وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٥٦] (١٥٣٤) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ").
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم هذا الإسناد بعينه قبل بابين، وهو من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٥٣) من رباعيّات الكتاب.
_________________
(١) هو ابن الإمام أحمد، راوي "المسند" عنه.
(٢) هكذا ترجم القرطبيّ - ﵀ -، وهو الأنسب بظاهر أحاديث الباب، وأما ما ترجم به النوويّ وغيره بـ "باب النهي عن بيع الثمار قبل بدوّ صلاحها بغير شرط القطع"، ففيه نظر؛ لأنه يكون تقييدًا للحديث بالمذهب، وهذا لا يليق بمن يشرح كتب الأحاديث، فالأولى أن تطلق التراجم إلا إذا جاء نصّ من الحديث يقتضي التقييد، فتنبّه.
[ ٢٧ / ٨٦ ]
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى) ذكر الإمام البخاريّ - ﵀ - سبب هذا النهي، فقال في "صحيحه": وقال الليث، عن أبي الزناد: كان عروة بن الزبير، يحدِّث عن سهل بن أبي حثمة الأنصاريّ، من بني حارثة؛ أنه حدّثه عن زيد بن ثابت - ﵁ -، قال: كان الناس في عهد رسول الله - ﷺ -، يتبايعون الثمار، فإذا جَدَّ الناسُ وحضر تقاضيهم، قال المبتاع: إنه أصاب الثمرَ الدُّمَان (^١)، أصابه مِرَاضٌ، أصابه قُشَام - عاهات، يحتجّون بها - فقال رسول الله - ﷺ -، لَمّا كثرت عنده الخصومة في ذلك: "فإِمَّا لا، فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر"، كالمشُورة (^٢)، يشير بها؛ لكثرة خصومتهم. انتهى.
قال في "الفتح": قال الداوديّ الشارح: قول زيد بن ثابت: "كالمشُورة يشير بها عليهم"، تأويل من بعض نقلة الحديث، وعلى تقدير أن يكون من قول زيد بن ثابت، فلعل ذلك كان في أول الأمر، ثم ورد الجزم بالنهي، كما بيّنه حديث ابن عمر وغيره. انتهى (^٣).
(عَنْ بَيْعِ الثمَرِ) - بفتحتين -، والثَّمَرَةُ مثله، فالأول مذكّرٌ، ويُجمع على ثِمار، مثلُ جَبَل وجِبال، ثم يُجمع الثمارُ على ثُمُر مثلُ كتاب وكُتُب، ثم يُجمع على أثمار، مثلُ عُنُق وأَعناق، والثاني مؤنّث، والجمع ثَمَرَات، مثلُ قَصَبَة وقَصَبَات، والثمر: هو الْحَمْلُ الذي تُخرجه الشجرة، سواء أُكل، أو لا، فيقال: ثَمَر الأَراك، وثمر الْعَوْسَج، وثمرُ الدَّوْم، وهو الْمُقْلُ، كما يُقال: ثمر النخل، وثمر العِنَب. قال الأزهريّ: وأثمر الشجرُ: أطلع ثمره أوّلَ ما يُخرجه،
_________________
(١) "الدُّمان" بفتح الدال، وضمّها: فساد الطلع، وتعفّنه، و"المِراض": بكسر الميم، وضمها: داء يقع في الثمرة، فتهلك، و"الْقُشام" بضمّ القاف، ومعجمة مخفّفة: أن يقص ثمر النخل قبل أن يصير بَلْحًا، وقيل: هو أكّالٌ يقع في الثمر.
(٢) "المشورة" بضمّ الشين المعجمة، وسكون الواو، أو بسكون الشين، وفتح الواو، لغتان، فعلى الأول فهي فَعُولة، وعلى الثاني، فهي مَفْعَلَةٌ، وزعم الحريريّ أن الإسكان من لحن العامّة، وليس كذلك، فقد أثبتها في "الجامع"، و"الصحاح"، و"المحكم"، وغيرها. أفاده في "الفتح" ٥/ ٦٧٠.
(٣) "الفتح" ٥/ ٦٧٢ - ٦٧٣.
[ ٢٧ / ٨٧ ]
فهو مُثْمِرٌ، ومن هنا قيل لِمَا لا نفع فيه: ليس له ثَمَرَة، قاله الفيّوميّ - ﵀ - (^١).
(حَتَّى يَبْدُوَ)؛ أي: يَظهَر، وهو بلا همز، قال النوويّ - ﵀ -: ومما ينبغي أن يُنبّه عليه ما يقع في كثير من كتب المحدّثين، وغيرهم "حتى يبدوا" بالألف في الخطّ، وهو خطأ، والصواب حذفها من مثل هذا للناصب، وإنما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصبٌ، مثل زيدٌ يبدو، والاختيار حذفها أيضًا، ويقع مثله في "حتّى يزهو"، وصوابه حذف الألف كما ذُكر. انتهى (^٢).
(صَلَاحُهَا) سيأتي أن ابن عمر - ﵄ - قيل له: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته، و"العاهة": الآفة، وقال أيضًا: "يبدو صلاحه: حمرته، وصفرته"، والمراد به أن تُؤمن فيها العاهة، وتغلب السلامة، فَيَثِقَ المشتري بحصولها، بخلاف ما قبل بدوّ الصلاح، فإنه بصدد الغرر.
وقال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: قال أصحابنا: بدوّ الصلاح بظهور النّضج، ومبادئ الحلاوة، وزوال العُفُوصة، أو الحموضة المفرطتين، وذلك فيما لا يتلوّن بأن يتموّه، ويَلين، وفيما يتلوّن بأن يَحمرّ، أو يصفرّ، أو يسودّ، قالوا: وهذه الأوصاف، وإن عُرف بها بدوّ الصلاح، فليس واحد منها شرطًا فيه؛ لأن القثّاء لا يُتصوّر فيه شيء منها، بل يُستطاب أكله صغيرًا وكبيرًا، وإنما بدوّ صلاحه أن يكبر، بحيث يُجنى في الغالب، ويؤكل، وإنما يؤكل الصغير على الندور، وكذا الزرع لا يُتصوّر فيه شيء منها باشتداد الحبّ.
