وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٢١] (١٤٦٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ، أقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سبَّعْتُ لِنِسَائِي").
_________________
(١) هو ابن الإمام أحمد، رواي "المسند" عنه.
(٢) قائل "أخبرنا" هو الراوي عنه.
[ ٢٥ / ٧٢٦ ]
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السَّمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن كثير بن أفلح الْعَبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، تقدّم قريبًا.
٥ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ النجّاريّ الْحَزْميّ، أبو عبد الملك المدنيّ القاضي، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، وخالة أبيه عمرة بنت عبد الرحمن، وعباد بن تميم الأنصاريّ.
وروى عنه عبد الملك بن زيد بن سعيد بن زيد بن عمرو، وأبو بكر بن نافع مولى زيد بن الخطاب، وعبد العزيز بن عبد الملك، ووهيب، وأبو أويس، والسفيانان، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صالح ثقةٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال الواقديّ: مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وهو ابن (٧٢) سنةً، وكان ثقةً، وله أحاديث، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس.
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٧ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ) المخزوميّ المدنيّ، ثقةٌ [٥] مات في أول خلافة هشام (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٠.
٨ - (أَبُوهُ) أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٠.
[ ٢٥ / ٧٢٧ ]
٩ - (أُمُّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة المخزوميّة أم المؤمنين - ﵂ -، تقدّمت قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة الأخذ والأداء منه ومنهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، ومحمد بن حاتم، فانفرد به هو وأبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من محمد بن أبي بكر، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن شيخه يعقوب أحد التسعة الذين اتّفق الجماعة بالرواية عنهم بلا واسطة.
٥ - (ومنها): أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أحد الفقهاء السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أميّة حذيفة، أو سُهيل بن المغيرة المخزوميّة أم المؤمنين - ﵂ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ) أي بعد أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزوميّ - ﵄ -، تزوّجها سنة أربع، وقيل: ثلاث من الهجرة، وعاشت بعد ذلك ستين سنةً، وماتت سنة (٦٢) وقيل: سنة إحدى، وقيل: قبل ذلك، والأول هو أصحّ.
[تنبيه]: في زواجه - ﷺ - أم سلمة قصّة ساقها ابن حبّان - ﵀ - في "صحيحه" ٩/ ٣٧٢ فقال:
(٤٠٦٥) - أخبرنا أحمد بن عليّ بن المثنى، حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا رَوْح بن عُبادة، حدّثنا ابن جريج، أخبرني حبيب بن أبي ثابت، أن عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمر، والقاسم بن محمد بن عبد الرحمن بن هشام أخبراه، أنهما سمعا أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يخبر،
[ ٢٥ / ٧٢٨ ]
أن أم سلمة زوج النبيّ - ﷺ - أخبرته أنها لَمّا قَدِمت المدينة أخبرتهم، أنها بنت أبي أمية بن المغيرة، فكذَّبوها، وجعلوا يقولون: ما أكذب الغرائب، ثم أنشأ ناس منهم الحجّ، فقالوا: تكتبين إلى أهلك، فكتبت معهم، فرجعوا إلى المدينة، فصدّقوها، فازدادت عليهم كرامةً، فقالت: لَمّا وضعت زينب، جاءني النبيّ - ﷺ - يخطبني، فقلت: مثلي لا يُنْكَح، أما أنا فلا وَلَدَ فيّ، وأنا غَيُور، ذات عيال، قال - ﷺ -: "أنا أكبر منكِ، وأما الغيرة فيُذهبها الله، وأما العيال فإلى الله وإلى رسوله"، فتزوجها رسول الله - ﷺ -، وقال: "إني آتيكم الليلةَ"، قالت: فأخرجت حبات من شعير كانت في جَرّتي، وأخرجت شَحْمًا، فعَصَدت له، قال (^١): فبات، ثم أصبح، فقال حين أصبح: "إن بك على أهلك كرامةً، إن شئت سبّعت لك، وإن أُسبِّع لك أسبّع لنسائي". انتهى (^٢).
(أقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا) أي ثلاث ليالٍ (وَقَالَ) - ﷺ - لَمّا طلبت منه أن لا يخرج، ففي رواية عبد الرحمن بن حميد، عن عبد الملك الآتية: "أن رسول الله - ﷺ - حين تزوّج أم سلمة، فدخل عليها، فأراد أن يخرج أخذت بثوبه" ("إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن، وضمير الشأن هو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده، قال ابن مالك - ﵀ - في "الكافية الشافية":
وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا … بِجُمْلَةٍ كَـ "إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى"
للابْتِدَا أَوْ نَاسِخَاتِهِ انْتَسَبْ … إِذَا أَتَى مُرْتَفِعًا أَوِ انْتَصَبْ
وَإِنْ يَكُنْ مَرْفُوعَ فِعْلٍ اسْتَتَرْ … حَتْمًا وَإِلَّا فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ
فِي بَابِ "إِنَّ" اسْمًا كَثِيرًا يُحْذَفُ … كَـ "إِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ"
وَجَائِزٌ تَأْنِيثُهُ مَتْلُوَّ مَا … أُنِّثَ أَوْ شَبِيهَ أُنْثَى فَاعْلَمَا
وَقَبْلَ مَا أُنِّثَ عُمْدَةً فَشَا … تَأْنِيثُهُ كَـ "إِنَّهَا هِنْدٌ رَشَا" (^٣)
(لَيْسَ بِكِ) أي لا يتعلّق بك، ويقع بك (عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ) - بفتح الهاء والواو -: أي احتقار، قيل: المراد بالأهل قبيلتها، والباء للسببية، أي لا يلحق
_________________
(١) كذا النسخة، ولعله "قالت"، فليُحرّر.
(٢) إسناده حسنٌ، كما قال محقق "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" ٩/ ٣٧٣.
(٣) "الكافية الشافية" ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤ بنسخة الشرح.
[ ٢٥ / ٧٢٩ ]
أهلَك بسببك هوان، وقيل: أراد بالأهل نفسه - ﷺ -، وكلٌّ من الزوجين أهل، والباء متعلقة بـ "هَوَان"، أي ليس اقتصاري على الثلاثة؛ لهوانك عليّ، ولا لعدم رغبتي فيك، ولكن لأنه الحكم الشرعيّ.
قال القاضي عياض - ﵀ -: معناه: لا يلحقك هوان، ولا يتعلّق بك، بل تستوفي حقّك من الْمُقام عندك، والتأنس به - ﷺ -، وذلك لَمّا أخذت بثوبه حين أراد الخروج، ففهم منها استقلال مُقامه عندها، والاستكثار منه، فبيّن لها ما لها، وما عليها من ذلك، وأنه إن زادها على حقّها وجب أن يزيد لنسائه، فيطول عليها مغيبه، فآثرت القُنوع بحقّها من الثلاث، ثم يُعطي نساءه من بعدها أيامهنّ المعلومة، ثم يرجع إليها، فيقرب رجوعه إليها، ونوبتها منه.
