وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٨٥] (١٤٢٤) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ
_________________
(١) ترجم النوويّ - ﵀ - بقوله: "باب ندب من أراد نكاح امرأة إلى أن ينظر إلى وجهها، وكفيها قبل خِطبتها"، وليس في الحديث تقييد ما ينظر إليه بالوجه والكفين، وإنما أخذه من مذهبه، وهذا لا ينبغي لشارح كتاب من كتب الحديث أن يقيّد الحديث بالمذهب، إلا إذ وجد نصًّا يقيّده بذلك، وهذه المسألة الخلاف فيها مشهور، كما سيأتي في المسائل، ولذا عدلت عن ترجمته إلى ترجمة تناسب الحديث، فتفطّن، والله تعالى وليّ التوفيق.
[ ٢٥ / ٢٥٦ ]
يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - (^١)، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَاذْهَبْ، فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وستأتي تراجمهم في الحديث التالي مع شرح الحديث، سوى "ابن أبي عمر"، وهو محمد بن يحيى بن أبي عمر، و"سفيان"، وهو ابن عيينة، فقد تقدّما قبل بابين، وإنما أخّرت شرح الحديث؛ لكون الثاني أتمّ وأطول، فتنبّه.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٨٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: "هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا"، قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا، قَالَ: "عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟ "، قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ (^٢)، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: "عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟، كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ، تُصِيبُ مِنْهُ"، قَالَ: فَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ، بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ مَعِينِ) بن عون الْغَطَفانيّ مولاهم، أبو زكرياء البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ مشهور، إمام الجرح والتعديل [١٠] (ت ٢٣٣) بالمدينة النبويّة، وله بضع و(٧٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ) أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، كان يدلس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
_________________
(١) وفي نسخة: "كنت جالسًا عند النبيّ - ﷺ -".
(٢) وفي نسخة: "على أربع أواقيّ".
[ ٢٥ / ٢٥٧ ]
٣ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنَين الكوفيّ، صدوق يخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٤ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ الثقة [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى يزيد بن كيسان، كما مرّ آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فبغداديّ، وغير الصحابيّ، فمدنيّ.
٤ - (ومنها): أنّ فيه أبا هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قال في "الفتح": هذا الرجل يَحْتَمِل أن يكون المغيرة - ﵁ -، فقد أخرج الترمذيّ، والنسائيّ، من حديثه أنه خطب امرأةً، فقال له النبيّ - ﷺ -: "انظر إليها، فإنه أحرى أن يدوم بينكما"، وصححه ابن حبان، وأخرج أبو داود، والحاكم، من حديث جابر - ﵁ - مرفوعًا: "إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل"، وسنده حسنٌ، وله شاهد من حديث محمد بن مسلمة، وصححه ابن حبان، والحاكم، وأخرجه أحمد، وابن ماجه، ومن حديث أبي حميد، أخرجه أحمد، والبزار. انتهى (^١).
(إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ) أي أردت أن أتزوّج، كما بُيّن في الروايات الأخرى، فقد أخرجه النسائيّ بلفظ: "خطب رجل امرأةً من الأنصار،
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٤٤٠.
[ ٢٥ / ٢٥٨ ]
فقال له رسول الله - ﷺ -: هل نظرت إليها؟ " (امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرف الرجل، ولا المرأة (^١). (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: "هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟) وفي الرواية السابقة: "أنظرت إليها؟ قال: لا، قال: فاذهب، فانظر إليها"، وفي رواية للنسائيّ: "فأمره أن ينظر إليها"، ثم بيّن - ﷺ - سبب أمره بالنظر إليها بقوله: (فَإِنَّ فِي عُيُونِ الْأَنْصَارِ) جمع عين، كفلس وفُلُوس، وفي الرواية السابقة: "فإن في أعين الأنصار"، وقوله: (شَيْئًا") قال النوويّ - ﵀ -: هكذا الرواية المشهورة: "شيئًا" بالهمز، وهو واحد الأشياء، قيل: المراد صغرٌ، وقيل: زُرْقةٌ. انتهى (^٢).
وقال الغزاليّ في "الإحياء": اختُلِف في المراد بقوله: "شيئًا"، فقيل: عَمَشٌ، وقيل: صغرٌ، قال الحافظ: الثاني وقع في رواية أبي عوانة في "مستخرجه"، فهو المعتمد. انتهى (^٣).