وقال البغويّ: بيع أوراق التوت قبل تناهيها لا يجوز إلا بشرط القطع، وبعده يجوز مطلقًا، وبشرط القطع.
والعبارة الشاملة أن يُقال: بدوّ الصلاح في هذه الأشياء صيرورتها إلى الصفة التي تُطلب غالبًا لكونها على تلك الصفة. انتهى (^٣).
وقوله: (نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ)؛ أي: المشتري، قال ولي الدين - ﵀ -: تأكيد لما فيه من بيان أن البيع، وإن كان فيه مصلحة الإنسان، فليس له أن يرتكب المنهيّ عنه فيه، ويقول: أسقطتُ حقّي من اعتبار المصلحة، فإن المنع
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٨٤.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٧٨.
(٣) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٦/ ١٢٩.
[ ٢٧ / ٨٨ ]
لمصلحة المشتري؛ لأن الثمار قبل بُدُوّ الصلاح مُعَرَّضةٌ لطوارئ العاهات عليها، فإذا طرأ عليها شيء منها حصل الإجحاف للمشتري في الثمن الذي بذله، فنهى الشرع المشتري، كما نهى البائع، وكانه قطع بذلك النزاع، والتخاصم. انتهى. "طرح التثريب" ببعض تصرّف.
وقال في "الفتح": أما البائع؛ فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل، وأما المشتري؛ فلئلا يَضِيع ماله، وشماعد البائع على الباطل، وفيه أيضًا قطع النزاع والتخاصم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٣٨٥٦ و٣٨٥٧ و٣٨٥٨ و٣٨٥٩ و٣٨٦٠ و٣٨٦١ و٣٨٦٢ و٣٨٦٣ و٣٨٦٤] (١٥٣٤ و١٥٣٥)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٨٦) و"البيوع" (٢١٧١ و٢١٧٣ و٢١٨٤ و٢١٨٨ و٢١٩٣ و٢١٩٤ و٢٢٠٥) و"المساقاة" (٢٣٨٠)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٣٦٧ و٣٣٦٨)، و(الترمذيّ) في "البيوع" (١٢٢٦ و١٢٢٧)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٢٦٢) و"الكبرى" (٤/ ١٧)، و(ابن ماجه) في "التجارات" (٢٢١٤)، و(مالك) في "الموطّإ" (١٣٠٣)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ١٤٨)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٤٣١٥)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٤٣١ و٤٣٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٧ و٥٦ و٦٣ و٧٧ و١٢٣)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٤٤٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٩٨٩ و٤٩٩١)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (٢/ ٢٢ و٢٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٨٧ و٢٨٨ و٢٨٩)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣/ ٤٠٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٩٩ و٣٠٠) و"الصغرى" (٥/ ٨٨) و"المعرفة" (٤/ ٣٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في هذا الحديث النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وهذا يشتمل ثلاثة أوجه:
[أحدها]: بيعها بشرط القطع، وهذا صحيح، وقد حكى غير واحد
[ ٢٧ / ٨٩ ]
الإجماع عليه، منهم النوويّ، فخصّ النهي بالإجماع، لكن ذهب ابن حزم إلى منع البيع في هذه الصورة أيضًا، قال: وممن منع بيع الثمرة مطلقًا، لا بشرط القطع، ولا بغيره: سفيان الثوريّ، وابن أبي ليلى. انتهى، وهذا يقدح في دعوى الإجماع.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رجّح النسائيّ القول بجواز البيع بشرط القطع، حيث قال: "شراء الثمار قبل أن يبدو صلاحها، على أن يقطعها، ولا يتركها إلى أوان إدراكها"، والله تعالى أعلم.
قال وليّ الدين: قال أصحابنا: فلو شَرَط القطع، ثم لم يقطع، فالبيع باق على صحّته، ويُلزمه البائع بالقطع، فإن تراضيا على إبقائه جاز، قالوا: وإنما يجوز البيع بشرط القطع، إذا كان المقطوع منتفعًا به، فإن لم تكن فيه منفعة؛ كالجوز، والكُمثرى، لم يصحّ بيعه بشرط القطع.
[الحالة الثانية]: بيعها بشرط التبقية، وهذا باطل بالإجماع؛ لأنه ربّما تَلِفت الثمرة قبل إدراكها، فيكون البائع قد أكل مال أخيه بالباطل، كما جاءت به الأحاديث، فإذا شُرط القطع، فقد انتفى هذا الضرر، وعلّله الحنفيّة بأنه شرط لا يقتضيه العقد، وهو شُغل ملك الغير، وبأنه جمع بين صفقتين، وهو إعارة، أو إجارة في بيع.
[الحالة الثالثة]: بيعها مطلقًا، من غير شرط قطع، ولا تبقية، ومقتضى الحديث في هذه الحالة البطلان، وبه قال الشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء، من السلف، والخلف، وذهب أبو حنيفة إلى الصحّة، وعن مالك قولان، كالمذهبين.
وأجاب الحنفيّة عن هذا الحديث بجوابين:
(أحدهما): أن المراد به بيع الثمار قبل أن توجد، وتُخلق، فهو كالحديث الوارد في النهي عن بيع السنين.
وردّ عليهم بأن هذا مخالف لتفسير الصحابي بدوّ الصلاح في الحديث بأنه صفرته، وحمرته، وبأنه صلاحه للأكل منه، وبأنه ذهاب عاهته، وبان ذلك عند طلوع الثُّريَّا؛ أي: مقارنته للفجر.
ورُوي عن عطاء، عن أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: "إذا طلع النجم صباحًا
[ ٢٧ / ٩٠ ]
رُفعت العاهات عن أهل البلد، والنجم: الثريّا"، والمراد - كما قال بعضهم -: في الحجاز خاصّة؛ لشدّة حرّه.
