وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٢٨] (١٤٦٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - تِسْعُ نِسْوَةٍ، فَكَانَ إِذَا قَسَمَ بَيْنَهُنَّ لَا يَنْتَهِي إِلَى الْمَرْأَةِ الْأُولَى إِلَّا فِي تِسْعٍ، فَكُنَّ يَجْتَمِعْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَأْتِيهَا، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، فَجَاءَتْ زَيْنَبُ، فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: هَذِهِ زَيْنَبُ، فَكَفَّ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدَهُ، فَتَقَاوَلَتَا، حَتَّى اسْتَخَبَتَا، وَأُقِيمَت الصَّلَاةُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ذَلِكَ، فَسَمِعَ أَصْوَاتَهُمَا، فَقَالَ: اخْرُجْ يَا رَسُولَ اللهِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَاحْثُ فِي أفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: الْآنَ يَقْضِي النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاتَهُ، فَيَجِيءُ أَبُو بَكْرٍ، فَيَفْعَلُ بِي، وَيَفْعَلُ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاتَهُ أَتَاهَا أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهَا قَوْلًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَتَصْنَعِينَ هَذَا؟).
[ ٢٥ / ٧٥٢ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ) الفزاريّ مولاهم، المدائنيّ، خراسانيّ الأصل، يقال: اسمه مروان، ثقةٌ حافظٌ، رُمي بالإرجاء [٩] (ت ٤ أو ٥ أو ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) الْقَيسيّ مولاهم، أبو محمد البصريّ، ثقة ثبتٌ [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١.
٣ - (ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه فكوفيّ، وشبابة فمدائنيّ، وتقدم الكلام في أنس - ﵁ - قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ) بن مالك - ﵁ - أنه (قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - تِسْعُ نِسْوَةٍ) بكسر النون، وضمها، لغتان: والكسر أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن العزيز، قاله النوويّ - ﵀ - (^١).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: النِّسْوة بكسر النون أفصح من ضمّها، والنساء بالكسر: اسمان لجماعة إناث الأُناسيّ، الواحدة: امرأة من غير لفظ الجمع. انتهى (^٢).
[تنبيه]: النسوة التسع هنّ اللاتي تُوُفّي عنهنّ النبيّ - ﷺ -، وهنّ: عائشة، وحفصة، وسودة، وزينب، وأم سلمة، وأم حبيبة، وميمونة، وجُويرية، وصفية
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٤٧.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٠٤.
[ ٢٥ / ٧٥٣ ]
- ﵅ -، وسيأتي تمام البحث فيهنّ في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
وقال الأبيّ - ﵀ -: يعني بالتسع: ما اجتمعن في زمان واحد، وإلا فقد كان له - ﷺ - غير التسع.
وقال الشافعيّ - ﵀ -: خصّ الله نبيه - ﷺ - بأن فرض عليه أشياء خفّفها على غيره زيادة في تقدّمه - ﷺ -، وأباح له أشياء حرّمها على غيره زيادة في تكريمه، وترفيعه، فمن هذا النوع الزيادة على الأربع أبيحت له؛ ليزداد في نفوس العرب إجلالًا وفخامةً، فإنها كانت تتفاخر بالقدرة على النكاح.
وأيضًا فإنه كان - ﷺ - من كمال القوّة، واعتدال المزاج بالمنزلة التي شهدت بكمالها الآثار، ومن كان كذلك كانت دواعي هذا أغلب عليه.
وأيضًا إنما مُنع غيره من الزيادة على الأربع خوفًا من عدم العدل، كما أشارت إليه آية: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾، وهذه العلة مرتفعة في حقه - ﷺ -، ويشهد لكون هذه علة المنع في غيره أن الله - ﷿ - أباح لغيره من الإماء ما يقدر عليه؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ لمّا لم يكن للإماء حقّ في الوطء، فيخافَ عدم العدل فيه.
وأيضًا لا يجوز له الاستمتاع بما لا يحلّ له، ولا التطلّع إلى ما في أيدي الرجال، وكانت الحال حينئذ لم تتسع لكسب الإماء وسّع عليه في الحرائر، واختار له أفضل النوعين، ولهذا قال بعض السلف: لا يجوز له نكاح حرائر الذميّات، بخلاف غيره من أمته، وقال غيره: ولئلا تكون الكافرة أمًّا للمؤمنين. انتهى (^١).
(فَكَانَ) - ﷺ - (إِذَا قَسَمَ بَيْنَهُنَّ لَا يَنْتَهِي إِلَى الْمَرْأَةِ الْأُولَى إِلَّا فِي تِسْعٍ) أي إلا بعد انقضاء تسع ليالٍ، ووقع في بعض النسخ بحذف "إلا"، قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "لا ينتهي إلى المرأة الأولى في تسع" كذا صحّت روايتنا "في تسع" من غير "إلا" الإيجابيّة، وقد وقع في بعض النسخ: "إلا في تسع"، وهو أصوب، وأوضح، فتأمّله. انتهى (^٢).
_________________
(١) "شرح الأبيّ" ٤/ ٨٧.
(٢) "المفهم" ٤/ ٢٠٦.
[ ٢٥ / ٧٥٤ ]
(فَكُنَّ يَجْتَمِعْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الَّتِي يَأْتِيهَا) أي في بيت صاحبة النوبة، قال القرطبيّ - ﵀ -: فيه حجة في أن الزوج لا يأتي غير صاحبة القسم، فأما اجتماعهنّ عند صاحبة القسم في بعض الأوقات فباختيارهنّ، ومن حقّ صاحبة القسم أن تمنعهنّ إن شاءت. انتهى (^١).
