وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٨٧] (١٤٢٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: جَاءَت امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ جِئْتُ أَهَبُ لَكَ (^٢) نَفْسِي، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا، وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَت الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ، فَزَوِّجْنِيهَا، فَقَالَ: "فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ
_________________
(١) ترجم القرطبيّ - ﵀ - بنحو هذه الترجمة، فتبعته؛ لجودتها، فتنبّه.
(٢) وفي نسخة: "جئت لأهب لك".
[ ٢٥ / ٢٦٧ ]
شَيْءٍ؟ " (^١)، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ "، فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ، مَا وَجَدْتُ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "انْظُرْ، وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ"، فَذَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي - قَالَ سَهْلٌ: مَا لَهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟ إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ"، فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ، فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: "مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ "، قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا، فَقَالَ: "تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "اذْهَبْ، فَقَدْ مُلِّكْتَهَا (^٢) بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ". هَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ، وَحَدِيثُ يَعْقُوبَ يُقَارِبُهُ (^٣) فِي اللَّفْظِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ) أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ [٨] (ت ١٨٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٥/ ٢٩٠.
٤ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار الأعرج التمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
٥ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة (٨٨) وقيل: بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
_________________
(١) وفي نسخة: "فهل معك من شيء؟ ".
(٢) وفي نسخة: "فقد مَلَّكتُكها".
(٣) وفي نسخة: "مقاربه".
[ ٢٥ / ٢٦٨ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٢٦) من رباعيات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير يعقوب، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير قتيبة، فبغلانيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، ومن المعمّرين، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة - ﵃ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمة بن دينار التمّار الأعرج المدنيّ القاصّ - ﵀ -.
[تنبيه]: قال في "الفتح": هذا الحديث مداره على أبي حازم، وهو من صغار التابعين، حدّث به كبار الأئمّة عنه، مثل مالك، وروايته عند البخاريّ، وأبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وحمّادُ بنُ زيد، وروايته عند الشيخين، وفضيلُ بن سليمان، ومحمدُ بن مُطَرّف أبو غسّان، وروايتهما عند البخاريّ، ويعقوب بن عبد الرحمن الإسكندرانيّ، وعبد العزيز بن أبي حازم، وروايتهما عند البخاريّ أيضًا، ورواية عبد العزيز أخرجها مسلم أيضًا، وعبدُ العزيز بن محمد الدراورديّ، وزائدةُ بن قُدامة، وروايتهما عند مسلم، ومعمر، وروايته عند الطبرانيّ، وعبد الملك بن جريج، وروايته عند أبي الشيخ في "كتاب النكاح"، وقد رَوَى طرفًا منه سعيدُ بن المسيّب، عن سهل بن سعد، أخرجه الطبرانيّ.
وجاءت القصّة أيضًا من حديث أبي هريرة - ﵁ - عنه عند أبي داود باختصار، والنسائيّ مطوّلةً، وابن مسعود - ﵁ - عند الدارقطنيّ، ومن حديث ابن عباس - ﵄ - عند أبي عمر ابن حيويه في "فوائده"، وضُميرة جدّ حسين بن عبد الله عند الطبرانيّ.
وجاءت مختصرة من حديث أنس - ﵁ -، وهي عند البخاريّ، والنسائيّ،
[ ٢٥ / ٢٦٩ ]
وابن ماجه، ومن حديث أبي أمامة - ﵁ - عند تمّام في "فوائده"، ومن حديث جابر، وابن عباس - ﵃ - عند أبي الشيخ في "كتاب النكاح".
قال الحافظ - ﵀ -: وسأذكر ما في هذه الروايات من فائدة زائدة، إن شاء الله تعالى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سأقتدي أنا بالحافظ - ﵀ - في ذكر تلك الفوائد في هذا الشرح، إن شاء الله تعالى.
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) - ﵄ -، وفي رواية ابن جريج: "حدثني أبو حازم، أن سهل بن سعد أخبره. . ." (قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ) قال الحافظ - ﵀ -: هذه المرأة لم أقف على اسمها، ووقع في "الأحكام لابن القطاع" أنها خولة بنت حكيم، أو أم شريك، وهذا نقل من اسم الواهبة الوارد في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. انتهى.
(إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية البخاريّ من رواية سفيان بن عيينة: "إني لفي القوم عند رسول الله - ﷺ -، إذ قامت امرأة"، قال في "الفتح": وفي رواية فضيل بن سليمان: "كنا عند النبيّ - ﷺ - جلوسًا، فجاءته امرأةٌ"، وفي رواية هشام بن سعد: "بينما نحن عند النبيّ - ﷺ - أتت إليه امرأة".
قال الحافظ: وكذا في معظم الروايات "أن امرأة جاءت إلى النبيّ - ﷺ -"، ويمكن ردّ رواية سفيان إليها بان يكون معنى قوله: "قامت" وقفت، والمراد أنها جاءت إلى أن وقفت عندهم، لا أنها كانت جالسةً في المجلس، فقامت، وفي رواية سفيان الثوريّ عند الإسماعيليّ: "جاءت امرأة إلى النبيّ - ﷺ -، وهو في المسجد"، فأفاد تعيين المكان الذي وقعت فيه القصّة. انتهى (^٢).
(فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ جِئْتُ أَهَبُ لَكَ نَفْسِي) جملة "أهب" حاليّة، أي حال كوني واهبة نفسي لك، ووقع في بعض النسخ بلفظ: "جئت لأهب لك نفسي"، وفي رواية البخاريّ: "فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لك"، على طريق الالتفات، وفي رواية حماد بن زيد: "إنها قد وهبت نفسها لله ولرسوله"، وفي رواية يعقوب، والثوريّ: "يا رسول الله جئت أهب نفسي
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٤٧٨ - ٤٧٩.
(٢) "الفتح" ١١/ ٤٧٩.
[ ٢٥ / ٢٧٠ ]
لك"، وفي رواية فضيل بن سليمان: "فجاءته امرأة تَعْرِضُ نفسها عليه"، وفي كلّ هذه الروايات حذف مضاف، تقديره: أمرَ نفسي، أو نحوه، وإلا فالحقيقة غير مرادة؛ لأن رقبة الحرّ لا تملك، فكأنها قالت: أتزوّجك من غير عوض.
زاد في رواية البخاريّ والنسائيّ: "فَرَ فيها رَأْيَك"، قال في "الفتح": كذا للأكثر براء واحدة، مفتوحة، بعدَ فاءِ التعقيب، وهي فعل أمر من الرأي، ولبعضهم بهمزة ساكنة، بعد الراء، وكلّ صواب، ووقع بإثبات الهمزة في حديث ابن مسعود - ﵁ - أيضًا. انتهى.
(فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية البخاريّ: "فقالت: يا رسول الله، إنها قد وهبت نفسها له، فَرَ فيها رأيك، فلم يجبها شيئًا، ثم قامت، فقالت: يا رسول الله، إنها قد وهبت نفسها لك، فَرَ فيها رأيك، فلم يجبها شيئًا، ثم قامت الثالثة، فقالت: إنها قد وهبت نفسها لك، فَرَ فيها رأيك. . .".
(فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا، وَصَوَّبَهُ) هو بتشديد العين من صعّد، والواو من صوّب، والمراد أنه نظر أعلاها وأسفلها، والتشديد للمبالغة في التأمّل، وإما للتكرير، وبالثاني جزم القرطبيّ في "المفهم"، قال: أي نظر أعلاها وأسفلها مرارًا، ووقع في رواية فضيل بن سليمان: "فخفّض فيها البصر، ورفّعه"، وهما بالتشديد أيضًا.
(ثُمَّ) بعد أن صعّد نظره، وصوّبه، فلم تُعجبه (طَأْطَأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَأْسَهُ) أي خفضه؛ لعدم ما يدعو للنظر إليها (فَلَمَّا رَأَت الْمَرْأَةُ) أي بعد أن تكرّر طلبها، كما تقدّم من رواية البخاريّ حيث قامت وجلست ثلاث مرّات، وفي رواية معمر، والثوريّ معًا عند الطبرانيّ: "فصمت، ثم عرضت نفسها عليه، فصمت، فلقد رأيتها قائمة مليًّا، تَعْرِض نفسها عليه، وهو صامت"، وفي رواية مالك: "فقامت طويلًا"، ومثله للثوريّ عنه، وفي رواية مبشّر: "فقامت حتى رثينا لها من طول القيام"، ووقع في رواية حماد بن زيد: "أنها وهبت نفسها لله ولرسوله، فقال: ما لي في النساء حاجة".
ويُجمع بينها وبين ما تقدّم أنه قال ذلك في آخر الحال، فكأنه صمت أولًا لتفهم أنه لم يُرِدْها، فلما أعادت الطلب أفصح لها بالواقع.
ووقع في حديث أبي هريرة عند النسائيّ: "جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ -،
[ ٢٥ / ٢٧١ ]
فعرضت نفسها عليه، فقال لها: اجلسي، فجلست ساعة، ثم قامت، فقال: اجلسي بارك الله فيك، أما نحن فلا حاجة لنا فيك".
فيؤخذ منه وفور أدب المرأة مع شدّة رغبتها؛ لأنها لم تبالغ في الإلحاح في الطلب، وفهمت من السكوت عدم الرغبة، لكنها لمّا لم تيأس من الردّ جلست تنتظر الفرج، وسكوته - ﷺ - إما حياءً من مواجهتها بالردّ، وكان شديد الحياء جدًّا، فقد ثبت في صفته - ﷺ - أنه كان أشدّ حياء من العذراء في خدرها، وإما انتظارًا للوحي، وإما تفكّرًا في جواب يناسب المقام (^١).
(أَنَّهُ) - ﷺ - (لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا) يعني أنها لم تُعجبه، وليست له فيها رغبة (جَلَسَتْ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، لكن وقع في رواية معمر، والثوريّ، عند الطبرانيّ: "فقام رجلٌ أحسبه من الأنصار"، وفي رواية زائدة عنده: "فقال رجلٌ من الأنصار"، ووقع في حديث ابن مسعود: "فقال رسول الله - ﷺ -: من يَنكِح هذه؟ فقام رجل".