قال البيهقيّ - ﵀ - في "المعرفة": وقد حمل بعض من يدّعي تسوية الأخبار على مذهبه هذه الأخبار على بيع الثمار قبل أن تكون، واستدلّ عليه بما رَوَينا عن نهيه عن بيع السنين، وما ورد في معناه، وقد عرفنا بتلك الأخبار نهيه عن بيع الثمار قبل أن تكون، وعرفنا بهذه الأخبار نهيه عن بيعها مطلقًا، إذا كانت ما لم يبدُ فيها الصلاح، ألا تراه علّق المنع بغاية توجد بعد أن تكون الثمار بمدّة، فقال: "حتى تزهو"، وقال في حديث جابر - ﵁ -: "حتى تُشْقِح، قيل: وما تُشقح؟ قال: تحمارّ، أو تصفارّ، ويؤكل منها"، وقال في رواية أخرى، عن جابر: "حتى تَطِيب".
وفي ذلك دلالة على أن حكم الثمار بعد بُدُوّ الصلاح فيها في البيع خلاف حكمها قبل أن يبدو الصلاح فيها، فيجوز بيعها بعد بُدُوّ الصلاح فيها مطلقًا، ولا يجوز قبله إلا بشرط القطع. انتهى (^١).
(الجواب الثاني): أن النهي فيها ليس للتحريم، وإنما هو على سبيل التنزيه، والأدب، والمشُورة عليهم؛ لكثرة ما كانوا يختصمون إليه فيه.
وهذا مردود عليهم بأن الأصل في النهي التحريم، حتى يصرفه عن ذلك صارفٌ.
وقد وافق بعضُ الحنفيّة الجمهور على بطلان البيع قبل بدوّ الصلاح من غير شرط؛ اتّباعًا للحديث، وإليه ذهب قاضي خان، أفاده وليّ الدين - ﵀ - (^٢).
وقال القرطبي - ﵀ -: وهل ذلك النهي محمول على ظاهره من التحريم، وهو مذهب الجمهور، أو على الكراهة، وهو مذهب أبي حنيفة؟ وعليه فلو وقع بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها، فسخه الجمهور، وصححه أبو حنيفة، إذا ظهرت الثمرة، وبناه على أصله في ردّ أخبار الآحاد للقياس، والصحيح مذهب الجمهور؛ للتمسّك بظاهر النهي، ولقوله - ﷺ -: "أرأيت إن منع الله الثمرة، بم يأكل أحدكم مالَ أخيه بغير حقّ؟ "، وهذا يدل على أن بيعها قبل بدوّ صلاحها
_________________
(١) "المعرفة" ٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤.
(٢) "طرح التثريب" ٦/ ١٢٥ - ١٢٧.
[ ٢٧ / ٩١ ]
من أكل المال بالباطل؛ ولأنه غرر، وبيع الغرر مُحرّم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه - ﵀ - هذا الذي قاله القرطبي: من ترجيح مذهب الجمهور في تحريم بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وبطلان البيع فيه، هو الحقّ الذي يجب التمسّك به، ورفض ما عداه مما يعارض النصوص الصحيحة الصريحة لمخالفتها القياس؛ لأن القياس في مقابلة النصّ باطلٌ، ولقد أجاد من قال، وأحسن في المقال [من الوافر]:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال وليّ الدين - ﵀ -: حمل الفقهاء من المذاهب الأربعة المنع من بيع الثمرة قبل بدوّ الصلاح على ما إذا باعها مفردة عن الأشجار، فإن باعها مع الأشجار صحّ مطلقًا، من غير شرط القطع، بل قال أصحابنا: لا يجوز شرط القطع في هذه الصورة، وأنكر ذلك ابن حزم، وأبشع في إنكاره، وهو مردود، والحق ما قاله الجمهور، وأيّ معنى للقطع، والأشجار ليست باقية للبائع، بل هي مبيعة للمشتري؟ انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): مقتضى قوله: "حتى يبدو صلاحها": جواز بيعها بعد بُدُوّ الصلاح مطلقًا، سواء اشترط الإبقاء، أم لم يشترط؛ لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، وقد جعل النهي ممتدًا إلى غاية بدوّ الصلاح.
وإلى الفرق بين ما قبل ظهور الصلاح، وبعده، ذهب الجمهور، وعن أبي حنيفة: إنما يصح بيعها في هذه الحالة، حيث لا يشترط الإبقاء، فإن شرطه لم يصح البيع، وحَكَى النوويّ عنه أنه أوجب شرط القطع، في هذه الصورة.
وتُعُقّب بأن الذي صرح به أصحاب أبي حنيفة، أنه صحح البيع حالة الإطلاق، قبل بدو الصلاح وبعده، وأبطله بشرط الإبقاء قبله وبعده، وأهل
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٨٨.
[ ٢٧ / ٩٢ ]
مذهبه أعرف به من غيرهم، قاله في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): اختلف السلف في قوله: "حتى يبدو صلاحها"، هل المراد به جنس الثمار، حتى لو بدا الصلاح في بستان، من البلد مثلًا، جاز بيع ثمرة جميع البساتين، وإن لم يبد الصلاح فيها، أو لا بدّ من بدوّ الصلاح في كل بستان، على حِدَةٍ، أو لا بُدّ من بدو الصلاح في كل جنس على حدة، أو في كل شجرة على حدة؟ على أقوال:
[الأول]: قول الليث، وهو عند المالكية بشرط أن يكون الصلاح متلاحقًا.
[والثاني]: قول أحمد، وعنه رواية كالرابع.