قال: والمراد بأهلِك هنا نفسه - ﷺ -، أي: لا أفعل فعلًا به هوانك عليَّ. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وإنما قال لها النبيّ - ﷺ - ذلك حين أخذت بثيابه تستزيده من الْمُقام عندها، فاستلطفها بهذا القول الحسن، ثم بعد ذلك بَيَّن لها وجه الحكم بقوله: "للبكر سبع، وللثيّب ثلاثٌ"، وهذا تقعيد للقاعدة، وبيان لحكمها، وهو حجة للجمهور على أبي حنيفة حيث يقول: لا يختصّ بذلك واحدة منهنّ، بل يقضي لسائر نسائه بمثل ذلك؛ تمسّكًا منه بمطلق الأمر بالعدل بينهنّ (^٢)، وسيأتي تمام البحث في ذلك - إن شاء الله تعالى -.
وقال النوويّ - ﵀ -: معنى قوله - ﷺ -: "ليس بك على أهلك هوان": لا يلحقك هَوَانٌ، ولا يَضِيع من حقك شيءٌ، بل تأخذينه كاملًا، ثم بَيَّن - ﷺحقَّها، وأنها مُخَيَّرة بين ثلاث بلا قضاء، وبين سبع، ويقضي لباقي نسائه؛ لأن في الثلاث مزيّةً بعدم القضاء، وفي السبع مزيةٌ لها بتواليها، وكمال الأنس فيها، فاختارت الثلاث؛ لكونها لا تُقْضَى، وليَقْرُب عَوْده إليها، فإنه يطوف عليهنّ ليلةً ليلةً، ثم يأتيها، ولو أخذت سبعًا طاف بعد ذلك عليهنّ سبعًا سبعًا، فطالت غيبته عنها. انتهى (^٣).
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٤/ ٦٥٩.
(٢) "المفهم" ٤/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٣) "شرح النوويّ" ١٠/ ٤٣ - ٤٤.
[ ٢٥ / ٧٣٠ ]
(إِنْ شِئْتِ) الزيادة على الثلاث (سَبَّعْتُ لَكِ) أي أقمت عندك سبع ليال، قال في "النهاية": اشتقُّوا فَعَّلَ من الواحد إلى العشرة، فمعنى سَبَّع: أقام عندها سبعًا، وثلَّث: أقام عندها ثلاثًا، وسبّع الإناء: إذا غسله سبع مرّات، وكذلك من الواحد إلى العشرة في كلّ قول أو فعل. انتهى (^١).
(وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي") وفي رواية عبد الرحمن بن حميد الآتية: "إن شئت زدتك، وحاسبتك به، للبكر سبعٌ، وللثيّب ثلاث"، وفي رواية عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك التالية: "إن شئت سبّعتُ عندك، وإن شئت ثَلَّثتُ، ثُمّ دُرْتُ، قالت: ثَلِّث"، وفي رواية الدارقطنيّ: "إن شئتِ أقمت عندك ثلاثًا خالصةً لك، وإن شئت سبّعتُ لك، وإن سبّعت لك سبّعتُ لنسائي"، قالت: تقيم معي ثلاثًا خالصةً.
وفي الحديث دليل على أن الزوج إذا تعدَّى السبع للبكر، والثلاث للثيب بطل الإيثار، ووجب قضاء سائر الزوجات مثل تلك المدة بالنصّ في الثيب، والقياس في البكر، ولكن إذا وقع من الزوج تعدي تلك المدّة بإذن الزوجة فلا قضاء.
قال في "الفتح": وحَكَى الشيخ أبو إسحاق في "المهذَّب" وجهين في أنه يقضي السبع، أو الأربع المزيدة، والذي قطع به الأكثر أنها إن اختارت السبع قضاها كلها، وإن أقامها بغير اختيارها قضى الأربع المزيدة. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
[تنبيه]: أخرج المصنّف - ﵀ - حديث الباب موصولًا، ومرسلًا، فأخرجه من رواية سفيان الثوريّ، عن محمد بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن أم سلمة - ﵂ -، متّصلًا، ثم أخرجه من رواية مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر،
_________________
(١) "النهاية" ٢/ ٣٣٦.
(٢) "الفتح" ١١/ ٦٦٠.
[ ٢٥ / ٧٣١ ]
عن أبي بكر بن عبد الرحمن: أن النبيّ - ﷺ - حين تزوج أم سلمة مرسلًا، وكذا رواه من رواية سليمان بن بلال، مرسلًا، ورواه بعد هذا من رواية حفص بن غياث، متّصلًا، كرواية سفيان.
قال الدارقطنيّ: قد أرسله عبد الله بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن حميد، كما ذكره مسلم، قال النوويّ: وهذا الذي ذكره الدارقطنيّ من استدراكه هذا على مسلم فاسدٌ؛ لأن مسلمًا - ﵀ - قد بَيَّن اختلاف الرواة في وصله وإرساله، ومذهبه، ومذهب الفقهاء والأصوليين، ومحققي المحدثين أن الحديث إذا رُوِي متصلًا ومرسلًا، حُكِم بالاتصال، ووجب العمل به؛ لأنها زيادة ثقة، وهي مقبولة عند الجماهير، فلا يصح استدراك الدارقطنيّ. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق غير مرّة تعقّب قول النوويّ: إن مذهب المحققين ترجيح الوصل على الإرسال، بأن هذا ليس مذهب المحقّقين من أهل الحديث، بل مذهبهم العمل بما تقتضيه القرينة، فإن اقتضت ترجيح الوصل، رجّحوه، أو ترجيح الإرسال رجّحوه، وهذا هو الصواب في المسألة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والحاصل أن الحديث متّصل صحيح، كما هو رأي المصنّف، وذلك لاتفاق سفيان الثوريّ، وحفص بن غياث عليه، فرُجِّح الوصل به، فتبصّر.
قال أبو مسعود الدمشقيّ - ﵀ - في "الأجوبة" بعد نقل كلام الدارقطنيّ المذكور: هذا حديث أخرجه مسلم من حديث يحيى القطّان، عن الثوريّ، عن محمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أم سلمة.
وأخرجه أيضًا من حديث حفص بن غياث مسندًا، لا مرسلًا، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبي بكر، عن أم سلمة مُجوّدًا، وقد جوّده عبد الله بن داود، عن عبد الرحمن بن أيمن.
وأما الحديث المرسل، فلم يخرجه من حديث حفص، وإنما أخرجه من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن: أن النبيّ - ﷺ -، مرسلٌ.
وعن القعنبيّ، عن سليمان بن بلال، وعن يحيى بن يحيى، عن أبي
_________________
(١) "شرح مسلم" ١٠/ ٤٣.
