قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "يُخْدَعُ" بالبناء للمفعول، و"الْخَدِيعَةُ" بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة: اسم من الْخَدْع - بفتح، فسكون -، قال المجد في "القاموس": خَدَعه، كمنعه خَدْعًا، ويُكسر: خَتَلَهُ، وأراد به المكروه من حيث لا يَعلَم، كاختدعه، فانخدع، والاسم الخديعة، و"الحرب خِدعة"، مثلّثة، وكهُمَزَة، ورُوي بهنّ جميعًا؛ أي: تنقضي بخدعة. انتهى.
وترجم الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه" بقوله: "باب ما يكره من الْخِدَاع في البيع"، فقال في "الفتح": كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن الخداع في البيع مكروه ولكنه لا يفسخ البيع، إلا إن شَرَط المشتري الخيار على ما تُشعِر به القصة المذكورة في الحديث. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٥٤] (١٥٣٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - أنَّهُ يُخْدَع فِي الْبُيُوع، فَفَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ"، فَكَانَ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ).
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٥٧٨.
[ ٢٧ / ٧٦ ]
رجالا هذا الإسناد: سبعة:
وهو الإسناد المذكور قبل حديثين، ومن لطائفه أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٥٢) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) العدويّ المدنيّ، مولى ابن عمر (أنَّهُ سمِعَ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ - (يَقُولُ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية أحمد، من طريق محمد بن إسحاق: حدّثني نافع، عن ابن عمر، كان رجل من الأنصار، زاد ابن الجارود في "المنتقى" من طريق سفيان، عن نافع؛ أنه حَبَّان بن مُنقِذ، وهو - بفتح المهملة، والموحدة الثقيلة - ورواه الدارقطنيّ، من طريق عبد الأعلى، والبيهقيّ من طريق يونس بن بكير، كلاهما عن ابن إسحاق به، وزاد فيه: قال ابن إسحاق: فحدّثني محمد بن يحيى بن حَبّان، قال: هو جدّي مُنقذ بن عمرو، وكذلك رواه ابن منده، من وجه آخر، عن ابن إسحاق، قاله في "الفتح" (^١).
وقال النوويّ في "شرحه": هو حبّان - بفتح الحاء، وبالباء الموحّدة - ابن منقذ بن عمرو الأنصاريّ، والد يحيى، وواسع ابني حَبّان، شَهِدَ أُحدًا، وقيل: بل هو والده منقذ بن عمرو، وكان قد بلغ مائة وثلاثين سنة، وكان قد شُجّ في بعض مغازيه مع النبيّ - ﷺ - في بعض الحصون بحجر، فأصابته في رأسه مأمومة، فتغيّر بها لسانه، وعقله، لكن لم يخرج عن التمييز، وذكر الدارقطنيّ أنه كان ضريرًا. انتهى (^٢).
(أنَّهُ) الرجل المذكور (يُخْدَعُ) بالبناء للمفعول، وفي رواية ابن إسحاق: "فشكا إلى النبيّ - ﷺ - ما يلقى من الغبن" (فِي الْبُيُوعِ) أي: في حال مبايعته للناس، وقد بَيَّن ابن إسحاق في روايته المذكورة سبب شكواه، وهو ما يَلقَى من الغبن، وقد أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم من حديث أنس - ﵁ -، ولفظه: "أن رجلًا كان في عُقدته ضعف، كان يبايع، وأن
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٥٧٨.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٧٧.
[ ٢٧ / ٧٧ ]
أهله أتوا النبيّ - ﷺ -، فقالوا: يا نبيّ الله احْجُرْ عليه، فدعاه نبي الله - ﷺ -، فنهاه، فقال: يا نبيّ الله لا أصبر عن البيع، قال: إذا بايعتَ، فقل: لا خلابة".