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا) قال في "الفتح": ولا يعارض هذا قوله في حديث حماد بن زيد: "لا حاجة لي"؛ لجواز أن تتجدّد الرغبة فيها بعد أن لم تكن. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويَحْتَمِل أن يكون ذلك الرجل لم يسمع قوله - ﷺ -: "لا حاجة لي"، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) - ﷺ - ("فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ ") وفي نسخة: "فهل معك من شيء؟ "، وفي رواية: "هل عندك شيء تُصدقها؟ "، وفي رواية ابن مسعود: "ألك مالٌ؟ ".
(فَقَالَ) الرجل (لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية: "قال: ما أجد شيئًا"، زاد في رواية هشام بن سعد: "قال: فلا بدّ لها من شيء"، وفي رواية الثوريّ عند الإسماعيليّ: "عندك شيء؟، قال: لا، قال: إنه لا يصلح".
ووقع في حديث أبي هريرة عند النسائيّ بعد قوله: "لا حاجة لي":
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٤٨٠.
[ ٢٥ / ٢٧٢ ]
"ولكن تُمَلِّكيني أمرك، قالت: نعم، فنظر في وجوه القوم، فدعا رجلًا، فقال: إني أريد أن أزوّجكِ هذا، إن رضيتِ، قالت: ما رضيتَ لي، فقد رضيتُ"، وهذا إن كانت القصّة متّحدةً يَحْتَمِل أن يكون وقع نظره في وجوه القوم بعد أن سأله الرجل أن يزوّجها له، فاسترضاها أوّلًا، ثم تكلّم معه في الصداق، وإن كانت القصّة متعدّدة، فلا إشكال.
ووقع في حديث ابن عبّاس - ﵄ - في "فوائد أبي عمر ابن حيويه" أن رجلًا قال: إن هذه امرأةٌ رضيت بي، فزوّجها مني، قال: فما مهرها؟، قال: ما عندي شيء، قال: أمهرها ما قلّ أو كثر، قال: والذي بعثك بالحقّ ما أملك شيئًا"، وهذه الأظهرُ فيها التعدّد، قاله في "الفتح" (^١).
(فَقَالَ) - ﷺ - للرجل ("اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا؟ ") يكون صداقًا لها (فَذَهَبَ) الرجل (ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ) أي لم أجد شيئًا، فيكون قوله: (مَا وَجَدْتُ شَيْئًا) مؤكّدًا لما قبله (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "انْظُرْ) أي ارجع إلى بيتك، فانظر فيه (وَلَوْ خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ") "خاتمًا" منصوب بـ "كان" المحذوفة مع اسمها، أي ولو كان المنظور خاتمًا، وحذف "كان" مع اسمها بعد "لو"، و"إن" الشرطيّة كثيرٌ، كما قال في "الخلاصة":
وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَرْ … وَبَعْدَ "إِنْ" وَ"لَوْ" كَثِيرًا ذَا اشْتَهَرْ
ووقع في نسخة شرح النوويّ بلفظ: "ولو خاتمٌ من حديد" برفع "خاتم"، قال النوويّ: هكذا هو في النسخ: "خاتمٌ من حديد"، وفي بعض النسخ: "خاتمًا"، وهذا واضح، والأول صحيح أيضًا، أي ولو حضر خاتم من حديد. انتهى (^٢).
و"لو" هنا تقليليّة، قال عياض: ووَهِمَ من زعم خلاف ذلك، وقد أشار إلى ذلك السيوطيّ - ﵀ - في "الكوكب الساطع نظم جمع الجوامع"، حيث قال عند ذكر معاني "لو":
وَقِلَّةٍ كَخَبَرِ الْمُصدَّقِ … تَصَدَّقُوا وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقِ
ووقع في حديث أبي هريرة - ﵁ - "قال: قم إلى النساء، فقام إليهنّ، فلم
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٤٨١.
(٢) "شرح النوويّ" ٩/ ٢١٣.
[ ٢٥ / ٢٧٣ ]
يجد عندهنّ شيئًا"، والمراد بالنساء أهل الرجل، كما دلّت عليه رواية المصنّف بلفظ: "اذهب إلى أهلك".
(فَذَهَبَ) الرجل إلى أهله مرّة ثالثة (ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ) فيه جواز الحلف من غير استحلاف، ولا ضرورة، قال النوويّ - ﵀ -: لكن قال أصحابنا: يكره من غير حاجة، وهذا كان محتاجًا، ليؤكّد قوله. انتهى (^١). (يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا خَاتِمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي) "الإزار" يذكّر ويؤنّث، وقد جاء هنا مذكّرًا (قَالَ سَهْلُ) بن سعد - ﵁ - الراوي (مَا) نافية (لَهُ رِدَاءٌ) أي ليس له مع إزاره رداء، حتى يبقى عليه لبس يلبسه بعد دفع إزاره لها (فَلَهَا نِصْفُهُ) أي صداقًا لها قال في "الفتح": ووقع للقرطبيّ في هذه الرواية وَهَمٌ، فإنه ظنّ أن قوله: "فلها نصفه" من كلام سهل بن سعد، فشرحه بما نصّه: "وقول سهل: ما له رداء، فلها نصفه" ظاهره لو كان له رداء لشركها النبيّ - ﷺ - فيه، وهذا بعيد إذ ليس في كلام النبيّ، ولا الرجل ما يدلّ على شيء من ذلك، قال: ويمكن أن يقال: إن مراد سهل أنه لو كان عليه رداء مضاف إلى الإزار لكان للمرأة نصف ما عليه الذي هو إما الرداء، وإما الإزار لتعليله المنع بقوله: "إن لبسته لم يكن عليك منه شيء"، فكأنه قال: لو كان عليك ثوب تنفرد أنت بلبسه، وثوب آخر تأخذه هي تنفرد بلبسه لكان لها أخذه، فأما إذا لم يكن ذلك فلا. انتهى.
وقد أخذ كلامه هذا بعض المتأخّرين، فذكره ملخّصًا، وهو كلام صحيحٌ، لكنه مبنيّ على الفهم الذي دخله الوهم، والذي قال: "فلها نصفه" هو الرجل صاحب القصّة، وكلام سهل إنما هو قوله: "ما له رداء فقط"، وهي جملة معترضة، وتقدير الكلام: ولكن هذا إزاري، فلها نصفه، وقد جاء ذلك صريحًا في رواية أبي غسّان محمد بن مطرّف، ولفظه: "ولكن هذا إزاري، ولها نصفه، قال سهلٌ: وما له رداء".
ووقع في رواية الثوريّ عند الإسماعيليّ: "فقام رجلٌ، عليه إزار، وليس عليه رداء".
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَا) استفهاميّة على سبيل الإنكار، أي أيَّ شيء
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٩/ ٢١٣ - ٢١٤.
[ ٢٥ / ٢٧٤ ]
(تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ؟) هل تعطيها، وتجلس بلا إزار، وهذا لا يجوز، أو تمنعها منه، فلم يحصل الغرض؟، وإلى هذا أشار إليه بقوله: (إِنْ لَبِسْتَهُ) أنت (لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ) هي (لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ مِنْهُ شَيْءٌ") قال في "الفتح": ومعنى قوله - ﷺ -: "إن لبسته إلخ" أي إن لبسته كاملًا، وإلا فمن المعلوم من ضيق حالهم، وقلّة الثياب عندهم أنها لو لبسته بعد أن تشقّه لم يسترها، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالنفي نفي الكمال؛ لأن العرب قد تنفي جملة الشيء إذا انتفى كماله، والمعنى: لو شققته بينكما نصفين لم يحصل كمال سترك بالنصف إذا لبسته، ولا هي.
وفي رواية معمر عند الطبرانيّ: "ما وجدت والله شيئًا غير ثوبي هذا أشققه بيني وبينها، قال: ما في ثوبك فضلٌ عنك"، وفي رواية فضيل بن سليمان: "ولكني أشقّ بردتي هذه، فأعطيها النصف، وآخذ النصف"، وفي رواية الدراورديّ: "قال: ما أملك إلا إزاري هذا، قال: أرأيت إن لبسته، فأيّ شيء تلبس؟ "، وفي رواية مبشّر: "هذه الشملة التي عليّ ليس عندي غيرها"، وفي رواية هشام بن سعد: "ما عليه إلا ثوبٌ واحدٌ عاقدٌ طرفيه على عنقه"، وفي حديث ابن عبّاس وجابر: "والله ما لي ثوبٌ إلا هذا الذي عليّ"، وكلّ هذا مما يرجّح الاحتمال الأول، والله أعلم. انتهى (^١).
ووقع في رواية حماد بن زيد: "فقال: أعطها ثوبًا، قال: لا أجد، قال: أعطها ولو خاتمًا من حديد، فاعتلّ له". ومعنى قوله: "فاعتلّ له" أي اعتذر بعدم وجدانه كما دلّت عليه رواية غيره.
(فَجَلَسَ الرَّجُلُ، حَتَّى إِذَا طَالَ مَجْلِسُهُ قَامَ، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ) بالبناء للفاعل، أي أمر النبيّ - ﷺ - بأن يُدعَى له (فَدُعِيَ) بالبناء للمفعول، أي طُلب الرجل أن يحضر عنده - ﷺ -.
وفي رواية الثوريّ عند الإسماعيليّ: "فقام طويلًا، ثمّ ولّى، فقال النبيّ - ﷺ -: عليّ الرجل".
(فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: "مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ؟ ") هذا يَحْتَمِل أن يكون بعد قوله -
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٤٨٢ - ٤٨٣.
[ ٢٥ / ٢٧٥ ]
كما في رواية مالك: "هل معك من القرآن شيء"، فاستفهمه حينئذ عن كمّيته، ووقع الأمران في رواية معمر، قال: "فهل تقرأ من القرآن شيئًا؟، قال: نعم، قال: ماذا؟، قال: سورة كذا"، وعُرف بهذا المراد بالمعيّة، وأنّ معناها الحفظ عن ظهر قلبه، ووقع في رواية الثوريّ عند الإسماعيليّ: "قال: معي سورة كذا، ومعي سورة كذا، قال: عن ظهر قلبك؟، قال: نعم". قاله في "الفتح".
(قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، عَدَّدَهَا) وفي رواية مالك: "قال: نعم سورة كذا، وسورة كذا، لسور سمّاها"، وفي رواية سعيد بن المسيّب، عن سهل: "أن النبيّ - ﷺ - زوّج رجلًا امرأةً على سورتين من القرآن، يعلّمها إيّاهما".
ووقع في حديث أبي هريرة: "قال: ما تحفظ من القرآن؟، قال: سورة البقرة، أو التي تليها". قال الحافظ: كذا في كتابي أبي داود، والنسائيّ بلفظ: "أو"، وزعم بعض من لقيناه أنه عند أبي داود بالواو، وعند النسائيّ بلفظ "أو".
ووقع في حديث ابن مسعود: "قال: نعم سورة البقرة، وسور المفصّل".
وفي حديث ضُميرة: "أن النبيّ - ﷺ - زوّج رجلًا على سورة البقرة، لم يكن عنده شيء".
وفي حديث أبي أمامة - ﵁ - زوّج النبيّ - ﷺ - رجلًا من أصحابه امرأة على سورة من المفصّل، جعلها مهرها، وأدخلها عليه، وقال: علّمها".
وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور: "فعَلِّمْهَا عشرين آية، وهي امرأتك".
وفي حديث ابن عبّاس - ﵄ -: "أزوّجها منك على أن تُعلّمها أربع - أو خمس - سور من كتاب الله".
وفي مرسل أبي النعمان الأزديّ عند سعيد بن منصور: "زوّج رسول الله - ﷺ - امرأة على سورة من القرآن".
وفي حديث ابن عباس، وجابر - ﵃ -: "هل تقرأ من القرآن شيئًا؟، قال: نعم، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾، قال: أصدقها إياها".
[ ٢٥ / ٢٧٦ ]
قال الحافظ - ﵀ -: ويُجمع بين هذه الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعضهم، أو أن القصص متعدّدة، كذا في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الحمل على التعدد هو الأولى في الجمع؛ إذ الاحتمال الأخير فيه تكلّف وتعسّف، كما لا يخفى، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) - ﷺ - للرجل ("تَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ؟ ") إنما سأله النبيّ - ﷺ - عن قراءته عن ظهر القلب؛ ليتمكّن من تعليمها بذلك؛ لأنه إذا لم يَحفظها عن ظهر القلب ربما لا يكتب، ولا يجد مصحفًا يُعلّمها منه، فيضيع حقّها، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) الرجل (نَعَمْ) أقرؤهنّ عن ظهر قلبي (قَالَ: "اذْهَبْ) أي اذهب بها إلى بيتك (فَقَدْ مُلِّكْتَهَا) (^٢) بالبناء للمفعول، قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في معظم النسخ، وكذا نقله القاضي عن رواية الأكثرين: "مُلِّكْتَهَا"، بضم الميم، وكسر اللام المشددة، على ما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، وفي بعض النسخ: "مَلَّكْتُكَهَا"، بكافين، وكذا رواه البخاريّ، وفي الرواية الأخرى: "زوجتكها"، قال القاضي: قال الدارقطنيّ: رواية مَن رَوَى "مُلِّكتها" وَهَمٌ، قال: والصواب رواية مَن رَوَى: "زوجتكها"، قال: وهم أكثر، وأحفظ (^٣).
قال النوويّ: ويَحْتَمِل صحة اللفظين، ويكون جرى لفظ التزويج أوّلًا، فَمَلَكَها، ثم قال له: اذهب، فقد مَلَكْتها بالتزويج السابق، والله أعلم. انتهى (^٤).
(بِمَا مَعَكَ) متعلّق بـ "مُلِّكتها"، وقوله: (مِنَ الْقُرْآنِ) بيان لـ "ما"، أي بتعليم ما معك من السور من القرآن، وفي رواية زائدة التالية: "انطلق، فقد زوّجتكها، فعلّمها من القرآن"، وفي رواية ابن عيينة عند البخاريّ: "اذهب، فقد أنكحتكها بما معك من القرآن"، وفي رواية مالك عند النسائيّ: "قد
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٤٨٣ - ٤٨٤.
(٢) وفي نسخة: "فقد مَلَّكتُكها".
(٣) "إكمال المعلم" ٤/ ٥٨٣.
(٤) "شرح النوويّ" ٩/ ٢١٤.
[ ٢٥ / ٢٧٧ ]
زوّجتكها على ما معك من القرآن"، وفي رواية الثوريّ، ومعمر عند الطبرانيّ: "قد ملّكتكها بما معك من القرآن"، وفي رواية معمر عند أحمد: "قد أملكتكها"، والباقي مثله، وقال في أخرى: "فرأيته يَمْضِي، وهي تتبعه"، وفي رواية أبي غسّان: "أمكنّاكها"، والباقي مثله، وفي حديث ابن مسعود - ﵁ -: "قد أنكحتكها على أن تقرئها، وتعلّمها، وإذا رزقك الله عوّضتها، فتزوّجها الرجل على ذلك (^١) ". أفاده في "الفتح" (^٢).
وهذا الحديث صريح في جواز كون الصداق تعليم القرآن، وسيأتي اختلاف العلماء فيه، وترجيح الراجح بدليله في المسألة العاشرة - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (هَذَا حَدِيثُ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ) يعني أن السياق المتقدّم هو لفظ عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه (وَحَدِيثُ يَعْقُوبَ) بن عبد الرحمن القاريّ، عن أبي حازم (يُقَارِبُهُ) أي يقارب حديث عبد العزيز، وفي بعض النسخ: "مقاربه" (فِي اللَّفْظِ). ورواية يعقوب ساقها البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه"، رواها عن شيخ المصنّف، فقال:
(٥٠٣٠) - حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن امرأة جاءت رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله جئت لأهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله - ﷺ -، فصَعَّد النظر إليها، وصوَّبه، ثم طأطأ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئًا جلست، فقام رجل من أصحابه، فقال: يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوّجنيها، فقال: "هل عندك من شيء؟ "، فقال: لا والله يا رسول الله، قال: "اذهب إلى أهلك، فانظر هل تجد شيئًا؟ "، فذهب، ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله، ما وجدت شيئًا، قال: "انظر ولو خاتمًا من حديد، فذهب، ثم رجع، فقال: لا والله يا رسول الله، ولا خاتمًا من حديد، ولكن هذا إزاري - قال سهل: ما له رداء - فلها نصفه،
_________________
(١) هذا الحديث لا يصحّ كما سيأتي، فتنبّه.
(٢) "الفتح" ١١/ ٤٨٤.
[ ٢٥ / ٢٧٨ ]
فقال رسول الله - ﷺ -: "ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك شيء"، فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ثم قام، فرآه رسول الله - ﷺ - مُوَلِّيًا، فأمر به، فدُعِي، فلما جاء قال: "ماذا معك من القرآن؟ "، قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، وسورة كذا، عدّها، قال: "أتقرؤهنّ عن ظهر قلبك؟ "، قال: نعم، قال: "اذهب، فقد مَلَّكْتُكَها بما معك من القرآن". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٣٤٨٧ و٣٤٨٨] (١٤٢٥)، و(البخاريّ) في "الوكالة" (٢٣١١) و"فضائل القرآن" (٥٠٢٩ و٥٠٣٠) و"النكاح" (٥٠٨٧ و٥١٢١ و٥١٢٦ و٥١٣٢ و٥١٤١ و٥١٤٩) و"اللباس" (٥٨٧١) و"التوحيد" (٧٤١٧)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢١١١)، و(الترمذيّ) في "النكاح" (١١١٤)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٦/ ٥٤ و٩١ و١١٣ و١٢٣) و"الكبرى" (٣/ ٣١٢ و٣٢٠ و٥/ ٢٣)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٨٨٩)، و(مالك) في "الموطّإ" (١١١٨)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٢٤٧)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٧٥٩٢)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٩٢٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢٢٢٩٢ و٢٢٣٢٠ و٢٢٣٤٣)، و(الدارميّ) في "النكاح" (٢٢٠١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٠٩٣)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٣/ ١٦ - ١٧)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٧١٦)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٣/ ٥٣٢)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٦/ ٥٧٥٠ و٥٧٨١ و٥٩٠٧ و٥٩١٥ و٥٩٢٧ و٥٩٣٤ و٥٩٣٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٨٩)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٣/ ٤٢١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ١٤٤ و٢٣٦ و٢٤٢) و"الصغرى" (٦/ ١٣٣) و"المعرفة" (٥/ ٢٦٦ و٣٧٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣٠٢)، والله تعالى أعلم.
[ ٢٥ / ٢٧٩ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن النكاح لا بدّ فيه من الصداق؛ لقوله - ﷺ -: "هل عندك من شيء تُصْدِقها؟ "، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز لأحد أن يطأ فرجًا وُهِب له، دون الرقبة بغير صداق.
٢ - (ومنها): أن الأولى أن يُذْكَر الصداق في العقد؛ لأنه أقطع للنزاع، وأنفع للمرأة، فلو عُقد بغير ذكر صداق صحّ، ووجب لها مهر المثل بالدخول على الصحيح، وقيل: بالعقد، ووجه كونه أنفع لها أنه يثبت لها نصف المسمّى أن لو طُلّقت قبل الدخول.
٣ - (ومنها): استحباب تعجيل تسليم المهر.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز اتخاذ الخاتم من الحديد.
