قال الجامع عفا الله عنه: "العَرَايَا": بالفتح: جمع عَريّة، قال الفيّوميّ ﵀: "العريّة": النخلة يُعْرِيها صاحبها غيرَهُ ليأكل ثمرتها، فيَعْرُوها؛ أي: يأتيها، فَعِيلة بمعنى مفعولة، ودخلت الهاء عليها؛ لأنه ذُهِب بها مذهبَ الأسماء، مثلُ النَّطِيحة، والأكِيلة، فإذا جيء بها مع النخلة حُذفت الهاء، وقيل: نخلة عَرِيّ، كما يقال: امرأة قَتيلٌ، والجمع: العَرَايا. انتهى.
قال الجامع: وإلى قاعدة حذف الهاء من فَعِيل إن تبع موصوفه أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" حيث قال:
وَمِنْ فَعِيلٍ كَقَتِيلٍ إِنْ تَبِعْ … مَوْصُوفَهُ غَالِبًا التَّا تَمْتَنِعْ
[ ٢٧ / ١٠٩ ]
وقال في "الفتح": هي عطيّة ثمر النخل، دون الرقبة، كان العرب في الجدب يتطوّع أهل النخل بذلك على من لا ثمر له، كما يتطوّع صاحب الشاة، أو الإبل بالْمَنِيحَة، وهي عطيّة اللبن، دون الرقبة، قال حسّان بن ثابت - ﵁ - فيما ذكر ابن التين، وقال غيره: هي لسُوَيد بن الصَّامت الأنصاريّ [من الطويل]:
فَلَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رُجَّبِيَّةِ (^١) … وَلَكِنْ عَرَايَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ
ومعنى "سنهاء": أن تَحمِل سنة دون سنة، والرّجّبية: التي تُدَعَّم حين تميل من الضعف. والعرية: فَعِيلة بمعنى مفعولة، أو فاعلة، يقال: عَرَى النخلَ - بفتح العين، والراء - بالتعدية يَعرُوها: إذا أفردها عن غيرها، بأن أعطاها لآخر، على سبيل الْمِنْحَة؛ ليأكل ثمرها، وتَبقَى رقبتها لمعطيها، ويقال: عَرِيت النخلُ - بفتح العين، وكسر الراء - تَعرَى على أنه قاصر، فكأنها عَرِيت عن حكم أخواتها، واستُثبتت بالعطية، واختلف في المراد بها شرعًا (^٢)، وسيأتي بيان ذلك في المسألة الرابعة في شرح حديث زيد بن ثابت التالي - إن شاء الله تعالى -.
وبالسند المتصل الى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧١] (١٥٣٩) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ (^٣)، وَالْمُحَاقَلَة، وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ ثَمَرُ النَّخْلِ بِالتَّمْر، وَالْمُحَاقَلَةُ أَنْ يُبَاعَ الزَّرْعُ بِالْقَمْح، وَاسْتِكْرَاءُ الأَرْضِ بِالْقَمْحِ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ رَسُول الله - ﷺ -؛ أنهُ قَالَ: "لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ بِالتمْرِ".
وَقَالَ سَالِمٌ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الله، عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ رَسُول الله - ﷺ -؛ أَنهُ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ في بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرَّطَب، أَوْ بِالتمْر، وَلَمْ يُرَخِّصْ في غَيْرِ ذَلِكَ).
_________________
(١) قال في "اللسان": يروى "رُجبيّة" بضتم الراء، وتخفيف الجيم المفتوحة، وتشديدها. انتهى.
(٢) "الفتح" ٥/ ٦٦٢.
(٣) وفي نسخة: "نهى عن المزابنة".
[ ٢٧ / ١١٠ ]
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (حُجَيْنُ (^١) بْنُ الْمُثَنَّى) أبو عُمير اليماميّ، سكن بغداد، وولي قضاء خُراسان، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٥) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٧.
٢ - (عُقَيْلُ) بن خالد أبو خالد الأمويّ مولاهم الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣.
٣ - (زيدُ بْنُ ثَابِتِ) بن الضحّاك بن لوذان الأنصاريّ النجّاريّ، أبو سعيد، وأبو خارجة الصحابيّ المشهور، كتب الوحي، ومات سنة (٥ أو ٤٨) وقيل: بعد (٥٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٢/ ٧٩٣.
والباقون تقدّموا قريبًا، وشرح الحديث يأتي بعده.
وقوله: (وَقَالَ سَالِمٌ … إلخ) موصول بالإسناد المذكور، وليس معلّقًا، وقد أفرد حديث زيد هذا بعده من طريق نافع، عن ابن عمر، عنه، وأخرجه الترمذيّ من طريق محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت؛ ولم يفصل حديث ابن عمر، من حديث زيد بن ثابت، وأشار الترمذيّ إلى أنه وَهِمَ فيه، والصواب التفصيل، ولفظ الترمذيّ: عن زيد بن ثابت، أن النبيّ - ﷺ - نَهَى عن المحاقله، والمزابنة، إلا أنه قد أذِن لأهل العرايا أن يبيعوها بمثل خرصها.
قال الحافظ: ومراد الترمذيّ أن التصريح بالنهي عن المزابنة لم يَرِد في حديث زيد بن ثابت، وإنما رواه ابن عمر بغير واسطة، ورَوَى ابن عمر استثناء العرايا بواسطة زيد بن ثابت، فإن كانت رواية ابن إسحاق محفوظة احتَمَلَ أن يكون ابن عمر حَمَل الحديث كله عن زيد بن ثابت، وكان عنده بعضه بغير واسطة. انتهى.
وقوله: (رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعد النهي عن بيع الثمر بالتمر.
وقوله: (فِي بَيْعِ الْعَرِية) قال في "الفتح": وهذا من أصرح ما ورد في الردّ على مَن حَمَل من الحنفية النهي عن بيع الثمر بالتمر على عمومه، ومَنَع أن يكون بيع العرايا مستثنى منه، وزعم أنهما حكمان مختلفان وردا في سياق
_________________
(١) بضمّ الحاء المهملة، مصغّرًا، وآخره نون.
[ ٢٧ / ١١١ ]
واحد، وكذلك مَن زعم منهم - كما حكاه ابن المنذر عنهم - أنّ بيع العرايا منسوخ بالنهي عن بيع الثمر بالتمر؛ لأن المنسوخ لا يكون بعد الناسخ. انتهى (^١).
وقوله: (بِالرُّطَب، أَوْ بِالتَّمْرِ) قال في "الفتح": كذا عند البخاريّ ومسلم من رواية عُقَيل، عن الزهريّ بلفظ "أو"، وهي مُحْتَملة أن تكون للتخيير، وأن تكون للشك، وأخرجه النسائيّ، والطبرانيّ، من طريق صالح بن كيسان، والبيهقيّ من طريق الأوزاعيّ، كلاهما عن الزهريّ، بلفظ: "بالرطب وبالتمر، ولم يرخص في غير ذلك"، هكذا ذكره بالواو، وهذا يؤيد كون "أو" بمعنى التخيير، لا الشكّ، بخلاف ما جزم به النوويّ، وكذلك أخرجه أبو داود، من طريق الزهريّ أيضًا، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، وإسناده صحيح، وليس هو اختلافًا على الزهريّ، فإن ابن وهب رواه عن يونس، عن الزهريّ بالإسنادين، أخرجهما النسائيّ، وفرّقهما.
وإذا ثبتت هذه الرواية كانت فيها حجة للوجه الصائر إلى جواز بيع الرطب المخروص على رؤوس النخل بالرطب المخروص أيضًا على الأرض، وهو رأي ابن خيران من الشافعية، وقيل: لا يجوز، وهو رأي الإصطخريّ، وصححه جماعة، وقيل: إن كانا نوعًا واحدًا لم يجز؛ إذ لا حاجة إليه، وإن كانا نوعين جاز، وهو رأي أبي إسحاق، وصححه ابن أبي عصرون، وهذا كله فيما إذا كان أحدهما على النخل، والآخر على الأرض، وقيل: ومثله ما إذا كانا معًا على النخل، وقيل: إن محله فيما إذا كانا نوعين، وفي ذلك فروع أخر يطول ذكرها، وصَرَّح الماورديّ بإلحاق البسر في ذلك بالرطب. انتهى (^٢).
وقوله: (وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ) فيه أن الترخيص خاصّ في العرايا بالرطب، وبالتمر، وقد اختلف السلف هل يُلحق العنب، أو غيره بالرطب في العرايا؟ فقيل: لا، وهو قول أهل الظاهر، واختاره بعض الشافعيّة، منهم المحبّ الطبريّ. وقيل: يُلحق العنب خاصّة، وهو مشهور مذهب الشافعيّ، وقيل: يُلحق كل ما يُدّخر، وهو قول المالكيّة، وقيل: يُلحق كلّ ثمرة، وهو
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٦٥٤.
(٢) "الفتح" ٥/ ٦٥٤ - ٦٥٥.
[ ٢٧ / ١١٢ ]
مَنقول عن الشافعيّ أيضًا، قاله في "الفتح" (^١).
وقال ابن قُدامة ﵀: ولا يجوز بيع العرية في غير النخل، وهو اختيار ابن حامد، وقول الليث بن سعد، إلا أن يكون مما ثمرته لا يجري فيها الربا، فيجوز بيع رطبها بيابسها؛ لعدم جريان الربا فيها، ويَحْتَمِل أن يجوز في العنب والرطب دون غيرهما، وهو قول الشافعيّ؛ لأن العنب كالرطب، في وجوب الزكاة فيهما، وجواز خرصهما، وتوسيقهما، وكثرة تيبيسهما، واقتياتهما في بعض البلدان، والحاجة إلى أكل رطبهما، والتنصيص على الشيء يوجب ثبوت الحكم في مثله، ولا يجوز في غيرهما؛ لاختلافهما في أكثر هذه المعاني، فإنه لا يمكن خرصها؛ لتفرّقها في الأغصان، واستتارها بالأوراق، ولا يُقتات يابسها، فلا يحتاج إلى الشراء به.
وقال القاضي: يجوز في سائر الثمار، وهو قول مالك، والأوزاعيّ؛ قياسًا على ثمرة النخيل. ولنا ما روى الترمذي؛ أن النبيّ - ﷺ -، نهى عن المزابنة: الثمر بالتمر، إلا أصحاب العرايا، فإنه قد أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب، وكل ثمرة بِخِرْصها. وهذا حديث حسن، وهذا يدل على تخصيص العرية بالتمر، وعن زيد بن ثابت - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ -؛ أنه رخّص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب، أو بالتمر، ولم يرخص في غير ذلك، وعن ابن عمر، قال: نَهَى رسول الله - ﷺ -، عن المزابنة، والمزابنة: بيع ثمر النخل بالتمر كيلًا، وبيع العنب بالزبيب كيلًا، وعن كل ثمرة بخرصه، ولأن الأصل يقتضي تحريم بيع العرية، وإنما جازت في ثمرة النخيل رخصة، ولا يصح قياس غيرها عليها؛ لوجهين:
[أحدهما]: أن غيرها لا يساويها في كثرة الاقتيات بها، وسهولة خرصها، وكون الرخصة في الأصل لأهل المدينة، وإنما كانت حاجتهم إلى الرطب دون غيره.