[ ٢٥ / ٧٣٢ ]
ضمرة أنس بن عياض كليهما عن عبد الرحمن بن حُميد، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن أبي بكر: أن النبيّ - ﷺ -، مرسلٌ أيضًا.
قال: وإذا جوّده ثقات، وقصّر فيه ثقات أيضًا، وبيّنه، فلا يلزمه عيب في ذلك. انتهى.
وقال الرشيد العطّار - ﵀ - بعد ذكر نحو ما تقدّم: وإنما أراد مسلم - ﵀ - بذلك - يعني إيراده متّصلًا ومرسلًا - والله أعلم؛ ليبيِّن الاختلاف الواقع بين رواته في إسناده، ويَخرُج من عُهدته. انتهى.
وقال القاضي عياض - ﵀ -: هذا مما تتبعه الدارقطنيّ على مسلم، ولا تتبّع فيه؛ إذ قد بيّن علّته، وهذا يدلّ على ما ذكرناه أوّل الكتاب أن ما وعد به من ذكر علل الحديث قد وفى به، وذكره في الأبواب، خلاف من ذهب إلى أنه مات قبل تمام الكتاب، على ما ذهب إليه أبو عبد الله الحاكم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من كلام الأئمة أن الحديث صحيح متّصلٌ، ولا يضرّه إرسال من أرسله؛ لكون الواصلين ثقتين حافظين معتمدين، وهما سفيان الثوريّ، وحفص بن غياث.
فيكون إخراج المصنّف الحديث متّصلًا ومرسلًا؛ للوفاء بما وعد به في "مقدّمة كتابه" أنه سيبيّن علل الحديث في "كتابه" في المواضع التي يليق بها البيان، فلله درّه محدّثًا حافظًا وناقدًا بصيرًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٣٦٢١ و٣٦٢٢ و٣٦٢٣ و٣٦٢٤ و٣٦٢٥] (١٤٦٠)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢١٢٢)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٩٣)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٩١٧)، و(مالك) في "الموطّإ" (٢/ ٥٢٩)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ٢٦ - ٢٧)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٠٦٤٥ و١٠٦٤٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٥٤٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٩٢ و٣٠٧)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ١٤٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير"
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٤/ ٦٦٣.
[ ٢٥ / ٧٣٣ ]
(٢٣/ ٥٨٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٠٦٥)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٢٩)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٣/ ٢٨٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٨٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٣٣ - ١٣٤)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٢/ ٤٢٩ و٤٣٨)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٨/ ٩١)، و(البيهقيّ) في "معرفة السنن والآثار" (٥/ ٤٢٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣٢٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان قدر ما تستحقّه البكر، والثيّب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف، وهو أن للبكر سبع ليال، وللثيّب ثلاث ليال.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ -، من حسن العشرة والملاطفة مع أهله، حيث قال لها: "ليس بك على أهلك هوان".
٣ - (ومنها): بيان استحباب ملاطفة الأهل والعيال، وغيرهم، وتقريب الحقّ من فهم المخاطب؛ ليرجع إليه.
٤ - (ومنها): بيان أنه ينبغي اللطف والرفق بمن يُخْشَى منه كراهية الحقّ، حتى يتبيّن له وجه ترجيحه، فيرجع إليه (^١).
٥ - (ومنها): بيان العدل بين الزوجات.
٦ - (ومنها): بيان أن حقّ الزِّفَاف ثابت للمزفوفة، وتُقَدَّم به على غيرها، فإن كانت بكرًا كان لها سبع ليال بأيامها بلا قضاء، وإن كانت ثَيِّبًا كان لها الخيار، إن شاءت سبعًا، ويَقضي السبعَ لباقي النساء، وإن شاءت ثلاثًا، ولا يقضي، وهذا مذهب الجمهور، وهو الصحيح؛ لأنه الذي ثبتت فيه هذه الأحاديث الصحيحة، وسيأتي بيان الاختلاف في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: قال في "الفتح": وتجب الموالاة في السبع، وفي الثلاث، فلو فَرّق لم يُحْسَب على الراجح؛ لأن الْحِشْمة (^٢) لا تزول به، ثم لا فرق في ذلك
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٤/ ٦٥٩.
(٢) "الحِشْمة" بكسر، فسكون: الحياء والخَجَل.
[ ٢٥ / ٧٣٤ ]
بين الحرة والأمة، وقيل: هي على النصف من الحرة، ويجبر الكسر. انتهى (^١).
٧ - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: هذا الحديث: "إن سبّعت لك، سبّعت لنسائي"، فإنه لا يقول به مالك، ولا أصحابه، وهذا مما تركوه من رواية أهل المدينة؛ لحديث بصريّ (^٢).
وقال أيضًا: من قال بحديث هذا الباب يقول: إن أقام عند البكر، أو الثيب سبعًا، أقام عند سائر نسائه سبعًا سبعًا، وإن أقام عندها ثلاثًا، أقام عند كل واحدة ثلاثًا ثلاثًا، فتأولوا في قوله - ﷺ -: "وإن شئت ثلَّثتُ، ودُرْت"، أي درت ثلاثًا ثلاثًا، وهو قول الكوفيين، وفي هذا الباب عجب؛ لأنه صار فيه أهل الكوفة إلى ما رواه أهل المدينة، وصار أهل المدينة إلى ما رواه أهل البصرة. انتهى (^٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيما تستحقّه كلّ من البكر والثيّب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف:
قال العلّامة ابن قُدامة - ﵀ -: متى تزوج صاحب النسوة امرأة جديدةً قَطَع الدَّوْر وأقام عندها سبعًا، إن كانت بكرًا، ولا يقضيها للباقيات، وإن كانت ثيبًا أقام عندها ثلاثًا، ولا يقضيها، إلا أن تشاء هي أن يقيم عندها سبعًا، فإنه يقيمها عندها، ويقضي الجميع للباقيات.
رُوي ذلك عن أنس، وبه قال الشعبيّ، والنخعيّ، ومالكٌ والشافعيّ، وإسحاق، وأبو عبيد، وابن المنذر.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٦٠ - ٦٦١.
(٢) بيّن معنى ذلك، حيث قال: قال أبو عمر: أما قوله في هذا الحديث: "إن سبعت لك سبعت لنسائي"، فإنه لا يقول به مالك، ولا أصحابه، وهذا مما تركوه من رواية أهل المدينة لحديث بصريّ، رواه مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: للبكر سبعٌ، وللثيب ثلاث"، قال مالك: وذلك الأمر عندنا، ولا يحسب على التي تزوج ما أقام عندها. انتهى. "التمهيد" ١٧/ ٢٤٥.
(٣) "الاستذكار" ٥/ ٤٣٨ - ٤٤١.
[ ٢٥ / ٧٣٥ ]
ورُوِي عن سعيد بن المسيِّب، والحسن، وخِلاس بن عمرو، ونافع مولى ابن عمر: للبكر ثلاث، وللثيب ليلتان، ونحوه قال الأوزاعيّ.