٥ - (ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على وجوب تعجيل الصداق قبل الدخول؛ إذ لو ساغ تأخيره لسأله هل يقدر على تحصيل ما يُمهرها بعد أن يدخل عليها، ويتقرّر ذلك في ذمّته. ويمكن الانفصال عن ذلك بأنه - ﷺ - أشار بالأَولى، والحامل على هذا التأويل ثبوت جواز نكاح المفوّضة، وثبوت جواز النكاح على مسمّى في الذّمّة، والله تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): أن إصداق ما يُتموّل يُخرجه عن يد مالكه، حتى إن من أصدق جارية مثلًا حَرُم عليه وطؤها، وكذا استخدامها بغير إذن من أصدقها، وأن صحّة المبيع تتوقّف على صحّة تسليمه، فلا يصحّ ما تعذّر إما حسًّا، كالطير في الهواء، وإما شرعًا كالمرهون، وكذا الذي لو زال إزاره لانكشفت عورته، كذا قال عياض، قال الحافظ: وفيه نظر.
٧ - (منها): بيان ما أكرم الله - ﷿ - نبيّه - ﷺ - حيث أباح له أن يتزوّج ما شاء من النساء، ومن ذلك أن تهب له المرأة نفسها، فيقبلها، كما قال الله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]، وعلى هذا بوّب النسائيّ، وأورد الحديث فيه.
[ ٢٥ / ٢٨٠ ]
٨ - (ومنها): أن الهبة في النكاح خاصّه بالنبيّ - ﷺ -؛ لقول الرجل: "زوّجنيها"، ولم يقل: هبها لي، ولقولها هي: "وهبت نفسي لك"، وسكت النبيّ - ﷺ - على ذلك، فدلّ على جوازه له خاصّةً، مع قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
٩ - (ومنها): جواز انعقاد نكاحه - ﷺ - بلفظ الهبة، دون غيره من الأمّة، وهو أحد الوجهين للشافعيّة، والآخر: لا بدّ من لفظ النكاح، أو التزويج، وسيأتي البحث فيه مستوفًى في المسألة الثالثة عشرة - إن شاء الله تعالى -.
١٠ - (ومنها): أن الهبة لا تتمّ إلا بالقبول؛ لأنها لما قالت: "وهبت نفسي لك"، ولم يقل: قبِلتُ لم يتمّ مقصودها، ولو قبلها لصارت زوجًا له، ولذلك لم يُنكر على القائل: "زوّجنيها".
١١ - (ومنها): جواز الحلف بغير استحلاف للتأكيد، لكنه يُكره لغير ضرورة.
١٢ - (ومنها): أن من رَغِب في تزويج من هو أعلى منه قدرًا لا لوم عليه؛ لأنه بصدد أن يجاب، إلا إن كان مما تقطع العادة بردّه، كالسوقيّ يخطب من السلطان بنته، أو أخته، وأن من رغبت في تزويج من هو أعلى منها لا عار عليها أصلًا، ولا سيّما إن كان هناك غرض صحيحٌ، أو قصد صالح، إما لفضل دينيّ في المخطوب، أو لِهَوًى فيه يخشى من السكوت عنه الوقوع في محذور.
١٣ - (ومنها): أنه استدلّ به على صحة قول من جعل عتق الأمة عوضًا عن بضعها، كذا ذكره الخطابيّ، ولفظه: أن من أعتق أمة، كان له أن يتزوّجها، ويجعل عتقها عوضًا عن بضعها، قال الحافظ: وفي أخذه من هذا الحديث بُعد.
١٤ - (ومنها): أن سكوت من عُقد عليها، وهي ساكتة لازم إذا لم يَمنع من كلامها خوفٌ، أو حياء، أو غيرها.
١٥ - (ومنها): أنه لا يشترط في صحة العقد تقدّم الْخُطبة، إذ لم يقع
[ ٢٥ / ٢٨١ ]
في شيء من طرق هذا الحديث وقوع حمد، ولا تشهّد، ولا غيرهما من أركان الخطبة، وخالف في ذلك الظاهريّة، فجعلوها واجبةً، ووافقهم من الشافعيّة أبو عوانة، فترجم في "صحيحه": "باب وجوب الخطبة عند العقد".
١٦ - (ومنها): أن الكفاءة في الحرّيّة، وفي الدِّين، وفي النسب، لا في المال؛ لأن الرجل لا شيء له، وقد رضيت به، كذا قال ابن بطّال. قال الحافظ: وما أدري من أين له أن المرأة كانت ذات مال. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الصحيح أنه لا يشترط اعتبار النسب في الكفاءة، وإنما المعتبر هو الدِّين، وقد استوفيت تحقيقه في غير هذا المحلّ.
١٧ - (ومنها): أن طالب الحاجة لا ينبغي له أن يُلحّ في طلبها، بل يطلبها برفق، وتأنّ، ويدخل في ذلك طالب الدنيا والدين، من مستفتٍ، وسائلٍ، وباحثٍ عن علم.
١٨ - (ومنها): أن الفقير يجوز له أن يتزوّج مَن علمت بحاله، ورضيت به، إذا كان واجدًا للمهر، وكان عاجزًا عن غيره من الحقوق؛ لأن المراجعة وقعت في وجدان المهر وفقده، لا في قدر زائد. قاله الباجيّ.
وتُعُقّب باحتمال أن يكون النبيّ - ﷺ - اطَّلَع من حال الرجل على أنه يقدر على اكتساب قوته، وقوت امرأته، ولا سيما مع ما كان عليه أهل ذلك العصر من قلّة الشيء، والقناعة باليسير، هكذا ذكر في "الفتح".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله الباجيّ هو ظاهر الحديث، فلا وجه للتعقّب، والله تعالى أعلم.
١٩ - (ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على صحّة النكاح بغير شهود.
ورُدّ بأن ذلك وقع بحضرة جماعة من الصحابة، كما تقدم في أول الحديث، وقال ابن حبيب: هو منسوخ بحديث: "لا نكاح إلا بوليّ، وشاهدي عدل"، وتُعُقّب.
[ ٢٥ / ٢٨٢ ]
٢٠ - (ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على صحة النكاح بلا وليّ.
وتُعقّب باحتمال أنه لم يكن لها وليّ خاصّ، والإمام وليّ من لا وليّ له.
٢١ - (ومنها): نظر الإمام في مصالح رعيته، وإرشادهم إلى ما يُصلحهم.
٢٢ - (ومنها): جواز انتفاع الرجل بما أمهرها به، وبما يشتريه بصداقها؛ لقوله: "إن لبستَهُ" مع أن النصف لها، ولم يمنعه مع ذلك من الاستمتاع بنصفه الذي وجب لها، بل جوّز له لبسه كله، وإنما وقع المنع؛ لكونه لم يكن له ثوب آخر. قاله أبو محمد بن أبي زيد.
وتعقّبه عياضٌ وغيره بأن السياق يرشد إلى أن المراد تعذّر الاكتفاء بنصف الإزار، لا في إباحة لبسه كلّه، وما المانع أن يكون المراد أن كلًّا منهما يلبسه مهايأةً؛ لثبوت حقّه فيه، لكن لمّا لم يكن للرجل ما يستتر به إذا جاءت نوبتها في لبسه قال له: "إن لبسَتْهُ جلستَ، ولا إزار لك".
٢٣ - (ومنها): مشروعية خِطبة المرء لنفسه.
٢٤ - (ومنها): أنه لا يجب إعفاف المسلم بالنكاح، كوجوب إطعامه الطعامَ، والشراب.
٢٥ - (ومنها): جواز نكاح المرأة دون أن تُسأل هل لها وليّ خاصّ، أو لا؟ ودون أن تُسأل هل هي في عصمة رجل، أو في عدّته؟ قال الخطابيّ: ذهب إلى ذلك جماعة؛ حملًا على ظاهر الحال، ولكن الحكّام يحتاطون في ذلك، ويسألونها.
قال الحافظ: وفي أخذ هذا من هذه القصّة نظر؛ لاحتمال أن يكون النبيّ - ﷺ - اطَّلَع على جليّة أمرها، أو أخبره بذلك من حضر مجلسه ممن يعرفها، ومع هذا الاحتمال لا ينتهض الاستدلال به، وقد نصّ الشافعيّ على أنه ليس للحاكم أن يزوّج امرأةً حتى يَشهد عدلان أنها ليس لها وليّ خاصّ، ولا أنها في عصمة رجل، ولا في عدّته، لكن اختلف أصحابه: هل هذا على سبيل الاشتراط، أو الاحتياط؟ والثاني المصحَّح عندهم، قاله في "الفتح"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٢٥ / ٢٨٣ ]
(المسألة الرابعة): أن للإمام أن يزوّج من ليس لها وليّ خاصّ لمن يراه كفؤًا لها، ولكن لا بدّ من رضاها بذلك.
وقال الداوديّ: ليس في الخبر أنه استأذنها، ولا أنها وكّلته، وإنما هو من قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦]. يعني فيكون خاصًّا به - ﷺ - أنه يزوّج من شاء من النساء بغير استئذانها لمن شاء، وبنحوه قال ابن أبي زيد.
وأجاب ابن بطّال بأنها لما قالت له: "وهبت نفسي لك" كان كالإذن منها في تزويجها لمن أراد؛ لأنها لا تُملَك حقيقة، فيصير المعنى: جعلت لكَ أن تتصرّف في تزويجي. انتهى.
قال الحافظ: ولو راجعا حديث أبي هريرة لما احتاجا إلى هذا التكلّف، فإن فيه كما قدّمته: "أن النبيّ - ﷺ - قال للمرأة: إني أريد أن أزوّجك هذا إن رضيتِ، فقالت: ما رضيتَ لي، فقد رضيت". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أن الحديث يدلّ على جواز تأمّل محاسن المرأة لإرادة تزويجها، وإن لم تتقدّم الرغبة في تزويجها، ولا وقعت خِطْبتها؛ لأنه - ﷺ - صَعَّدَ فيها النظر، وصوَّبه، وفي الصيغة ما يدلّ على المبالغة في ذلك، ولم يتقدّم منه رغبةٌ فيها، ولا خِطْبَةٌ، ثم قال: "لا حاجة لي في النساء"، ولو لم يقصد أنه إذا رأى منها ما يُعجبه أنه يَقبَلُها ما كان للمبالغة في تأمّلها فائدة.