[والثالث]: قول الشافعية، ويمكن أن يؤخذ ذلك من التعبير ببدوّ الصلاح؛ لأنه دالّ على الاكتفاء بمسمى الإزهاء، من غير اشتراط تكامله، فيؤخذ منه الاكتفاء، بزَهْو بعض الثمرة، وبزَهْو بعض الشجرة، مع حصول المعنى، وهو الأمن من العاهة، ولولا حصول المعنى، لكان تسميتها مُزهية بإزهاء بعضها، قد لا يكتفي به؛ لكونه على خلاف الحقيقة، وأيضًا فلو قيل بإزهاء الجميع؛ لأدّى إلى فساد الحائط، أو أكثره، وقد مَنّ الله تعالى بكون الثمار، لا تطيب دفعة واحدة؛ ليطول زمن التفكه بها، قاله في "الفتح" (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال ما ذهب إليه أحمد - ﵀ -، وهو أنه لا بدّ من بُدُوِّ الصلاح في كل بستان على حِدَةٍ؛ لكونه أقرب لظاهر النصّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل الى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٥٧] (…) - (حَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثنَا أَبِي، حَدَّثنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ).
تقدّم هذا الإسناد أيضًا قبل بابين.
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٦٧١.
(٢) "الفتح" ٥/ ٦٧١ - ٦٧٢.
[ ٢٧ / ٩٣ ]
[تنبيه]: رواية عبيد الله بن عمر العمريّ، عن نافع هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل الى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٥٨] (١٥٣٥) - (وَحَدَّثَنى عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتى يَزْهُوَ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتى يَبْيَضَّ، وَيَأمَنَ الْعَاهَةَ، نَهَى (^١) الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا قبل بابين، وإسماعيل هو ابن عُليّة، كما في "تحفة الأشراف" (^٢)، وليس بابن جعفر، فتنبّه.
وقوله: (نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ)؛ أي: بيع ثمارها التي عليها منفردة عنها.
وقوله: (حَتَّى يَزْهُوَ) قال النوويّ - ﵀ -: هو بفتح الياء، كذا ضبطوه، وهو صحيح.
قال ابن الأعرابيّ: يقال: زها النخل يزهو: إذا ظهرت ثمرته، وأزهى يُزهي: إذا احمرّ، أو اصفرّ.
وقال الأصمعيّ: لا يقال في النخل: أزهى إنما يقال: زها، وحكاهما أبو زيد لغتين، وقال الخليل: أزهى النخلُ: بدا صلاحه.
وقال الخطابيّ: هكذا يُرْوَى "حتى يزهو"، قال: والصواب في العربية "حتى يُزهي"، والإزهاء في الثمر: أن يَحمرّ، أو يَصفرّ، وذلك علامة الصلاح فيها، ودليل خلاصها من الآفة.
وقال ابن الأثير: منهم من أنكر يُزهي، كما أن منهم من أنكر يَزهُو.
وقال الجوهريّ: الزَّهْوُ بفتح الزاي، وأهل الحجاز يقولون بضمها، وهو البسر الملَوَّن، يقال: إذا ظهرت الحمرة، أو الصفرة في النخل، فقد ظهر فيه الزهو، وقد زها النخل زَهْوًا، وأزهى لغة.
_________________
(١) وفي نسخة: "ونهى".
(٢) راجع ٥/ ٣٥٣.
[ ٢٧ / ٩٤ ]
فهذه أقوال أهل العلم فيه، ويَحْصُل من مجموعها جواز ذلك كله، فالزيادة من الثقة مقبولة، وفي نَقَل شيئًا لم يعرفه غيره قبلناه إذا كان ثقة. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَعَنِ السُّنْبُلِ) قال الفيّوميّ - ﵀ -: سُنْبُل الزرع: فُنْعُلٌ بضمّ الفاء والعين، الواحدة: سُنْبُلة، والسَّبَلُ مثله، الواحدة سَبَلَة، مثلُ قَصَب وقَصَبَة، وسَنْبَلَ الزرع: أخرج سُنبُله، وأسبل بالألف: أخرج سَبَلهُ. انتهى (^١).
وقال البيضاويّ في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]: هي الشعبة التي تتفرعّ عن ساق الزرع. انتهى.
وقوله: (حَتَّى يَبْيَضَّ) بتشديد الضاد المعجمة: معناه: حتى يشتدّ حبّه، وهو بُدُوّ صلاحه.
قال النووي - ﵀ -: فيه دليل لمذهب مالك، والكوفيين، وأكثر العلماء؛ أنه يجوز بيع السنبل المشتدّ، وأما مذهبنا - يعني الشافعيّة - ففيه تفصيل فإن كان السنبل شعيرًا، أو ذُرَةً، أو ما في معناهما مما تُرَى حَبّاته جاز بيعه، وإن كان حنطة ونحوها، مما تُستَر حبّاته بالقشور التي تزال بالدياس، ففيه قولان للشافعيّ - ﵀ -: الجديد أنه لا يصحّ، وهو أصح قوليه، والقديم أنه يصحّ، وأما قبل الاشتداد فلا يصح بيع الزرع إلا بشرط القطع، كما ذكرنا، وإذا باع الزرع قبل الاشتداد مع الأرض بلا شرط جاز تبعًا للأرض، وكذا الثمر قبل بدوّ الصلاح، إذا بِيع مع الشجر جاز بلا شرط تبعًا، وكذا حكم البقول في الأرض لا يجوز بيعها في الأرض دون الأرض إلا بشرط القطع، وكذا لا يصحّ بيع البطيخ ونحوه قبل بدو صلاحه. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور، وهو القول القديم للشافعيّ، من جواز بيع السنبل المشتدّ مطلقًا هو الأرجح عندي؛ لظاهر هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَيَأمَنَ الْعَاهَةَ) هي الآفة، تصيب الزرع، أو الثمر ونحوه، فتُفسده، قال العينيّ - ﵀ -: وأصل عاهة عَوَهَةٌ، قُلبت الواو ألفًا؛ لتحركها،
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٦٥.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٨٢ - ١٨٣.
[ ٢٧ / ٩٥ ]
وانفتاح ما قبلها، يقال: عاه القوم، وأَعْوَهوا: إذا أصاب ثمارهم، وماشيتهم العاهة، ومادته عين، وواو، وهاء. انتهى (^١).