وقال الحكم، وحماد، وأصحاب الرأي: لا فضل للجديدة في القَسْم، فإن أقام عندها شيئًا قضاه للباقيات؛ لأنه فضّلها بمدة، فوجب قضاؤها، كما لو أقام عند الثيب سبعًا. انتهى (^١).
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: وأما اختلاف الفقهاء، وذِكر أقوالهم في هذا الباب، فقال مالك، والشافعيّ، وأصحابهما، والطبريّ: يقيم عند البكر سبعًا، وعند الثيب ثلاثًا، فإن كانت له امرأة أخرى غير الذي تزوج، فإنه يَقْسِم بينهما بعد أن تمضي أيام التي تزوج، ولا يقيم عندها ثلاثًا.
وقال ابن القاسم، عن مالك: مقامه عند البكر سبعًا، وعند الثيب ثلاثًا، إذا كان له امرأة أخرى واجبٌ، وقال ابن عبد الحكم، عن مالك: ذلك مستحبٌّ، وليس بواجب.
وقال الأوزاعيّ: مضت السنة أن يجلس في بيت البكر سبعًا، وعند الثيب ثلاثًا، وإن تزوج بكرًا، وله امرأة أخرى فإن للبكر ثلاثًا، ثم يُقْسِم، وإن تزوج الثيب، وله امرأة كان لها ليلتان.
وقال سفيان الثوريّ: إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها ليلتين، ثم قسم بينهما، قال: وقد سمعنا حديثًا آخر، قال: يقيم مع البكر سبعًا، ومع الثيب ثلاثًا.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: الْقَسْم بينهما، سواءٌ البكر والثيب، ولا يقيم عند الواحدة إلا كما يقيم عند الأخرى.
وقال محمد بن الحسن: إن الحرمة لهما سواءٌ، ولم يكن رسول الله - ﷺ - يؤثر واحدة عن الأخرى، واحتجَّ بحديث هذا الباب: "إن سبّعت لك سبّعت لنسائي، وإن شئتِ ثَلَّثت، ودُرْت"، يعني بمثل ذلك.
واحتجوا أيضًا بقوله - ﷺ -: "من كانت له زوجتان، ومال إلى إحداهما جاء يوم القيامة، وشقه مائل".
_________________
(١) "المغني" ٧/ ٢٤٠.
[ ٢٥ / ٧٣٦ ]
قال أبو عمر: عن التابعين في هذا الباب من الاختلاف كالذي بين أئمة الفتوى فقهاء الأمصار، وما ذهب إليه مالك، والشافعيّ، فهو الذي وردت به الآثار المرفوعة، وهو الصواب - إن شاء الله -.
قال أبو عمر: لما قال رسول الله - ﷺ -: "للبكر سبع، وللثيب ثلاث" دَلّ على أن ذلك حقّ من حقوقها، فمحال أن يحاسبا بذلك، وعند أكثر العلماء ذلك واجب لهما، كان عند الرجل زوجة أم لا؛ لقوله - ﷺ -: "إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا"، ولم يخصّ من له زوجة ممن لا زوجة له.
وقد اختلفوا في المقام المذكور، هل هو من حقوق الزوجة على الزوج، أو من حقوق الزوج على سائر نسائه؟
فقالت طائفة: هو حقّ للمرأة، إن شاءت طالبت به، وإن شاءت تركته.
وقال آخرون: هو من حقّ الزوج، إن شاء أقام عندها، وإن شاء لم يُقِم، فإن أقام عندها، ففيه من الاختلاف ما ذكرنا، وإن لم يقم عندها إلا ليلةً دار، وكذلك إن أقام ثلاثًا دار على ما ذكرنا من اختلاف الفقهاء.
فالقول عندي أولى باختيار رسول الله - ﷺ - أن ذلك حقّ؛ لقوله: "للبكر سبع، وللثيب ثلاثٌ"، وقوله: "من تزوج بكرًا أقام عندها سبعًا، وعند الثيب ثلاثًا، وبالله تعالى التوفيق. انتهى (^١)
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي اختاره الإمام ابن عبد البرّ - ﵀ - من العمل بما دلّت عليه أحاديث الباب، وهو أن من تزوّج بكرًا، أقام عندها سبعًا، ومن تزوّج ثيّبًا أقام عندها ثلاثًا، إلا أن تشاء التسبيع، فيسبّع لها، ثم يحاسبها بالتسبيع لزوجاته، هو الصواب الذي لا شكّ فيه؛ لأنه نصّ الرسول - ﷺ -، ولا كلام ونقاش معه - ﷺ -، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك مسلك التقليد والانحراف، وراجع ما كتبه أبو محمد بن حزم - ﵀ - في المسألة في كتابه "المحلّى" (^٢)، فقد ناقش المخالفين بأشدّ أسلوب، وأفحمه للخصوم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الاستذكار" ٥/ ٤٣٨ - ٤٤١.
(٢) "المحلّى" ١٠/ ٦٣ - ٦٧.
[ ٢٥ / ٧٣٧ ]
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم هل هذا الحقّ المذكور من التسبيع والتثليث حقّ للزوج، أم للزوجة الجديدة؟
قال النوويّ - ﵀ -: اختلفوا في ذلك، ومذهبنا، ومذهب الجمهور، أنه حقّ لها، وقال بعض المالكية: حقّ له على بقية نسائه، واختلفوا في اختصاصه بمن له زوجات غير الجديدة، قال ابن عبد البر: جمهور العلماء على أن ذلك حقّ للمرأة بسبب الزفاف، سواء كان عنده زوجة، أم لا؟؛ لعموم الحديث: "إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا"، فلم يخص من لم يكن له زوجة.
وقالت طائفة: الحديثُ فيمن له زوجة، أو زوجات، غير هذه؛ لأن من لا زوجة له، فهو مقيم مع هذه كل دهره، مؤنس لها، متمتع بها، مستمتعة به بلا قاطع، بخلاف من له زوجات، فإنه جُعلت هذه الأيام للجديدة؛ تأنيسًا لها متصلًا؛ لتستقرّ عشرتها له، وتذهب حِشمتها ووحشتها منه، ويقضي كل واحد منهما لذّته من صاحبه، ولا ينقطع بالدوران على غيرها.
ورجح القاضي عياض هذا القول، وبه جزم البغويّ من أصحاب الشافعيّ في "فتاويه"، فقال: إنما يثبت هذا الحق للجديدة، إذا كان عنده أخرى يبيت عندها، فإن لم تكن أخرى، أو كان لا يبيت عندها لم يثبت للجديدة حقّ الزفاف، كما لا يلزمه أن يبيت عند زوجاته ابتداء.