[الثاني]: أن القياس لا يُعْمَل به، إذا خالف نَصًّا، وقياسهم يخالف نصوصًا غير مخصوصة، وإنما يجوز التخصيص بالقياس على المحل
_________________
(١) ٥/ ٦٥٥.
[ ٢٧ / ١١٣ ]
المخصوص، ونَهْيُ النبي - ﷺ - عن بيع العنب بالزبيب، لم يدخله تخصيص، فيقاسَ عليه، وكذلك سائر الثمار، والله أعلم. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بعدم إلحاق غير التمر بالتمر هو الأرجح عندي؛ لظهور أدلّته، عملًا بالنصّ؛ لأن الترخيص في ذلك على خلاف الأصل؛ لأن الأصل عدم جواز بيع الرطب بالتمر؛ لعدم تساويهما كيلًا، وهو المسمّى بالمزابنة الذي ورد النهي عنه، فما ثبتٌ على خلاف الأصل يُقتصر عليه، فلا يكون محلًّا للقياس، فتأمّل بإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: تكلّم الحافظ الرشيد العطّار ﵀ في "غُرَر الفوائد" (١/ ٢٧٨) على هذا السند، فقال: هذا من الأحاديث المرسلة، وهو حديث يَشتمل على ثلاثة أحاديث، اثنان مرسلان، والثالث متصل، أخرجه في "كتاب البيوع"، فقال فيه: وحدَّثني محمد بن رافع، ثنا حُجَين، ثم ساقه إلى آخره، ثمّ قال: هكذا أورده مسلم ﵀ في كتابه.
[فإن قيل]: كيف اختار إخراج المراسيل في "صحيحه"، وليست من شرطه، ولا داخلة في رَسْمه؟.
[فالجواب]: أن مسلمًا ﵀ من عادته أن يورد الحديث كما سمعه، وكان هذا الحديث عنده عن محمد بن رافع على هذه الصفة، فأورده كما سمعه منه، ولم يَحتَجّ بالمرسل الذي فيه، وإنما احتَجَّ بما في آخره من المسند، وهو حديث سالم، عن عبد الله، عن زيد بن ثابت أن رسول الله - ﷺ - رَخَّصَ بعد ذلك في بيع الْعَرِيّة … الحديث، فهذا القدر الذي احتَجَّ به مسلم منه.
[فإن قيل]: فقد كان يمكنه أن يقتصر على هذا المسند خاصّةً، وَيحذف ما فيه من المرسيل، ولا يطوِّل كتابه بما ليس من شرطه.
[قيل]: هذه مسألة اختَلَف العلماء فيها، فمنهم من أجاز تقطيع الحديث الواحد، وتفريقه في الأبواب، إذا كان مشتملًا على عِدّة أحكام، كل حكم منها مستقل بنفسه، غير مرتبط بغيره؛ كحديث جابر الطويل في الحجّ، ونحوه.
_________________
(١) "المغني" ٦/ ١٢٨ - ١٢٩.
[ ٢٧ / ١١٤ ]
ومنهم من منع ذلك، واختار إيراد الحديث كاملًا كما سمعه، والظاهر من مذهب مسلم: إيراد الحديث بكامله، من غير تقطيع له، ولا اختصار، إذا لم يقل فيه: مثل حديث فلان، أو نحوه، والله ﷿ أعلم.
[فإن قيل]: فهل يُسْنَد هذان المرسلان من وجه يصحّ؟
[قيل]: نعم، كلاهما مسند متصل في "الصحيح"، أما حديث سعيد بن المسيِّب، فقد أخرجه مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، ومن حديث سعيد بن مِيناء، وأبي الزبير، كلاهما عن جابر، عن النبيّ - ﷺ -.
وأخرجه أيضًا هو، والبخاريّ من حديث عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، عن النبيّ - ﷺ -، فثبت اتصاله.
وأما حديث سالم فقد أخرجه مسلم من حديث ابن عيينة، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ - بنحوه (^١).
وأخرجه البخاريّ في "صحيحه" متصلًا من الوجه الذي أورده مسلم مرسلًا، وهو ما أخبرنا الشيخ أبو عليّ ناصر بن عبد الله الفقيه بالحرم الشريف تُجاه الكعبة المعظمة، أنا أبو الحسن علي بن حميد بن عمار المقرئ بمكة شرّفها الله، أنا أبو مكتوم عيسى بن أبي ذرّ الهرويّ، أنا أبي، أنا عبد الله بن أحمد السرخسيّ، وابراهيم بن أحمد المستملي، ومحمد بن مكيّ الكشميهنيّ، قالوا: أنا محمد بن يوسف الفربريّ، أنا محمد بن إسماعيل البخاريّ (ح) وأخبرنا عاليًا أبو القاسم الخزرجيّ، واللفظ له، أنا محمد بن بركات السعيديّ، أخبرتنا كريمة، أنا أبو الهيثم الكشميهنيّ، أنا الفربريّ، أنا البخاريّ، ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، أخبرني سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر"، قال سالم: وأخبرني عبد الله، عن زيد بن ثابت؛ أن رسول الله - ﷺ - رَخَّصَ بعد ذلك في بيع العرية بالرطب، أو بالتمر، ولم يرخص في غيره. انتهى كلام الرشيد العطّار: ﵀، وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) تقدّم قبل حديث.
[ ٢٧ / ١١٥ ]
وبالسند المتّصل الى المؤلف: ﵀ الكتاب قال:
[٣٨٧٢] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَن رَسُولَ الله - ﷺ - رَخَّصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وقد تقدّم نفسه في الباب الماضي، وهو من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٢٥٥) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ) - ﵁ (أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ) - بتشديد الخاء المعجمة - مبنيًّا للفاعل، من الترخيص، وفي لفظ للبخاريّ: "أرخص"، من الإرخاص، وهما بمعنى التسهيل في الأمر، والتيسير فيه، يقال: رخّص الشرع لنا في كذا ترخيصًا، وأرخص إرخاصًا: إذا يسّره، وسهّله، قاله الفيّوميّ ﵀ (^١). (لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ) فَعِيلة بمعنى مفعولة، كما تقدّم. (أنْ يَبِيعَهَا) أي: يبيع ثمرتها (بِخَرْصِهَا) بفتح الخاء المعجمة، وأشار ابن التين إلى جواز كسرها، وجزم ابن العربيّ بالكسر، وأنكر الفتح، وجوّزهما النوويّ، وقال: الفتح أشهر، قال: ومعناه: تقدير ما فيها إذا صار تمرًا، فمن فتح قال: هو مصدرٌ؛ أي: اسم للفعل، ومن كسر قال: هو اسم للشيء المخروص. انتهى. والخرص: هو التخمين، والْحَدْسُ، وسيأتي تمام البحث في تفسير العرايا في المسألة الآتية - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (مِنَ التَّمْرِ) بيان لـ"خرصها".
واستُدِلّ بأحاديث الباب على تحريم بيع الرطب باليابس منه، ولو تساويا في الكيل والوزن؛ لأن الاعتبار بالتساوي إنما يصح حالة الكمال، والرطبُ قد ينقص إذا جَفّ عن اليابس نقصًا لا يتقدر، وهو قول الجمهور، وعن أبي حنيفة الاكتفاء بالمساواة حالة الرطوبة، وخالفه صاحباه في ذلك؛ لصحة الأحاديث
_________________
(١) "المصباح المنير"١/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
[ ٢٧ / ١١٦ ]
الواردة في النهي عن ذلك، وأصرح من ذلك حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -؛ أن النبي - ﷺ - سئل عن بيع الرُّطَب بالتمر، فقال: "أينقص الرُّطَب إذا جَفّ؟ " قالوا: نعم، قال: "فلا إذًا"، أخرجه مالك، وأصحاب "السنن"، وصححه الترمذيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم، قاله في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن ثابت - ﵁ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [١٤/ ٣٨٧١ و٣٨٧٢ و٣٨٧٣ و٣٨٧٤ و٣٨٧٥ و٣٨٧٦ و٣٨٧٧ و٣٨٧٨ و٣٨٧٩] (١٥٣٩)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢١٨٨) و"المساقاة" (٢٣٨٠)، و(الترمذيّ) في "البيوع) (١٣٠٢)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٢٦٧) و"الكبرى" (٤/ ٢١)، و(ابن ماجه) في "التجارات" (٢٢٦٩)، و(مالك) في "الموطّإ" (٢/ ٦١٩ و٦٢٠)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ١٥٠) وفي "الرسالة" فقرة (٩٠٨)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٤٤٨٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٨٢ و١٨٨ و١٩٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٠٠١)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٤٧٦٤ و٤٧٦٥ و٤٧٦٦ و٤٧٦٩ و٤٧٧٠ و٤٧٧١ و٤٧٧٢ و٤٧٧٣)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ٢٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٩٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٠٩ و٣١٠) و"المعرفة" (٤/ ٣٤١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه الترخيصَ في العرايا، واستثناءها من المزابنة المنهيّ عنها.
٢ - (ومنها): أنه قال ابن الملقّن ﵀: يؤخذ من الحديث الرخصة في الرُّطَب، وإلحاق العنب به قياسًا، وقال المحامليّ، وابن الصبّاغ: نصًّا، وألحق
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٦٥٤.
[ ٢٧ / ١١٧ ]
الماورديّ البسر أيضًا، وهل يتعدّى إلى غيرهما من الثمار؟ فيه قولان للشافعيّ، أصحّهما: المنع، والثاني: نعم؛ للحاجة، كما جوّز في العنب القياس. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن الأرجح عدم إلحاق غير التمر بالتمر؛ لقوّة حججه، فراجعه، وبالله تعالى التوفيق.
٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أيضًا أن الرخصة عاقة لجميع الأغنياء والفقراء حيث أطلق الرخصة من غير تقييد بأحد، وهو أصحّ قولي الشافعيّ، والثاني: أنه تختصّ بالفقراء؛ لأنهم سبب الرخصة، كما ذكره الشافعيّ في "الأمّ"، لكن بغير إسناد، وحكاه ابن دقيق العيد وجهًا، وتبع الفورانيّ في ذلك، ومثار الخلاف أن اللفظ العامّ إذا ورد على سبب خاصّ، هل يخصّصه، أو هو على عمومه؛ وفيه خلاف في كتب الأصول (^٢)، والأرجح أنه لا يخصص إلا بالقرينة، ومن أدلّته أنه لما نزلت آية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] قال الرجل: ألي هذه يا رسول الله؟ قال - ﷺ -: "بل لأمتي كلها" (^٣)، وهو حديث صحيح.
٤ - (ومنها): أنه يؤخذ منه نظر الإمام لرعيّته، وفكره في مصالحهم، وما يحتاجون إليه من أمور دنياهم على وجه الشرع.
٥ - (ومنها): ما قال وليّ الدين ﵀: الرخصة وردت في بيع الرطب على رءوس النخل بالتمر على وجه الأرض، والبسر في معنى الرطب، كما صرَّح به الماوردي من الشافعيّة، ووردت رواية في بيعه برطب أيضًا، وهي في
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام "٧/ ١٤٠.
(٢) راجع: "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" من هامشه ٧/ ١٤٠ - ١٤١.
(٣) حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في "سننه"، ولفظه: أن رجلًا أصاب من امرأة - يعني ما دون الفاحشة - فلا أدري ما بلغ، غير أنه دون الزنى، فأتى النبي - ﷺ -، فذكر ذلك له، فأنزل الله ﷾: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤]، فقال: يا رسول الله ألي هذه؟ قال: "لمن أخذ بها"، وفي لفظ: "هي لمن عَمِل بها من أمتي".