ويمكن الانفصال عن ذلك بدعوى الخصوصيّة له؛ لمحلّ العصمة.
قال الحافظ: والذي تحرّر عندنا أنه - ﷺ - كان لا يحرم عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيّات بخلاف غيره.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الحافظ محلّ نظر، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
[ ٢٥ / ٢٨٤ ]
قال: وسلك ابن العربيّ في الجواب مسلكًا آخر، فقال: يَحْتَمِل أن ذلك قبل الحجاب، أو بعده، لكنها كانت متلفّفة، وسياق الحديث يُبعد ما قال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أنه تجوز الخِطْبة على خطبة مَنْ خَطَبَ إذا لم يقع بينهما ركون، ولا سيّما إذا لاحت مخايل الردّ. قاله أبو الوليد الباجيّ.
وتعقّبه عياض وغيره بأنه لم يتقدّم عليها خِطْبةٌ لأحد، ولا ميلٌ، بل هي أرادت أن يتزوّجها النبيّ - ﷺ -، فعرضت نفسها مجّانًا، مبالغةً منها في تحصيل مقصودها، فلم يَقبَل، ولما قال: "ليس لي حاجة في النساء" عرف الرجل أنه لم يقبلها، فقال: "زوّجنيها"، ثم بالغ في الاحتراز، فقال: "إن لم يكن لك بها حاجة"، وإنما قال ذلك بعد تصريحه بنفس الحاجة؛ لاحتمال أن يبدو له بعد ذلك ما يدعوه إلى إجابتها، فكان ذلك دالًّا على وُفُور فطنة الصحابيّ المذكور، وحسن أدبه.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يكون الباجيّ أشار إلى أن الحكم الذي ذكره يُستنبط من هذه القصّة؛ لأن الصحابيّ لو فهم أن للنبيّ - ﷺ - فيها رغبةً لم يطلبها، فكذلك من فُهِمَ أنَّ له رغبةً في تزويج امرأة، لا يصلح لغيره أن يُزاحمه فيها حتى يُظهِر عدم رغبته فيها، إما بالتصريح، أو ما في حكمه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): أنه يستفاد منه أنه لا حدّ لأقلّ المهر، قال ابن المنذر: فيه ردّ على من زعم أن أقلّ المهر عشرة دراهم، وكذا من قال: ربع دينار، قال: لأن خاتمًا من حديد لا يُساوي ذلك، وقال المازريّ: تعلّق به من أجاز النكاح بأقلّ من ربع دينار؛ لأنه خرج مخرج التعليل، ولكن مالكٌ قاسه على القطع في السرقة، قال عياض: تفرّد بهذا مالك عن الحجازيين، لكن مستنده الالتفات إلى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٤]، وبقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية [النساء: ٢٥]، فإنه يدلّ على أن المراد ما له بال من المال، وأقلّه ما استُبيح به قطع
[ ٢٥ / ٢٨٥ ]
العضو المحترم، قال: وأجازه الكافّة بما تراضى عليه الزوجان، أو من العقد إليه بما فيه منفعة، كالسوط، والنعل، وإن كانت قيمته أقلّ من درهم.
وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأبو الزناد، وربيعة، وابن أبي ذئب، وغيرهم من أهل المدينة، غيرَ مالك، ومن تبعه، وابن جريج، ومسلم بن خالد، وغيرهما من أهل مكة، والأوزاعيّ في أهل الشام، والليث في أهل مصر، والثوريّ، وابن أبي ليلى، وغيرهما من العراقيين، غير أبي حنيفة، ومن تبعه، والشافعيّ، وداود، وفقهاء أصحاب الحديث، وابن وهب من المالكيّة.
وقال أبو حنيفة: أقلّه عشرة، وابن شبرمة: خمسة، ومالك: أقلّه ثلاثة، أو ربع دينار؛ بناءً على اختلافهم في مقدار ما يجب به القطع، وقد قال الدراورديّ لمالك لمّا سمعه يذكر هذه المسألة: تعرّقت يا أبا عبد الله، أي سلكت سبيل أهل العراق في قياسهم مقدار الصداق على مقدار نصاب السرقة.
وقال القرطبيّ: استدلّ من قاسه بنصاب السرقة بأنه عضو آدميّ محترم، فلا يُستباح بأقلّ من كذا قياسًا على يد السارق.
وتعقّبه الجمهور بأنه قياسٌ في مقابلة النصّ، فلا يصحّ، وبأن اليد تُقطع، وتَبِين، ولا كذلك الفرج، وبأن القدر المسروق يجب على السارق ردّه مع القطع، ولا كذلك الصداق.
وقد ضعّف جماعةٌ من المالكيّة أيضًا هذا القياس، فقال أبو الحسن اللخميّ: قياس الصداق بنصاب السرقة ليس بالبيّن؛ لأن اليد إنما قُطعت في ربع دينار نكالًا للمعصية، والنكاح مستباحٌ بوجه جائز. ونحوه لأبي عبد الله بن الفخار منهم.
نعم، قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] يدلّ على أن صداق الحرّة لا بدّ، وأن يكون ما ينطلق عليه اسم مال له قدرٌ؛ ليحصل الفرق بينه وبين مهر الأمة، وأما قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فإنه يدلّ على اشتراط ما يُسمّى مالًا في الجملة قلّ أو كثر، وقد حدّه بعض
[ ٢٥ / ٢٨٦ ]
المالكيّة بما تجب فيه الزكاة، وهو أقوى من قياسه على نصاب السرقة، وأقوى من ذلك ردّه إلى المتعارف.
وقال ابن العربيّ: وزن الخاتم من الحديد لا يساوي ربع دينار، وهو مما لا جواب عنه، ولا عُذر فيه، لكن المحقّقين من أصحابنا - يعني المالكيّة - نظروا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥]، فمنع الله القادر على الطول من نكاح الأمة، فلو كان الطول درهمًا ما تعذّر على أحد.
ثم إنه تعقّبه بأن ثلاثة دراهم كذلك. يعني فلا حاجة فيه للتحديد، ولا سيّما مع الاختلاف في المراد بالطول. ذكره في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبين بما سبق أن أرجح الأقوال في المسألة هو ما دل عليه حديث الباب، وحاصله أنه لا حد لأقل المهر، فيجوز أن يكون مهرًا كلُّ ما تراضيا به قلّ أو كثر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): أن في قوله: "أعندك شيء؟، فقال: لا" دليلًا على تخصيص العموم بالقرينة؛ لأن لفظ "شيء" يشمل الخطير والتافه، وهو كان لا يعدم شيئًا تافهًا، كالنواة ونحوها، لكنه فَهِم أن المراد ما له قيمةٌ في الجملة، فلذلك نفى أن يكون عنده، ونقل عياضٌ الإجماع على أن مثل الشيء الذي لا يتموّل، ولا قيمة له لا يكون صداقًا، ولا يحلّ به النكاح. فإن ثبت نقله، فقد خرق هذا الإجماع أبو محمد بن حزم، فقال: يجوز بكلّ ما يُسمّى شيئًا، ولو كان حبّة من شعير، ويؤيّد ما ذهب إليه الكافّة قوله - ﷺ -: "التمس ولو خاتمًا من حديد"؛ لأنه أورده مورد التقليل بالنسبة لما فوقه، ولا شكّ أن الخاتم من الحديد له قيمة، وهو أعلى خطرًا من النواة، وحبّة الشعير، ومساق الخبر يدلّ على أنه لا شيء دونه يُستحلّ به البضع.
وقد وردت أحاديث في أقلّ الصداق، لا يثبت منها شيء:
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٤٨٥ - ٤٨٦.
[ ٢٥ / ٢٨٧ ]
[منها]: عند ابن أبي شيبة من طريق أبي لبيبة، رفعه: "من استحلّ بدرهم في النكاح، فقد استحلّ".
[ومنها]: عند أبي داود عن جابر، رفعه: "من أعطى في صداق امرأة سويقًا، أو تمرًا، فقد استحلّ"، وعند الترمذيّ من حديث عامر بن ربيعة: "أن النبيّ - ﷺ - أجاز نكاح امرأة على نعلين"، وأقوى شيء ورد في ذلك حديث جابر عند مسلم: "كنّا نستمتع بالقُبْضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله - ﷺ - حتى نَهَى عنه عمر"، قال البيهقيّ: إنما نهى عمر عن النكاح إلى أجل، لا عن قدر الصداق. وهو كما قال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): أن فيه دليلًا للجمهور على جواز النكاح بخاتم الحديد، وما هو نظير قيمته. قال ابن العربيّ من المالكيّة كما تقدّم: لا شكّ أن خاتم الحديد لا يساوي ربع دينار، وهذا لا جواب عنه لأحد، ولا عذر فيه. وانفصل بعض المالكيّة عن هذا الإيراد مع قوّته بأجوبة:
[منها]: أن قوله: "ولو خاتمًا من حديد" خرج مخرج المبالغة في طلب التيسير عليه، ولم يُرد عين الخاتم الحديد، ولا قدر قيمته حقيقةً؛ لأنه لما قال: لا أجد شيئًا عُرف أنه فَهم أن المراد بالشيء ما له قيمةٌ، فقيل له: ولو أقلّ ما له قيمةٌ كخاتم الحديد، ومثله: "تصدّقوا، ولو بظلف مُحْرَق، ولو بِفِرْسن شاة"، مع أن الظلف والفرسن لا يُنتفع بهما، ولا يُتصدّق بهما.
[ومنها]: احتمال أنه طلب منه ما يعجل نقده قبل الدخول، لا أن ذلك جميع الصداق. وهذا جواب ابن القصّار، وهذا يلزم منه الردّ عليهم حيث استحبّوا تقديم ربع دينار، أو قيمته قبل الدخول، لا أقلّ.
[ومنها]: دعوى اختصاص الرجل المذكور بهذا القدر، دون غيره، وهذا جواب الأبهريّ. وتُعُقّب بأن الخصوصية تحتاج إلى دليلٍ خاصّ.