قال النوويّ: والأول أقوى، وهو المختار؛ لعموم الحديث. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن ما رجحه القاضي عياض، من تقييده بمن له زوجة أخرى هو الأقرب؛ لما سيأتي من حديث أنس - ﵁ -: "إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا. . ." الحديث، فقيّده بمن تزوج على زوجته، ومفهومه أن من لم يتزوج على زوجته ليس عليه التسبيع، ولا التثليث، وأما الروايات التي فيها الإطلاق فَتُحمل على هذه الرواية المقيّدة، فافهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٤٤ - ٤٥.
[ ٢٥ / ٧٣٨ ]
[تنبيه]: قال في "الفتح": يُكرَه أن يتأخر في السبع أو الثلاث عن الصلاة، وسائر أعمال البرّ التي كان يفعلها. نصّ عليه الشافعيّ، وقال الرافعيّ: هذا في النهار، وأما في الليل فلا؛ لأن المندوب لا يترك له الواجب، وقد قال الأصحاب: يسوّي بين الزوجات في الخروج إلى الجماعة، وفي سائر أعمال البرّ، فيخرج في ليالي الكلّ، أو لا يخرج أصلًا، فإن خصّص حرُم عليه، وعدُّوا هذا من الأعذار في ترك الجماعة.
وقال ابن دقيق العيد: أفرط بعض الفقهاء، فجعل مُقامه عندها عذرًا في إسقاط الجمعة، وبالغ في التشنيع.
وأجيب بأنه قياس قول من يقول: بوجوب المقام عندها، وهو قول الشافعية، ورواه ابن قاسم عن مالك، وعنه يستحبّ، وهو وجه للشافعية، فعلى الأصح يتعارض عنده الواجبان، فيقدَّم حقّ الآدميّ، فليس بشنيع، وإن كان مرجوحًا. انتهى (^١).
قال الشوكانيّ - ﵀ -: ولا يخفى أن مثل هذا لا يُرَدّ به على تشنيع ابن دقيق العيد؛ لأنه شنَّع على القائل كائنًا من كان، وهو قولٌ شنيعٌ، كما ذكر، فكيف يجاب عنه بأن هذا قد قال به فلان وفلان؟ اللهم إلا أن يكون ابن دقيق العيد موافقًا في وجوب المقام بلا استثناء. انتهى كلام الشوكانيّ - ﵀ - (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما أحقّ التشنيع والتقبيح على هذا القول المهين، فما ذكره الرافعيّ عجيب، فإنه مخالف للنصوص الصحيحة الكثير في إيجاب صلاة الجمعة، والجماعة، على الإطلاق، فلا يوجد نصّ يُخرج المتزوج عن ذلك، وأيضًا فإن الرافعيّ شافعيّ، وقائم في نصرة مذهبه، وهذا مخالف لنصّ الشافعيّ، كما سبق آنفًا، إن هذا لشيء عجيب.
قال الإمام ابن حزم - ﵀ - في معرض الردّ على هذا القول: وأما التخلف عن صلاة الجماعة، فقد ذكرناه في "كتاب الصلاة" من ديواننا هذا - يعني "الْمُحَلّى" - وغيره: إيجاب رسول الله - ﷺ - ذلك، وتوعّده بحرق بيوت المتخلفين عنها لغير عذر، وقد تزوج - ﷺ - وأصحابه، فما منهم من أحد تخلف في
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٦٠ - ٦٦١.
(٢) "نيل الأوطار" ٦/ ٣٧٠.
[ ٢٥ / ٧٣٩ ]
التسبيع، والتثليث عن صلاة الجماعة والجمعة، وإنما هي ضلالة أحدثها الشيطان. انتهى كلام ابن حزم - ﵀ - (^١)، وهو كلام نفيس جدًّا.
والحاصل أن التخلّف عن صلاة الجمعة، والجماعة لمن تزوّج متعلّلًا بهذا التسبيع والتثليث، لَمِنْ تسويل الشيطان، ومما يدعو إليه حزبه؛ ليكونوا من أصحاب الضلال، فليحذر المسلم كل الحذر عن الاعتماد على مثل هذه الفتاوى الماجنة، فإنها عين الضلالة والمهانة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٢٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ، وَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، قَالَ لَهَا: "لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ، وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ، ثُمَّ دُرْتُ"، قَالَتْ: ثَلِّثْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي بَكْرِ) بن محمد بن عمرو بن حَزْم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ) أي مع تسبيعه لنسائه، كما بَيّنته الروايات الأخرى، ففي هذه الرواية اختصار، يعني أنها إن شاءت أقام عندها سبعًا، لكنه يحاسبها على ذلك، فيسبّع لسائر نسائه.
وقوله: (وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ، ثُمَّ دُرْتُ) أي أقيم عندك ثلاثًا، ثم أدور على
_________________
(١) "المحلى" ١٠/ ٦٧.
[ ٢٥ / ٧٤٠ ]
نسائي، وأعود إليك، ولا أحاسبك بالثلاث، أي كما أنه يحاسبها لو سبّع عندها، فيسبّع لنسائه.
وقوله: (قَالَتْ: ثَلِّثْ) معناه: أنها اختارت الثلاث؛ لكونه لا تُقضَى لسائر أزواجه - ﷺ -، فيقرب عوده - ﷺ - إليها.
والحديث مرسلٌ، وهو من أفراد المصنف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: وقع في النسخ التي بين يديّ إلا النسخة الهنديّة غلط في هذا الإسناد، ونصّه: "عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله - ﷺ -"، فأسقط ذكر "عن أبي بكر بن عبد الرحمن"، ولا بدّ منه، فالحديث مرسل بحذف ذكر أم سلمة، وليس بمعضل بحذفها، وحذف الراوي عنها، وهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والد عبد الملك الراوي عنه، وقد وقع على الصواب في النسخة الهنديّة، وكذا وقع على الصواب في "تحفة الأشراف" ١٢/ ١٣٠ ونصّه: "عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - حين تزوج أم سلمة. . ." فذكر نحوه، ولم يقل: "عن أم سلمة". انتهى.
وقد أوضح ذلك ابن عبد البرّ - ﵀ - في "التمهيد"، ودونك نصّه بطوله:
حديثٌ عاشرٌ لعبد الله بن أبي بكر: مالكٌ عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزوميّ، عن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - حين تزوج أم سلمة، وأصبحت عنده، قال لها: "ليس بك على أهلك هَوَانٌ، إن شئت سبّعت عندك، وسبّعت عندهنّ، وإن شئت ثلّثتُ عندك، ودُرْتُ"، فقالت: ثَلِّثْ.
هذا حديث ظاهره الانقطاع، وهو متصلٌ مسندٌ صحيحٌ، قد سمعه أبو بكر من أم سلمة.