وفي رواية شعبة الآتية: "فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته"؛ أي: آفته، وهو أن يصير إلى الصفة التي يُطْلَب كونه على تلك الصفة؛ كظهور النَضْج، ومبادي الحلاوة، وزوال العُفُوصة المفرطة، وذلك بأن يتموّه، ويلين، أو يتلوّن بالاحمرار، أو الاصفرار، أو الاسوداد، ونحوه، والمعنى الفارق بينهما أن الثمار بعد البُدُوّ تأمن من العاهات؛ لكبرها، وغلظ نواها، بخلافها قبله؛ لضعفها، فربما تَلِفت فلم يبق شيء في مقابلة الثمن، فكان ذلك من قبيل أكل المال بالباطل. أفاده في "العمدة" (^٢).
وقال في موضع آخر: (ثم اعلم): أن بُدُوّ الصلاح متفاوت بتفاوت الأثمار، فبُدُوّ صلاح التين أن يطيب، وتوجد فيه الحلاوة، ويظهر السواد في أسوده، والبياض في أبيضه، وكذلك العنب الأسود بدوّ صلاحه أن يتحوّل إلى السواد، وأن ينحو أبيضه إلى البياض مع النَضْج، وكذلك الزيتون بدوّ صلاحه أن يتحوّل إلى السواد، وبدوّ صلاح القثاء والفقوص أن ينعقد، ويبلغ مبلغًا يوجد له طعم، وأما البطيخ فأن ينحو ناحية الاصفرار والطيب، وأما اللَّوْز فرَوَى أشهب، وابن نافع عن مالك؛ أنه يباع إذا بلغ في شجره قبل أن يطيب، فإنه لا يطيب حتى يُنْزَع، وأما الْجَزَر، واللِّفْت، والْفُجْل، والثَّوم، والبَصَل فبدوّ صلاحه إذا استقلّ ورقه، وتَمَّ، وانتُفِع به، ولم يكن في قلعه فساد، والبُرّ، والفول، والْجُلُبّان، والْحِمَّص، والعَدَس، إذا يبس، والياسمين، وسائر الأنوار أن يَفتح أكمامه، ويظهر نَوْره، والقصيل، والقصب، والقرطم إذا بلغ أنه يُرعَى دون فساد. انتهى (^٣).
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام البحث فيه قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٩/ ٨٣.
(٢) "عمدة القاري" ٩/ ٨٣.
(٣) "عمدة القاري" ١١/ ٢٩٨.
[ ٢٧ / ٩٦ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٥٩] (١٥٣٤) - (حَدَّثَنى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ (^١) حَتى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَتَذْهَبَ عَنْهُ الآفَةُ"، قَالَ: يَبْدُوَ صَلَاحُهُ: حُمْرَته، وَصُفْرَتُهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (يَحْيَى بْن سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ) وفي نسخة: "الثمرة"، وقد تقدّم أن الثمرة واحدة الثمر.
وقوله: (يَبْدُوَ صَلَاحُهُ: حُمْرَتُهُ، وَصُفْرَتُهُ) بنصب "يبدوَ" بضبط القلم، وهو من باب "تسمعَ بالمعيديّ خير من أن تراه"، بنصب "تسمع"، ومنه قول الشاعر [من الطويل]:
أَلَا أَيُّهَا الزَّاجِرِ أَحْضُرَ الْوَغَى … وَأَنْ أَشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلِدِي
بنصب "أَحضُرَ"، وهذا النصب بتقدير "أن" المصدريّة، وهو شاذّ، كما قال في "الخلاصة":
وَشَذَّ حَذْفُ "أَنْ" وَنَصْبٌ فِي سِوَى … مَا مَرَّ فَاقْبَلْ مِنْهُ مَا عَدْلٌ رَوَى
هذا كلّه على رواية النصب، وأما إذا رفع الفعل، فالحذف جائز عند الأخفش، وجعل منه قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ الآية [الزمر: ٦٤] برفع "أعبُدُ"، ومنه "تسمعُ بالمعيديّ خيرٌ "برفع "تسمع"، ووافقه ابن مالك في "شرح التسهيل" حيث قال في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤] أنَّ ﴿يُرِيكُمُ﴾ صلة "أن" حُذفت، وبقي الفعل مرفوعًا،
_________________
(١) وفي نسخة: "لا تبتاعوا الثمرة".
[ ٢٧ / ٩٧ ]
وهذا هو القياس؛ لأن الحرف عامل ضعيف، فحذفه يُبطل عمله. انتهى.
وذهب قوم إلى أن الحذف في غير ما مرّ سماعيّ مطلقًا، رُفع الفعل، أو نُصب، والصحيح الأول؛ لأنه وقع في أفصح الكلام في الآية المذكورة ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾، فلا تُحمل الآية على الشذوذ، فتنبّه (^١).
والحاصل أن "يبدو صلاحه" مبتدأ، سواء رُفع، أم نُصب بتقدير "أن" وخبره قوله: "حمرته، وصفرته"؛ أي: بدوّ صلاحه كونه أحمر، وأصفر.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف - ﵀ -، وقد تقدّم البحث عنه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل الى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٦٠] (…) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ يَحْيَى، بِهَذَا الإسْنَادِ: "حَتى يَبْدُوَ صَلَاحُهُا، لَمْ يَذْكُرْ (^٢) مَا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا قبل بابين.
وقوله: (لَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ) الفاعل ضمير عبد الوهّاب الثقفيّ، وفي بعض النسخ: و"لم يذكر" بالعاطف.
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب، عن يحيى بن سعيد الأنصاري هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٦١] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْك، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْوَهَّابِ).
_________________
(١) راجع: "حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة" ٢/ ١٨٣ وقد أوّل الخضريّ كلام ابن مالك هذا، وهو تأويل غير مقبول؛ لأنه يؤدي إلى حمل الآية على وجه شاذّ، وهو باطلٌ، فتنبّه.
(٢) وفي نسخة: "ولم يذكر".
