز إنكاح الأب بنته الصغيرة، وهو مجمع عليه، إلا ما حكي عن ابن شُبرمة، كما تقدّم.
٢ - (ومنها): جواز نكاح المرأة، وإن لم تكن صالحة للوطء.
٣ - (ومنها): أن الوليّ الخاصّ يقدّم على الوليّ العامّ، حيث زوّج أبو بكر بنته عائشة للنبيّ - ﷺ -، وقد اختُلف فيه عند المالكيّة، كما أشار إليه في "الفتح".
٤ - (ومنها): أن النهي عن إنكاح البكر حتى تُستأذن مخصوص بالبالغة حتى يُتصوّر منها الإذن، وأما الصغيرة فلا حاجة إلى استئذانها؛ إذ لا معنى لذلك، حيث إنها لا تدري ما هو النكاح، قال النوويّ - ﵀ -: هذا صريحٌ في جواز تزويج الأب الصغيرةَ بغير إذنها؛ لأنه لا إذن لها، والجدّ كالأب عندنا. انتهى.
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: ذهبت طائفة إلى أن بلوغ المرأة تسعَ سنين يوجب إجبارها على الدخول إذا طلبه الزوج، وبه قال أحمد، وأبو عبيد، وقال مالك، وأبو حنيفة: حدُّ ذلك أن تطيق الرّجُل، فإن لم تطق؛ لم يُمَكَّن الزوج منها، وإن بلغت التسع، وقال الشافعيّ: حدُّ ذلك أن تطيق الرّجُل، وتقارب البلوغ.
وحكم إلزام الزوج النفقة حكم الجبر، فمتى أجبرناها على الدخول ألزمناه لها النفقة. انتهى (^١).
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٢١.
[ ٢٥ / ٢٤٧ ]
٦ - (ومنها): استحباب الدعاء بالخير والبركة لكل واحد من الزوجين، ومثله في حديث عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: "بارك الله لك" (^١).
٧ - (ومنها): استحباب تنظيف العَرُوس، وتزيينها لزوجها.
٨ - (ومنها): استحباب اجتماع النساء لتجهيز العروس لزوجها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في إجبار الأب ابنته على النكاح:
قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا الحديث مستند الإجماع (^٢) على أن الأب يُجبر البكر الصغيرة على النكاح، وإذا جاز ذلك في الأنثى التي لا تملك حلَّ العقد عن نفسها، فلأن يجوز في الصغير الذي يملك حلَّ العقد عن نفسه عند بلوغه أحرى وأولى، وما ذكرناه جارٍ على مذهب مالك، والشافعي، وفقهاء أهل الحجاز.
وأمَّا أهل العراق فقالوا: لها الخيار إذا بلغت، إلا أبا يوسف، فإنه قال: لا خيار لها. ثم اختلفوا في غير الأب، من وليٍّ أو وصيٍّ، هل له أن يجبر أم لا؟ فمنع الجمهور ذلك؛ غير أن الشافعي جعل الجدَّ بمنزلة الأب، وغير ما روي عن مالك في الوصي على الإنكاح: أنه يجبر - في أحد قوليه - وهو الذي حكاه الخطَّابي عن مالك، وعن حمَّاد بن أبي سلمة (^٣)، وقاله شريح، وعروة بن الزبير، والمشهور عن مالك المنع من ذلك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، وجماعة من السلف بجواز ذلك، وليس بصحيح؛ لما يختصّ به الأب من فرط الشَّفقة، والاجتهاد في ابتغاء المصلحة، فإنه يختصُّ من ذلك بما لا يوجد في غيره غالبًا، ويكفي هذا فارقًا مانعًا من الإلحاق. انتهى.
وقال النوويّ - ﵀ -: وأجمع المسلمون (^٤) على جواز تزويجه بنته الصغيرة؛ لهذا الحديث.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٠٧.
(٢) دعوى الإجماع فيها نظر، فقد خالف ابن شُبرمة، فتنبّه.
(٣) هكذا النسخة، والظاهر أنه حماد بن أبي سليمان، فليُحرّر.
(٤) دعوى الإجماع فيها نظر، كما مرّ آنفًا.
[ ٢٥ / ٢٤٨ ]
قال: وإذا بلغت فلا خيار لها في فسخه عند مالك، والشافعيّ، وسائر فقهاء الحجاز.
وقال أهل العراق: لها الخيار إذا بلغت، أما غير الأب، والجدّ من الأولياء، فلا يجوز أن يزوّجها عند الشافعيّ، والثوريّ، ومالك، وابن أبي ليلى، وأحمد، وأبي ثور، وأبي عُبيد، والجمهور، قالوا: فإن زوّجها لم يصحّ، وقال الأوزاعيّ، وأبو حنيفة، وآخرون من السلف: يجوز لجميع الأولياء، ويصحّ، ولها الخيار إذا بلغت، إلا أبا يوسف، فقال: لا خيار لها.
واتفق الجمهور على أن الوصيّ الأجنبيّ لا يزوّجها. وجوّز شُريحٌ، وعروة، وحمّادٌ له تزويجها قبل البلوغ. وحكاه الخطّابيّ عن مالك أيضًا.