[ ٢٧ / ١١٨ ]
"الصحيحين"، وفي سنن أبي داود، والنسائيّ من حديث خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه؛ أن النبيّ - ﷺ - رَخَّص في العرايا بالتمر والرطب، فتمسك بذلك بعضهم على جواز بيع الرطب على النخل برطب على الأرض، أو على النخل، وسياتي تمام البحث فيه (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في تفسير العَرَايا:
قال الإمام البخاريّ ﵀: أباب تفسير العَرَايا،: وقال مالك: العَرِية أن يُعرِي الرجلُ الرجلَ النخلةَ، ثم يتأذى بدخوله عليه، فرخّص له أن يشتريها منه بتمر، وقال ابن إدريس: العرية، لا تكون إلا بالكيل من التمر، يدًا بيد، لا يكون بالْجِزاف، ومما يقويه: قول سهل بن أبي حَثْمة: "بالأوسق الموسقة"، وقال ابن إسحاق في حديثه، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -: كانت العرايا، أن يُعري الرجل في ماله النخلة والنخلتين، وقال يزيد، عن سفيان بن حسين: العرايا نخل، كانت توهب للمساكين، فلا يستطيعون أن ينتظروا بها، فرُخِّص لهم أن يبيعوها بما شاؤوا من التمر.
ثم أخرج بسنده عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت - ﵃ -؛ أن رسول الله - ﷺ -، رَخَّص في العرايا أن تباع بخرصها كيلًا، قال موسى بن عقبة: والعرايا نخلات معلومات، تأتيها فتشتريها. انتهى.
قال في "الفتح": قوله: وقال مالك: العرية أن يُعريَ الرجل الرجل النخلة؛ أي: يهبها له، أو يهب له ثمرها، ثم يتأذى بدخوله عليه، فرُخّص له؛ أي: للواهب أن يشتريها؛ أي: يشتري رُطَبَها منه؛ أي: من الموهوبة له بتمر؛ أي: يابس.
وهذا التعليق وصله ابن عبد البر من طريق ابن وهب، عن مالك. وروى الطحاويّ من طريق ابن نافع، عن مالك؛ أن العرية: النخلة للرجل في حائط غيره، وكانت العادة أنهم يَخرُجون بأهليهم في وقت الثمار إلى البساتين، فيَكرَه صاحب النخل الكثير، دخول الآخر عليه، فيقول له: أنا أعطيك بخرص نخلتك تمرًا، فرُخِّص له في ذلك.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٦/ ١٣٩.
[ ٢٧ / ١١٩ ]
ومن شرط العرية عند مالك: أنها لا تكون بهذه المعاملة، إلا مع الْمُعرِي خاصة؛ لِمَا يدخل على المالك من الضرر، بدخول حائطه، أو ليدفع الضرر عن الآخر بقيام صاحب النخل بالسقي، والكُلَف، ومن شرطها أن يكون البيع بعد بُدُوّ الصلاح، وأن يكون بتمر مؤجل، وخالفه الشافعي في الشرط الأخير، فقال: يشترط التقابض.
وقوله: "وقال ابن إدريس: العرية لا تكون إلا بالكيل من التمر، يدًا بيد، ولا تكون بالجزاف"، ابن إدريس هذا رجح ابن التين أنه عبد الله الأوديّ الكوفيّ، وتردد ابن بطال، ثم السبكيّ، في "شرح المهذب"، وجزم المزيّ في "التهذيب" بأنه الشافعيّ، والذي في "الأم" للشافعيّ، وذكره عنه البيهقيّ، في "المعرفة" من طريق الربيع عنه، قال: العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة، فأكثر بخرصه من التمر، بأن يُخرَص الرُّطَب، ثم يُقَدَّر كم ينقص إذا يبس؟ ثم يشتري بخرصه تمرًا، فإن تفرقا قبل أن يتقابضا، فسد البيع. انتهى.
وهذا وإن غاير ما علقه البخاريّ لفظًا، فهو يوافقه في المعنى؛ لأن محصلهما أن لا يكون جزافًا، ولا نسيئة.
قال الحافظ: وقد جاء عن الشافعيّ، بلفظ آخر، قرأته بخط أبي علي الصدفي بهامش نسخته، قال: لفظ الشافعيّ: ولا تباع العريّة بالتمر، إلا أن تُخرَص العريّة، كما يُخرص المعشّر، فيقال: فيها الآن كذا وكذا، من الرُّطَب، فإذا يبس كان كذا وكذا، فيَدفَع من التمر بكيله خرصًا، ويقبض النخلة بثمرها، قبل أن يتفرقا، فإن تفرقا قبل قبضها فسد.
قوله: "ومما يقويه"؛ أي: قول الشافعيّ بأن لا يكون جزافًا، قول سهل بن أبي حثمة: "بالأوسق الموسقة"، وقول سهل هذا أخرجه الطبريّ، من طريق الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن سهل موقوفًا، ولفظه: "لا يباع الثمر في رءوس النخل، بالأوساق الْمُوَسَّقَة، إلا أوسقًا: ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة يأكلها الناس".
وما ذكره البخاريّ عن الشافعيّ، هو شرط العرية عند أصحابه، وضابط العرية عندهم: أنها بيع رُطَب، في نخل، يكون خرصه إذا صار تمرًا، أقل من خمسة أوسق، بنظيره في الكيل من التمر، مع التقابض في المجلس.
[ ٢٧ / ١٢٠ ]
ثم إِنَّ صور العرية كثيرة:
[منها]: أن يقول الرجل لصاحب حائط: بعني ثمر نخلات بأعيانها، بخرصها من التمر، فيخرصها ويبيعه، ويقبض منه التمر، ويسلم إليه النخلات بالتخلية، فينتفع برطبها.
[ومنها]: أن يهب صاحبُ الحائط لرجل نخلات، أو ثمر نخلات معلومة من حائطه، ثم يتضرر بدخوله عليه، فيخرصها، ويشتري منه رطبها، بقدر خرصه بتمر، يعجله له.
[ومنها]: أن يهبه إياها، فيتضرر الموهوب له، بانتظار صيرورة الرطب تمرًا، ولا يحب أكلها رطبًا؛ لاحتياجه إلى التمر، فيبيع ذلك الرطب بخرصه من الواهب، أو من غيره، بتمر يأخذه معجلًا.
[ومنها]: أن يبيع الرجل ثمر حائطه، بعد بُدُوّ صلاحه، ويستثني منه نخلات معلومة، يُبقيها لنفسه، أو لعياله، وهي التي عُفي له عن خرصها في الصدقة، وسُمِّيت عرايا؛ لأنها أُعريت من أن تُخرَص في الصدقة، فرُخّص لأهل الحاجة، الذين لا نقد لهم، وعندهم فضول من تمر قُوْتهم، أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها.
[ومما يطلق عليه اسم عَرِيّة]: أن يُعرِي رجلًا تمر نخلات، يُبِيح له أكلها، والتصرف فيها، وهذه هبة مخصوصة.
[ومنها]: أن يُعري عامل الصدقة لصاحب الحائط، من حائطه نخلات معلومة، لا يَخرُصها في الصدقة، وهاتان الصورتان من العرايا لا يبيع فيهما. ذكر ذلك كله في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم العَرَايا:
ذهب أكثر أهل العلم إلى إباحتها، منهم: مالك، وأهل المدينة، والأوزاعيّ، وأهل الشام، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يحل بيعها؛ لأن النبيّ - ﷺ -: "نهى عن بيع
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٦٦٣ - ٦٦٤.
[ ٢٧ / ١٢١ ]
المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالتمر"، متفق عليه، ولأنه يبيع الرطب بالتمر، من غير كيل في أحدهما فلم يجز، كما لو كان على وجه الأرض، أو فيما زاد على خمسة أوسق.
واحتجّ الجمهور بالحديث المتفق عليه: "أن النبي - ﷺ - رخص في العرايا، في خمسة أوسق، أو دون خمسة أوسق"، فقد رواه جماعة من الصحابة: أبو هريرة، وزيد بن ثابت، وسهل بن أبي حثمة، وغيرهم.
قال ابن قُدامة ﵀: خرّجه أئمة الحديث في كتبهم، وحديثهم في سياقه: "إلا العرايا"، كذلك في المتفق عليه، وهذه زيادة يجب الأخذ بها، ولو قُدِّرَ تعارضُ الحديثين وجب تقديم حديثنا؛ لخصوصه، جمعًا بين الحديثين، وعملًا بكلا النصين.
وقال ابن المنذر: الذي نهى عن المزابنة، هو الذي أرخص في العرايا، وطاعة رسول الله - ﷺ - أولى، والقياس لا يُصار إليه مع النصّ، مع أن في الحديث أنه أرخص في العرايا، والرخصة استباحة المحظور، مع وجود السبب الحاظر، فلو منع وجود السبب من الاستباحة، لم يبق لنا رخصة بحال. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ (^١).
وقال في "الفتح" - بعد أن أورد صور العرايا المذكورة في المسألة السابقة -: وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعيّ، والجمهور، وقَصَر مالك العرية في البيع على الصورة الثانية، وقَصَرها أبو عبيد على الصورة الأخيرة، من صور البيع، وزاد أنه رُخّص لهم أن يأكلوا الرطب، ولا يشتروه لتجارة، ولا ادّخار.
ومنع أبو حنيفة صور البيع كلها، وقصر العرية على الهبة، وهو أن يُعرِي الرجل تمر نخلة من نخله، ولا يُسَلِّم ذلك له، ثم يبدو له في ارتجاع تلك الهبة، فرُخص له أن يحتبس ذلك، ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب، بخرصه تمرًا، وحَمَله على ذلك أَخذُه بعموم النهي عن بيع الثمر بالتمر.
وتُعُقّب بالتصريح باستثناء العرايا، في حديث ابن عمر، كما تقدم، وفي
_________________
(١) "المغني" ٦/ ١١٩ - ١٢٠.
[ ٢٧ / ١٢٢ ]
حديث غيره. وحكى الطحاويّ عن عيسى بن أبان، من أصحابهم: أن معنى الرخصة، أن الذي وُهِبت له العرية لم يملكها؛ لأن الهبة لا تُملك إلا بالقبض، فلمّا جاز له أن يُعطي بدلها تمرًا، وهو لم يملك المبدَل منه، حتى يستحق البدل، كان ذلك مستثنى، وكان رخصة، وقال الطحاوي: بل معنى الرخصة فيه: أن المرء مأمور بإمضاء ما وعد به، ويعطي بدله، ولو لم يكن واجبًا عليه، فلما أُذن له أن يحبس ما وعد به، ويعطي بدلًا، ولا يكون في حكم من أَخلَف وعده، ظهر بذلك معنى الرخصة، واحتج لمذهبه بأشياء، تَدُلُّ على أن العرية العطية، ولا حجة في شيء منها؛ لأنه لا يلزم من كون أصل العرية العطية، أن لا تُطلق العرية شرعًا على صور أخرى.