(فَكَانَ) - ﷺ - (فِي بَيْتِ عَائِشَةَ) - ﵂ - (فَجَاءَتْ زَيْنَبُ) بنت جحش - ﵂ - (فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهَا) أي ظنًّا منه أنها عائشة (فَقَالَتْ: هَذِهِ زَيْنَبُ) أي قالت عائشة: هذه التي مددت يدك إليها هي زينب.
قال النوويّ - ﵀ -: وأما مدّ يده - ﷺ - إلى زينب، وقول عائشة: هذه زينب، فقيل: إنه لم يكن عمدًا، بل ظنها عائشة صاحبةَ النوبة؛ لأنه كان في الليل، وليس في البيوت مصابيح، وقيل: كان مثل هذا برضاهنّ. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: كان هذا في الوقت الذي لم يكن في البيوت مصابيح، وإنما مدّه يده إليها يظنّها عائشة، وفيه ما يدلّ على صحة ما ذكرناه من أنه لا يجوز للزوج الاستمتاع بالواحدة في وقت الأخرى، فأما ما أخرجه البخاريّ، وأبو داود من حديث عائشة - ﵂ - من أنه - ﷺ - كان يطوف بعد العصر على نسائه، فيدنو منهنّ من غير مسيس، فقد قيل: إن ذلك كان إذ لم يكن القَسْم عليه واجبًا، ويَحْتَمِل أن يقال: كان ذلك برضا أزواجه. انتهى (^٣).
(فَكَفَّ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدَهُ، فَتَقَاوَلَتَا) أي تراجعتا القول من أجل الغيرة، وقال في "المشارق": "فتقاولتا" أي تشاجرتا، وقالت كل واحدة منهما قولًا أغلظت فيه. انتهى (^٤).
(حَتَّى اسْتَخَبَتَا) بخاء معجمة، ثم باء موحّدة مفتوحتين، ثم تاء مثناة فوقُ، من السَّخَب، وهو اختلاط الأصوات، وارتفاعها، ويقال أيضًا: صَخَبَ بالصاد، قال النوويّ: هكذا هو في معظم الأصول، وكذا نقله القاضي عن رواية الجمهور، وفي بعض النسخ: "استخبثتا" بثاء مثلثة، أي قالتا الكلام الرديء، وفي بعضها: "استحيتا"، من الاستحياء، ونقل القاضي عن رواية
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٠٦.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ٤٧.
(٣) "المفهم" ٤/ ٢٠٦.
(٤) "مشارق الأنوار" ٢/ ١٩٤.
[ ٢٥ / ٧٥٥ ]
بعضهم: "استحثتا"، بمثلثة، ثم مثناة، قال: ومعناه إن لم يكن تصحيفًا: أن كل واحدة حَثَتْ في وجه الأخرى التراب. انتهى (^١).
وقال في "المشارق": "حتى استحثتا" كذا رواه السمرقنديّ، كأنه حَثَت كل واحدة منهما في وجه الأخرى التراب، والمعروف والصواب رواية الجماعة: "حتى استخَبَتا": افتعلتا من السَّخَب، وهو ارتفاع الأصوات، واختلاط الكلام، يقال بالسين والصاد، قال: ويصححه، قول أبي بكر - ﵁ - للنبيّ - ﷺ -: "احْثُ يا رسول الله في أفواههن التراب"، فإنما أنكر عليهما كثرة الكلام، والمقاولة، وارتفاع الصوت. انتهى (^٢).
(وَأُقِيمَت الصَّلَاةُ) قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا يدلّ على أن تلك الحالة الواقعة لهم كانت قريب الفجر، وأنهما دامتا على المقاولة إلى أن أقيمت صلاة الصبح، قال: وليس في مدّ يده - ﷺ - إلى زينب دليلٌ على أن اللمس لا ينقض الوضوء، كما زعمه بعضهم؛ إذ لم يُنقل أنه كان منه لمسٌ على غير حائل، ولا أنه كان توضّأ قبل ذلك، فلعلّه بعد ذلك توضّأ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم بيان الخلاف في مسألة نقض الوضوء بلمس المرأة في "كتاب الطهارة"، مع ترجيح القول بعدم النقض؛ لقوة حججه، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وبالله تعالى التوفيق.
(فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق - ﵁ - (عَلَى ذَلِكَ) أي على المذكور من تقاولهما، واستخابهما (فَسَمِعَ أَصْوَاتَهُمَا، فَقَالَ: اخْرُجْ يَا رَسُولَ اللهِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَاحْثُ) بضمّ الثاء المثلّثة، وكسرها، يقال: حثا الرجل الترابَ يَحثوه حَثْوًا، من باب غزا، وحَثَاه يَحثيه حَثْيًا، من باب رمى: إذا هاله بيده، وبعضهم يقول: قبضه بيده، ثم رماه، أفاده الفيّوميّ (^٣). (فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ) أي مبالغة في الردع والزجر لهنّ عن رفع أصواتهنّ على صوت النبيّ - ﷺ -، وترك احترامه، و"الترابَ" منصوب على المفعوليّة لـ "احثُ" (فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: الْآنَ يَقْضِي النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاتَهُ، فَيَجِيءُ أَبُو بَكْرٍ، فَيَفْعَلُ بِي، وَيَفْعَلُ) أي يفعل بي
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٤٧ - ٤٨.
(٢) "مشارق الأنوار" ١/ ١٨٠ - ١٨١.