قال: (واعلم): أن الشافعيّ، وأصحابه قالوا: يُستحبّ أن لا يزوّج الأب والجدّ حتى تبلغ، ويستأذنها؛ لئلا يوقعها في أسر الزوج، وهي كارهةٌ، وهذا الذي قالوه لا يخالف حديث عائشة - ﵂ -؛ لأن مرادهم أنه لا يزوّجها قبل البلوغ إذا لم تكن مصلحةٌ ظاهرةٌ يخاف فوتها بالتأخير، كحديث عائشة - ﵂ -، فيستحبّ تحصيل ذلك الزوج؛ لأن الأب مأمور بمصلحة ولده، فلا يفوّتها.
قال: وأما وقت زفاف الصغيرة المزوّجة، والدخول بها، فإن اتّفق الزوج والوليّ على شيء لا ضرر فيه على الصغيرة عُمل به، وإن اختلفا، فقال أحمد، وأبو عُبيد: تُجبر على ذلك بنت تسع سنين دون غيرها.
وقال مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة: حدّ ذلك أن تُطيق الجماع، ويختلف ذلك باختلافهنّ، ولا يُضبط بسنّ، وهذا هو الصحيح، وليس حديث عائشة تحديدًا، ولا المنع من ذلك فيمن أطاقته قبل تسع، ولا الإذن فيه لمن لم تُطقه، وقد بلغت تسعًا.
قال الداوديّ: وكانت عائشة قد شبّت شَبابًا حسنًا - ﵂ -. انتهى كلام النووي - ﵀ - (^١)، وهو تحقيق نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٠٦ - ٢٠٨.
[ ٢٥ / ٢٤٩ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٨٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ - ﷺ -، وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَبَنَى بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب.
٤ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٨١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَزَوَّجَهَا، وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ، وَزُفَّتْ إِلَيْهِ، وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، وَلُعَبُهَا مَعَهَا، وَمَاتَ عَنْهَا، وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانَ عَشْرَةَ) (^١).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله.
_________________
(١) وفي نسخة: "ثماني عشرة".
[ ٢٥ / ٢٥٠ ]
وقولها: (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَزَوَّجَهَا) فيه التفات؛ إذ الأصل أن تقول: تزوجني إلخ، فتنبّه.
وقوله: (وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ) تقدّم أنه لا تنافي بينه وبين قولها: "تزوجني، وأنا ابن ستّ سنين"؛ لإمكان الجمع بأن ذلك كان في أوائل السنة السابعة، فيكون معنى قولها: "ست سنين" التي انقضت، ومعنى "سبع سنين" التي هي فيها، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَزُفَّتْ إِلَيْهِ) بالبناء للمفعول، يقال: زَفَّت النساء العَرُوس إلى زوجها زَفًّا، من باب نصر، والاسم الزِّفَاف بالكسر، ككتاب، وهو إهداؤها إليه، وأزفّتها بالألف لغة، وزَفّ الرجلُ يَزِفّ، من باب ضرب: أسرع، والاسم الزَّفِيف (^١).
وقوله: (وَلُعَبُهَا مَعَهَا) "اللُّعَب" بضمّ، ففتح: جمع لُعْبَة، بضمّ، فسكون، وزانُ غُرْفَة، وغُرَفٍ، وهي كلُّ ما يُلْعَب به مثلُ الشِّطْرنج، والنَّرْد (^٢)، قال النوويّ - ﵀ -: المراد هنا هذه اللُّعَب المسماة بالبنات التي تَلْعَب بها الجواري الصغار، ومعناه التنبيه على صِغَر سنها، قال القاضي عياض - ﵀ -: وفيه جواز اتخاذ اللُّعَبِ، وإباحة لَعِب الجواري بهنّ، وقد جاء في الحديث الآخر أن النبيّ - ﷺ - رأى ذلك، فلم ينكره، قالوا: وسببه تدريبهنّ لتربية الأولاد، وإصلاح شأنهنّ وبيوتهنّ. انتهى كلام القاضي.
قال النوويّ: ويَحْتَمِل أن يكون مخصوصًا من أحاديث النهي عن اتخاذ الصور؛ لما ذكره من المصلحة، ويَحْتَمِل أن يكون هذا منهيًّا عنه، وكانت قصّة عائشة - ﵂ - هذه، ولُعَبها في أول الهجرة قبل تحريم الصور، والله أعلم. انتهى.
وقولها: (وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانَ عَشْرَةَ) وفي نسخة: "ثماني عشرة".
والحديث متّفق عليه، ومضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٥٤.
(٢) راجع: "المصباح" ٢/ ٥٥٤.
[ ٢٥ / ٢٥١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٨٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى وَإِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الْأَعْمَشِ، عَن إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَهِيَ بِنْتُ سِتٍّ، وَبَنَى بِهَا، وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ، وَمَاتَ عَنْهَا، وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانَ عَشْرَةَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (الْأَعْمَشُ) سليمان مِهْران، تقدّم قريبًا.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ فقيهٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.