قال ابن المنذر: الذي رَخّص في العرية، هو الذي نهى عن بيع الثمر بالتمر، في لفظ واحد، من رواية جماعة من الصحابة، قال: ونظير ذلك: الإذنُ في السَّلَم، مع قوله - ﷺ -: "لا تبع ما ليس عندك"، قال: فمن أجاز السلم، مع كونه مستثنى من بيع ما ليس عندك، ومنع العرية، مع كونها مستثناة من بيع الثمر بالتمر، فقد تناقض، وأما حملهم الرخصة على الهبة، فبعيد مع تصريح الحديث بالبيع، واستثناء العرايا منه، فلو كان المراد الهبة، لما استثنيت العرية من البيع، ولأنه عبّر بالرخصة، والرخصة لا تكون إلا بعد ممنوع، والمنع إنما كان في البيع، لا الهبة، وبأن الرخصة قُيِّدت بخمسة أوسق، أو ما دونها، والهبة لا تتقيد؛ لأنهم لم يفرقوا في الرجوع في الهبة، بين ذي رحم وغيره، وبأنه أَبُو كان الرجوع جائزًا، فليس إعطاؤه بالتمر بدل الرطب، بل هو تجديد هبة أخرى، فإن الرجوع لا يجوز، فلا يصح تأويلهم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن لك مما ذُكِر أن الحق هو ما عليه الجمهور من جواز بيع العرايا؛ لوضوح أدلّته، وتبين لك أيضًا أن التأويلات التي ذكرها الحنفيّة لأحاديث العرايا كلها باطلة؛ لمعارضتها النصوص الصريحة.
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٦٦٤ - ٦٦٥.
[ ٢٧ / ١٢٣ ]
وإنْ تَعْجَب فعجبٌ ما أطال به صاحب، تكملة فتح الملهم" نفسه في شرحه مؤيّدًا مذهبه الحنفيّ، قاتل الله التعصّب، والله المستعان.
قال القرطبيّ ﵀ بعد أن ذكر مذهب الحنفيّة في تأويل أحاديث العرايا، ما نصّه: وهذا المذهب إبطال لحديث العريّة من أصله، فيجب اطّراحه، وذلك أن حديث العريّة تضمّن أنه بيعٌ مرخّصٌ فيه في مقدار مخصوص، وأبو حنيفة يُلغي هذه القيود الشرعيّة. انتهى (^١).
والحاصل أن الواجب هو الأخذ بما دلّت عليه النصوص الصريحة الصحيحة، وإلغاء ما خالفها من الآراء، التي لا تعتمد إلا على الأدلة القياسيّة، ولقد تكرّر إنشاد قول القائل:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَ مَعَ الرِّيَاحِ
فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أنه اختَلَف العلماء في أن هذه الرخصة هل يُقتَصَر بها على مورد النصّ، وهو النخل، أم يتعدى إلى غيره؟ على أقوال:
[أحدها]: اختصاصها بالنخل، وهذا قول الظاهرية، على قاعدتهم في ترك القياس.
[الثاني]: تعدّيها إلى العنب، بجامع ما اشتركا فيه من إمكان الخرص، فإن ثمرتهما متميزة مجموعة في عناقيدها، بخلاف سائر الثمار، فإنها متفرقة مستترة بالأوراق، لا يتأتى خرصها، وبهذا قال الشافعيّ.
[الثالث]: تعديها إلى كل ما ييبس ويُدَّخَر من الثمار، وهذا هو المشهور عند المالكية، وجعلوا ذلك علة الحكم في محل النصّ، وأناطوا الحكم به وجودًا وعدمًا، حتى قالوا: لو كان البسر مما لا يتتمر، والعنب مما لا يتزبب لم يجز شراء العرية منه بخرصها، بل يخرج عن محل الرخصة؛ لعدم العلة.
[الرابع]: تعدّيها إلى كل ثمرة مُدَّخَرة، وغير مُدَّخرة، وهذا قول محمد بن
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٩٤.
[ ٢٧ / ١٢٤ ]
الحسن، وهو قول عن الشافعيّ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأرجح عدم إلحاق غير التمر بالتمر؛ لأن هذا الترخيص ورد على خلاف النصّ الوارد في النهي عن المزابنة؛ للضرورة، فيُقتصر ما عداه على الأصل، وهو منع المزابنة، وقد أسلفت تحقيق ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم القائلين بجواز بيع العرايا في مقدارها:
قال ابن قُدامة ﵀: لا تجوز العرايا في زيادة على خمسة أوسق، بغير خلاف نعلمه، وتجوز فيما دون خمسة أوسق، بغير خلاف بين القائلين بجوازها، فأما في خمسة أوسق، فلا يجوز عند الإمام أحمد ﵀، وبه قال ابن المنذر، والشافعيّ في أحد قوليه، وقال مالك، والشافعيّ في قول: يجوز، ورواه إسماعيل بن سعيد، عن أحمد؛ لأن في حديث زيد، وسهل أنه رَخّص في العرية مطلقًا، ثم استثنى ما زاد على الخمسة في حديث أبي هريرة، وشكّ في الخمسة، فاستثنى اليقين، وبقي المشكوك فيه على مقتضى الإباحة، ولنا أَنَّ النبيّ - ﷺ -، نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الرطب بالتمر، ثم أرخص في العرية، فيما دون خمسة أوسق، وشكّ في الخمسة، فيبقى على العموم في التحريم، ولأن العرية رخصة، بُنيت على خلاف النص والقياس يقينًا فيما دون الخمسة، والخمسة مشكوك فيها، فلا تثبت إباحتها مع الشك.
ورَوَى ابن المنذر بإسناده أن النبيّ - ﷺ -، رَخَّصَ في بيع العرية، في الوسق، والوسقين، والثلاثة، والأربعة، والتخصيص بهذا يدل على أنه لا تجوز الزيادة في العدد عليه، كما اتفقنا على أنه لا تجوز الزيادة على الخمسة؛ لتخصيصه إياها بالذكر.
وروى مسلم عن سهل؛ أن رسول الله - ﷺ -، رخص في بيع العرية النخلة، والنخلتين، ولأن خمسة الأوسق في حكم ما زاد عليها، بدليل وجوب الزكاة
_________________
(١) "طرح التثريب" ٦/ ١٤٠.
[ ٢٧ / ١٢٥ ]
فيها، دون ما نقص عنها، ولأنها قدر تجب الزكاة فيه، فلم يجز بيعه عرية، كالزائد عليها.
فأما قولهم: أرخص في العرية مطلقًا، فلم يثبت أن الرخصة المطلقة سابقة على الرخصة المقيدة، ولا متأخرة عنها، بل الرخصة واحدة، رواها بعضهم مطلقة، وبعضهم مقيدة، فيجب حمل المطلق على المقيد، ويصير القيد المذكور في أحد الحديثين، كأنه مذكور في الآخر، ولذلك يقيد فيما زاد على الخمسة اتفاقًا. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه أحمد، وجماعة من تقديره بأقل من خمسة أوسق، هو الأرجح؛ لوضوح حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في أنه هل يجوز أن يشتري أكثر من خمسة فيما زاد على صفقة؟
قال ابن قدامة ﵀: لا يجوز أن يشتري أكثر من خمسة أوسق، فيما زاد على صفقة، سواء اشتراها من واحد، أو من جماعة، وقال الشافعي: يجوز للإنسان بيع جميع ثمر حائطه عرايا، من رجل واحد، ومن رجال في عقود متكررة؛ لعموم حديث زيد، وسهل، ولأن كل عقد جاز مرة، جاز أن يتكرر، كسائر البيوع.
ولنا أن النهي عن المزابنة عامّ، استُثنِيَ منه العرية، فيما دون خمسة أوسق، فما زاد يبقى على العموم في التحريم؛ ولأن ما لا يجوز عليه العقد مرة، إذا كان نوعًا واحدًا، لا يجوز في عقدين، كالذي على وجه الأرض، وكالجمع بين الأختين، فأما حديث سهل، فإنه مقيد بالنخلة والنخلتين، بدليل ما روينا، فيدل على تحريم الزيادة عليهما، ثم إن المطلق يُحْمَل على المقيد، كما في العقد الواحد. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الحنبليّة من عدم جواز أكثر من خمسة أوسق مطلقًا هو الأرجح؛ لوضوح حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "المغني" ٦/ ١٢١ - ١٢٢.
[ ٢٧ / ١٢٦ ]
(المسألة التاسعة): قال ابن قُدامة ﵀ أيضًا: إن باع رجل عَرِيتين من رجلين، فيهما أكثر من خمسة أوسق جاز، وقال أبو بكر، والقاضي: لا يجوز؛ لِمَا ذكرنا في المشتري، ولنا أن الْمُغَلَّب في التجويز حاجة المشتري، بدليل ما رَوَى محمود بن لبيد، قال: "قلت لزيد بن ثابت: ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالًا محتاجين من الأنصار، شكوا إلى رسول الله - ﷺ -؛ أن الرُّطَب يأتي، ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبًا يأكلونه، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر، الذي في أيديهم، يأكلونه رُطَبًا"، وإذا كان سبب الرخصة حاجة المشتري، لم تعتبر حاجة البائع إلى البيع، فلا يتقيد في حقه بخمسة أوسق، ولأننا لو اعتبرنا الحاجة من المشتري، وحاجة البائع إلى البيع، أفضى إلى أن لا يحصل الإرفاق؛ إذ لا يكاد يتفق وجود الحاجتين، فتسقط الرخصة، فإن قلنا: لا يجوز ذلك بطل العقد الثاني، وإن اشترى عريتين، أو باعهما، وفيهما أقل من خمسة أوسق جاز وجهًا واحدًا. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الأول أرجح؛ لوضوح حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): أنه لا يشترط في بيع العرية، أن تكون موهوبة لبائعها، قال ابن قُدامة: هذا ظاهر كلام أصحابنا، وبه قال الشافعيّ، وظاهر قول الْخِرَقي أنه شرط، وقد روى الأثرم، قال: سمعت أحمد سئل عن تفسير العرايا؟ فقال: العريا أن يُعري الرجل الجار، أو القرابة للحاجة، أو المسكنة، فللمُعرَى أن يبيعها ممن شاء.
وقال مالك: بيع العرايا الجائز هو أن يُعري الرجلُ الرجلَ نخلات من حائطه، ثم يكره صاحب الحائط، دخول الرجل المعرَى؛ لأنه ربما كان مع أهله في الحائط، فيؤذيه دخول صاحبه عليه، فيجوز أن يشتريها منه.
واحتجوا بأن العرية في اللغة: هبة ثمرة النخيل عامًا، قال أبو عبيد: الإعراء أن يجعل الرجل للرجل ثمرة نخله عامَها ذلك، قال الشاعر الأنصاري، يَصِف النخل [من الطويل]:
_________________
(١) "المغني" ٦/ ١٢٢ - ١٢٣.
[ ٢٧ / ١٢٧ ]
فَلَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ وَلَا رُجَّبِيَّةٍ … وَلَكِنْ عَرَاَيَا فِي السِّنِينَ الْجَوَائِحِ
يقول: إنا نُعرِيها الناس، فتعيّن صرف اللفظ إلى موضوعه لغة، ومقتضاه في العربية ما لم يوجد ما يصرفه عن ذلك.