(٣) راجع: "المصباح المنير" ١/ ١٢١.
[ ٢٥ / ٧٥٦ ]
ما يفعله الأب بابنته من العتاب، والتوبيخ، وضرب التأديب، وكرّرته للمبالغة (فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - صَلَاتَهُ أَتَاهَا أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهَا قَوْلًا شَدِيدًا) أي أغلظ لها التوبيخ (وَقَالَ: أَتَصْنَعِينَ هَذَا؟) استفهام إنكار وتوبيخ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٣٦٢٨] (١٤٦٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٠٤ و٢٠٥ و٣٣٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٣٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٣٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة القَسْم بين الزوجات، وقال النوويّ: مذهبنا أنه لا يلزمه أن يَقْسِم لنسائه، بل له اجتنابهنّ كلهنّ، لكن يكره تعطيلهنّ مخافةً من الفتنة عليهنّ، والإضرار بهنّ.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: لا يلزمه إلخ فيه نظرٌ، كيف لا يلزمه، وقد قال الله ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ الآية؟ فكما أوجب الله عليها أن تمكّنه من جماعها، كذلك يجب عليه أن يطأها إذا احتاجت إليه، ويُعفّها، ويصونها من الفتنة، فتبصّر.
قال: فإن أراد القسم لم يجز له أن يبتدئ بواحدة منهنّ، إلا بقرعة، ويجوز أن يقسم ليلة ليلة، وليلتين ليلتين، وثلاثًا ثلاثًا، ولا يجوز أقل من ليلة، ولا يجوز الزيادة على الثلاثة، إلا برضاهنّ، هذا هو الصحيح في مذهبنا، وفيه أوجه ضعيفة في هذه المسائل غير ما ذكرته.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "ولا يجوز أقل من ليلة، ولا يجوز الزيادة إلخ" هذا يحتاج إلى دليل، فأين الدليل الذي يمنع أقل من ليلة، وأكثر من ثلاث؟، فتنبّه.
[ ٢٥ / ٧٥٧ ]
قال: واتفقوا على أنه يجوز أن يطوف عليهنّ كلهنّ، ويطأهنّ في الساعة الواحدة برضاهنّ، ولا يجوز ذلك بغير رضاهنّ.
وإذا قسم كان لها اليوم الذي بعد ليلتها، ويقسم للمريضة، والحائض، والنفساء؛ لأنه يحصل لها الأنس به، ولأنه يستمتع بها بغير الوطئ، من قبلة، ونظر، ولمس، وغير ذلك.
قال أصحابنا: وإذا قسم لا يلزمه الوطء، ولا التسوية فيه، بل له أن يبيت عندهنّ، ولا يطأ واحدة منهنّ، وله أن يطأ بعضهنّ في نوبتها دون بعض، لكن يستحب أن لا يعطلهنّ، وأن يسوي بينهنّ في ذلك، كما قدمناه، والله أعلم. انتهى (^١).
٢ - (ومنها): بيان أن السنّة أن تكون لكلّ واحدة منهنّ ليلة مع يومها، قال النوويّ - ﵀ -: وفيه أنه يستحب أن لا يزيد في القَسْم على ليلة ليلة؛ لأن فيه مخاطرةً بحقوقهنّ. انتهى.
٣ - (ومنها): أنه يستحب للزوج أن يأتي كل امرأة في بيتها، ولا يدعوهنّ إلى بيته، لكن لو دعا كل واحدة في نوبتها إلى بيته كان له ذلك، وهو خلاف الأفضل، ولو دعاها إلى بيت ضرائرها لم تلزمها الإجابة، ولا تكون بالامتناع ناشزة، بخلاف ما إذا امتنعت من الإتيان إلى بيته؛ لأن عليها ضررًا في الإتيان إلى ضرتها، وهذا الاجتماع كان برضاهنّ، قاله النوويّ - ﵀ -.
٤ - (ومنها): أنه لا يأتي غير صاحبة النوبة في بيتها في الليل، بل ذلك حرام إلا لضرورة بأن حضرها الموت، أو نحوه من الضرورات، قاله النوويّ - ﵀ -.
٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من حسن الخلق، وملاطفة الجميع.
٦ - (ومنها): أن فيه فضيلةً لأبي بكر - ﵁ - وشفقته، ونظره في المصالح.
٧ - (ومنها): أن فيه إشارةَ المفضول على صاحبه الفاضل بمصلحته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٤٦.
[ ٢٥ / ٧٥٨ ]
(المسألة الرابعة): في عدد أزواج النبيّ - ﷺ -، وهن على أربعة أقسام: قسم منهن مُتْن قبله، وقسم منهن مات قبلهنّ، وقسم فارقهنّ، وقسم خطبهنّ، ولم يزوّجهنّ:
فأما القسم الأول - وهنّ اللاتي مُتْن قبله - فهنّ سبع:
(الأولى): خديجة بنت خُويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قُصيّ بن كلاب، وكانت قبله عند أبي هالة (^١)، واسمه زُرارة بن النبّاش الأسديّ، وكانت قبله عند عَتيق بن عائذ، ولدت منه غلامًا اسمه عبد مناف، وولدت من أبي هالة هند بن أبي هالة، وعاش إلى زمن الطاعون، فمات فيه، ويقال: إن الذي عاش إلى زمن الطاعون هند بن هند، وسُمعت نادبته تقول حين مات: وا هند بن هنداه، وا ربيب رسول الله، وهي أول امرأة تزوّجها قبل النبوّة عند مرجعه من الشام، وكانت يوم تزوّجها رسول الله - ﷺ - بنت أربعين سنة، وتوفيت بعد أن مضى من النبوّة سبع سنين، وقيل: عشر، وكان لها حين توفّيت خمس وستّون سنة، وهي أول امرأة آمنت به، وهي أم بنيه وبناته، إلا إبراهيم، فإنه من مارية القبطيّة، كان المقوقس أهداها إليه، ولم يتزوّج على خديجة أحدًا حتى ماتت، قال حكيم بن حزام: توفيت خديجة، فخرجنا بها من منزلها حتى دفنّاها بالحجون، ونزل رسول الله - ﷺ - في حفرتها، ولم تكن يومئذ سنّة الجنازة في الصلاة عليها.