قال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: هذا الأمر - يعني أمره - ﷺ - الرجل بالنظر إلى المرأة المخطوبة - على جهة الإرشاد إلى المصلحة، فإنه إذا نظر إليها، فلعلّه يرى منها ما يُرغّبه في نكاحها، وقد نبّه النبيّ - ﷺ - على هذا بقوله فيما ذكره أبو داود من حديث جابر - ﵁ -، إذ قال: "إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" (^٤)، ولا يقال مثلُ هذا
_________________
(١) "تنبيه المعلم" ص ٢٣٥ - ٢٣٣.
(٢) "شرح النوويّ" ٩/ ٢١٠.
(٣) "الفتح" ١١/ ٤٣٩ - ٤٤٠.
(٤) رواه الشافعيّ، وأحمد، وعبد الرزّاق، والبزّار، والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبيّ، وقال الحافظ: ورجاله ثقات، وفي إسناده محمد بن إسحاق - يعني أنه مدلِّسٌ، لكنه صرّح بالتحديث في إحدى روايتي أحمد، وأعلّه ابن القطّان بواقد بن عبد الرحمن، وقال: المعروف واقد بن عمرو، قال الحافظ: ورواية الحاكم فيها واقد بن عمرو، وكذا رواية الشافعيّ، وعبد الرزّاق. انتهى. "التلخيص الحبير" ٣/ ٣٠٦. قال الإمام أحمد - ﵀ -: حدّثنا يعقوب، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدّثني داود بن الْحُصين مولى عمرو بن عثمان، عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إذا خطب أحدكم المرأة، فقدر أن يرى منها بعض ما يدعوه إليها، فليفعل". انتهى. "المسند" رقم (١٤٣٤٠). =
[ ٢٥ / ٢٥٩ ]
في الواجب، وقاعدة النكاح - وإن كان معاوضةً - مفارقةٌ لقاعدة البيوع، من حيث إنها مبنيّةٌ على المكارمة، والمواصلة، وإظهار الرغبات، والعمل على مكارم الأخلاق، بحيث يجوز فيها النكاح من غير ذكر صداق، وتجوز فيها ضروبٌ من الجهالات والأحكامِ، لا يجوز شيء منها في البيوع، والمعاملات المبنيّة على المشاحّة، والمغابنة، ومن هنا جاز عقد النكاح على امرأة لا يُعرف حالها من جمال، وشباب، وحسن خُلُقٍ، وتمام خَلْقٍ، وهذه وإن كانت مجهولةً حالة العقد، لم يضرّ الجهل بها؛ إذ لم يلتفت الشرع إليه في هذا الباب، فالأمر بالنظر إلى المخطوبة أحرى بأن لا يكون واجبًا، فلم يبقَ إلا أن يحمل ذلك الأمر على ما تقدّم، وبهذا قال جمهور الفقهاء: مالكٌ، والشافعيّ، والكوفيّون، وغيرهم، وأهل الظاهر، وقد كره ذلك قومٌ، لا مبالاة بقولهم؛ للأحاديث الصحيحة في هذا الباب. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
(قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا) الظاهر أن هذا النظر بعد أمر النبيّ - ﷺ - له بالنظر بقوله: "اذهب، فانظر إليها"، فذهب، فجاء، فأخبره بأنه نظر إليها (قَالَ) - ﷺ - ("عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟! قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ) بفتح الهمزة، وفي نسخة: "أواقيّ" بياء مشدّدة، وهي: جمع أوقيّة، قال الفيّوميّ - ﵀ -: و"الأوقيةُ" بضم الهمزة، وبالتشديد، وهي عند العرب: أربعون درهمًا (^٢)، وهي في تقدير أُفْعُولةٍ، كالأُعجوبة، والأُحدوثة، والجمع: الأواقي، بالتشديد، وبالتخفيف؛ للتخفيف، وقال ثعلب في باب المضموم أوله: وهي الأُوقِيّة، والْوُقيّةُ لغة، وهي بضم الواو، هكذا هي مضبوطة في كتاب ابن السِّكِّيت، وقال الأزهريّ: قال الليث: الْوُقِيَّة: سبعة مثاقيل، وهي مضبوطة بالضم أيضًا، قال الْمُطَرِّزِيّ: وهكذا هي
_________________
(١) = قال الجامع عفا الله عنه: هذا الإسناد رجاله ثقات، والأكثرون على أن واقدًا هو ابن عمرو، وهو ثقةٌ من رجال مسلم، وأما واقد بن عبد الرحمن فمجهول، فالحديث عندي صحيح، والله تعالى أعلم.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٢٥ - ١٢٦.