ولنا حديث زيد بن ثابت - ﵁ -، وهو حجة على مالك، في تصريحه بجواز بيعها من غير الواهب، ولأنه أَبُو كان لحاجة الواهب، لما اختص بخمسة أوسق؛ لعدم اختصاص الحاجة بها، ولم يجز بيعها بالتمر؛ لأن الظاهر من حال صاحب الحائط، الذي له النخيل الكثير، يعريه الناس، أنه لا يعجز عن أداء ثمن العرية، - وفيه حجة على من اشترط كونها موهوبة لبائعها؛ لأن علة الرخصة حاجة المشتري إلى أكل الرطب، ولا ثمن معه، سوى التمر، فمتى وجد ذلك جاز البيع، ولأن اشتراط كونها موهوبة، مع اشتراط حاجة المشتري
إلى أكلها رُطَبًا، ولا ثمن معه، يفضي إلى سقوط الرخصة؛ إذ لا يكاد يتفق ذلك، ولأن ما جاز بيعه إذا كان موهوبًا، جاز وإن لم يكن موهوبًا، كسائر الأموال، وما جاز بيعه لواهبه، جاز لغيره، كسائر الأموال، وإنما سُمِّي عرية؛ لتعريه عن غيره وإفراده بالبيع. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأظهر عدم اشتراط كونها موهوبة للبائع؛ لوضوح مستنده، والله تعالى أعلم بالصواب، دماليه المرجع والمآب.
(المسألة الحادية عشرة): أنه إنما يجوز بيعها بخرصها من التمر، لا أقل منه، ولا أكثر، ويجب أن يكون التمر الذي يشتري به معلومًا بالكيل، ولا يجوز جِزافًا، قال ابن قُدامة: لا نعلم في هذا عند من أباح بيع العرايا اختلافًا؛ لما رَوَى زيد بن ثابت - ﵁ -: "أن رسول الله - ﷺ - أرخص في العرايا، أن تُباع بخرصها كيلًا"، متفق عليه، ولمسلم: "أن تؤخذ بمثل خرصها تمرًا، يأكلها أهلها رُطَبًا"، ولأن الأصل اعتبار الكيل من الطرفين، وسقط في أحدهما للتعذر، فيجب في الآخر بقضية الأصل، ولأن ترك الكيل من الطرفين، يُكثِرُ الغرر، وفي تركه من أحدهما يقلل الغرر، ولا يلزم من صحته مع قلة الغرر، صحته مع كثرته.
_________________
(١) "المغني" ٦/ ١٢٣ - ١٢٤.
[ ٢٧ / ١٢٨ ]
ومعنى خرصها بمثلها من التمر: أن يُطيف الخارص بالعَرِيّة، فينظر كم يجيء منها تمرًا؛ فيشتريها المشتري بمثلها تمرًا، وبهذا قال الشافعيّ، ونقل حنبل عن أحمد أنه قال: يخرصها رُطَبًا، ويعطي تمرًا رُخصة، وهذا يَحْتَمِل الأول، ويَحْتَمِل أنه يشتريها بتمر، مثل الرطب الذي عليها؛ لأنه بيعٌ اشتُرطت المماثلة فيه، فاعتبرت حال البيع، كسائر البيوع، ولأن الأصل اعتبار المماثلة في الحال، وأن لا يباع الرُّطَب بالتمر، وخولف الأصل في بيع الرُّطَب بالتمر، فيبقَى فيما عداه على قضية الدليل، وقال القاضي: الأول أصح؛ لأنه يبنى على خرص الثمار في العُشرِ الصحيح، ثم خرصه تمرًا، ولأن المماثلة في بيع التمر بالتمر معتبرة حالة الادّخار، وبيع الرطب بمثله تمرًا يفضي إلى فوات ذلك.
فأما إن اشتراها بخرصها رطبًا لم يجز، وهذا أحد الوجوه لأصحاب الشافعيّ، والثاني: يجوز، والثالث: لا يجوز مع اتفاق النوع، ويجوز مع اختلافه، ووجه جوازه ما رَوَى الْجُوزَجاني عن أبي صالح، عن الليث، عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله - ﷺ -: "أنه أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب، أو التمر، ولم يرخص في غير ذلك"، ولأنه إذا جاز بيع الرطب بالتمر، مع اختصاص أحدهما بالنقص في ثاني الحال، فلأن يجوز مع عدم ذلك أولى.
واحتجّ الأولون بما رَوَى مسلم بإسناده، عن زيد بن ثابت - ﵁ -: "أن رسول الله - ﷺ - أرخص في العرايا، أن تؤخذ بمثل خرصها تمرًا"، وعن سهل بن أبي حثمة - ﵁ -؛ أن رسول الله - ﷺ -، نَهَى عن بيع الثمر بالتمر، وقال: "ذلك الربا، تلك المزابنة"، إلا أنه رخص في العرية: النخلة، والنخلتين، يأخذها أهل البيت، بخرصها تمرًا، يأكلونها رُطُبًا، رواه مسلم، ولأنه مبيع يجب فيه مثله تمرًا، فلم يجز بيعه بمثله رطبًا، كالتمر الجافّ، ولأن من له رطب، فهو مستغن عن شراء الرطب بأكل ما عنده، وبيع العرايا يشترط فيه حاجة المشتري على ما أسلفناه، وحديث ابن عمر شك في الرطب والتمر، فلا يجوز العمل به مع الشك، سيّما وهذه الأحاديث تبيّنه، وتزيل الشك. انتهى كلام ابن
[ ٢٧ / ١٢٩ ]
قُدامة ﵀ (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية عشرة): يُشترط في بيع العرايا التقابض في المجلس، وهذا قول الشافعيّ، قال ابن قُدامة: ولا نعلم فيه مخالفًا؛ لأنه بيع تمر بتمر، فاعتبر فيه شروطه، إلا ما استثناه الشرع مما لا يمكن اعتباره في بيع العرايا، والقبض في كل واحد منهما على حسبه، ففي التمر اكتياله أو نقله، وفي الثمرة التخليةُ، وليس من شروطه حضور التمر عند النخيل، بل لو تبايعا بعد معرفة التمر والثمرة، ثم مضيا جميعًا إلى النخلة، فسلّمها إلى مشتريها، ثم مشيا إلى التمر فتسلّمه من مشتريها، أو تسلّم التمر، ثم مضيا إلى النخلة جميعًا، فسلمها إلى مشتريها، أو سلم النخلة، ثم مضيا إلى التمر، فتسلمه جاز؛ لأن التفرق لا يحصل قبل القبض.
إذا ثبت هذا، فإن بيع العَرِيّة يقع على وجهين:
[أحدهما]: أن يقول: بعتك ثمرة هذه النخلة بكذا وكذا، من التمر ويصفه.
[والثاني]: أن يكيل من التمر بقدر خرصها، ثم يقول: بعتك هذا بهذا، أو يقول: بعتك ثمرة هذه النخلة بهذا التمر، ونحو هذا، وإن باعه بمعيّن، فقَبضُهُ بنقله وأخذه، وإن باع بموصوف فقبضه باكتياله. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة عشرة): قال ابن قُدامة ﵀ أنه لا يجوز بيع العريّة إلا لمحتاج إلى أكلها رُطَبًا، ولا يجوز بيعها لغنيّ، وهذا أحد قولي الشافعيّ، وأباحها في القول الآخر مطلقًا لكل أحد؛ لأن كل بيع جاز للمحتاج، جاز للغنيّ كسائر البياعات، ولأن حديث أبي هريرة، وسهل مطلقان.
قال: ولنا حديث زيد بن ثابت، حين سأله محمود بن لبيد: ما عراياكم هذه؟ فسمى رجالًا محتاجين من الأنصار، شكوا إلى رسول الله - ﷺ -؛ أن الرُّطَب يأتي، ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رُطَبًا يأكلونه، وعندهم فضول من
_________________
(١) "المغني" ٦/ ١٢٤ - ١٢٦.
[ ٢٧ / ١٣٠ ]
التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر، يأكلونه رطبًا، ومتى خولف الأصل بشرط، لم تجز مخالفته بدون ذلك الشرط؛ ولأن ما أبيح للحاجة لم يبح مع عدمها، كالزكاة للمساكين، والترخصِ في السفر فعلى هذا، متى كان صاحبها غير محتاج إلى أكل الرطب، أو كان محتاجًا، ومعه من الثمن مما يشتري به العرية، لم يجز له شراؤها بالتمر، وسواء باعها لواهبها، تحرزًا من دخول صاحب العرية حائطه، كمذهب مالك، أو لغيره، فإنه لا يجوز. وقال ابن عقيل: يباح، ويحتمله كلام أحمد؛ لأن الحاجة وجدت من الجانبين، فجاز كما لو كان المشتري محتاجًا إلى أكلها، ولنا حديث زيد الذي ذكرناه، والرخصة لمعنى خاص، لا تثبت مع عدمه؛ ولأنه في حديث زيد، وسهل: "يأكلها أهلها رطبًا"، ولو جاز لتخليص الْمُعري لَمَا شرط ذلك.
فيشترط إذًا في بيع العرية شروط خمسة: أن يكون فيما دون خمسة أوسق، وبيعها بخرصها من التمر، وقبض ثمنها قبل التفرق، وحاجة المشتري إلى أكل الرطب، وأن لا يكون معه ما يشتري به سوى التمر، واشترط القاضي، وأبو بكر شرطًا سادسًا، وهو حاجة البائع إلى البيع، واشترط الخرقي كونها موهوبة لبائعها، واشترط أصحابنا لبقاء العقد أن يأكلها أهلها رطبًا، فإن تركها حتى تصير تمرًا، بطل العقد. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: اشتراط كون المشتري محتاجًا إلى أكلها رطبًا هو الظاهر؛ لِمَا تقدّم من رواية مسلم: "أن تؤخذ بمثل خرصها يأكلها أهلها رُطبًا"، وأما الحديث الذي ذكره ابن قُدامة عن زيد بن ثابت: "أن رجالًا من المحتاجين شكوا إلى رسول الله - ﷺ - أن الرطب يأتي إلخ"، فليس بثابت؛ إذ لم يوجد له سند، كما نقله الزيلعيّ في "نصب الراية" (٤/ ١٣ - ١٤) عن صاحب "التنقيح"، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "المغني" ٦/ ١٢٨.
[ ٢٧ / ١٣١ ]
وبالسند المتّصل الى المؤلّف: ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧٣] (…) - (وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ؛ أَنهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ؛ أَن رَسُولَ الله - ﷺ - رَخَّصَ فِي الْعَرِيةِ (^١) يَأَخُدُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأَلُونَهَا رُطَبًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) الأنصاريّ المدنيّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (رَخَّصَ في الْعَرِيَّةِ) وفي بعض النسخ: "في بيع العريّة".
وقوله: (رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَأَخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ … الخ) وفي الرواية الآتية: "قال يحيى: العريّة أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رُطبًا بخرصها تمرًا".
وقال القرطبيّ ﵀: العريّة في اللغة - على ما نقله الجوهريّ -: النخلة يُعْرِيهَا صاحبها رجلًا محتاجًا، فيجعل ثمرها له عامًا، فيَعْرُوها؛ أي: يأتيها، وهي: فَعِيلة، بمعنى مفعولة. وإنما أدخلت فيها الهاء لأنها أفردت، فصارت في عداد الأسماء، كالنَّطِيحة، والأكيلة، ولو جئت بها مع النخلة؛ قلت: نخلةٌ عَرِيٌّ، وأنشد لسويد بن الصامت:
وَلَيْسَتْ بِسَنْهاءٍ ولا رُجَّبِيَّة … ولكن عَرَايَا في السِّنِين الْجَوائح
وقال غيره: هي فَعِيلة، بمعنى: فاعلة؛ أي: عَرِيت من ملك مُعْريها.