(الثانية): زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلاليّة، كانت تسمّى في الجاهليّة أم المساكين؛ لإطعامها إياهم، تزوجها رسول الله - ﷺ - في رمضان على رأس واحد وثلاثين شهرًا من الهجرة، فمكثت عنده ثمانية أشهر، وتوفيت في حياته - ﷺ - في آخر ربيع الأول على رأس تسعة وثلاثين شهرًا، ودُفنت بالبقيع، وكانت أخت ميمونة من أمها.
(الثالثة): سَنَا بنت أسماء بن الصلت السلمية، ماتت قبل أن تصل إليه (^٢).
_________________
(١) في كتب الصحابة أقوال فيمن كانت عنده قبلُ.
(٢) هذه ذكرها الماورديّ في "الحاوي"، وذكرها في "الإصابة" ١٢/ ٣١٧ - ٣١٨.
[ ٢٥ / ٧٥٩ ]
(والرابعة): شَرَافُ بنت خليفة، أخت دحية الكلبيّ، ماتت قبل أن تصل إليه.
(والخامسة): خولة بنت الْهُذيل بن هُبيرة، تزوجها رسول الله - ﷺ -، وماتت قبل أن تصل إليه.
(والسادسة): خولة بنت حكيم السلمية، ماتت قبل دخوله بها، وقيل: إنها هي التي وهبت نفسها للنبيّ - ﷺ -.
(والسابعة): ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خُنافة من بني النضير، سباها رسول الله - ﷺ -، وأعتقها، وتزوجها سنة ستّ، وماتت مرجعه من حجة الوداع، فدفنها بالبقيع، وقال الواقديّ: ماتت سنة ست عشرة، وصلى عليها عمر، قال أبو الفرج ابن الجوزيّ: وقد سمعت من يقول: إنه كان يطؤها بملك اليمين، ولم يُعتقها، قال القرطبي: ولهذا - والله أعلم - لم يذكرها أبو القاسم السهيليّ في عداد أزواج النبيّ - ﷺ -.
فهؤلاء سبعٌ مُتْنَ قبله، دخل منهنّ بثلاثة، ولم يدخل بأربع، والله تعالى أعلم.
(وأما القسم الثاني): - وهنّ اللاتي مات عنهنّ - فهنّ تسع:
(فإحداهنّ): عائشة بنت أبي بكر الصدّيق، كانت مسمّاة لجبير بن مطعم، فخطبها رسول الله - ﷺ -، فقال أبو بكر: يا رسول الله دعني أَسُلّها من جُبير سلًّا رفيقًا، فتزوجها رسول الله - ﷺ -، وهي أول امرأة تزوجها بعد موت خديجة، وقيل: هي بعد سودة، ولم يتزوّج بكرًا غيرها، عقد عليها بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث سنين، وهي ابنة ستّ، ودخل بها بالمدينة، وهي ابنة تسع، ومات عنها، وهي ابنة ثماني عشرة، ماتت سنة (٥٩) وقيل: (٥٨) وقيل: (٥٧) وهو الصحيح.
(والثانية): سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامريّة، أسلمت قديمًا، وبايعت، وكانت عند ابن عمّ لها، يقال له: السكران بن عمرو، وأسلم هو أيضًا، وهاجرا جميعًا إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، فلما قدما مكة مات زوجها، وقيل: مات بالحبشة، فلما حلّت خطبها رسول الله - ﷺ -، فتزوّجها، ودخل بها بمكة، وهاجر بها إلى المدينة، قيل: تزوّجها بعد عائشة،
[ ٢٥ / ٧٦٠ ]
وقيل: قبلها، وكانت أم خمس صبية، فلما عَرَف أخوها عبد بن زمعة أنها تزوّجت رسول الله - ﷺ - حثى التراب على رأسه، فلما أسلم قال: إني لَسَفِيه لَمّا حثوت التراب على رأسي، حين تزوّج رسول الله - ﷺ - أختي. وتوفيت بالمدينة سنة (٥٤).
(والثالثة): حفصة بنت عمر بن الخطّاب القرشية العدوية، تزوّجها بعد سودة، تزوجها رسول الله - ﷺ -، ثم طلقها، فأتاه جبريل، فقال: "إن الله يأمرك أن تراجع حفصة، فإنها صوّامة قوّامة"، فراجعها، وكان عثمان قد خطبها، فقال النبيّ - ﷺ -: "ألا أدلّك على من هو خير لها من عثمان، وأدلّ عثمان على من هو خير له منها؟ "، فتزوجها، وزوّج بنته أم كلثوم بعثمان، وتوفيت في شعبان سنة (٤٥) في خلافة معاوية، وهي ابنة (٦٠) سنة، وقيل: ماتت في خلافة عثمان بالمدينة.