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ بَايَعْتَ) "من" موصولة، أو شرطيّة، والعائد محذوف؛ أي: الشخص الذي عقدت معه البيع (فَقُلْ) له وقت العقد (لَا خِلَابَةَ") - بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف اللام -؛ أي: لا خَدِيعة، و"لا" لنفي الجنس؛ أي: لا خديعة في الدين؛ لأن الدين النصيحة.
زاد ابن إسحاق، في رواية يونس بن بكير، وعبد الأعلى عنه: "ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها، ثلاث ليال، فإن رضيتَ فأمسك، وإن سخطتَ، فاردد"، فبقي حتى أدرك زمان عثمان، وهو ابن مائة وثلاثين سنة، فكثر الناس في زمن عثمان، وكان إذا اشترى شيئًا، فقيل له: إنك غُبِنتَ فيه، رجع به، فيَشهَد له الرجلُ، من الصحابة بأن النبيّ - ﷺ -، قد جعله بالخيار ثلاثًا، فيردّ له دراهمه.
قال العلماء: لقّنه النبيّ - ﷺ - هذا القول؛ ليتلفظ به عند البيع، فيَطّلع به صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر، في معرفة السِّلَع، ومقادير القيمة، فيَرَى له كما يرى لنفسه؛ لِمَا تقرر من حَضّ المتبايعين على أداء النصيحة، كما تقدم في قوله - ﷺ -، في حديث حكيم بن حزام: "فإن صدقا وبيّنا، بورك لهما في بيعهما" الحديث.
(فَكَانَ إذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ) أي: لا خديعة، ومنه قولهم: إذا لم تَغْلِبْ فاخلُب (^١).
قال النوويّ - ﵀ -: هو بياء مثناة تحتُ، بدل اللام، هكذا هو في جميع النسخ، قال القاضي: ورواه بعضهم: "لا خيانة" بالنون، قال: وهو تصحيف، قال: ووقع في بعض الروايات في غير مسلم: "خذابة" بالذال المعجمة، والصواب الأول، وكان الرجل ألثغ، فكان يقولها هكذا، ولا يمكنه أن يقول: "لا خلابة"، ومعنى "لا خلابة": لا خديعة؛ أي: لا تحلّ لك خديعتي، ولا يلزمني خديعتك. انتهى (^٢).
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٨٥.
(٢) "شرح النووي" ١٠/ ١٧٧.
[ ٢٧ / ٧٨ ]
ونقل في "الفتح" في "كتاب الحيل" عن المهلّب، أنه قال: معنى قوله: "لا خلابة": لا تخلُبوني؛ أي: لا تَخدَعوني، فإن ذلك لا يحل، قال الحافظ: والذي يظهر أنه وارد مورد الشرط: أي إن ظهر في العقد خداع، فهو غير صحيح، كأنه قال: بشرط أن لا يكون فيه خديعة، أو قال: لا تلزمني خديعتك، قال المهلب: ولا يدخل في الخداع المحرم الثناءُ على السلعة، والإطناب في مدحها، فإنه متجاوز عنه، ولا يَنتقض به البيع. انتهى (^١).
وقال الشوكانيّ - ﵀ - في "النيل": اختَلَف العلماء في هذا الشرط، هل كان خاصًّا بهذا الرجل، أم يدخل فيه جميع من شرط هذا الشرط؟ فعند أحمد، ومالك في رواية عنه أنه يثبت الردّ لكل من شرط هذا الشرط، ويُثبتون الرد بالغبن لمن لم يعرف قيمة السلع. وأجيب بأن النبيّ - ﷺ - إنما جعل لهذا الرجل الخيار للضَّعف الذي كان في عقله، كما في حديث أنس - ﵁ -، فلا يُلحق به إلا من كان مثله في ذلك بشرط أن يقول هذه المقالة، ولهذا رُوي أنه كان إذا غُبن يشهد له رجل من الصحابة أن النبيّ - ﷺ - قد جعله بالخيار ثلاثًا، فيرجع في ذلك، وبهذا يتبيّن أنه لا يصحّ الاستدلال بمثل هذه القصّة على ثبوت الخيار لكلّ مغبون، دران كان صحيح العقل، ولا على ثبوت الخيار لمن كان ضعيف. العقل إذا غُبن، ولم يقل هذه المقالة، وهذا مذهب الجمهور، وهو الحقّ. انتهى ملخّصًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنّ ما ذهب إليه الإمام أحمد - ﵀ - من إثبات خيار الغَبْنِ هو الأرجح، كما سيأتي قريبًا - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٣٨٥٤ و٣٨٥٥] (١٥٣٣)، و(البخاريّ) في
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤.