(٣) وقدّر بالمعيار المعاصر بـ (١٤٧) غرامًا، راجع ما كتبه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسّام - ﵀ - في كتابه: "توضيح المرام" ٤/ ٤٧١.
[ ٢٥ / ٢٦٠ ]
مضبوطة في "شرح السنة" في عِدَّة مواضع، وجرى على ألسنة الناس بالفتح، وهي لغة، حكاها بعضهم، وجمعها: وَقَايَا، مثلُ عَطِيّة وعَطَايَا. انتهى (^١).
(فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -) مستكثرًا كون المهر أربع أواقٍ، ومنكرًا له: ("عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ؟) أي أتزوّجتها على أربع أواقٍ؟ (كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ) - بكسر الحاء المهملة -: أي تقطعون (الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ) الْعُرْض - بضم العين المهملة، فسكون الراء -: هو الجانب والناحية.
ومعنى هذا الكلام: كراهية إكثار المهر بالنسبة إلى حال الزوج.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وهذا الإنكار منه - ﷺ - على هذا الرجل المتزوّج على أربعة أواق ليس إنكارًا لأجل المغالاة، والإكثار في المهر، فإنه - ﷺ - قد أصدق نساءه خمسمائة درهم، وأربعةُ أواق مائة وستّون درهمًا، وإنما أنكر بالنسبة إلى حال الرجل، فإنه كان فقيرًا في تلك الحال، فأدخل نفسه في مشقّة تَعَرَّضَ للسؤال بسببها، ولذلك قال له: "ما عندنا ما نعطيك"، ثم إن النبيّ - ﷺ - بكريم أخلاقه، ورأفته، ورحمته جبر منكسر قلبه بقوله: "ولكن عسى أن نبعثك في بعث، فتُصيب منه". يعني سريّةً في الغزو، فبعثه، فأصاب حاجته ببركة النبيّ - ﷺ -. انتهى.
(مَا) نافية، أي ليس (عِنْدَنَا مَا) موصولة، أي الذي (نُعْطِيكَ) يعني أنه ليس عنده مال يُساعده به على المهر المذكور (وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ) بفتح، فسكون: أي جيش، تسميةً بالمصدر؛ إذ البعث مصدر بعث، من باب نفع، والجمع: بُعوثٌ (تُصِيبُ مِنْهُ") أي تنال من ذلك البعث ما تدفعه مهرًا لامرأتك (قَالَ) أبو هريرة - ﵁ - (فَبَعَثَ النبيّ - ﷺ - بَعْثًا إِلَى بَنِي عَبْسٍ) بفتح العين المهملة، وسكون الموحّدة قبيلة مشهورة، والظاهر أنه أراد: عبس بن بَغِيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مُضر بن نِزار بن مَعَدّ بن عدنان، قاله في "اللباب" (^٢).
(بَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ) أي في أولئك الجيش،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٦٩ - ٦٧٠.
(٢) "اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/ ٩٨.
[ ٢٥ / ٢٦١ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٣٤٨٥ و٣٤٨٦] (١٤٢٤)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٣٢٣٥ و٣٢٤٧ و٣٢٤٨) وفي "الكبرى" (٥٣٤٥ و٥٣٤٧ و٥٣٤٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٢١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٨٦ و٢٩٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٨٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٨٤ و٢٣٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان إباحة نظر الخاطب إلى مخطوبته قبل أن يتزوّجها؛ وذلك ليكون داعيًا لنكاحها، أو دافعًا لتركها، كما بيّنه - ﷺ - في حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ - بقوله: "فإنه أجدر أن يُؤْدَم بينكما".
٢ - (ومنها): أن هذا مما يُستثنى من تحريم النظر إلى وجه الأجنبيّة، للضرورة.