وقال غيرهما: عراه يعروه: إذا أتاه يطلب منه عرية، فأعراه؛ أي: أعطاه إياها، كما يقال: سألني فأسألته، وطلبني فأطلبته، فالعريَّة: اسم للنخلة المعطى ثمرها، فهي اسم لعطيَّة خاصة، وقد سَمَّت العرب عطايا خاصّة بأسماء
_________________
(١) وفي نسخة: "في بيع العريّة".
[ ٢٧ / ١٣٢ ]
خاصّة، كالمنيحة: لعطية الشاة لِلَّبن، والإفقار: لما رُكِب فقاره، والإخبال: لما ينتفع به من المال.
قال القرطبيّ: فقد حصل من نقل أهل اللغة: أن العرية عطية؛ لا بيعٌ، ولما ثبتٌ ذلك فسَّر مالك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، والأوزاعيّ العرية المذكورة في الحديث: بأنَّها إعطاء الرَّجل من جملة حائطه نخلة أو نخلتين عامًا، على ما تقتضيه اللغة، غير أنهم اختلفوا في شروط كثيرة، وأحكام متعددة، وحاصل مذهب مالك في العرية: أنها عطية ثمرة نخلة أو نخلات من حائط، فيجوز لمن أُعطيها أن يبيعها إذا بدا صلاحها من كل أحد بالعين، والعروض، ومن معطيها خاصة بخرصها تمرًا، وذلك بشروط:
أحدها: أن تكون أقل من خمسة أوسقٍ، وفي الخمسة خلاف.
وثانيها: أن تكون بخرصها من نوعها ويابسها نخلًا، وعنبًا، وفي غيرهما مما يوصق، ويدَّخَر للقوت، خلاف.
وثالثها: أن تقوَّم بالخرص عند الجداد.
ورابعها: أن يكون المشترَى جملتها، لا بعضها.
وخامسها: أن يكون بيعها عند طيبها، فلو باعها من الْمُعْرِي قبل ذلك على شرط القطع لم يجز، لتعدِّي محل الرُّخصة.
وأما الشافعيّ: فالعرية عنده: بيع الرُّطب في رؤوس النخل بتَمْر مُعَجَّل، فلم يُعَرِّج على اللغة المعروفة فيها، وكانه اعتمد في مذهبه على تفسير يحيى بن سعيد راوي الحديث، فإنه قال: العرية: أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطبًا بخرصها تمرًا، وهذا لا ينبغي أن يعوَّل عليه؛ لأن يحيى بن سعيد ليس صحابيًّا، فيقال: فهمه عن النبيّ - ﷺ -، ولا رفعه للنبيّ - ﷺ -، ولا يثبت به عرف غالب شرعيّ حتى يرجِّحه على اللغة، وغايته: أن يكون رأيًا ليحيى، لا رواية له، ثم يعارضه تفسير ابن إسحاق، فإنه قال: العرايا: أن يهب الرجل للرجل النخلات، فيشقّ عليه أن يقوم عليها، فيبيعها بمثل خرصها، ثم هو عين المزابنة المنهيّ عنها، ووضع رخصة في موضع لا تُرهق إليه حاجة وَكِيدة، ولا تندفع بها مفسدة، فإن المشتري لها بالتمر متمكن من بيع تمره بعين أو عروض، ويشتري بذلك رطبًا، فإن قيل: قد يتعذَّر هذا، قيل: فأَجِز بيع الرُّطب
[ ٢٧ / ١٣٣ ]
بالتمر؛ إذا كان الرطب لا على رؤوس النخل؛ إذ قد يتعذر بيع التمر على من هو عنده ممن يريد أن يشتري الرطب به، ولا يجوز ذلك، فلا يجوز تفسير العرية بما ذكر.
وأمَّا أبو حنيفة: فإنَّه فسَّر العرية بما إذا وهب رجل ثمر نخلة، أو نخلات، ولم يقبضها الموهوب له، فأراد الواهب أن يعطي الموهوب له تمرًا، ويتمسك بالثمرة، جاز له ذلك؛ إذ ليس من باب البيع، وإنما هو من باب الرجوع في الهبة؛ التي لم تجب بناء على أصله في أن الهبة لا تجب إلا بالقبض، وهذا المذهب إبطال لحديث العريّة من أصله فيجب إطّراحه، وذلك: أن حديث العرية تضمن أنه بيع مُرَخَّص فيه في مقدار مخصوص، وأبو حنيفة يلغي هذه القيود الشرعية. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^١).
وقال الحافظ ﵀ بعد ذكر كلام القرطبيّ فيما قاله في الردّ على الشافعيّ، ما نضه: والشافعي أقعد باتباع أحاديث هذا الباب من غيره، فإنها ناطقة باستثناء العرايا من بيع المزابنة، وأما إلزامه الأخير فليس بلازم؛ لأنها رخصة وقعت مقيدةً بقيد، فيتبع القيد، وهو كون الرطب على رؤوس النخل، مع أن كثيرًا من الشافعية ذهبوا إلى إلحاق الرطب بعد القطع بالرطب على رؤوس النخل بالمعنى كما تقدم، والله أعلم.
قال: وكل ما ورد من تفسير العرايا في الأحاديث لا يخالفه الشافعيّ، فقد روى أبو داود من طريق عمرو بن الحارث، عن عبد ربه بن سعيد، وهو أخو يحيى بن سعيد، قال: العرية الرجل يُعْرِي الرجل النخلة، أو الرجلُ يستثني من ماله النخلة يأكلها رطبًا، فيبيعها تمرًا، وقال أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه": حدثنا وكيع، قال: سمعنا في تفسير العرية أنها النخلة يرثها الرجل، أو يشتريها في بستان الرجل.
وإنما يتجه الاعتراض على من تمسك بصورة من الصور الواردة في تفسير العرية، ومنع غيرها، وأما مَن عَمِل بها كلها ونظمها في ضابط يجمعها، فلا اعتراض عليه، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀.
_________________
(١) "المفهم "٤/ ٣٩٢ - ٣٩٤.
[ ٢٧ / ١٣٤ ]
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما قاله الحافظ ﵀ أن ما ذهب إليه الشافعيّ ﵀ أولى من غيره، وهو أنه يعمل بكل ما دلّت به أحاديث العرايا، وقد تقدّمت صورها، فالعمل بكل الروايات أولى وأحقّ من إلغاء بعضها، فتأمل بالإنصاف، وأما مذهب إليه الحنفيّة من إلغاء أحاديث العريّة، ودفعهم لها بالتأويلات الباردة، والمتعسّفة، فيجب اطّراحه، كما قال القرطبيّ، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال القرطبيّ ﵀ أيضًا: قوله: (رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ يَأَخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأكُلُونَهَا رُطَبًا) الخِرْصُ - بكسر الخاء - هو: اسم للمخروص، وبفتحها هو: المصدر، والرواية هنا: بالكسر، و"أهل البيت" - على مذهب مالك، ومن قال بقوله -: هم الْمُعْرُون، فيضمنون مقدار العرية، فيدفعون ذلك للمُعْرَى له تمرًا عند الجداد رفقًا به حيث كفي المؤن، وأعطي ما يقتات به. ويحصل من ذلك للمُعْرِي دفع ضرر تكرار دخول المعرى له إلى عريته لتعاهدها، وسقيها، واجتنانها، فظهر لمالك: أن العرية إنما رخص فيها لأنها من باب المعروف، والرفق، والتسهيل في فعل الخير، والمعونة عليه، وأما على مذهب الشافعيّ، فأهل البيت عنده هم: المشترون الذين يشترون الرطب بالتمر ليأكلوها رطبًا. فظهر له: أن الموجب لهذه الرخصة هو حاجة من له تمر لأكل الرطب، وقد ذكرنا آنفًا ضعف هذا المعنى. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد مرّ أنه لا ضعف فيما ذهب إليه الشافعيّ ﵀، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧٤] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيىَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَني نَافِعٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلهم تقدّموا في السند الماضي، وفي الباب الماضي، و"عبد الوهّاب" هو: ابن عبد المجيد الثقفيّ.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٩٤ - ٣٩٥.
[ ٢٧ / ١٣٥ ]
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" (٣/ ٢٩٦) فقال:
(٥٠٤٧) - حدّثنا إسماعيل القاضي، قثنا (^١) عليّ بن المدينيّ، قثنا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى يقول: أخبرني نافع؛ أنه سمع ابن عمر حَدَّث أن زيد بن ثابت حدَّثه، أن رسول الله - ﷺ - رَخَّصَ في العَرِيّة يأخذها أهل البيت بخرصها، ثم يأكلونها رُطَبًا. انتهى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧٥] (…) - (وَحَدَّثناهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، غَيْرَ أنهُ قَالَ: وَالْعَرِيَّةُ النَّخْلَةُ تُجْعَلُ لِلْقَوْم، فَيَبِيعُونَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير الواسطي، أبو معاوية بن أبي خازم، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَالَ: وَالْعَرِيَّةُ … الخ) فاعل "قال" ضمير يحيى بن سعيد الأنصاريّ، كما بيّنه في الرواية التالية، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية هشيم، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها البيهقيّ في "الكبرى" (٥/ ٣١٠) فقال:
(١٠٤٤١) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنا إسماعيل بن قتيبة، ثنا يحيى بن يحيى، أنا هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، قال: نَهَى رسول الله - ﷺ - عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها، ورَخَّصَ في العرايا، قال: والْعَرِيّة: النخلة تُجْعَل للقوم، يبيعونها بخرصها تمرًا. انتهى، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: نقل أبو مسعود الدمشقيّ في "الأجوبة" (١٣) كلام
_________________
(١) "قثنا" في الموضعين مختصر من "قال: حدّثنا"، فتنبّه.
[ ٢٧ / ١٣٦ ]
الدارقطنيّ، حيث قال: وأخرج حديث هُشيم، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عُمر، عن زيد بن ثابت في بيع الثمر حتى يبدو صلاحها، وبيع العرايا، ويقال: إن هُشيمًا وَهِمَ فيه، وأوّله عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ -، وعن زيد، عن النبيّ - ﷺ - في العرايا فقط.
قال أبو مسعود: أما حديث هُشيم، فقال: حدّثنا يحيى بن يحيى، حدّثنا هُشيم، عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد، ولم يزد على هذا، ومثله حديث عبد الوهّاب الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن زيد، عن النبيّ - ﷺ - في العرايا فقط، وألغى مسلم حديث الأول، والذي وَهِمَ فيه هُشيم، فلم يُخرجه، إنما أخرجه في عقب حديث زيد، عن النبيّ - ﷺ - في العرايا، فلم يتأمّل عليّ بن عمر هذا، ولو تأمّله لم يَنسُب إلى الوهم فيه. انتهى كلام أبي مسعود ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد أبو مسعود الدمشقيّ ﵀ في هذا التعقّب على الدارقطنيّ حيث اعترض على مسلم بما هو بريء منه، فإن صنيعه يدلّ على مهارته في علم الحديث، وقوّة فِطنته في علله حيث تفطّن لوهم هشيم، فذكر متابعته لسليمان بن بلال في أصل الحديث، كما تابعه الثقفيّ، ثم حذف محلّ الوهم، وهذا من جملة ما أشار إليه في أول كتابه بأنه يوضح علل الحديث كلما أتى عليها، فقد أوضح هنا حيث حذف ما وَهِمَ فيه هشيم من متن الحديث، وذكر ما لم يَهِم فيه، وهو الإسناد، وهذا هو غاية الحِذق، فللَّه درّه محدّثًا حافظًا، وناقدًا بصيرًا.