[ ٢٧ / ٧٩ ]
"البيوع" (٢١١٧) و"الاستقراض" (٢٤٠٧) و"الخصومات" (٢٤١٤) و"الحيل" (٦٩٦٤)، و(أبو داود) في "البيوع" (٢٥٠٠)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٢٥٢) و"الكبرى" (٤/ ١٠)، و(ابن ماجه) في "التجارات" (٢/ ٧٨٩)، و(مالك) في "الموطّإ" (٢/ ٦٨٥)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٥٣٣٧)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٣٠٦)، و"مسنده" (٢/ ٩٥)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٢٩٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٤ و٦١ و٧٢ و٨٠ و٨٤ و١٠٧ و١١٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٠٥١ و٥٠٥٢)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١٢/ ٣٣٤)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٣/ ٥٤ - ٥٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٧٠ و٢٧١)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٢٦)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٤٦)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ٢٤٢)، و(البيهقيّ) في "الصغرى" (٥/ ٢٥) و"المعرفة" (٤/ ٣٦٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٠٥٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم الخديعة في البيع، وهو أنها لا تجوز.
٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به لأحمد، وأحد قولي مالك؛ أنه يُرَدّ بالغبن الفاحش، لمن لم يَعرف قيمة السلعة.
وتعقب بأنه - ﷺ -، إنما جعل له الخيار لضعف عقله، ولو كان الغبن يُملك به الفسخ، لما احتاج إلى شرط الخيار.
وقال ابن العربيّ: يَحْتَمِل أن الخديعة في قصة هذا الرجل كانت في العيب، أو في الكذب، أو في الثمن، أو في الغبن، فلا يُحتج بها في مسألة الغبن بخصوصها، وليست قصة عامة، وإنما هي خاصة في واقعة عين، فيُحْتَجّ بها في حق من كان بصفة الرجل، قال: وأما ما رُوي عن عمر، أنه كُلِّم في البيع، فقال: ما أجد لكم شيئًا أوسع، مما جعل رسول الله - ﷺ - لحبان بن منقذ، ثلاثة أيام، فمداره على ابن لهيعة، وهو ضعيف. انتهى.
قال الحافظ: وهو كما قال، أخرجه الطبرانيّ، والدارقطنيّ، وغيرهما من طريقه، لكن الاحتمالات التي ذكرها، قد تعيّنت بالرواية التي صُرّح بها، بأنه كان يُغبن في البيوع.
[ ٢٧ / ٨٠ ]
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن أمد الخيار المشترط ثلاثة أيام، من غير زيادة؛ لأنه حُكْم ورد على خلاف الأصل، فيُقتصر به على أقصى ما ورد فيه، ويؤيده جعل الخيار في الْمُصَرّاة ثلاثة أيام، واعتبار الثلاث في غير موضع.
وأغرب بعض المالكية، فقال: إنما قصره على ثلاث؛ لأن معظم بيعه كان في الرقيق. وهذا يحتاج إلى دليل، ولا يكفي فيه مجرد الاحتمال.
٤ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن من قال عند العقد: لا خلابة، أنه يصير في تلك الصفقة بالخيار، سواء وَجَدَ فيه عيبًا، أو غبنًا، أم لا، وبالغ ابن حزم في جموده، فقال: لو قال: لا خديعة، أو لا غشّ، أو ما أشبه ذلك، لم يكن له الخيار، حتى يقول: لا خلابة.