[ ٢٧ / ٩٨ ]
هذا الإسناد نفسه تقدّم قبل بابين، و"ابن أبي فُديك" هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم، و"الضحّاك" هو: ابن عثمان الحِزَاميّ.
[تنبيه]: رواية الضحّاك بن عثمان، عن نافع هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٦٢] (…) - (حَدَّثنَا سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَني مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَعُبَيْدِ اللهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْهَرويّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ، أبو محمد، صدوق في نفسه، إلا أنه عَمِي، فصار يتلقّن، من قدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧.
٢ - (حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقيليّ، أبو عمر الصنعانيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٨] (ت ١٨١) (خ م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦١.
٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، ثقةٌ فقيهٌ إمامٌ في المغازي [٥] (ت ١٤١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية موسى بن عُقبة، عن نافع هذه لم أجد أيضًا من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٦٣] (…) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، ويحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَقتُيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ").
تقدّم هذا الإسناد بعينه في الباب الماضي، والحديث متّفقٌ عليه، وقد
[ ٢٧ / ٩٩ ]
سبق شرحه، وبيان مسائله في حديث أول الباب، فتنته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل الى المؤلف ﵀ أوّل الكماب قال:
[٣٨٦٤] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن، عَنْ سُفْيَانَ (ح) وَحَدَّثنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الله بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَزَادَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: مَا صَلَاحُهُ؟ قَالَ: تَذْهَبُ عَاهَتُهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا قريبًا.
وقوله: (فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ … الخ) لم يُسمَّ السائل لابن عمر - ﵄ -.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن عبد الله بن دينار هذه ساقها الخطيب البغداديّ في كتابه "الفصل للوصل المدرج"، فقال: وأما حديث سفيان الثوريّ، عن عبد الله بن دينار الذي اقتصر فيه على رواية المرفوع دون كلام عمر، فأخبرناه أبو الحسين علي بن يحيى بن جعفر إمام المسجد الجامع بأصبهان، نا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبرانيّ، نا حفص بن عمر الرَّقيّ، نا قَبيصة بن عُقبة، قال سليمان: ونا محمد بن الحسن بن كيسان، نا أبو حذيفة، وأَخبرنا أبو الحسن عليّ بن أحمد بن عمر المقريّ، أنا أبو بكر أحمد بن سليمان بن الحسن النجاد، نا محمد بن غالب، نا أبو حذيفة قالا: سمعت ابن عمر يقول: نَهَى رسول الله - ﷺ - عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها. انتهى (^١).
وأما رواية شعبة، عن عبد الله بن دينار، فساقها أيضًا الخطيب البغداديّ في كتابه المذكور، فقال:
أخبرناه الحسن بن علي بن محمد التميميّ، أنا أحمد بن جعفر بن حمدان، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، نا محمد بن جعفر،
_________________
(١) "الفصل للوصل المدرج" ١/ ١١٨ - ١١٩.
[ ٢٧ / ١٠٠ ]
وأخبرناه أبو بكر الْبَرْقانيّ، قال: قرأت على أبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيليّ: أخبركم محمد بن إسحاق بن خزيمة، ثنا أبو موسى محمد بن المثنى، قال: حدّثني محمد بن جعفر، نا شعبة، عن عبد الله بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول - وفي حديث الْبَرْقانيّ - عن ابن عمر قال: نَهَى رسول الله - ﷺ - عن بيع الثمرة، أو النخل، وقال البرقانيّ: الثمرة والنخل، حتى يبدو صلاحه، فقيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته. انتهى (^١).
والمراد بالعاهة: الآفة التي تصيب الزرع، أو الثمر، ونحوه، فتفسده، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٦٥] (١٥٣٦) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى - أَوْ نَهَانَا - رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس، نُسب لجدّه، التميميّ الْيَربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٢ - (زُهَيْرٌ) هو أَبُو خَيْثَمة المذكور في السند الأول، وهو: زهير بن معاوية بن حُديج الْجُعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
و"يحيى" ذُكر قبله، والباقيان ذُكرا قريبًا.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٢٥٤) من رباعيّات الكتاب.
[تنبيه آخر]: قال النوويّ ﵀: قوله في هذا الإسناد أوّلًا: "عن جابر" كان ينبغي له على مقتضى عادته، وقاعدته، وقاعدة غيره حذفه في الطريق
_________________
(١) "الفصل للوصل المدرج " ١/ ١١٧ - ١١٨.
[ ٢٧ / ١٠١ ]
الأوّل، ويقتصر على أبي الزبير؛ لحصول الغرض به، لكنه أراد زيادة البيان والإيضاح، وقد سبق بيان مثل هذا غير مرة. انتهى (^١).
وقوله: "أَوْ نَهَانَا) "أو" للشك من الراوي.
وقوله: (حَتَّى يَطِيب) أي: يصلح للأكل، فهو بمعنى قوله في رواية عمرو بن دينار التالية: "حتى يبدو صلاحه"، وقوله في حديث ابن عبّاس - ﵄ - الآتي: "حتى يأكل منه".
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [١٣/ ٣٨٦٥ و٣٨٦٦] (١٥٣٦)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٨٧) و"البيوع " (٢١٩٦) و"المساقاة" (٢٣٨١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (١/ ١٤٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٢ و٣٢٣ و٣٩٥)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ١٢٣)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ٣٨٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٨٩ و٣٠٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٠٩)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف: ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٦٦] (…) - (حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النوْفَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَدُ بْنُ حَاتِمٍ - وَاللفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ؛ أَنهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النوْفَلِيّ) أبو عثمان البصريّ، يلقّب أبا الْجَوْزاء، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٦) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩.
_________________
(١) "شرح النوويّ"١٠/ ١٧٩ - ١٨٠.
[ ٢٧ / ١٠٢ ]
٢ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مَخْلَد الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ١١٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٣ - (مُحَمَدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين البغداديّ، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٤ - (رَوْحُ) بن عُبادة القيسيّ، تقدّم قريبًا.
٥ - (زَكَريَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٠.
٦ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
و"جابر - ﵁ -" ذُكر قبله.