وقد سقتُ في التنبيه الأول حديث هُشيم مما أخرجه البيهقيّ في "الكبرى"، وفيه وهمه المذكور، كما قال الدارقطنيّ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧٦] (…) - (وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِر، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، حَدَّثَنِي زيدُ بْنُ ثَابِتٍ، أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، قَالَ يَحْيَى: الْعَرِيَّةُ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ ثَمَرَ النَّخَلَاتِ لِطَعَامِ أَهْلِهِ رُطَبًا بِخَرْصِهَا تَمْرًا).
[ ٢٧ / ١٣٧ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
وهم المذكورون قبله، غير شيخه، والليث بن سعد، فتقدّما قبل ثلاثة أبواب.
والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه يُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُباعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبله، و"ابن نُمير" هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، و"عُبيد الله" هو ابن عمر العمريّ.
وقوله: (أَنْ تُباعَ بِخَرْصِهَا) في تأويل المصدر بدل من "العرايا"؛ أي: في بيعها.
وقوله: (كَيْلًا) منصوب على التمييز.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧٨] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله، بِهَذَا الإسْنَاد، وَقَالَ: أَنْ تُؤْخَذَ بِخَرْصِهَا).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
و"ابن المثنّى" هو: محمد، و"يحيى بن سعيد" هو: القطّان، و"عبيد الله" هو المذكور في السند الماضي.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم.
[ ٢٧ / ١٣٨ ]
وبالسند المتصل الى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٧٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُوبَ، عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الإِسنَادِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ في بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا قريبًا، و"أبو الربيع" هو: سليمان بن داود الزهرانيّ، و"أبو كامل" هو: فُضيل بن حسين الْجَحْدريّ، و"حماد" هو ابن زيد، و"إسماعيل" هو ابن عليّة (^١)، و"أيوب" هو: السختيانيّ.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف: ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٨٠] (١٥٤٠) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْني ابْنَ بِلَالٍ - عَنْ يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ - عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُول اللهِ - ﷺ - مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ، مِنْهُمْ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْر، وَقَالَ: "ذَلِكَ الرِّبَا، تِلْكَ الْمُزَابَنَةُ"، إِلَّا أنَّهُ رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ: النَّخْلَة، وَالنَّخْلَتَيْنِ يَأَخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا، يَأَكُلُونَهَا رُطَبًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِي) تقدّم قريبًا.
٢ - (بُشَيْرُ بْنُ يَسَارِ) (^٢) الحارثيّ الأنصاريّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣].
رَوَى عن أنس، وجابر، ورافع بن خَدِيج، وسهل بن أبي حَثْمة، وسُوَيد بن النعمان، ومُحَيِّصة بن مسعود، وغيرهم.
_________________
(١) راجع: "تحفة الأشراف" ٥/ ٣٥٨.
(٢) "بُشَير" بضمّ الموحّدة، وفتح الشين، و"يسار" بالمثنّاة تحتُ، والسين المهملة.
[ ٢٧ / ١٣٩ ]
وروى عنه ابنُ ابنه بُشَير بن عبد الله بن بُشَير بن يسار، وربيعة الرأي، وسعيد بن عُبيد الطائيّ، وابن إسحاق، ويحيى بن سعيد، وأبو الرَّحَّال عقبة بن عُبيد، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقةٌ، وليس بأخي سليمان بن يسار، وقال ابن سعد: كان شيخًا كبيرًا فقيهًا، وكان قد أدرك عامة أصحاب رسول الله - ﷺ -، وكان قليل الحديث، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وكناه محمد بن إسحاق في روايته عنه: أبا كيسان، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٥٤٠) وكرره ثلاث مرّات، وحديث (١٦٦٩): "كَبِّر الْكُبْرَ في السن … " الحديث، وكرّره أيضًا ثلاث مرّات.
٣ - (سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ) (^١) واسمه عبد الله بن ساعدة، وقيل: عامر بن ساعدة، وكنية سهل: أبو يحيى، وقيل: أبو محمد الأنصاريّ الخزرجيّ، تُوفِّي النبيّ - ﷺ -، وهو ابن ثمان سنين، أخرج له الجماعة، ومات في خلافة معاوية - ﵄ - (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٥٧/ ١٩٤٧.
و"سليمان بن بلال"، و"يحيى بن سعيد" الأنصاريّ ذُكرا في الباب قبل أحاديث.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه وإن كان بصريًّا إلا أنه مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، وأنه لا يوجد في الرّواة من اسمه بُشَير مصغّرًا إلا بُشَير بن يسار هذا، وبُشير بن كعب العدويّ البصريّ، وهو مخضرم تقدّم في "شرح المقدّمة".
وقد ذكر النوويّ ﵀ جملًا من لطائف هذا الإسناد، ودونك عبارته:
قال ﵀: في هذا الإسناد أنواع من معارف علم الإسناد، وطُرَفه:
منها: أنه إسناد كله مدنيون، وهذا نادرٌ في صحيح مسلم، بخلاف الكوفيين، والبصريين، فإنه كثير، قدمنا في مواضع كثيرة من أوائل هذا الكتاب وبعدها بيانه.
_________________
(١) بفتح الحاء المهملة، وإسكان الثاء المثلّثة.
[ ٢٧ / ١٤٠ ]
ومنها: أن فيه ثلاثةً أنصاريين مدنيين، روى بعضهم عن بعض، وهذا نادر جدًّا، وهم: يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وبُشَير، وسهل.
ومنها: قوله: سليمان - يعني ابن بلال - وقوله: يحيى - وهو ابن سعيد - وقد قدمنا في الفصول التي في أول الكتاب وبعدها بيان فائدة قوله: يعني، وقوله: وهو، وأن المراد أنه لم يقع في الرواية بيان نسبهما، بل اقتَصَر الراوي على قوله: سليمان، ويحيى، فأراد مسلم بيانه، ولا يجوز أن يقول: سليمان بن بلال، فإنه يزيد على ما سمعه من شيخه، فقال: يعني ابن بلال، فحصل البيان من غير زيادة منسوبة إلى شيخه.
ومنها: ما يتعلق بضبط الأسماء والأنساب، وهو بُشير بن يسار، وقد بيّناه، والقعنبيّ، وهو منسوب إلى جدّه، وهو عبد الله بن مسلمة بن قعنب.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعيّ، وهو يحيى، عن بُشَير، وهذا وإن كانت نظائره في الحديث كثيرة، فهو من معارفهم.
ومنها: قوله: عن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ -، منهم سهل بن أبي حثمة، فيه أنه إذا سمع من جماعة ثقات جاز أن يحذف بعضهم، ويروي عن بعض، وقد تقدم بيان هذا وتفصيله مبسوطًا في الفصول. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^١)، وهو بحث مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ بُشَيْرِ) مصغّرًا (ابْنِ يَسَارٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَاب رَسُولِ الله - ﷺ - مِنْ أَهْلِ دَارِهِمْ) يعني من بني حارثة، والمراد بالدار: المحلّة (^٢). (مِنْهُمْ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ) وفي رواية البخاريّ: "قال يحيى بن سعيد: سمعت بُشير بن يسار، قال: سمعت سهل بن أبي حثمة"، وفي الرواية الآتية بعد ثلاثة أحاديث: (أن رافع بن خَدِيج، وسهل بن أبي حَثْمة حدّثاه" (أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - نَهَى عَنِ الثَّمَرِ) أي: بيع الثمر، وهو بالثاء المثلّثة (بِالتَّمْرِ) بالتاء المثنّاة فوقُ (وَقَالَ: "ذَلِكَ)؛ أي: بيع الثمر بالتمر (الرِّبَا) بكسر الراء: الفضل والزيادة، وهو مقصور على الأشهر،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٨٦.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٨٥.
[ ٢٧ / ١٤١ ]
ويُثنّى رِبَوان بالواو على الأصل، وقد يقال: رِبيان على التخفيف، وينسب إليه على لفظه، فيقال: رِبَويّ، وقال الْمُطَرِّزِيّ: الفتح في النسبة خطأ، أفاده الفيوميّ (^١).
والمعنى: أن هذا البيع هو من الربا الذي حرّمه الله تعالى بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥].
وقال أيضًا: (تِلْكَ)؛ أي: البيعة المذكورة (الْمُزَابَنَةُ")؛ أي: من البيع الذي يُسمّى بالمزابنة، وهو بيع الثمر بالتمر كيلًا، من الزبن، وهو الدفع، وسُمّي هذا البيع مزابنةً؛ لأنهم يتدافعون في مخاصمتهم بسببه؛ لكثرة الغرر والخطر، وسيأتي تمام البحث فيه - إن شاء الله تعالى -.
(إِلا أنَّهُ رَخَّصَ) وفي لفظ عند البخاريّ: "أرخص" (فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ)؛ أي: في بيع ثمر العريّة؛ لأن العريّة هي النخلة، ففيه حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مُقامه.
وقوله: (النَّخْلَة، وَالنَّخْلَتَيْنِ) بالجرّ بدل من "العريّة"، وقوله: (يَأَخُذُهَا أَهْلُ الْبَيْتِ) جملة في محلّ نصب على الحال.
قال القرطبيّ ﵀: أهل البيت على مذهب مالك، ومن قال بقوله: هم الْمُعْرُون، فيضمنون مقدار العرية، فيدفعون ذلك للمُعْرَى له تمرًا عند الجداد، رفقًا به حيث كُفِي المؤَنَ، وأُعطي ما يقتات به، ويحصل من ذلك للمُعْرِي دفع ضرر تكرار دخول المعرى له إلى عريته لتعاهدها، وسقيها، واجتنانها.
فظهر لمالك: أن العرية إنما رخص فيها لأنها من باب المعروف، والرفق، والتسهيل في فعل الخير، والمعونة عليه.
وأما على مذهب الشافعي: فأهل البيت عنده هم: المشترون الذين يشترون الرطب بالتمر ليأكلوها رطبًا، فظهر له: أن الموجب لهذه الرخصة هو حاجة من له تمر لأكل الرطب، وقد ذكرنا آنفًا ضعف هذا المعنى. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أنه لا ضعف فيما ذهب إليه الشافعيّ: ﵀، فإنه قائل بما قاله مالك أيضًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٢١٧.
(٢) "المفهم" ٤/ ٣٩٤ - ٣٩٥.
[ ٢٧ / ١٤٢ ]
(بِخَرْصِهَا) تقدّم بفتح الخاء المعجمة، وكسرها، فالفتح اسم للفعل، والكسر اسم للشيء المخروص، والخرص: هو التخمين والحدس، وقوله: (تَمْرًا) منصوب على التمييز (يَأَكُلُونَهَا رُطَبًا) منصوب على الحال (^١)، وهو بضم الراء، وقال الكرمانيّ: ورُوي بفتحها، فهو متناول للعنب، وقال: أهل النخلة هم البائعون، لا المشتري، والآكل هو المشتري، لا البائع، ثم قال: قلت: الضمير في "يأكلها أهلها" راجع إلى الثمار التي يدل عليها الخرص، وأهل الثمار هم المشترون، وذِكْرُ الأكل ليس بقيد، بل هو لبيان الواقع، وعن أبي عبيد أنه شرطه، ذكره في "العمدة" (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن أبي حثمة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [١٤/ ٣٨٨٠ و٣٨٨١ و٣٨٨٢ و٣٨٨٣ و٣٨٨٤] (١٥٤٠)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢١٩١) و"المساقاة" (٢٣٨٣ و٢٣٨٤)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٣٦٣)، و(الترمذيّ) في "البيوع" (١٣٠٣)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٢٦٨) و"الكبرى" (٤/ ٢١)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ١٥١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ١٢٩)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٤٠٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٠٠٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٩٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٠٩ - ٣١٠) و"المعرفة" (٤/ ٣٤٣ و٣٤٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٠٧٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٨١] (…) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَصْحَابِ
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٧/ ١٣٩.