ومن أسهل ما يُردّ به عليه، أنه ثبت في "صحيح مسلم" أنه كان يقول: لا خيابة - بالتحتانية، بدل اللام، وبالذال المعجمة بدل اللام أيضًا -، وكأنه كان لا يفصح باللام؛ للثغة لسانه، ومع ذلك لم يتغير الحكم في حقه، عند أحد من الصحابة، الذين كانوا يشهدون له، بأن النبيّ - ﷺ -، جعله بالخيار، فدل على أنهم اكتفوا في ذلك بالمعنى.
٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الكبير لا يُحجر عليه، ولو تبين سفهه؛ لما تقدّم في حديث أنس - ﵁ -؛ أن أهله أتوا النبيّ - ﷺ -، فقالوا: يا رسول اللهُ احجُر عليه، فدعاه، فنهاه عن البيع، فقال: لا أصبر عنه، فقال: "إذا بايعت، فقل: لا خلابة".
وتُعُقّب بأنه لو كان الحَجر على الكبير لا يصح، لأنكر عليهم، وأما كونه لم يحجر عليه، فلا يدل على منع الحجر على السفيه.
٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز البيع، بشرط الخيار، وعلى جواز شرط الخيار للمشتري وحده.
٧ - (ومنها): أن فيه ما كان أهل ذلك العصر عليه، من الرجوع إلى الحقّ، وقبول خبر الواحد، في الحقوق وغيرها. قاله في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٥٧٩ - ٥٨٠.
[ ٢٧ / ٨١ ]
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعيّة خيار الغبن:
قال النوويّ - ﵀ -: اختلف العلماء في هذا الحديث، فجعله بعضهم خاصًّا في حقّه، وأن المغابنة بين المتبايعين لازمة، ولا خيار للمغبون بسببها، سواء قلّت، أو كثُرت، وهذا مذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، وآخرين، وهي أصحّ الروايتين عن مالك، وقال البغداديّون من المالكيّة: للمغبون الخيار لهذا الحديث، بشرط أن يبلغ الغبن ثلث القيمة، فإن كان دونه فلا، والصحيح الأول؛ لأنه لم يثبت أن النبيّ - ﷺ - أثبت له الخيار، وإنما قال له: قل: "لا خلابة"؛ أي: لا خديعة، ولا يلزم من هذا ثبوت الخيار، ولأنه لو ثبت، أو أثبت له الخيار، كانت قضيّة عين، لا عموم لها، فلا ينفذ منه إلى غيره إلا بدليل. انتهى. "شرح مسلم" ١٠/ ١٧١.
وقال ابن قُدامة - ﵀ - في "المغني": ويثبت الخيار في البيع للغبن في مواضع:
[أحدها]: تلقي الركبان، إذا تلقاهم، فاشترى منهم، وباعهم، وغبنهم.
[الثاني]: بيع النجش، وقد سبق بيان حكم هذين الغبنين قريبًا.
[الثالث]: المسترسِل إذا غُبن غبنًا يخرج عن العادة، فله الخيار بين الفسخ والإمضاء، وبهذا قال مالك، وقال ابن أبي موسى: وقد قيل: قد لزمه البيع، وليس له فسخه، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعيّ؛ لأن نقصان قيمة السلعة مع سلامتها، لا يمنع لزوم العقد، كبيع غير المسترسل، وكالغبن اليسير.