وقوله: (قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) ضمير "قالا" يعود إلى أبي عاصم النبيل، ورَوح بن عُبادة.
[تنبيه]: وقع في شرح النوويّ ما لفظه: "حدّثنا رَوْح، قال: أنبأنا زكريا بن إسحاق … إلخ " بإفراد "قال"، فقال النوويّ: هكذا يوجد في النسخ هذا وأمثاله، فينبغي أن يقرأ القارئ بعد روح: قالا: حدّثنا زكريا؛ لأن أبا عاصم ورَوحًا يرويان عن زكريا، فلو قال القارئ: قال: أنبأنا زكريا كان خطأً؛ لأنه يكون محدِّثًا عن روح وحده، وتاركًا لطريق أبي عاصم، ومثل هذا مما يُغْفَل عنه، فنبّهت عليه؛ لِيُتَفَطَّن لأشباهه، وينبغي أن يُكتَب هذا في الكتاب، فيقال: قالا: حدّثنا زكريا، وإن كانوا يحذفون لفظة "قال " إذا كان المحدِّث عنه واحدًا؛ لأنه لا يُلْبِس، بخلاف هذا.
فإن قال قائل: يجوز أن يقال هنا: قال: حدثنا زكريا، ويكون المراد: قال روح، ويدلّ عليه أنه قال: واللفظ له.
قلنا: هذا مُحْتَمِلٌ، ولكن الظاهر المختار ما ذكرناه أوّلًا؛ لأنه أكثر فائدةً؛ لئلا يكون تاركًا لرواية أبي عاصم، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^١)، وهو بحث مفيدٌ.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٨٠.
[ ٢٧ / ١٠٣ ]
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفى في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٦٧] (١٥٣٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيّ، قَالَ: سَأَلتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ بَيْعِ النَّخْل، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ الله - ﷺ - عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأَكلَ مِنْهُ، أَوْ يُؤْكَلَ، وَحَتَّى يُوزَنَ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا يُوزَنُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: حَتَّى يُحْزَرَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة"٢/ ٢.
٢ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد اللهَ بن طارق الْجَمَليّ المرادي، أبو عبد الله الكوفيّ الأعمى، ثقةٌ عابد، رُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
٣ - (أَبُو الْبَخْتَرِيِّ) - بفتح الموحّدة، والمثنّاة، بينهما خاء معجمة ساكنة - سعيد بن فيروز بن أبي عمران الطائيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، فيه تشيّع قليلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ٨٣) (ع) تقدم في "الصيام" ٦/ ٢٥٢٩.
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀ في "شرحه": قوله: "عن أبي البختريّ" هو بفتح الباء الموحدة، وإسكان الخاء المعجمة، وفتح التاء المثناة فوقُ، واسمه سعيد بن عمران، ويقال: ابن أبي عمران، ويقال: ابن فَيْرُوز الكوفيّ الطائيّ مولاهم، قال هلال بن حَبَّان - بالمهملة، وبالموحدة -: كان من أفاضل أهل الكوفة، وقال حبيب بن أبي ثابت: الإمام الجليل، اجتَمَعْتُ أنا وسعيد بن جبير، وأبو البختريّ، وكان أبو البختريّ أعلمَنَا، وأفقهنا، قُتِل بالجماجم سنة ثلاث وثمانين، وقال ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة: ثقةٌ، وإنما ذكرت ما ذكرتُ فيه؛ لأن الحاكم أبا أحمد قال في كتابه "الأسماء والكنى": إن أبا البختريّ هذا ليس قويًّا عندهم، ولا يُقبَل قول الحاكم؛ لأنه جرح غير مفسَّر، والجرح إذا لم يُفَسَّر لا يُقبَل، وقد نَصَّ جماعات على أنه ثقةٌ، وقد سبق بيان
[ ٢٧ / ١٠٤ ]
هذه القاعدة في أول الكتاب. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^١)، وهو بحث نفيسٌ، والله أعلم.
٤ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر - ﵄ - المتوفّى سنة (٦٨) (ع) تقدّم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
والباقون ذُكروا في الباب والباب الماضي.
وقوله: (عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ) المراد بيع ثمر النحل، لا عينه؛ لأن بيع عين النخل جائز، ولو لم يظهر فيه ثمر.
[تنبيه]: قال الفيّوميّ ﵀: "النخل": اسم جمع، الواحدة نخلةٌ، وكل جَمْع بينه وبين واحده الهاء قال ابن السِّكِّيت: فاهل الحجاز يؤنّثون أكثره، فيقولون: هي التمر، وهي البُرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجد وتميم يُذَكِّرون، فيقولون: نخلٌ كريمٌ، وكريمة، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وأما النخيل بالياء فمؤنثة، قال أبو حاتم: لا اختلاف في ذلك. انتهى (^٢).
وقوله: (حَتَّى يَأَكُلَ مِنْهُ، أَوْ يُؤْكَلَ … إلخ) "أو" للشكّ من الراوي، هل قال: "يأكل" بالبناء للفاعل، أو قال: "يؤكل" بالبناء للمفعول، والفاعل في الأول ضمير يعود إلى صاحبه، والنائب في الثاني الجارّ والمجرور.
وقال النوويّ ﵀: قوله: "يأكل، أو يؤكل" معناه: حتى يصلح لأن يؤكل في الجملة، وليس المراد كمال أكله، بل ما ذكرناه، وذلك يكون عند بُدُوّ الصلاح.
قال: وأما تفسيره "يوزَنُ" بـ "يُحْزَر"، فظاهرٌ؛ لأن الْحَزْرَ طريق إلى معرفة قدره، وكذا الوزن.
وقوله: (وَحَتَّى يُوزَنَ) بالبناء للمفعول.
وقوله: (قَالَ: فَقُلْتُ: مَا يُوزَنُ؟) فاعل "قال" ضمير أبي البَخْتريّ، كما لا يخفى على من تأمله، فلا وجه لقول الحافظ ﵀ (^٣): لم أقف على اسمه، فتنبّه.