٣ - (ومنها): أن فيه فضلَ الشريعة السمحة، وإحكام توجيهاتها، حيث تُراعِي مصالح العباد التي ينتظم بها معاشهم، ومعادهم، من غير حصول نَدَم، وتحسّر على الفائت، فإن الذي يتسارع إلى نكاح امرأة من غير نظر إليها، وتروٍّ في شأنها كثيرًا ما يقع في عكس مراده، إذا لم تعجبه المرأة، ولم تنبسط نفسه إليها، فيؤدّي ذلك إلى فراقها، وإلحاق الضرر بها بقطع أطماعها، فتلافيًا لمثل هذه الأخطار شرع الشارع الحكيم النظر إلى المخطوبة قبل النكاح، وإن كانت أجنبيّة دفعًا لأشدّ المفسدتين بأخفّهما، فما أجمل هذا التشريع، وما أحكمه؟، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في أقوال أهل العلم في حكم النظر إلى المرأة قبل النكاح:
قال النوويّ - ﵀ -: ذهب مالك، وأبو حنيفة، وسائر الكوفيين،
[ ٢٥ / ٢٦٢ ]
والشافعيّ، وأحمد، وجماهير العلماء، إلى استحباب النظر إلى من يريد تزويجها، وحكى القاضي عياض عن قوم كراهته، وهذا خطأ، مخالفٌ لصريح هذا الحديث، ومخالفٌ لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع، والشراء، والشهادة، ونحوها.
قال: ثمّ إنه إنما يباح له النظر إلى وجهها، وكفّيها فقط؛ لأنهما ليسا بعورة، ولأنه يُستدلّ بالوجه على الجمال، أو ضدّه، وبالكفّين على خُصوبة البدن، أو عدمها، قال: هذا مذهبنا، ومذهب الأكثرين، وقال الأوزاعيّ: ينظر إلى مواضع اللحم، وقال داود: ينظر إلى جميع بدنها، وهذا خطأٌ ظاهرٌ، منابذ لأصول السنّة، والإجماع.
قال: ثم مذهبنا، ومذهب مالك، وأحمد، والجمهور أنه لا يُشترط في جواز النظر رضاها، بل له ذلك في غفلتها، ومن غير تقدّم إعلام، لكن قال مالك: أكره نظره في غفلتها، مخافة وقوع نظره على عورة، وعن مالك رواية ضعيفة أنه لا ينظر إليها إلا بإذنها، وهذا ضعيفٌ؛ لأن النبيّ - ﷺ - قد أذن في ذلك مطلقًا، ولم يشترط استئذانها؛ ولأنها تستحيي غالبًا من الإذن، ولأن في ذلك تغريرًا، فربما رآها، فلم تُعجبه، فيتركها، فتنكسر، وتتأذّى، ولهذا قال أصحابنا: يستحبّ أن يكون نظره إليها قبل الخِطْبة، حتى إن كرهها تركها من غير إيذاء، بخلاف ما إذا تركها بعد الخِطبة. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن النظر جائز، مطلقًا، فتقييد النظر بالوجه والكفّين مخالفٌ لظاهر الحديث، وبهذا يقول داود، وابن حزم، وهو رواية عن أحمد أيضًا، قال العلامة ابن القيّم - ﵀ - في "تهذيب السنن": وقال: داود: ينظر إلى سائر جسدها، وعن أحمد ثلاث روايات:
إحداهنّ: ينظر إلى وجهها ويديها.
والثانية: ينظر ما يظهر غالبًا، كالرقبة، والساقين، ونحوهما.
والثالثة: ينظر إليها كلها: عورة، وغيرها، فإنه نصّ عن أحمد على أنه يجوز أن ينظر إليها متجرّدة. انتهى (^٢).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٩/ ٢١٠ - ٢١١.
(٢) "تهذيب السنن" ٣/ ٢٥ - ٢٦.
[ ٢٥ / ٢٦٣ ]
وقال ابن قُدامة - ﵀ - في "المغني": قال أحمد في رواية حنبل: لا بأس أن ينظر إليها، وإلى ما يدعوه إلى نكاحها، من يد، وجسمٍ، ونحو ذلك، قال أبو بكر - يعني المروزيّ -: لا بأس أن ينظر إليها عند الخِطْبة حاسرةً.
قال: ووجه جواز النظر إلى ما يظهر غالبًا أن النبيّ - ﷺ - لَمّا أذن في النظر إليها من غير علمها، عُلم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر عادةً؛ إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور؛ ولأنه يظهر غالبًا، فأُبيح النظر إليه كالوجه؛ ولأنها امرأة أُبيح النظر إليها بأمر الشارع، فأبيح النظر منها إلى ذلك كذوات المحارم. انتهى (^١).