قال: ولنا أنه غبن حصل لجهله بالمبيع، فأثبت الخيار كالغبن في تلقي الركبان، فأما غير المسترسل، فإنه دخل على بصيرة بالغبن، فهو كالعالم بالعيب، وكذا لو استعجل، فَجَهِل ما لو تثبّت لَعَلِمه، لم يكن له خيار؛ لأنه انبنى على تقصيره وتفريطه، والمسترسل: هو الجاهل بقيمة السلعة، ولا يُحسِن المبايعة، قال أحمد: المسترسل: الذي لا يحسن أن يُماكِس، وفي لفظ: الذي لا يماكس، فكأنه استرسل إلى البائع، فأخذ ما أعطاه، من غير مماكسة، ولا معرفة بغبنه، فأما العالم بذلك، والذي لو توقف لعرف، إذا استعجل في الحال، فغُبِن فلا خيار لهما، ولا تحديد للغبن في المنصوص عن أحمد،
[ ٢٧ / ٨٢ ]
وحَدَّه أبو بكر في "التنبيه"، وابن أبي موسى في "الإرشاد" بالثلث، وهو قول مالك؛ لأن الثلث كثير، بدليل قول النبيّ - ﷺ -: "والثلث كثير"، وقيل: بالسدس، وقيل: ما لا يتغابن الناس به في العادة؛ لأن ما لا يَرِدُ الشرع بتحديده، يُرجَع فيه إلى العرف. انتهى كلام ابن قدامة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أحمد - ﵀ - من إثبات الخيار في الغبن للمسترسل هو الظاهر؛ لأن الشارع أثبت الخيار في مواضع كثيرة، من مواضع الغرر، مثل تلقّي الركبان، والمصرّاة، والنجش، وغيرها، فدلّ ذلك على أن ما كان بمعناها مثلها في الحكم، وهو الغبن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في مشروعيّة الحجر على السفيه:
قال الإمام الترمذيّ - ﵀ - - بعد أن أخرج الحديث -، ما نصّه: والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم، وقالوا: الحجر على الرجل الحرّ في البيع والشراء، إذا كان ضعيف العقل، وهو قول أحمد، وإسحاق، ولم ير بعضهم أن يُحجر على الحرّ البالغ. انتهى.
وقال البغويّ - ﵀ -: قد يَحتجّ بهذا الحديث من لا يرى الحجر على الحرّ البالغ، ولو جاز الحَجْر لمنعه النبيّ - ﷺ - من البيع حين عَلِم ضعف عقله، وكثرة غبنه.
وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الحرّ البالغ إذا كان مفسدًا لماله سفيهًا يُحجر عليه، وهو قول عليّ، وعثمان، والزبير، وبه قال الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، حتى قال الشافعيّ: لو كان فاسقًا يُحجر عليه، وإن كان غير مفسد لماله. انتهى.
وحجة الأولين هذا الحديث، ووجهه أن أهل ذلك الرجل لما طلبوا منه - ﷺ - الحجر عليه، لم ينكر عليهم، بل منعه من البيع، إلا أنه لمّا رأى أنه لا يترك ذلك، عَلَّمَهُ أن يقول: "لا خلابة".
واحتجّ المانعون أيضًا بهذا الحديث، ووجهه أنه - ﷺ - لم يحجر عليه، فلو كان الحجر جائزًا لحجر عليه.
[ ٢٧ / ٨٣ ]
وتُعقّب بأنه حجر عليه، لكنه لمّا رأى أنه لا ينفع الحجر فيه، لكونه لا يترك البيع علّمه ما يرفع عنه الضرر، إن لحقه، كما مرّ آنفًا، والحاصل أن دلالة الحديث على ما قاله الأولون واضحة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال الإمام ابن القيم - ﵀ - في كتابه "إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين": أحدث بعض المتاخرين حِيَلًا، لم يصح. القول بها عن أحد من الأئمة، ومن عَرَف سيرة الشافعيّ، وفضله، عَلِم أنه لم يكن يأمر بفعل الحيل، التي تبنى على الخداع، وإن كان يُجري العقود على ظاهرها، ولا ينظر إلى قصد العاقد، إذا خالف لفظه، فحاشاه أن يُبيح للناس المكر والخديعة، فإن الفرق بين إجراء العقد على ظاهره، فلا يعتبر القصد في العقد، وبين تجويز عقد، قد عُلم بناؤه على المكر، مع العلم بأن باطنه بخلاف ظاهره