[ومنها]: احتمال أن تكون قيمته إذ ذاك ثلاثة دراهم، أو ربع دينار، وقد وقع عند الحاكم، والطبرانيّ من طريق الثوريّ، عن أبي حازم، عن سهل بن
[ ٢٥ / ٢٨٨ ]
سعد: "أن النبيّ - ﷺ - زوّج رجلًا بخاتم من حديد، فصّه فضّة". والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): أنه استدلّ به على جواز جعل المنفعة صداقًا، ولو كان تعليم القرآن. قال المازريّ: هذا ينبني على أن الباء للتعويض، كقولك: بعتك ثوبي بدينار، وهذا هو الظاهر، وإلا فلو كانت بمعنى اللام على معنى تكريمه؛ لكونه حاملًا للقرآن لصارت المرأة بمعنى الموهوبة، والموهوبة خاصّة بالنبيّ - ﷺ -. انتهى.
وانفصل الأبهريّ، وقبله الطحاويّ، ومن تبعهما، كأبي محمد بن أبي زيد عن ذلك بأن هذا خاصّ بذلك الرجل؛ لكون النبيّ - ﷺ - كان يجوز له نكاح الواهبة، فكذلك يجوز له أن يُنكحها لمن شاء بغير صداق، ونحوه للداوديّ، وقال: إنكاحها إياه بغير صداق لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وقوّاه بعضهم بأنه لما قال له: "ملّكتكها" لم يشاورها، ولا استأذنه.
وهذا ضعيف لأنها هي أوّلًا فوّضت أمرها إلى النبيّ - ﷺ - كما تقدّم في رواية البخاريّ: "فَرَ رأيك"، وغير ذلك من ألفاظ الخبر التي ذكرنا، فلذلك لم يحتج إلى مراجعتها في تقدير المهر، وصارت كمن قالت لوليّها: زوّجني بما ترى من قليل الصداق وكثيره.
واحتُجّ لهذا القول بما أخرجه سعيد بن منصور من مرسل أبي النعمان الأزديّ، قال: "زوّج رسول الله - ﷺ - امرأة على سورة من القرآن، وقال: لا تكون لأحد بعدك مهرًا"، وهذا مع إرساله فيه من لا يُعرف.
وأخرج أبو داود من طريق مكحول قال: ليس لأحد بعد النبيّ - ﷺ -، وأخرج أبو عوانة من طريق الليث بن سعد نحوه.
وقال عياض: يَحْتَمِل قوله: "بما معك من القرآن" وجهين: أظهرهما أن يُعلّمها ما معه من القرآن، أو مقدارًا معيّنًا منه، ويكون ذلك صداقها، وقد جاء هذا التفسير عن مالك، ويؤيّده قوله في بعض طرقه الصحيحة: "فَعَلِّمها من القرآن"، كما تقدّم، وعُيِّنَ في حديث أبي هريرة مقدار ما يعلّمها، وهو عشرون آية.
[ ٢٥ / ٢٨٩ ]
ويحتمل أن تكون الباء بمعنى اللام، أي لأجل ما معك من القرآن، فأكرمه بأن زوّجه المرأة بلا مهر؛ لأجل كونه حافظًا للقرآن، أو لبعضه.
ونظيره قصّة أبي طلحة مع أمّ سُليم، وذلك فيما أخرجه النسائيّ، وصححه من طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس - ﵁ -، قال: خطب أبو طلحة أمّ سُليم، فقالت: والله ما مثلك يُردّ، ولكنّك كافر، وأنا مسلمة، ولا يحلّ لي أن أتزوّجك، فإن تُسلم فذاك مهري، ولا أسألك غيره، فأسلم، فكان ذلك مهرها".
وأخرج النسائيّ من طريق عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، قال: "تزوّج أبو طلحة أم سُليم، فكان صداق ما بينهما الإسلام. . ." فذكر القصّة، وقال في آخره: "فكان ذلك صداق ما بينهما"، ترجم عليه النسائيّ - ٦٣/ ٣٣٤١ -: "التزويج على الإسلام"، ثم ترجم على حديث سهل - ٦٢/ ٣٣٤٠ -: "التزويج على سورة من القرآن"، فكأنه مال إلى ترجيج الاحتمال الثاني. ويؤيّد أن الباء للتعويض، لا للسببية ما أخرجه ابن أبي شيبة، والترمذيّ من حديث أنس: "أن النبيّ - ﷺ - سأل رجلًا من أصحابه: يا فلان هل تزوّجت؟ قال: لا، وليس عندي ما أتزوّج به، قال: أليس معك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. . ." الحديث (^١).
واستدلّ الطحاويّ للقول الثاني من طريق النظر بأن النكاح إذا وقع
_________________
(١) ونصّ الترمذيّ في "جامعه" ٥/ ١٦٦:
(٢) - حدّثنا عقبة بن مُكْرَم العَمّيّ البصريّ، حدّثني ابن أبي فُديك، أخبرنا سلمة بن وَرْدان، عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - قال لرجل من أصحابه: "هل تزوجت يا فلان؟ " قال: لا والله يا رسول الله، ولا عندي ما أتزوج به، قال: "أليس معك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾؟ "، قال: بلى، قال: "ثلث القرآن"، قال: "أليس معك ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾؟ "، قال: بلى، قال: "ربع القرآن"، قال: "أليس معك ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾؟ "، قال: بلى، قال: "ربع القرآن"، قال: "أليس معك ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾؟ " قال: بلى، قال: "ربع القرآن"، قال: "تَزَوَّجْ، تَزَوَّجْ"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. انتهى.
[ ٢٥ / ٢٩٠ ]
على مجهول كان كما لم يُسمّ، فيحتاج إلى الرجوع إلى المعلوم، قال: والأصل المجمع عليه لو أن رجلًا استأجر رجلًا على أن يُعلّمه سورة من القرآن بدرهم لم يصحّ؛ لأن الإجارة لا تصحّ إلا على عمل معيّن، كغسل الثوب، أو وقت معيّن، والتعليم قد لا يُعلم مقدار وقته، فقد يتعلّم في زمان يسير، وقد يحتاج إلى زمان طويل، ولهذا لو باعه داره على أن يُعلّمه سورة من القرآن لم يصحّ، قال: فإذا كان التعليم لا تملك به الأعيان، لا تملك به المنافع.
والجواب عما ذكره أن المشروط تعليمه معيّنٌ كما تقدّم في بعض طرقه، وأما الاحتجاج بالجهل بمدّة التعليم، فيَحْتَمِل أن يقال: اغتُفر ذلك في باب الزوجين لأن الأصل استمرار عشرتهما، ولأن مقدار تعليم عشرين آيةً لا تختلف فيه أفهام النساء غالبًا، خصوصًا مع كونها عربيّةً، من أهل لسان الذي يتزوّجها كما تقدّم.
وانفصل بعضهم بأنه زوّجها إياه لأجل ما معه من القرآن الذي حفظه، وسكت عن المهر، فيكون ثابتًا لها في ذمّته إذا أيسر كنكاح التفويض، وإن ثبت حديث ابن عباس المتقدّم حيث قال فيه: "فإذا رزقك الله فعوّضها" كان فيه تقوية لهذا القول، لكنه غير ثابت.
وقال بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون زوّجه لأجل ما حفظه من القرآن، وأصدق عنه كما كفّر عن الذي وقع على امرأته في رمضان، ويكون ذكر القرآن، وتعليمه على سبيل التحريض على تعلّم القرآن، وتعليمه، وتنويهًا بفضل أهله. قالوا: ومما يدلّ على أنه لم يجعل التعليم صداقًا أنه لم يقع معرفة الزوج بفهم المرأة، وهل فيها قابليّة التعليم بسرعة، أو ببطء، ونحو ذلك مما تتفاوت فيه الأغراض.
والجواب عن ذلك قد تقدّم في بحث الطحاويّ.
ويؤيّد قول الجمهور قولُهُ - ﷺ - أوّلًا: "هل معك شيء تُصدقها؟ "، ولو قصد استكشاف فضله لسأله عن نسبه، وطريقته، ونحو ذلك.
[ ٢٥ / ٢٩١ ]
[فإن قيل]: كيف يصحّ جعل تعليمها القرآن مهرًا، وقد لا تتعلّم؟.
[أجيب] كما يصحّ جعل تعليمها الكتابة مهرًا، وقد لا تتعلّم، وإنما وقع الاختلاف عند من أجاز جعل المنفعة مهرًا، هل يُشترط أن يعلم حذق المتعلّم، أو لا؟ والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلة أن ما ذهب إليه الجمهور من جعل تعليم القرآن مهرًا هو الحقّ؛ لظاهر حديث الباب، وما ذكره المانعون من التأويلات المتقدمة للحديث، فكلها واهية، فلا يُلتفت إليها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): أنه يجوز كون الأجرة صداقًا، ولو كانت المصدوقة المستأجِرة، فتقوم المنفعة من الإجارة مقام الصداق، وهو قول الشافعيّ، وإسحاق، والحسن بن صالح. وعند المالكيّة فيه خلاف، ومنعه الحنفيّة في الحرّ، وأجازوه في العبد إلا في الإجارة في تعليم القرآن، فمنعوه مطلقًا، بناءً على أصلهم في أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن لا يجوز.
وقد نقل عياضٌ جواز الاستئجار لتعليم القرآن عن العلماء كافّةً إلا الحنفيّة. وقال ابن العربيّ: من العلماء من قال: زوّجه على أن يعلّمها من القرآن، فكانت إجارةً، وهذا كرهه مالكٌ، ومنعه أبو حنيفة، وقال ابن القاسم: يُفسخ قبل الدخول، ويُثبَتُ بعده، قال: والصحيح جوازه بالتعليم، وقد روى يحيى بن مضر عن مالك في هذه القصّة أن ذلك أجرة على تعليمها، وبذلك جاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وبالوجهين قال الشافعيّ، وإسحاق، وإذا جاز أن يؤخذ عنه العوض جاز أن يكون عوضًا، وقد أجازه مالك من إحدى الجهتين، فيلزم أن يُجيزه من الجهة الأخرى.