(والرابعة): أم سلمة بنت أبي أميّة، واسمها هند بنت أبي أمية المخزومية، واسم أبي أمية سُهيل، تزوجها رسول الله - ﷺ - في ليال بقين من شوّال سنة أربع، وتوفيت سنة (٥٩) وقيل: (٦٢) والأول أصحّ، وصلى عليها سعيد بن زيد، وقيل: أبو هريرة، وقُبرت بالبقيع، وهي ابنة (٨٤) سنة.
(والخامسة): أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، بعث رسول الله - ﷺ - عمرو بن أمية الضمريّ إلى النجاشيّ؛ ليخطب عليه أم حبيبة، فزوّجه إياها، وذلك سنة سبع من الهجرة، وأصدق النجاشيّ عن رسول الله - ﷺ - أربعمائة دينار، وبعث بها مع شُرَحبيل بن حَسَنة، وتوفيت سنة (٤٤).
وقال الدارقطنيّ: كانت أم حبيبة تحت عبيد الله بن جحش، فمات بأرض الحبشة على النصرانيّة، فزوّجها النجاشيّ النبيّ - ﷺ -، وأمهرها أربعة آلاف، وبعث بها مع شُرحبيل بن حسنة. انتهى (^١).
وقيل: إنه نزل في تزويجها: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ الآية [الممتحنة: ٧]، ولما تنازع أزواج رسول الله - ﷺ - في حضانة ابنه إبراهيم، قال: "ادفعوه إلى أم حبيبة، فإنها أقربهن منه رحمًا"، ذكره الماورديّ في "الحاوي".
_________________
(١) "تفسير القرطبيّ" ١٤/ ١٦٥.
[ ٢٥ / ٧٦١ ]
(والسادسة): زينب بنت جحش بن رئاب الأسديّة، وكان اسمها برّة، فسماها رسول الله - ﷺ - زينب، نزل عنها زيد بن حارثة، فتزوجها، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧]، وكانت بنت عمة رسول الله - ﷺ -، وأمها أُميمة بنت عبد المطّلب، تزوجها النبيّ - ﷺ - بالمدينة سنة خمس من الهجرة، وتوفّيت سنة عشرين، وهي بنت (٥٣).
(والسابعة): ميمونة بنت الحارث الهلاليّة، تزوجها رسول الله - ﷺ - بسرف على عشرة أميال من مكة، وذلك سنة سبع من الهجرة في عمرة القضيّة، وهي آخر امرأة تزوّجها - ﷺ -، وقضى الله تعالى أن ماتت بعد ذلك بسرف المكان الذي بنى بها - ﷺ - فيه، سنة (٦١) وقيل: سنة (٦٣) وقيل: سنة (٦٨).
(والثامنة): جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصْطَلِقية، من بني الْمُصْطَلِق من خُزاعة، سباها رسول الله - ﷺ - في غزوة المريسيع التي هَدَم فيها مناة، وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها، فقضى رسول الله - ﷺ - كتابتها، وتزوّجها في شعبان سنة ستّ، وكان اسمها برّة، فسماها رسول الله - ﷺ - جويرية، وتوفيت في ربيع الأول سنة (٥٦) وقيل: سنة (٥٠) وهي بنت (٦٥) سنة.
وقال الشعبيّ: وجعل عتقها صداقها، فلما فعل ذلك رسول الله - ﷺ - ما أبقى أحدٌ من المسلمين عبدًا من قومها إلا أعتقه لمكانتها، فقيل: إنها كانت أبرك امرأة على قومها.
(والتاسعة): صفيّة بنت حُييّ بن أخطب، الهارونيّة، اصطفاها رسول الله - ﷺ - من سبي النضير، ثم أعتقها، وتزوّجها، وجعل عتقها صداقها، وهي التي أهدت إليها زينب بنت الحارث اليهوديّة شاةً مسمومة، فأكل منها رسول الله - ﷺ -، وفي "الصحيح": إنها وقعت في سهم دحية الكلبيّ، فاشتراها منه - ﷺ - بسبعة أرؤس، وماتت في سنة (٥٠) وقيل: (٥٢) ودفنت بالبقيع.
فهؤلاء تسع مات عنهنّ، وكان يَقسم لثمان منهنّ، غير سودة - رضي الله تعالى عنهنّ -.
(وأما القسم الثالث): - وهنّ اللاتي فارقهنّ في حياته - فهنّ إحدى عشرة:
[ ٢٥ / ٧٦٢ ]
(١) - أسماء بنت النعمان الكنديّة، وهي الجونيّة، قال قتادة: لما دخل عليها، دعاها، فقالت: تعال أنت، فطلّقها. وقال غيره: هي التي استعاذت منه. وفي "صحيح البخاريّ": قال: "تزوّج رسول الله - ﷺ - أُميمة بنت شراحيل، فلما أُدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أُسيد أن يُجهّزها، ويكسوها ثوبين". وفي لفظ آخر: قال أبو أُسيد: أُتي رسول الله - ﷺ - بالْجَونيّة، فلما دخل عليها قال: "هبي لي نفسك"، فقالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ فأهوى بيده ليضعها عليها لتسكن؛ فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: "قد عذت بمعاذ"، ثم خرج علينا، فقال: "يا أُسيد اكسها رازقيين (^١)، وألحقها بأهلها".