ثم أخرجه بسنده عن أحمد بن حنبل، قال: أخبرنا عبد الرزاق، ويحيى بن سعيد الأمويّ، ورَوْح بن عُبادة، قالوا: حدثنا ابن جريج، أخبرنا حبيب بن أبي ثابت، أن عبد الحميد بن عبد الله بن أبي عمر، والقاسم بن
[ ٢٥ / ٧٤١ ]
محمد بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أخبراه، أنهما سمعا أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن أم سلمة زوج النبيّ - ﷺ - أخبرته في حديث طويل، ذكروه أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن شئت سبّعت لك، وإن أسبّع لك أسبّع لنسائي".
قال: وقد رُوي هذا الحديث من وجه آخر متصل أيضًا، ثم ساقه بسنده إلى حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت، حدّثني ابن عمر بن أبي سلمة بمنى، عن أبيه، عن أم سلمة، في حديث طويل ذكره في نكاح رسول الله - ﷺ - أمَّ سلمة، وفيه: فلما بنى بأهله، قال لها: "إن شئت أن أسبّع لك سبّعت للنساء".
ثم ساقه بسنده إلى سفيان الثوريّ، حدّثني محمد بن أبي بكر، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أم سلمة: أن رسول الله - ﷺ - لَمّا تزوجها أقام عندها ثلاثة أيام، وقال: "إنه ليس بك على أهلك هوانٌ، إن شئت سبعت لك، وإن سبّعت لك سبّعت لنسائي". انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تحقّق بما سبق أن في نسخ "صحيح مسلم" غلط، وهو حذف ذكر أبي بكر بن عبد الرحمن بن هشام بعد عبد الملك بن أبي بكر، والحديث مرسلٌ بحذف ذكر أم سلمة، وليس بمعضل بحذفهما، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٢٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، أَخَذَتْ بِثَوْبِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنْ شِئْتِ زِدْتُكِ، وَحَاسَبْتُكِ بِهِ، لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ").
_________________
(١) "التمهيد" ١٧/ ٢٤٣ - ٢٤٥.
[ ٢٥ / ٧٤٢ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) تقدّم قريبًا.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) المدينيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُمَيْدِ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٧) (ع) تقدم في "الحج" ٧٨/ ٣٢٩٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (أَخَذَتْ بثَوْبِهِ) أي طلبًا لزيادة مُقامه عندها.
والحديث مرسلٌ، كسابقه، وهو من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٢٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَبُو ضَمْرَةَ) أنس بن عياض بن ضمرة الليثيّ المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ٢٠٠) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
والباقيان ذُكرا في الإسنادين الماضيين.
[تنبيه]: رواية أبي ضمرة، عن عبد الرحمن بن حُميد هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٢٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، يَعْنِي ابْنَ غِيَاثٍ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. ذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَزَوَّجَهَا، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ، هَذَا فِيهِ، قَالَ: "إِنْ شِئْتِ أَنْ أُسَبِّعَ لَكِ، وَأُسَبِّعَ لِنِسَائِي، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي").
[ ٢٥ / ٧٤٣ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الهمدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طلق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ تغيّر في آخره [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ) الْمخزوميّ مولاهم، أبو القاسم المكيّ، ثقةٌ (^١) [٥].
رأى ابن الزبير، وروى عن أبيه، وابن أبي مليكة، وعبيد بن رِفَاعة الزُّرَقيّ، وعُبيد بن عُمير الليثيّ، وسعيد بن جبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وغيرهم.
وروى عنه حفص بن غياث، ومروان بن معاوية، ووكيع، ومحمد بن فضيل، ومحمد بن بشر، وخلاد بن يحيى، وأبو نعيم، وآخرون.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو بكر البزار: مشهورٌ ليس به بأس في الحديث.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٤٦٠)، و(٢٤٤٥).
والباقيان ذُكرا قبله.
قوله: (ذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَزَوَّجَهَا) فاعل "ذَكَر" ضمير أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث.
وقوله: (وَذَكَرَ أَشْيَاءَ، هَذَا فِيهِ) يعني أنه ذكر في هذا الحديث أشياء متعدّدة، مما يتعلّق بزواج أم سلمة - ﵂ -، ومن جملة تلك الأشياء قوله - ﷺ - لها: "إن شئت أن أسبّع لك إلخ".
_________________
(١) في "التقريب": لا بأس به، والذي يظهر لي أنه ثقة؛ لأنه روى عنه جماعة، واحتجّ به الشيخان، ووثقه ابن معين، وغيره، ولم يتكلّم فيه أحد بجرح، فهو ثقة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[ ٢٥ / ٧٤٤ ]
[تنبيه]: قوله: (وَذَكَرَ أَشْيَاءَ، هَذَا فِيهِ) قد تقدّم في شرح حديث أول الباب ما يوضّح تلك الأشياء مما أخرجه ابن حبّان في "صحيحه" مطوّلًا.
وأخرج أيضًا، فقال ٧/ ٢١٢:
(٢٩٤٩) - أخبرنا أبو يعلى، قال: حدّثنا إبراهيم بن الحجاج الساميّ، وأخبرنا ابن خزيمة، قال: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقيّ، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، قال يزيد: أخبرنا، وقال إبراهيم: حدّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البنانيّ، عن ابن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "من أصابته مصيبة، فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم عندك أحتسب مصيبتي، فأْجُرْني فيها، وأبدلني بها خيرًا منها"، فلما مات أبو سلمة قلتها، فجعلت كلما بلغت "أبدلني خيرًا منها"، قلت في نفسي: ومن خيرٌ من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدتها، بعث إليها أبو بكر يخطبها، فلم تَزَوَّجه، ثم بعث إليها عمر يخطبها، فلم تَزَوَّجه، فبعث إليها رسول الله - ﷺ - عمر بن الخطاب يخطبها عليه، قالت: أخبر رسول الله - ﷺ - أني امرأة غَيْرَى، وأني امرأة مُصْبِيَةٌ، وليس أحد من أوليائي شاهدًا، فأتى رسول الله - ﷺ -، فذكر ذلك له، فقال: ارجع إليها، فقل لها: "أما قولك: إني امرأة غَيْرَى، فأسأل الله أن يذهب غيرتك، وأما قولك: إني امرأة مُصْبِيَةٌ، فتُكْفَيْنَ صبيانك، وأما قولك: إنه ليس أحدٌ من أوليائك شاهدٌ، فليس من أوليائك شاهدٌ ولا غائبٌ يكره ذلك"، فقالت لابنها: يا عمر، قُمْ فزوّج رسول الله - ﷺ -، فزوّجه، فكان رسول الله - ﷺ - يأتيها؛ ليدخل بها، فإذا رأته أخذت ابنتها زينب، فجعلتها في حجرها، فينقلب رسول الله - ﷺ -، فعَلِم بذلك عمار بن ياسر، وكان أخاها من الرضاعة، فجاء إليها، فقال: أين هذه المقبوحة التي قد آذيتِ بها رسول الله - ﷺ -؟ فأخذها، فذهب بها، فجاء رسول الله - ﷺ -، فدخل عليها، فجعل يضرب ببصره في جوانب البيت، وقال: "ما فعلت زينب؟ "، قالت: جاء عمار، فأخذها، فذهب بها، فبنى بها رسول الله - ﷺ -، وقال: "إني لا أنقصك مما أعطيتُ فلانة: رحائين، وجَرّتين، ومِرْفقة حَشْوُها لِيفٌ - وقال -: إن سبّعت لك سبّعت لنسائي". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٢٥ / ٧٤٥ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٢٦] (١٤٦١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ أقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا. قَالَ خَالِدٌ: وَلَوْ قُلْتُ: إِنَّهُ رَفَعَهُ لَصَدَقْتُ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: السُّنَّةُ كَذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هُشَيْمُ) بن بشير بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (خَالِدُ) بن مِهْران الحذّاء، أبو الْمُنازل البصريّ، ثقةٌ، يرسل، وتغير بآخره [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
٣ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر الْجَرْميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال، وفيه نصب يسير [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر بن ضمضم الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو حمزة، الخادم الشهير، مات - ﵁ - سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
وشيخه ذُكر قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه أنس بن مالك - ﵁ -، الخادم الشهير، خَدَم رسول الله - ﷺ - عشر سنين، ونال دعوته المباركة، فبارك في عمره، وأهله، وماله، وهو أحد المكثرين السبعة، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة، والله تعالى أعلم.