وقال القرطبيّ: قوله: "عَلِّمْها" نصّ في الأمر بالتعليم، والسياق يشهد بأن ذلك لأجل النكاح، فلا يُلتفتُ لقول من قال: إن ذلك كان إكرامًا للرجل، فإن الحديث يصرّح بخلافه، وقولهم: إن الباء بمعنى اللام ليس بصحيح لغةً، ولا مساقًا. انتهى.
[ ٢٥ / ٢٩٢ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكِرّ أنَّ ما ذهب إليه الشافعيّ ومن تبعه من جواز كون الأجرة صداقًا، هو الأرجح، لظهور دليله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية عشرة): أنه استُدِلَّ به على أن من قال: زوّجني فلانة، فقال: زوجتكها بكذا كفى، ولا يحتاج إلى قول الزوج: قبلت، قاله أبو بكر الرازيّ من الحنفيّة، وذكره الرافعيّ من الشافعيّة.
وقد استُشكل من جهة طول الفصل بين الاستيجاب والإيجاب، وفراق الرجل المجلس لالتماس ما يُصدقها إياه.
وأجاب المهلّب بأن بساط القصّة أغنى عن ذلك، وكذا كلّ راغب في التزويج إذا استوجب، فأُجيب بشيء معيّن، وسكت كفى، إذا ظهر قرينة القبول، وإلا فيُشترط معرفة رضاه بالقدر المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة عشرة): أنه استُدلّ بالحديث على جواز ثبوت العقد بدون لفظ النكاح والتزويج. وخالف ذلك الشافعيّ، ومن المالكيّة: ابن دينار وغيره، والمشهور عن المالكيّة جوازه بكلّ لفظ دلّ على معناه، إذا قُرن بذكر الصداق، أو قصد النكاح، كالتمليك، والهبة، والصدقة، والبيع، ولا يصحّ عندهم بلفظ الإجارة، ولا العارية، ولا الوصيّة، واختُلف عندهم في الإحلال، والإباحة، وأجازه الحنفيّة بكلّ لفظ يقتضي التأبيد مع القصد، وموضع الدليل من هذا الحديث ورود قوله - ﷺ -: "ملّكتكها"، لكن ورد أيضًا بلفظ: "زوّجتكها".
قال ابن دقيق العيد: هذه لفظة واحدة في قصّة واحدة، واختلف فيها مع اتحاد مخرج الحديث، فالظاهر أن الواقع من النبيّ - ﷺ - أحد الألفاظ المذكورة، فالصواب في مثل هذا النظر إلى الترجيح، وقد نقل عن الدارقطنيّ أن الصواب رواية من روى: "زوّجتكها"، وأنهم أكثر وأحفظ، قال: وقال بعض المتأخّرين: يَحْتَمِل صحّة اللفظين، ويكون قال لفظ التزويج أوّلًا، ثم قال: اذهب فقد ملّكتكها بالتزويج السابق، قال ابن دقيق العيد: وهذا بعيد؛ لأن سياق الحديث يقتضي تعيين لفظة قِيلَتْ، لا تعدّدها، وأنها هي التي انعقد بها النكاح، وما ذكره يقتضي وقوع أمر آخر انعقد به النكاح، والذي قاله بعيد
[ ٢٥ / ٢٩٣ ]
جدًّا، وأيضًا فلخصمه أن يعكس، ويدّعي أن العقد وقع بلفظ التمليك، ثم قال: زوّجتكها بالتمليك السابق، قال: ثم إنه لم يتعرّض لرواية: "أمكنّاكها" مع ثبوتها، وكلّ هذا يقتضي تعيّن المصير إلى الترجيح. انتهى.
وأشار ببعض المتأخّرين إلى النوويّ، فإنه كذلك قال في "شرح مسلم". وقد قال ابن التين: لا يجوز أن يكون النبيّ - ﷺ - عقد بلفظ التمليك والتزويج معًا في وقت واحد، فليس أحد اللفظين بأولى من الآخر، فسقط الاحتجاج به، هذا على تقدير تساوي الروايتين، فكيف مع الترجيح؟، قال: ومن زعم أن معمرًا وَهِمَ فيه وَرَدَ عليه أن البخاريّ أخرجه في غير موضع من رواية غير معمر، مثل معمر. انتهى.
وزعم ابن الجوزيّ في "التحقيق" أن رواية أبي غسّان: "أنكحتكها" ورواية الباقين: "زوّجتكها"، إلا ثلاثة أنفس، وهم معمرٌ، ويعقوب، وابن أبي حازم، قال: ومعمرٌ كثير الغلط، والآخران لم يكونا حافظين. انتهى.
قال الحافظ: وقد غلط في رواية أبي غسّان، فإنها بلفظ: "أمكنّاكها" في جميع نُسخ البخاريّ. نعم، وقعت بلفظ: "زوّجتكها" عند الإسماعيليّ من طريق حسين بن محمد، عن أبي غسّان، والبخاريّ أخرجه عن سعيد بن أبي مريم، عن أبي غسّان بلفظ: "أمكناكها". وقد أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريق يحيى بن عثمان بن صالح، عن سعيد شيخ البخاريّ فيه بلفظ: "أنكحتكها"، فهذه ثلاثة ألفاظ عن أبي غسّان، ورواية: "أنكحتكها" في البخاريّ لابن عُيينة كما حرّرته.
وما ذكره من الطعن في الثلاثة مردود، ولا سيما عبد العزيز، فإن روايته تترجّح بكون الحديث عن أبيه، وآل المرء أعرف بحديثه من غيرهم. نعم، الذي تحرّر مما قدّمته أن الذين رووه بلفظ التزويج أكثر عددًا ممن رواه بغير لفظ التزويج، ولا سيّما، وفيهم من الحفّاظ مثل مالك، ورواية سفيان بن عيينة: "أنكحتكها" مساويةٌ لروايتهم، ومثلها روايةُ زائدة. وعدّ ابن الجوزيّ فيمن رواه بلفظ التزويج: حمّاد بن زيد، وروايته بهذا اللفظ في "فضائل القرآن"، وأما في "النكاح" فبلفظ: "ملّكتكها".
[ ٢٥ / ٢٩٤ ]
وقد تبع الحافظُ صلاح الدين العلائيّ ابن الجوزيّ، فقال في ترجيح رواية التزويج: ولا سيّما وفيهم مالك، وحمّاد بن زيد. انتهى.
وقد تحرّر أنه اختُلف على حماد فيها، كما اختُلف على الثوريّ، فظهر أن رواية التمليك وقعت في إحدى الروايتين عن الثوريّ، وفي رواية عبد العزيز بن أبي حازم، ويعقوب بن عبد الرحمن، وحمّاد بن زيد، وفي رواية معمر: "ملكتكها"، وهي بمعناها، وانفرد أبو غسّان برواية: "أمكناكها"، وأَخْلِقْ بها أن تكون تصحيفًا من: "ملّكناكها"، فرواية التزويج، أو الإنكاح أرجح، وعلى تقدير تساوي الروايات يقف الاستدلال بها لكلّ من الفريقين.
وقد قال البغويّ في "شرح السنّة": لا حجّة في هذا الحديث لمن أجاز انعقاد النكاح بلفظ التمليك؛ لأن العقد كان واحدًا، فلم يكن اللفظ إلا واحدًا، واختلف الرواةُ في اللفظ الواقع، والذي يظهر أنه كان بلفظ التزويج على وفق قول الخاطب: "زوّجنيها"، إذ هو الغالب في أمر العقود، إذ قلّما يَختلف فيه لفظ المتعاقدين، ومن روى بلفظ غير لفظ التزويج لم يقصد مراعاة اللفظ الذي انعقد به العقد، وإنما أراد الخبر عن جريان العقد على تعليم القرآن، وقيل: إن بعضهم رواه بلفظ الإمكان، وقد اتفقوا على أن هذا العقد بهذا اللفظ لا يصحّ، كذا قال. وما ذُكر كافٍ في دفع احتجاج المخالف بانعقاد النكاح بالتمليك ونحوه.
وقال العلائيّ: من المعلوم أن النبيّ - ﷺ - لم يقل هذه الألفاظ كلّها (^١) تلك الساعة، فلم يبق إلا أن يكون قال لفظة منها، وعبّر عنه بقيّة الرواة بالمعنى، فمن قال بأن النكاح ينعقد بلفظ التمليك، ثم احتجّ بمجيئه في هذا الحديث إذا عورض ببقية الألفاظ لم ينتهض احتجاجه، فإن جزم بأنه هو الذي تلفّظ به النبيّ - ﷺ -، ومن قال غيره ذكره بالمعنى، قَلَبه عليه مخالفه، وادّعى ضدّ دعواه، فلم يبق إلا الترجيح بأمر خارجيّ، ولكن القلب إلى ترجيح رواية التزويج
_________________
(١) نازع في ذلك ابن حزم - ﵀ -؛ لأنه - ﷺ - كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا، فيُحمل الحديث على هذا، والله تعالى أعلم.
[ ٢٥ / ٢٩٥ ]
أمْيل؛ لكونها رواية الأكثرين؛ ولقرينة قول الرجل الخاطب: "زوّجنيها يا رسول الله".
وقد تقدّم النقل عن الدارقطنيّ أنه رجّح رواية من قال: "زوّجتكها"، وبالغ ابن التين، فقال: أجمع أهل الحديث على أن الصحيح رواية: "زوّجتكها"، وأن رواية: "ملّكتكها" وَهَمٌ.