وقال أبو محمد بن حزم - ﵀ - في "المحلَّى": ومن أراد أن يتزوّج امرأةً حرّةً، أو أمة فله أن ينظر منها متغفّلًا لها، وغير متغفّلٍ إلى ما بطن منها، وظهر، قال: وقد اختلف الناس في ذلك، فصحّ عن ابن عمر إباحة النظر إلى ساقها، وبطنها، وظهرها، ويضع يده على عجزها، وصدرها، ونحو ذلك عن عليّ، ولم يصحّ عنه، وصحّ عن أبي موسى الأشعريّ إباحة النظر إلى ما فوق السرّة، ودون الركبة. انتهى (^٢).
والحاصل أن الصواب إطلاق الجواز؛ فقد أخرج الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده" ما هو صريح في إطلاق الجواز، وإن كانت غافلة، فقال - ﵀ -:
حدّثنا أبو كامل، حدّثنا زهير، حدّثنا عبد الله بن عيسى، حدّثني موسى بن عبد الله بن يزيد، عن أبي حُميد، أو أبي حميدة - قال: وقد رأى رسول الله - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا خطب أحدكم امرأة، فلا جناح عليه أن ينظر إليها، إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته، وإن كانت لا تَعلَم".
وهذا إسناد صحيح، والشكّ في الصحابيّ لا يضرّ، فقد صرّح بجواز رؤيتها، وإن كانت غافلة.
وأيضًا فالنبيّ - ﷺ - حينما قال للصحابي: "انظر إليها" ما حدّد له موضعًا للنظر، بل أطلق، وقد تأيد هذا بعمل راويه الصحابيّ - ﵁ -، فقد صحّ أن جابرًا - ﵁ - تخبّأ لمخطوبته حتى ينظر إليها غافلة، فنظر إليها، فأعجبته، فنكحها.
_________________
(١) "المغني" ٩/ ٤٩٠ - ٤٩١.
(٢) "المحلَّى" ١٠/ ٣٠ - ٣١.
[ ٢٥ / ٢٦٤ ]
ويُروى أيضًا عن محمد بن مسلمة الأنصاريّ - ﵁ -، وفي سنده حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ورواه ابن حبّان في "صحيحه"، وفيه ضعف أيضًا، غير أن للحديث طرقًا يتقوّى بمجموعها (^١).
وقد صحّ فعله عن عمر - ﵁ -، فقد أخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن أبي عمر، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن عليّ ابن الحنفيّة، "أن عمر - ﵁ - خطب إلى عليّ ابنته أمّ كلثوم، فذَكَر له صغرها، فقيل له: إنه ردّك، فعاوده، فقال له عليّ: أبعثُ بها إليك، فإن رضيتَ، فهي امرأتك، فأرسل بها إليه، فكشف عن ساقها، فقالت: مَهْ، لولا أنك أمير المؤمنين لصككتُ عينيك" (^٢).
فقد كشف عمر بن الخطاب - ﵁ - عن ساق مخطوبته، ولذا قال الحافظ في "التلخيص": وهذا يُشكل على من قال: إنه لا ينظر غير الوجه والكفّين.
وقال بعض المحقّقين: وتأيّد ذلك بعمل الصحابة - ﵃ -، ومنهم محمد بن مسلمة، وجابر بن عبد الله، فإن كلًّا منهما قد تخبّأ لخطيبته ليرى منها ما يدعوه إلى نكاحها، أفيظنّ بهما عاقلٌ أنهما تخبّآ للنظر إلى الوجه والكفّين فقط، ومثل عمر بن الخطّاب الذي كشف عن ساقي أم كلثوم بنت عليّ - ﵁ -.