(٢) - ليلى بنت الْخَطِيم أتت رسول الله - ﷺ -، وهو غافلٌ، فضربت ظهره، فقال: "من هذا؟، أكله الأسود"، فقالت: أنا ليلى، قد جئتك أَعْرِض نفسي عليك، فقال: "قد قبلتك"، ثم علمت كثرة ضرائرها، فاستقالته، فأقالها، فدخلت حائطًا بالمدينة، فأكلها الذئب (^٢).
(٣) - عمرة بنت يزيد الكلابية، ذكرها ابن إسحاق، فقال: وتزوج عمرة بنت يزيد إحدى نساء بني بكر بن كلاب، ثم طلقها قبل أن يدخل بها (^٣).
(٤) - العالية بنت ظبيان، دخل بها، ومكثت عنده ما شاء الله، ثم طلّقها (^٤).
(٥) - فاطمة بنت الضحّاك الكلابيّة، لما خيّر الرسول - ﷺ - نساءه، اختارت فراقه، ففارقها بعد دخوله بها، فكانت بعد ذلك تلتقط البعر، وتقول: أنا الشقيّة، اخترت الدنيا.
والصحيح أن هذا غير صحيح؛ لأنه ثبت في "الصحيح" عن عائشة - ﵂ - حين اختارت النبيّ - ﷺ - قالت: وتتابع أزواج النبيّ - ﷺ - كلهنّ على ذلك.
_________________
(١) الرازقيّة: ثياب من كتّان بِيض طوال.
(٢) ذكرها الماورديّ في "الحاوي"، وهذه القصّة أخرجها ابن سعد، وهي لا تصحّ؛ لأن في سندها الكلبيّ، كما ذكره في "الإصابة" ١٣/ ١١٧.
(٣) راجع: "الإصابة" ١٣/ ٥٤ - ٥٥.
(٤) راجع: "الإصابة" ١٣/ ٣٨.
[ ٢٥ / ٧٦٣ ]
(٦) - قُتيلة بنت قيس، أخت الأشعث بن قيس، زوّجها إياه الأشعث، ثم انصرف إلى حضرموت، فحملها إليه، فبلغه وفاة النبيّ - ﷺ -، فردّها إلى بلاده، فارتدّ، وارتدّت معه، ثم تزوّجها عكرمة بن أبي جهل، فوجد من ذلك أبو بكر وجدًا شديدًا، فقال له عمر: إنها والله ما هي من أزواجه، ما خيّرها، ولا حجبها، ولقد برّأها الله منه بالارتداد، وكان عروة يُنكر أن يكون تزوّجها (^١).
(٧) - مُليكة بنت كعب الليثية، كانت مذكورة بالجمال، فدخلت إليها عائشة، فقالت: ألا تستحيين أن تتزوجي قاتل أبيك يوم الفتح؟ فاستعيذي منه، فإنه يُعيذك، فدخل عليها رسول الله - ﷺ -، فقالت: أعوذ بالله منك، فأعرض عنها، وقال: قد أعاذك الله مني، وطلّقها (^٢).
(٨) - أم شريك الأزديّة، واسمها غُزَيّة بنت جابر بن حكيم، وكانت قبله عند أبي بكر بن أبي سلمى، فطلّقها النبيّ - ﷺ -، ولم يدخل بها، وهي التي وهبت نفسها، وقيل: إن التي وهبت نفسها للنبيّ - ﷺ - خولة بنت حكيم.
(٩) - عمرة بنت معاوية الكنديّة، تزوجها النبيّ - ﷺ -، أخرج أبو نعيم، من طريق مجالد، عن الشعبيّ، أن النبيّ - ﷺ - تزوج امرأة من كندة، فجيء بها بعد ما مات النبيّ - ﷺ -.
(١٠) - ابنة جندب بن ضمرة الجندعيّة، قال بعضهم: تزوجها رسول الله - ﷺ -، وأنكر بعضهم وجود ذلك (^٣).
(١١) - امرأة من غفار، تزوجها، فأمرها، فنزعت ثيابها، فرأى بكشحها بياضًا، فقال: ضمّي إليك ثيابك، والحقي بأهلك، ويقال: إنما رأى البياض بالكلابيّة.
_________________
(١) هكذا ذكر القرطبيّ قصّتها، والذي ذكره الماورديّ في "الحاوي" أن رسول الله - ﷺ - أوصى بتخييرها في مرضه، فاختارت فراقه، ففارقها قبل الدخول، انتهى، فالله تعالى أعلم.
(٢) قال الجامع: هذه القصّة من رواية الواقديّ، فلا تصحّ، راجع: "الإصابة" ١٣/ ١٣٦.
(٣) راجع: "تفسير القرطبيّ" ١٤/ ١٦٨.
[ ٢٥ / ٧٦٤ ]
فهؤلاء فارقهنّ في حياته، دخل منهنّ بثلاث (^١).
[وأما القسم الرابع]: وهنّ اللاتي خطبهنّ، ولم يتزوجهنّ، فهنّ ستّ:
(١) - أم هانئ بنت أبي طالب، واسمها فاختة، خطبها النبيّ - ﷺ -، فقالت: إني مُصْبِيةٌ (^٢)، واعتذرت إليه، فعذرها، أخرج قصتها ابن سعد بسند صحيح، عن الشعبيّ، ذكره في "الإصابة".
(٢) - ضباعة بنت عامر، وقد ذكر قصّتها في "الإصابة"، لكن في سنده الكلبيّ، ضعيف.
(٣) - صفية بنت بَشَامة بن نضلة، خطبها - ﷺ -، وكان أصابها سباءً، فخيّرها بينه وبين زوجها، فاختارت زوجها، فأرسلها، فلعنها بنو تميم، قاله ابن عباس، لكن في سنده الكلبيّ، وهو ضعيف (^٣).