[ ٢٥ / ٧٤٦ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: إِذَا تَزَوَّجَ) أي الرجل (الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ) أي بأن تكون عنده امرأة ثيّب، فيتزوج عليها امرأة بكرًا (أقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا) أي سبع ليالٍ (وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ أقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا) أي ثلاث ليالٍ (قَالَ خَالِدٌ) الْحذّاء الراوي عن أبي قلابة، هكذا في رواية المصنّف هذه، والتي تليها، أن القائل هو خالد، وكذا هو عند أبي داود، وفي رواية للبخاريّ من رواية سفيان الثوريّ، عن أيوب، وخالد، عن أبي قلابة: "قال أبو قلابة: ولو شئت لقلتُ: إن أنسًا رفعه إلى النبيّ - ﷺ -"، قال في "الفتح": وقد وافق هذه الرواية ابن علية، عن خالد، في نسبة هذا القول إلى أبي قلابة، أخرجه الإسماعيليّ، ونسبه بشر بن المفضل، وهشيم إلى خالد، ولا منافاة بينهما؛ لاحتمال أن يكون كل منهما قال ذلك. انتهى (^١).
ثم قال البخاريّ: "وقال عبد الرزّاق: أخبرنا سفيان، عن أيوب وخالد، قال خالد: ولو شئتُ لقلتُ: رفعه إلى النبيّ - ﷺ -".
قال في "الفتح": قوله: "قال خالد: ولو شئت لقلت رفعه إلى النبيّ - ﷺ -"، كأن البخاريّ أراد أن يبيّن أن الرواية عن سفيان الثوريّ اختَلَفت في نسبة هذا القول، هل هو قول أبي قلابة، أو قول خالد؟ قال الحافظ: ويظهر لي أن هذه الزيادة في رواية خالد، عن أبي قلابة دون رواية أيوب، ويؤيده أنه أخرجه في الباب الذي قبله من وجه آخر، عن خالد، وذكر الزيادة في صدر الحديث، وقد وصل طريق عبد الرزاق المذكورة مسلم، فقال: "حدّثني محمد بن رافع، حدّثنا عبد الرزاق، ولفظه: من السنّة أن يقيم عند البكر سبعًا، قال خالد. . . إلخ"، وقد رواه أبو داود الْحَفَريّ، والقاسم بن يزيد الْجَرْميّ، عن الثوريّ، عنهما، أخرجه الإسماعيليّ، ورواه عبد الله بن الوليد الْعَدَنيّ، عن سفيان كذلك، أخرجه البيهقيّ، وشَذّ أبو قلابة الرَّقَاشيّ، فرواه عن أبي عاصم، عن سفيان، عن خالد وأيوب جميعًا، وقال فيه: "قال - ﷺ -"، أخرجه أبو عوانة في
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٥٩.
[ ٢٥ / ٧٤٧ ]
"صحيحه" عنه، وقال: حدّثناه الصغانيّ، عن أبي قلابة، وقال: هو غريب، لا أعلم من قاله غير أبي قلابة. انتهى.
وقد أخرج الإسماعيليّ من طريق أيوب، من رواية عبد الوهاب الثقفيّ عنه، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: قال رسول الله - ﷺ -، فصَرَّح برفعه، وهو يؤيد ما ذكرته أن السياق في رواية سفيان لخالد، ورواية أيوب هذه إن كانت محفوظةً احتَمَلَ أن يكون أبو قلابة لَمّا حَدَّث به أيوب جزم برفعه إلى النبيّ - ﷺ -.
وقد أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، وأخرجه ابن حبان أيضًا عنه، عن عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان بن عيينة، عن أيوب، وصَرَّح برفعه.
وأخرجه الدارميّ، والدارقطنيّ من طريق محمد بن إسحاق، عن أيوب مثله، فبيّنت أن رواية خالد هي التي قال فيها: "من السنة"، وأن رواية أيوب، قال فيها: "قال النبيّ - ﷺ -" (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق من هذه الروايات أن قوله: "ولو شئت لقلت إلخ" يَحْتَمِل أن يكون كلّ من خالد الحذّاء، وشيخه أبي قلابة قاله؛ إذ لا مانع من ذلك.
وأن حديث أنس - ﵁ - هذا ثبت مرفوعًا صريحًا، وموقوفًا لفظًا، مرفوعًا حكمًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(وَلَوْ قُلْتُ: إِنَّهُ رَفَعَهُ لَصَدَقْتُ) وفي الرواية التالية: "لو شئت قلت: رفعه إلى النبيّ - ﷺ -"، قال النوويّ - ﵀ -: معناه أن هذه اللفظة، وهي قوله: "من السنّة كذا" صريحةٌ في رفعه، فلو شئتُ أن أقولها بناء على الرواية بالمعنى لقلتها، ولو قلتها كنت صادقًا. انتهى.
وقال في "الفتح": كأنه يشير إلى أنه لو صرح برفعه إلى النبيّ - ﷺ - لكان صادقًا في ذلك، ويكون رُوي بالمعنى، وهو جائز عنده، ولكنه رأى أن المحافظة على اللفظ أولى. انتهى. (وَلَكِنَّهُ) أي أبا قلابة (قَالَ: السُّنَّةُ كَذَلِكَ) أي فيكون من المرفوع حكمًا.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٥٥٩.
[ ٢٥ / ٧٤٨ ]
قال ابن دقيق العيد - ﵀ -: قول أبي قلابة (^١): "ولو شئت لقلت إلخ" يَحْتَمِل وجهين:
أحدهما: أن يكون ظَنّ أنه سمعه عن أنس مرفوعًا لفظًا، فتحرّز عنه تورعًا.