فهؤلاء ثلاثة من كبار الصحابة، أحدهم الخليفة الراشد أجازوا النظر إلى أكثر من الوجه والكفّين، ولا مخالف لهم من الصحابة فيما أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما ذُكر من الأقوال في هذه المسألة، وأدلّتها أن إطلاق جواز النظر إلى المخطوبة، سواء كان إلى كفيها، ووجهها، أو غيرهما من بدنها، وسواء كان بإذنها، أو لا، هو الحقّ الموافق لظواهر أحاديث الباب، وعمل هؤلاء الصحابة - ﵃ -، فقد فعله عمر، وجابر، ومحمد بن مسلمة، وصحّ القول به عن ابن عمر، وأبي موسى الأشعريّ، كما تقدّم في كلام ابن حزم، فتأمّل بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) راجع: "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألبانيّ - ﵀ - ١/ ١٥٢ - ١٥٩ رقم (٩٧ و٩٨ و٩٩).
(٢) راجع: "الإصابة" ١٣/ ٢٨٠.
[ ٢٥ / ٢٦٥ ]
[تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ -: قال أصحابنا: وإذا لم يمكنه النظر إليها استُحبّ له أن يبعث امرأةً يَثِق بها تنظر إليها، وتخبره، ويكون ذلك قبل الخطبة؛ لما ذكرناه. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: يؤيّد ما قالوه: ما أخرجه أحمد، والطبرانيّ، والحاكم، والبيهقيّ من حديث أنس - ﵁ - أنه - ﷺ - بعث أمّ سُليم إلى امرأة، فقال: "انظري إلى عرقوبها، وشُمّي عوارضها"، ولفظ الطبرانيّ: "وشُمِّي معاطفها"، واستنكره أحمد، والمشهور فيه طريق عُمارة، عن ثابت، عنه. ورواه أبو داود في "المراسيل" عن موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن ثابت، ووصله الحاكم من هذا الوجه بذكر أنس فيه، وتعقّبه البيهقيّ بأن ذكر أنس فيه وَهَم، قال: ورواه أبو النعمان، عن حماد مرسلًا، قال: ورواه محمد بن كثير الصنعانيّ، عن حماد موصولًا، قاله الحافظ في "التلخيص" (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الأرجح في الحديث الإرسال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(فائدة): روى عبد الرزّاق في "الأمالي" بسند صحيح، عن ابن طاوس، قال: أردت أن أتزوّج امرأةً، فقال لي أبي: اذهب، فانظر إليها، فذهبت، فغلست رأسي، وترجّلت، ولبست من صالح ثيابي، فلما رآني في تلك الهيئة قال: لا تذهب. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الظاهر أن منع طاوس لابنه أن يذهب متزيّنًا خشية أن تغترّ المرأة بذلك، فتقع في الندم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[فائدة أخرى]: كتب الشيخ الألبانيّ - ﵀ - كلامًا نفيسًا مهمًّا، قال في "السلسلة الصحيحة" - ١/ ١٥٨ - بعد تخريجه أحاديث الباب ما نصّه:
هذا: ومع صحة الأحاديث في هذه المسألة، وقول جماهير العلماء بها - على الخلاف السابق - فقد أعرض كثير من المسلمين في العصور المتأخّرة عن العمل بها، فإنهم لا يسمحون للخاطب بالنظر إلى فتاتهم - ولو في حدود
_________________
(١) "شرح مسلم" ٩/ ٢١٤.
(٢) "التلخيص الحبير" ٣/ ٣٠٧.
[ ٢٥ / ٢٦٦ ]
القول الضيّق - تورّعًا منهم - زعموا -، ومن عجائب الورع البارد أن بعضهم يأذن لابنته بالخروج إلى الشارع سافرةً بغير حجاب شرعيّ، ثم يأبى أن يراها الخاطب في دارها، وبين أهلها بثياب الشرع.
وفي مقابل هؤلاء بعض الآباء المستهترين الذين لا يَغارون على بناتهم، تقليدًا منهم لأسيادهم الأوربيين، فيسمحون للمصوّر أن يصوّرهنّ، وهنّ سافرات سُفورًا غير مشروع، والمصوّر رجل أجنبيّ عنهنّ، وقد يكون كافرًا، ثم يقدّمون صورهنّ إلى بعض الشبّان بزعم أنهم يريدون خطبتهنّ، ثم ينتهي الأمر على غير خِطبة، وتظلّ صور بناتهم معهم، ليتغزّلوا بها، ولِيُطفئوا حرارة الشباب بالنظر إليها، ألا فتعسًا للآباء الذين لا يَغارون، وإنا لله، وإنا إليه راجعون. انتهى كلام الشيخ الألبانيّ - ﵀ -، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.