(٤) - جمرة بنت الحارث بن عوف المريّ، خطبها - ﷺ -، فقال أبوها: إن بها سوءًا، ولم يكن بها، فرجع إليها، وقد بَرصت، وهي أم شبيب بن البرصاء الشاعر.
(٥) - سودة القرشيّة، خطبها - ﷺ -، وكانت مُصْبِيةً، فقالت: أخاف أن يَضْغُوَ (^٤) صِبْيتي عند رأسك، فحمدها، ودعا لها.
(٦) - امرأة لم يُذكر اسمها، قال مجاهد: خطب رسول الله - ﷺ - امرأة، فقالت: أستأمر أبي، فلقيت أباها، فأذن لها، فلقيت رسول الله - ﷺ -، فقال: "قد التحفنا لحفًا غيرك"، وهذا مرسل.
فهؤلاء جميع من ذُكر من أزواجه - ﷺ -.
وكان له من السراري سُريتان: مارية القبطية، وريحانة في قول قتادة (^٥)،
_________________
(١) راجع: "الحاوي الكبير" للماورديّ - ﵀ - ٩/ ٢٦ - ٢٨ في "كتاب النكاح"، و"تفسير القرطبيّ" في "سورة الأحزاب" ١٤/ ١٦٤ - ١٦٩، و"الإصابة في تمييز الصحابة" في قسم النساء.
(٢) أي ذات صبيان وأطفال.
(٣) راجع: "الإصابة" ١٣/ ١٣.
(٤) أي يصيحوا، ويَضِجُّوا.
(٥) تقدّم الخلاف في كونها زوجة، أو سُرّيّةً.
[ ٢٥ / ٧٦٥ ]
وقال غيره: كان له أربع: مارية، وريحانة، وأخرى جميلة أصابها في السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش (^١).
وقد ذكرهنّ الحافظ العراقيّ - ﵀ - في "ألفيّة السيرة"، فقال:
زَوْجَاتُهُ اللاتي بهنَّ قَدْ دَخَلْ … ثنْتَا أَوِ إحْدَى عَشْرَةٍ خُلْفٌ نُقلْ
خَدِيجَةُ الأوْلَى تَلِيهَا سَوْدَةُ … ثُمَّ تَلي عَائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ
وَقيلَ قَبْلَ سَوْدَةٍ فَحَفْصَةُ … فَزَيْنَبٌ وَالدُهَا خُزَيْمَةُ
فَبَعْدَهَا هنْدٌ أَيِ اُمُّ سَلَمَهْ … فَابْنَةُ جَحْشٍ زَيْنَبُ المُكَرَّمَهْ
تَلي ابْنَةُ الحَارِثِ أيْ جُوَيْريَهْ … فَبَعْدَهَا رَيْحَانَةُ المَسْبِيَّهْ
وَقيْلَ بَلْ مِلْكُ يَميْن فَقَطُ … لَمْ يَتَزَوَّجْهَا وَذَاكَ أضْبَطُ
بنْتُ أبي سُفْيَانَ وَهْيَ رَمْلَةُ … أمُّ حَبيْبَةَ تَلي صَفيَّةُ
مِنْ بَعْدهَا فَبَعْدَهَا مَيْمُونَهْ … حِلًّا وَكَانَتْ كَاسْمهَا مَيْمُونَهْ
وَابْنُ المُثَنَّى مَعْمَرٌ قَدْ أدْخَلَا … في جُمْلَةِ اللَّاتِي بِهِنَّ دَخَلَا
بِنْتَ شُرَيْحٍ وَاسْمُهَا فَاطمَةُ … عَرَّفَهَا بَأنَّهَا الوَاهبَةُ
وَلَمْ أجدْ مَنْ جَمَعَ الصَّحَابَهْ … ذَكَرَهَا وَلا بِأُسْدِ الغَابَهْ
وَعَلَّهَا الَّتِي اسْتَعَاذَتْ منْهُ … وَهْيَ ابْنَةُ الضَّحَّاك بَانَتْ منْهُ
وَغَيْرُ مَنْ بَنَى بهَا أوْ وَهَبَتْ … إِلَى النَّبيِّ نَفْسَهَا أوْ خُطِبَتْ
وَلَمْ يَقَعْ تَزْويجُهَا فَالْعِدَّةُ … نَحْوُ الثَّلَاثِينَ بخُلْفٍ أَثْبَتُوا
اهـ. كلام العراقيّ - ﵀ - (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أخرج الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه" بسنده عن سعيد بن جُبير، قال: قال لي ابن عباس: هل تزوجت؟، قلت: لا، قال: فتَزَّوجْ، فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء".
قيل: معناه: خير أمة محمد - ﷺ - من كان أكثر نساء من غيره ممن يتساوى معه فيما عدا ذلك من الفضائل.
_________________
(١) راجع: "تفسير القرطبيّ" ١٤/ ١٦٩.
(٢) "ألفيّة السيرة" (ص ٢٥٥ - ٢٥٦) بنسخة شرح المناويّ.