ظاهر، ومن نسب حِل الثاني إلى الشافعي، فهو خصمه عند الله، فإن الذي جوّزه بمنزلة الحاكم يُجري الحكم على ظاهره، في عدالة الشهود، فيحكم بظاهر عدالتهم، وإن كانوا في الباطن شهود زور، وكذا في مسألة الْعِينَة، إنما جوّز أن يبيع السلعة ممن يشتريها، جريًا منه على أن ظاهر عقود المسلمين سلامتها من المكز والخديعة، ولم يجوّز قط أن المتعاقدين يتواطآن على ألف، بألف ومائتين، ثم يُحضران سلعة، تُحلل الربا، ولا سيما إن لم يقصد البائع بيعها، ولا المشتري شراءها، ويتأكد ذلك، إذا كانت ليست ملكًا للبائع، كان يكون عنده سلعة لغيره، فيوقع العقد، وَيدَّعي أنها ملكه، ويصدقه المشتري، فيوقعان العقد على الأكثر، ثم يستعيدها البائع بالأقل، ويترتب الأكثر في ذمة المشتري في الظاهر، ولو عَلِمَ الذي جَوَّز ذلك بذلك، لبادر إلى إنكاره؛ لأن لازم المذهب ليس بمذهب، فقد يذكر العالم الشيء، ولا يستحضر لازمه، حتى إذا عرفه أنكره، وأطال في ذلك جِدًّا، وهذا ملخصه:
قال الحافظ: والتحقيق أنه لا يلزم من الاثم في العقد بطلانه، في ظاهر الحكم، فالشافعية يجوّزون العقود على ظاهرها، ويقولون مع ذلك: إنّ من عَمِلَ الحيل بالمكر والخديعة، يأثم في الباطن، وبهذا يحصل الانفصال عن
[ ٢٧ / ٨٤ ]
إشكاله. والله أعلم. انتهى "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا عجيب من مثل الحافظ، فأين الانفصال الذي زعمه؟ وبأيّ دليل انفصل عما أورده الإمام ابن القيّم - ﵀ -، من هذا الكلام المفصّل الذي إذا سمعه من أنصف لا يتأخّر عن الاعتراف به، واعتقاد صحّته، وأنه لا مفرّ عن القول به؟ فهذه الحيل التي ذكرها، لا نعتقد أحدًا ممن له علم بالكتاب والسنة يُجيزها، فإن عُثر على أن بعض أهل العلم قالوا بجوازها، فيُعتذر عنهم بما اعتذر به هو، وذلك أنهم جوّزوا نوعًا منها إجمالًا، ولو استُفصلوا بجميع لوازم المسألة، لبادروا بالإنكار، فضلًا عن القول بجوازها، وهذا هو الذي ندين الله تعالى به في حقّ علماء الإسلام، فإن هذه الحيل هي التي دخل بها تحريف الأديان السابقة، فكان أحبارهم يحتالون في مخالفة ما في كتابهم، من التكاليف، فيجيزون للعوامّ ما هو حرام صرف، فيشترون بذلك عرض الدنيا الفانية، كما ذمّهم الله - ﷾ - في كتابه العزيز، فقال - ﷿ -: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ [آل عمران: ١٨٧]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٥٥] (…) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: "فَكَانَ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ".
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب السابق، وقبله بثلاثة أبواب.
_________________
(١) ١٤/ ٣٥٣ - ٣٥٤.
[ ٢٧ / ٨٥ ]
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن عبد الله بن دينار، ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، (٢/ ٦١) فقال:
(٥٢٧١) - حدّثنا عبد الله (^١)، ثنا أبي، ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله إني أُخْدَع في البيع، فقال: "إذا بعت فقل: لا خلابة". انتهى.
وأما رواية شعبة، عن عبد الله بن دينار، فساقها الإمام أحمد أيضًا في "مسنده" (٢/ ٤٤) فقال:
(٥٠٣٦) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، سمعت ابن عمر قال: كان رجل من قريش يُغْبَن في البيع، فذَكَرَ ذلك للنبيّ - ﷺ -، فقال له النبيّ - ﷺ -: "قل: لا خِلابة". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.