والثاني: أن يكون رأى أن قول أنس: "من السنة" في حكم المرفوع، فلو عَبَّر عنه بأنه مرفوع على حسب اعتقاده لصحّ؛ لأنه في حكم المرفوع، قال: والأول أقرب؛ لأن قوله: "من السنة" يقتضي أن يكون مرفوعًا بطريق اجتهاديّ مُحْتَمِلٍ، وقوله: إنه رفعه نَصّ في رفعه، وليس للراوي أن ينقل ما هو ظاهرٌ مُحْتَمِلٌ إلى ما هو نَصّ غير مُحْتَمِل. انتهى.
قال الحافظ - ﵀ -: وهو بحث مُتَّجِهٌ، ولم يُصِب من رَدّه بأن الأكثر على أن قول الصحابيّ: "من السنة كذا" في حكم المرفوع؛ لاتجاه الفرق بين ما هو مرفوع، وما هو في حكم المرفوع، لكن باب الرواية بالمعنى مُتَّسِعٌ. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٣٦٢٦ و٣٦٢٧] (١٤٦١)، و(البخاريّ) في "النكاح" (٥٢١٣)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢١٢٤)، و(الترمذيّ) في "النكاح" (١١٣٩)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٩١٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٨٩ و٩٠)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (١/ ٢٣٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٣٠١ - ٣٢) و"الصغرى" (٦/ ٢٨٥) و"المعرفة" (٥/ ٤٣٠)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أي في رواية البخاريّ، وأما في رواية مسلم فالقائل هو خالد الحذّاء، فتنبّه.
(٢) "الفتح" ١١/ ٦٥٨ - ٦٥٩.
[ ٢٥ / ٧٤٩ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن السنّة إذا تزوّج الرجل البكر على الثيّب أن يقيم عندها سبع ليالٍ، ثم يعمل بالقَسْم، وإذا تزوّج الثيّب على البكر يقيم عندها ثلاث ليال، ثمّ يَقسِم.
٢ - (ومنها): بيان أن قول الصحابيّ: "من السنّة كذا" له حكم الرفع، فهو كقوله: "قال رسول الله - ﷺ - كذا"، قال النوويّ - ﵀ -: هذا مذهبنا، ومذهب المحدّثين، وجماهير السلف والخلف، وجعله بعضهم موقوفًا، وليس بشيء. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": إنه استُدِلّ به على أن هذا العدل يختص بمن له زوجة قبل الجديدة، وقال ابن عبد البرّ: جمهور العلماء على أن ذلك حقّ للمرأة بسبب الزفاف، وسواء كان عنده زوجة أم لا، وحَكَى النوويّ أنه يُستحبّ إذا لم يكن عنده غيرها، وإلا فيجب، وهذا يوافق كلام أكثر الأصحاب، واختار النوويّ أن لا فرق، وإطلاق الشافعي يَعْضِده، ولكن يشهد للأول قوله في حديث الباب: "إذا تزوج البكر على الثيب".
قال: ويمكن أن يُتَمّسك للآخر بما وقع في رواية للبخاريّ من طريق بشر، عن خالد، فإنه قال: "إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا. . ." الحديث، ولم يقيده بما إذا تزوجها على غيرها، لكن القاعدة أن المطلق محمول على المقيَّد، بل ثبت في رواية خالد التقييد، فعند مسلم من طريق هُشيم، عن خالد - يعني هذه الرواية -: "إذا تزوج البكر على الثيب. . ." الحديث، ويؤيِّده أيضًا قوله في رواية للبخاريّ: "ثم قَسَمَ"؛ لأن القَسْم إنما يكون لمن عنده زوجة أخرى. انتهى (^٢). وقال القرطبيّ - ﵀ -: قد اختُلف في هذا الحكم، هل هو لكل بكر وثيّب، وإن لم يكن للزوج غيرها، أو إنما يكون ذلك إذا كان له غيرها؟ على قولين عندنا، قال أبو عمر: أكثر العلماء على أن ذلك واجب لها، كان عند الرجل زوجة أم لا؛ لعموم الحديث، وقال غيره: معنى الحديث فيمن له زوجة غير هذه؛ لأن من لا زوجة له مقيم مع هذه.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٤٨ - ٤٩.
(٢) "الفتح" ١١/ ٦٦٠.
[ ٢٥ / ٧٥٠ ]
قال القرطبيّ: وهذا هو الصحيح؛ لوجهين:
أحدهما: أنه هو السبب الذي خرج عليه اللفظ.
والثاني: النظر إلى المعنى، وذلك أن من له زوجات يحتاج إلى استئناف الْقَسْم بعد أن يوفي لهذه المستجدّة حقّها من تأنيسها، والانبساط إليها، وإزالة نفرتها، وتطييب عيشها، وأيضًا فيستوفي لنفسه ما يجده من التشوّق إليها، والاستلذاذ بها، فإن الجديد له استلذاذ جديد، وذلك مفقود فيمن ليس له زوجة غير التي تزوّج بها. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ - ﵀ - تحقيقٌ نفيس.
والحاصل أن تخصيص التسبيع والتثليث بمن له زوجة أخرى، هو الأرجح؛ لظاهر هذه الرواية حيث قال فيها: "إذا تزوّج البكر على الثيب. . ." الحديث، فقيّده بمن تزوج على أخرى، ومفهومه أن من ليس له زوجة، إذا تزوج لا يجب عليه التسبيع والتثليث، وأما الرواية التالية بلفظ: "من السنّة أن يُقيم عند البكر سبعًا"، فتُحمل على المقيّد في هذه الرواية، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أن فيه حجةً على الكوفيين في قولهم: إن البكر والثيب سواءٌ في الثلاث، وعلى الأوزاعيّ في قوله: للبكر ثلاثٌ وللثيب يومان، وفيه حديث مرفوع عن عائشة - ﵂ -، أخرجه الدارقطنيّ بسند ضعيف جدًّا.
وخُصّ من عموم حديث الباب ما لو أرادت الثيِّب أن يكمل لها السبع، فإنه إذا أجابها سقط حقّها من الثلاث، وقضى السبع لغيرها؛ لما سبق عند مسلم في الباب الماضي، من حديث أم سلمة - ﵂ -: "أن النبيّ - ﷺ - قال لها: "إن شئت سبّعتُ لك، وإن سبّعت لك سبّعت لنسائي"، وفي رواية: "إن شئت ثلثتُ، ثم دُرْتُ"، قالت: ثَلِّثْ (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٢) "الفتح" ١١/ ٦٦٠.
[ ٢٥ / ٧٥١ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٢٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، وَخَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: "مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ الْبِكْرِ سَبْعًا"، قَالَ خَالِدٌ: وَلَوْ شِئْتُ قُلْتُ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّختيانيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب، و"سفيان" هو الثوريّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.