[ ٢٥ / ٧٦٦ ]
والظاهر - كما قال الحافظ - أن مراد ابن عباس - ﵄ - بالخير: النبيّ - ﷺ -، وبالأمة: أخصّاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك التزويج مرجوح، إذ لو كان راجحًا ما آثر النبيّ - ﷺ - غيره، فقد كان - ﷺ - مع كونه أخشى لله تعالى، وأعلمهم به يُكثر التزويج لمصلحة تبليغ الأحكام التي لا يطّلع عليها الرجال، ولإظهار المعجزة البالغة في خرق العادة؛ لكونه كان لا يجد ما يَشبع به من القوت غالبًا، وإن وجد كان يُؤْثِر بأكثره، ويصوم كثيرًا، ويواصل، ومع ذلك فكان يطوف على نسائه في الليلة الواحدة، ولا يُطاق ذلك إلا مع قوّة البدن، وقوّةُ البدن تابعة لما يقوم به من استعمال المقوّيات، من مأكول ومشروب، وهي عنده - ﷺ - نادرة، أو معدومة.
وذكر في "الشفا" أن العرب تمدح بكثرة النكاح؛ لدلالته على الرجوليّة. . . إلى أن قال: ولم تشغله كثرتهنّ عن عبادة ربّه، بل زاده ذلك عبادة لتحصينهنّ، وقيامه بحقوقهنّ، واكتسابه لهنّ، وهدايته إياهنّ، وكأنه أراد بالتحصين قصر طرفهنّ عليه، فلا يتطلّعن إلى غيره، بخلاف العزبة، فإن العفيفة تتطلّع بالطبع البشريّ إلى التزويج، وذلك هو الوصف اللائق بهنّ.
والذي تحصّل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره - ﷺ - من النساء عشرة أوجه، تقدّمت الإشارة إلى بعضها:
(أحدها): أن يكثر من يُشاهد أحواله الباطنة، فينتفي عنه ما يظنّ به المشركون من أنه ساحر، أو غير ذلك.
(ثانيها): لتتشرّف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم.
(ثالثها): للزيادة في تألفهم لذلك.
(رابعها): للزيادة في التكليف، حيث كلّف أن لا يَشغلَه ما حُبّب إليه منهنّ عن المبالغة في التبليغ.
(خامسها): لتكثر عشيرته من جهة نسائه، فتزداد أعوانه على من يُحاربه.
(سادسها): نقل الأحكام الشرعيّة التي لا يطّلع عليها الرجال؛ لأن أكثر ما يقع مع الزوجة مما شأنه أن يُخفَى مثله.
(سابعها): الاطلاع على محاسن أخلاقه الباطنة، فقد تزوّج أم حبيبة، وأبوها إذ ذاك يُعاديه، وصفيّة بعد قتل أبيها، وعمّها، وزوجها، فلو لم يكن
[ ٢٥ / ٧٦٧ ]
أكمل الخلق في خُلُقه لنفرن منه، بل الذي وقع أنه كان أحبّ إليهنّ من جميع أهلهنّ.
(ثامنها): ما تقدّم مبسوطًا من خرق العادة له في كثرة الجماع مع التقلّل من المأكول والمشروب، وكثرة الصيام والوصال، وقد أمر من لم يقدر على مُؤَن النكاح بالصوم، وأشار إلى أن كثرته تكسر شهوته، فانخرقت هذه العادة في حقّه - ﷺ -.
(تاسعها)، و(عاشرها): ما تقدّم نقله عن صاحب "الشفا" من تحصينهنّ، لقيام بحقوقهنّ، قاله في "الفتح".
وقد نظمت العشرة بقولي:
قَدْ ذَكَرُوا فِي حِكْمَةِ اسْتِكْثَارِ … نَبِيِّنَا الْكَرِيمِ حِبِّ الْبَارِي
مِنَ النِّسَاءِ عَشْرَةً أَنْ يَكْثُرَا … شُهُودُ مَا بَطَنَ إِذْ قَدِ افْتَرَى
عَلَيْهِ مَنْ ضَلَّ بِأنَّهُ سَحَرْ … أَوْ نَحْوِهِ بِهِنَّ ذَا الْكِذْبُ انْدَحَرْ
وَثَانِهَا لِتَشْرُفَ الْقَبَائِلُ … بِهِ إِذَا أَضْحَتْ لَهُ تُصَاهِرُ
ثَالِثُهَا زَيادَةُ التَّأْلِيفِ … رَابِعُهَا زَيادَةُ التَّكْلِيفِ
فَهْوَ مُكَلَّفٌ بِأَنْ لَا يُشْغَلَا … بِهِنَّ عَنْ تَبْلِيغِ مَا قَدْ أُرْسِلَا
خَامِسُهَا تَكْثِيرُ أَعْوَانٍ لَهُ … إِذَا مِنَ الْعَدُوِّ كَيْدٌ نَالَهُ
سَادِسُهَا نَقْلُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي … تَخْتَصُّ بِالزَّوْجَيْنِ عِنْدَ الْخَلْوَةِ
سَابِعُهَا اطِّلَاعُهُنَّ مَا بَطَنْ … أَيْ مِنْ أَخْلَاقِهِ الْحِسَانِ كَيْ تُسَنْ
ثَامِنُهَا بَيَانُ خَرْقِ الْعَادَةِ … بِكَثْرَةِ الْجِمَاعِ وَالزِّيَادَةِ
مَعَ التَّقَلُّلِ مِنَ الطَّعَامِ … وَكَثْرَةِ الْوِصَالِ بِالصِّيَامِ
تَاسِعُهَا الْقِيَامُ بِالتَّحْصِينِ … لَهُنَّ وَالْعَاشِرُ فِي التَّبْيِينِ
هُوَ الْقِيَامُ بِحُقُوقِهِنَّهْ … حَمْدًا لِمَنْ أَوْلَى بِهَذِي الْمِنَّهْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ٢٥ / ٧٦٨ ]