_________________
(١) "شرح النوويّ"١٠/ ١٨٠ - ١٨١.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٩٦ - ٥٩٧.
(٣) راجع: "الفتح" ٦/ ١١.
[ ٢٧ / ١٠٥ ]
وقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه.
وقوله: (حتى يُحْزَر) هو بتقديم الزاي على الراء؛ أي: يُخْرَص، ووقع في بعض الأصول بتقديم الراء، وهو تصحيف، وإن كان يمكن تأويله لو صحّ. قاله النوويّ.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي وقع في بعض الأصول بلفظ "يُحرز" بتقديم الراء، وادّعى النوويّ تبعًا لعياض تصحيفه هو الذي وقع في معظم نسخ "صحيح البخاريّ"، قال الحافظ ﵀: وقوله: "حتى يُحْرز" بتقديم الراء على الزاي؛ أي: يُحْفَظَ ويُصان، وفي رواية الكشميهنيّ بتقديم الزاي على الراء؛ أي: يوزن، أو يُخْرَص، وفائدة ذلك معرفة كمية حقوق الفقراء قبل أن يَتصَرَّف فيه المالك، وصَوَّب عياض الأول، ولكن الثاني أليق بذكر الوزن، قال: ورأيته في رواية النسفيّ: "حتى يُحَرَّر" براءين الأولى ثقيلة، ولكنه رواه بالشك. انتهى (^١).
وقال العينيّ ﵀: الخرص، والأكل، والوزن كلها كنايات عن ظهور صلاحها. انتهى (^٢).
[تنبيه]: قال النوويّ ﵀: وهذا التفسير - يعني تفسير يوزن بيُحزر - عند العلماء، أو بعضهم في معنى المضاف إلى ابن عباس - ﵁ -؛ لأنه أقر قائله عليه، ولم ينكره، وتقريره كقوله. انتهى (^٣).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٣٨٦٧] (١٥٣٧)، و(البخاريّ) في "السلم" (٢٢٤٦ و٢٢٤٨ و٢٢٥٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٢٩٣)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٤١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٩٠)، و(ابن الجعد)
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ١١.
(٢) "عمدة القاري"١٢/ ٦٧.
(٣) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٨١.
[ ٢٧ / ١٠٦ ]
في "مسنده" ١/ ٣٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٠١ و٦/ ٢٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٦٨] (١٥٣٨) - (حَدَّثَني أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثنَا مُحَمَدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أبِيه، عَنِ ابْنِ أبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "لَا تَبْتَاعُوا الثِّمَارَ حَتى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم قريبًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ) بن غَزْوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ عارفٌ، رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٣ - (أَبُوهُ) فُضيل بن غَزوان بن جرير الضبيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٧] مات بعد سنة (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٥.
٤ - (ابْنُ أَبِي نُعْمٍ) هو: عبد الرحمن بن أبي نُعْم - بضم النون، وسكون العين المهملة - البَجَليّ، أبو الحكم الكوفيّ، صدوقٌ عابدٌ [٣] مات قبل المائة (ع) تقدم في "الزكاة" ٤٥/ ٢٤٥١.
[تنبيه]: من الغريب قول النوويّ ﵀: قوله: "عن ابن أبي نُعْم" اسمه دكين بن الفضيل، وشروح مسلم كلها ساكتة عنه. انتهى.
هذا عجيب من النوويّ، كيف قال: إن اسم أبي نُعم دُكين بن الفضيل، مع شُهرته بأنه عبد الرحمن بن أبي نُعم، وهو من رجال الكتب الستة، ولا يوجد في الكتب الستة من يُسمّى دكين بن الفضيل قطعًا، وقد صدق في قوله: وشروح مسلم كلها ساكتة عنه، فكيف لا تسكت عما ليس بصواب؟ إن هذا لهو العجب، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، وشرح الحديث تقدّم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
[ ٢٧ / ١٠٧ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٣٨٦٨ و٣٨٦٩] (١٥٣٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦١ و٣٦٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٩٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٦٩] (١٥٣٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُمَا - قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ: أَن النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ؛ وَحَدَّثنا زيدُ بْنُ ثَابِتٍ؛ أَن رَسُولَ الله - ﷺ - رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا، زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: أَنْ تُبَاعَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم تقدّموا قريبًا، و"ابن نُمير" هو: محمد بن عبد الله بن نُمير.
وقوله: (وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتمْرِ) الأول بالثاء المثلّثة، والثاني بالتاء المثنّاة، ومعناه: بيع الرُّطَب بالتمر، وهو بمعنى المزابنة في الروايات الآتية.
وقوله: (قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثنا زيدُ بْنُ ثَابِتٍ) هو بالسند السابق، وليس معلّقًا، وسيأتي بإسناد مفرد من طريق نافع في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا) بالفتح: جمع عريّة، وسيأتي تفسيرها في الباب التالي أيضًا.
وقوله: (أَنْ تُباَعَ) الضمير للعَرَايا، ولفظ نافع: "رَخّص لصاحب العريّة أن يبيعها بخَرْصها من التمر"، وفي رواية: "رَخَّصَ في العريّة يأخذها أهل البيت بخَرْصها تمرًا، يأكلونها رُطَبًا".
والحديث متّفقٌ عليه، وسيأتي تمام البحث فيه في الباب التالي - إن شاء الله تعالى -.
[ ٢٧ / ١٠٨ ]
وبالسند المتصل الى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧٠] (١٥٣٨) - (وَحَدَّثَنِي أَبو الطَّاهِر، وَحَرْمَلَةُ - وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ - قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّب، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَن أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَحَدَّثَني سَالِمُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَهُ سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةُ ثبتٌ فقيهٌ عابد، من كبار [٣] مات بعد التسعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٢ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مكثر [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
والباقون كلّهم تقدّموا قريبًا.
وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ … إلخ) موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقًا، وقد سبق موصولًا من طريقً ابن عيينة، عن الزهريّ في الحديث الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.