وتعلّق بعض المتأخّرين بأن الذين اختلفوا في هذه اللفظة أئمّة، فلولا أن هذه الألفاظ عندهم مترادفة ما عبّروا بها، فدلّ على أن كلّ لفظ منها يقوم مقام الآخر عند ذلك الإمام، وهذا لا يكفي في الاحتجاج بجواز انعقاد النكاح بكلّ لفظة منها، إلا أن ذلك لا يدفع مطالبتهم بدليل الحصر في اللفظين مع الاتفاق على إيقاع الطلاق بالكنايات بشرطها، ولا حصر في الصريح. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن النكاح ينعقد بكلّ لفظ يدلّ عليه، وهو قول الحنفيّة، والمالكيّة، وإحدى الروايتين عن أحمد، واختلف الترجيح في مذهبه، فأكثر نصوصه تدلّ على موافقة الجمهور، واختار ابن حامد، وأتباعه الرواية الأخرى الموافقة للشافعيّة. واستدلّ ابن عقيل منهم لصحّة الرواية الأولى بحديث: "أعتَقَ صفيّة، وجعل عتقها صداقها"، فإن أحمد نصّ على أن من قال: أعتقتُ أمَتي، وجعلتُ عتقها صداقها أنه ينعقد نكاحها بذلك، واشترط من ذهب إلى الرواية الأخرى بأنه لا بدّ أن يقول في مثل هذه الصورة: تزوّجتها، وهي زيادة على ما في الخبر، وعلى نصّ أحمد، وأصولُهُ تشهد بأن العقود تنعقد بما يدلّ على مقصودها، من قول، أو فعل. كذا في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور من أن النكاح يجوز بكلّ لفظ يدلّ عليه هو الصواب، كما هو مذهب الحنفيّة، والمالكيّة، ورواية عن أحمد، رحمهم الله تعالى.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٤٩١ - ٤٩٣.
[ ٢٥ / ٢٩٦ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة - ﵀ - كما في "مجموع الفتاوى" -: عمدة من قال: لا يصحّ النكاح إلا بلفظ "الإنكاح"، و"التزويج" - وهم أصحاب الشافعيّ، وابن حامد، ومن وافقهم من أصحابنا، كأبي الخطّاب، والقاضي، وأصحابه، ومن بعده - إلا في لفظ "أعتقتك، وجعلت عتقك صداقك" أنهم قالوا: ما سوى هذين اللفظين كناية، والكناية لا تقتضي الحكم إلا بالنيّة، والنيّة في القلب لا تُعلم، فلا يصحّ عقد النكاح بالكناية؛ لأن صحّته مفتقرة إلى الشهادة عليه، والنيّة لا يُشهَد عليها، بخلاف ما يصحّ بالكناية، من طلاق، وعتق، وبيع، فإن الشهادة لا تُشترط في صحّة ذلك.
ومنهم: من يجعل ذلك تعبّدًا؛ لما فيه من ثبوت العبادات، وهذا قول من لا يصحّحه إلا بالعربيّة، من أصحابنا وغيرهم، وهذا ضعيف لوجوه:
[أحدها]: لا نسلّم أن ما سوى هذين كناية، بل ثَمَّ ألفاظ هي حقائق عرفيّة في العقد أبلغ من لفظ: "أنكحت"، فإن هذا اللفظ مشترك بين الوطء والعقد، ولفظ الإملاك خاصّ بالعقد، لا يُفهم إذا قال القائل: أملك فلانٌ على فلانة إلا العقد، كما في "الصحيحين": "أملكتكها على ما معك من القرآن"، سواء كانت الرواية باللفظ، أو المعنى.
[الثاني]: أنا لا نسلّم أن الكناية تفتقر إلى النيّة مطلقًا، بل إذا قُرن بها لفظ من ألفاظ الصريح، أو حكم من أحكام العقد كانت صريحةً، كما قالوا في الوقف: إنه ينعقد بالكناية، كتصدّقت، وحرَّمت، وأبّدت، إذا قُرن بها لفظ، أو حكم، فإذا قال: أملكتكها، فقال: قبلت هذا التزويج، أو أعطيتكها زوجةً، فقال: قبلت، أو أملكتكها على ما أمر الله به من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، ونحو ذلك، فقد قُرِن بها من الألفاظ، والأحكام ما يجعله صريحًا.
[الثالث]: أن إضافة ذلك إلى الحرّة يبيّن المعنى، فإنه إذا قال في ابنته: ملّكتكها، أو أعطيتكها، أو زوّجتكها، ونحو ذلك، فالمحلّ يَنفي الإجمال، والاشتراك.
[ ٢٥ / ٢٩٧ ]
[الرابع]: أن هذا منقوضٌ عليهم بالشهادة في الرجعة، فإنها مشروعةٌ، إما واجبة، وإما مستحبّةٌ، وهي شرط في صحّة الرجعة على قولٍ، وبالشهادة على البيع، وسائر العقود، فإن ذلك مشروعٌ مطلقًا، سواء كان العقد بصريح، أو كناية مفسّرة.
[الخامس]: أن الشهادة تصحّ على العقد، ويثبت بها عند الحاكم على أيّ صورة انعقدت، فعُلم أن اعتبار الشهادة فيه، لا يمنع ذلك.
[السادس]: أن العاقدين يمكنهما تفسير مرادهما، ويشهد الشهود على ما فسّروه.
[السابع]: أن الكناية عندنا إذا اقترن بها دلالة الحال كانت صريحة في الظاهر بلا نزاع، ومعلوم أن اجتماع الناس، وتقديم الخطبة، وذكر المهر، والمفاوضة فيه، والتحدّث بأمر النكاح قاطع في إرادة النكاح، وأما التعبّد فيحتاج إلى دليل شرعيّ، ثم العقد جنسٌ لا يشرع فيه التعبّد بالألفاظ؛ لأنها لا يُشترط فيها الإيمان، بل تصحّ من الكافر، وما يصحّ من الكافر لا تعبّد فيه، والله أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله شيخ الإسلام - ﵀ - هو الصواب عندي.
وحاصله أن النكاح ينعقد بكل ما تعارفه الناس من الألفاظ، ولو بغير العربية لمن يحسنها؛ لأنه الموافق لمقاصد الشريعة، فإن الشرع لم يُضَيِّق في النكاح على الناس باتباع صيغة معينة، أو كونه بالعربية، بل هو كسائر العقود الجارية بينهم التي تجوز مطلقًا كالطلاق، والرجعة، والعَتَاق، والبيع، والشراء، والإجارة، وغيرها، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" ٣٢/ ١٥ - ١٧.
[ ٢٥ / ٢٩٨ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٨٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَن الدَّرَاوَرْدِيِّ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ زَائِدَةَ: قَالَ: "انْطَلِقْ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ").
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ) البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ، له اختيارات في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم قريبًا.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٦ - (الدَّرَاوَرْدِيُّ) عبد العزيز بن محمد بن عُبيد الْجُهنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ، كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٧ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٨ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) وله (٤ أو ٨٥) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
٩ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سُنيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
[ ٢٥ / ٢٩٩ ]
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ) يعني أن كلّ هؤلاء الأربعة، وهم: حمّاد بن زيد، وسفيان بن عيينة، والدراورديّ، وزائدة رووا هذا الحديث عن أبي حازم، عن سهل بن سعد - ﵄ -.
وقوله: (فعَلِّمْها من القرآن) يعني به السُّوَر التي عدَّدها له، وأخبره أنه يحفظها، وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: "بما معك من القرآن"، والله أعلم (^١).
[تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد، عن أبي حازم، ساقها البخاريّ - ﵀ -، فقال:
(٥٠٢٩) - حدّثنا عمرو بن عون، حدّثنا حمّاد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال:
أتت النبيّ - ﷺ - امرأة، فقالت: إنها قد وهبت نفسها لله ولرسوله - ﷺ -، فقال: "ما لي في النساء من حاجة"، فقال رجل: زوّجنيها، قال: "أعطها ثوبًا"، قال: لا أجد، قال: "أعطها، ولو خاتمًا من حديد"، فاعتلّ له، فقال: "ما معك من القرآن؟ "، قال: كذا، وكذا، قال: "فقد زوجتكها بما معك من القرآن". انتهى.
ورواية سفيان بن عيينة، عن أبي حازم ساقها البخاريّ - ﵀ - أيضًا، فقال:
(٥١٤٩) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، سمعت أبا حازم يقول: سمعت سهل بن سعد الساعديّ يقول: إني لفي القوم عند رسول الله - ﷺ -، إذ قامت امرأة، فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لك، فَرَ فيها رَأْيَكَ، فلم يُجبها شيئًا، ثم قامت، فقالت: يا رسول الله إنها قد وهبت نفسها لك، فَرَ فيها رَأْيَكَ، فلم يجبها شيئًا، ثم قامت الثالثة، فقالت: إنها قد وهبت نفسها لك، فَرَ فيها رَأْيَكَ، فقام رجل: فقال: يا رسول الله أنكحنيها، قال: "هل عندك من شيء؟ "، قال: لا، قال:
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٣٣.
[ ٢٥ / ٣٠٠ ]
"اذهب، فاطلب ولو خاتمًا من حديد"، فذهب، فطلب، ثم جاء، فقال: ما وجدت شيئًا، ولا خاتمًا من حديد، فقال: "هل معك من القرآن شيء؟ "، قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، قال: "اذهب، فقد أنكحتكها بما معك من القرآن". انتهى.
ورواية زائدة، عن أبي حازم ساقها ابن أبي شيبة - ﵀ - في "مسنده" ١/ ٨٩ فقال:
(١٠٢) - نا ابن أبي شيبة، نا حسين بن عليّ، عن زائدة، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: جاءت امرأة إلى النبيّ - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، قد وهَبْتُ نفسي لك، فاصْنَعْ فيَّ ما شئت، قال: فقال له شابّ: يا رسول الله، إن لم يكُن لك فيها حاجة فزوِّجْنيها، قال: أَوَ عندك شيءٌ تعطيها إياه؟ "، قال: ما أعلمه، قال: "فانطلق، فاطلُب، فلعلّك تجد شيئًا، ولو خاتم حديد"، فأتاه، فقال: ما وجدتُ شيئًا إلا إزاري هذا، قال: "إن إزارك هذا، إن أعطيتها إياه لم يبق عليك شيء"، قال: "تقرأ من القرآن شيئًا؟ "، قال: نعم، قال: "انطلق، فقد زوجْتُكها، فعلِّمها من القرآن". انتهى.
وأما رواية الدراورديّ، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.