(٢) "عمدة القاري" ١١/ ٣٠٤.
[ ٢٧ / ١٤٣ ]
رَسُولِ الله - ﷺ - أنَّهُمْ قَالُوا: رَخَّصَ (^١) رَسُولُ الله - ﷺ - فِي بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِخَرْصِهَا تَمْرًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا، بعضهم في الباب، وبعضهم قبل باب، و"ابن رُمح" هو: محمد، و"بعض أصحاب النبيّ - ﷺ -"، تقدّم في السند الماضي أن منهم سهل بن أبي حثمة - ﵁ -، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٨٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَنِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بنُ يَسَارٍ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُول اللهِ - ﷺ - مِنْ أَهْلِ دَاره؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى، غَيْرَ أن إِسْحَاقَ، وَابْنَ الْمُثَنَّى جَعَلَا مَكَانَ الرِّبَا: الزَّبْنَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: الرِّبَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي، غير إسحاق بن راهويه، فتقدّم قريبًا، و"إسحاق بن إبراهيم " هو: ابن راهويه، و"ابن أبي عمر" هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، ثم المكيّ، و"الثقفيّ" هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد الثقفيّ.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ) قال النوويّ ﵀: الذاكر هو الثقفيّ الذي هو في درجة سليمان بن بلال، وإنما ذكرتُ هذا، وإن كان ظاهرًا؛ لأنه قد يُغْلَطُ فيه، بل قد غُلِط فيه. انتهى.
وقوله: (غَيْرَ أَن إِسْحَاقَ، وَابْنَ الْمُثَنَّى جَعَلَا مَكَانَ الرِّبَا: الزَّبْنَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: الرِّبَا) يعني أن ابن أبي عمر رفيق إسحاق، وابن المثنى قال في
_________________
(١) وفي نسخة: "أرخص".
[ ٢٧ / ١٤٤ ]
روايته: "ذلك الربا"، كما سبق في رواية سليمان بن بلال، وأما إسحاق، وابن المثنى فقالا: "ذلك الزَّبْنُ"، وهو بفتح الزاي، وإسكان الموحدة، وبعدها نون، وأصل الزَّبْن: الدفع، وسُمِّي هذا العقد مزابنةً؛ لأنهم يتدافعون في مخاصمتهم بسببه؛ لكثرة الغرر والخطر، قاله النوويّ: ﵀ (^١).
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب الثقفيّ عن يحيى بن سعيد لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٨٣] (…) - (وَحَدَّثنَاهُ عَمْرُو النَّاقِدُ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنِ النّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرُو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م دس) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، و"ابن نمير" هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، و"يحيى بن سعيد" هو: الأنصاريّ.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها ابن أبي شيبة في "مصنّفه" (٤/ ٥٠٦) فقال:
(٢٢٥٨٣) - حدّثنا أبو بكر (^٢)، قال: حدّثنا ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن بُشَير بن يسار، عن سهل بن أبي حَثْمة؛ أن رسول الله - ﷺ - نَهَى عن بيع الثمر بالتمر، ورَخَّصَ في العرية أن تباع بخرصها، يأكلها أهلها رُطَبًا. انتهى.
[تنبيه آخر]: ساق الإمام البخاريّ ﵀ رواية سفيان هذه في "صحيحه"، وفيها قصّة، فقال:
_________________
(١) "شرح النووي"١٠/ ١٨٦ - ١٨٧.
(٢) هو ابن أبي شيبة، صاحب "المصنف"، وقائل: "حدّثنا" هو الراوي عنه.
[ ٢٧ / ١٤٥ ]
(٢١٩١) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، قال: قال يحيى بن سعيد: سمعت بُشيرًا قال: سمعت سهل بن أبي حثمة؛ أن رسول الله - ﷺ - نَهَى عن بيع الثمر بالتمر، ورَخَّص في العرية أن تباع بخرصها، يأكلها أهلها رُطَبًا، وقال سفيان مرةً أخرى: إلا أنه رَخَّص في العرية يبيعها أهلها بخرصها، يأكلونها رُطَبًا، قال: هو سواء، قال سفيان: فقلت ليحيى، وأنا غلام: إن أهل مكة يقولون: إن النبيّ - ﷺ - رَخَّصَ في بيع العرايا، فقال: وما يدري أهل مكة؛ قلت: إنهم يروونه عن جابر، فسكت، قال سفيان: إنما أردتُّ أن جابرًا من أهل المدينة، قيل لسفيان: وليس فيه: نَهَى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه؟ قال: لا. انتهى.
وقوله: "وقال سفيان مرة أخرى … إلخ" هو كلام عليّ بن عبد الله المدينيّ شيخ البخاريّ في السند، والغرض أن ابن عيينة حدثهم به مرتين على لفظين، والمعنى واحد، كما أشار إليه بقوله: "هو سواء"؛ أي: المعنى واحد.
وقوله: "قال سفيان"؛ أي: بالإسناد المذكور: فقلت ليحيى؛ أي: ابن سعيد لَمّا حدثه به.
وقوله: "وأنا غلام، جملة حالية، والغرض الإشارة إلى قِدَم طلبه، وتقدّم فِطْنته، وأنه كان في سنّ الصبا يناظر شيوخه، ويباحثهم.
وقوله: "رَخَّص لهم في بيع العرايا" محل الخلاف بين رواية يحيى بن سعيد، ورواية أهل مكة أن يحيى بن سعيد قيّد الرخصة في بيع العرايا بالْخَرْص، وأن يأكلها أهلها رُطَبًا، وأما ابن عيينة في روايته عن أهل مكة، فأطلق الرخصة في بيع العرايا، ولم يُقَيِّدها بشيء مما ذُكر.
وقوله: "قلت: إنهم يروونه عن جابر" في رواية أحمد في "مسنده، عن سفيان: قلت: أخبرهم عطاء؛ أنه سمع من جابر.
وقوله: "قال سفيان: إنما أردت … إلخ،؛ أي: الحامل لي على قولي ليحيى بن سعيد: إنهم يروونه عن جابر أن جابرًا من أهل المدينة، فيرجع الحديث إلى أهل المدينة، وكان ليحيى بن سعيد أن يقول له: وأهل المدينة رووا أيضًا فيه التقييد، فيُحْمَل المطلق على المقيد حتى يقوم الدليل على العمل بالإطلاق، والتقييدُ بالخرص زيادة حافظٌ، فتعيَّن المصير إليها، قال الحافظ:
[ ٢٧ / ١٤٦ ]
وأما التقييد بالأكل فالذي يظهر أنه لبيان الواقع، لا أنه قيد، وعن أبي عبيد أنه شرطه.
وقوله: "أليس فيه"؛ أي: في الحديث المذكور: "نَهَى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه؟ " قال: لا؛ أي: ليس هو في حديث سهل بن أبي حثمة، وإن كان هو صحيحًا من رواية غيره، قال الحافظ: وقد حدّث به عبد الجبار بن العلاء، عن سفيان في حديث الباب بهذا اللفظ الذي نفاه سفيان، وحَكَى الإسماعيليّ عن ابن صاعد أنه أشار إلى أنه وَهِمَ فيه، فتعقّبه الحافظ، فقال: قد أخرجه النسائيّ عن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الزهريّ، عن سفيان كذلك، فظهر أن عبد الجبار لم ينفرد بذلك. انتهى ملخّصًا من الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٨٤] (…) - (حَدَّثَنَا أَبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، قَالَا: حَدَّثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْوَليدِ بْنِ كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ، مَوْلَى بَني حَارِثَةَ؛ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ حَدَّثَاهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ: الثَّمَرِ بِالتَّمْر، إِلَّا أَصْحَابَ الْعَرَايَا، فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الهلاليّ، أبو عليّ الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م دت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (أَبُو أُسَامَة) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٤ - (الْوَليدُ بْنُ كَثِيرٍ) المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ عارف بالمغازي، ورُمي برأي الخوارج [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٥/ ٦٦١ - ٦٦٢.
[ ٢٧ / ١٤٧ ]
٥ - (رَافِعُ بْنُ خَدِيجِ) بن عديّ الحارثيّ الأوسيّ الأنصاريّ الصحابيّ الشهير، أول مشاهده أُحد، ثم الخندق، مات سنة (٣ أو ٧٤) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٨٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: "الثمر بالتمر" ولفظ النسائيّ: "بيعِ الثمر بالتمر"، وهو بالجرّ بدلٌ من "المزابنة"، أو عطفُ بيان له، ويجوز قطعه إلى الرفع بتقدير مبتدأ؛ أي: هو بيع الثمر، وإلى النصب بتقدير فعل؛ أي: أعني بيع الثمر.
والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٨٥] (١٥٤١) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَب، حَدَّثَنَا مَالِكٌ (ح) وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْن، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ - مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ؟ - يَشُكُّ دَاوُدُ - قَالَ: خَمْسَةٌ أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ - قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (داود بن الْحُصين) الأمويّ مولاهم، أبو سليمان المدنيّ، ثقةٌ، إلا في عكرمة، ورُمِي برأي الخوارج [٦] (ت ١٣٥) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٩/ ١٢٩٣.
٦ - (أَبُو سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ) قيل: اسمه وهب، وقيل: قُزْمان، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٩/ ١٢٩٣.
[تنبيه]: قال في "الفتح": أبو سفيان هذا مشهور بكنيته، حتى قال النوويّ، تبعًا لغيره: لا يُعْرَف اسمه، وسبقهم إلى ذلك أبو أحمد الحاكم، في "الكنى"، لكن حَكَى أبو داود في "السنن" في روايته لهذا الحديث، عن القعنبيّ شيخِهِ فيه؛ أن اسمه قُزْمان. وابن أبي أحمد - الذي نُسب إليه - هو: عبد الله بن أبي أحمد بن جَحْش الأسديّ، ابن أخي زينب بنت جَحْش، أم المؤمنين، وحَكَى الواقديّ: أن أبا سفيان، كان مولى لبني عبد الأشهل، وكان يجالس
[ ٢٧ / ١٤٨ ]
عبد الله بن أبي أحمد، فنُسب إليه. انتهى (^١).
والباقون كلهم ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
عَن يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التميميّ النيسابوريّ؛ أنه (قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكِ) بن أنس إمام دار الهجرة (حَدَّثَكَ) بتقدير أداة الاستفهام؛ أي: أحدّثك (دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ) بالتصغير الأمويّ مولاهم المدنيّ.
[تنبيه]: ذكر ابن التين تبعًا لغيره؛ أن داود بن الحصين تفرد بهذا الإسناد، قال: وما رواه عنه إلا مالك بن أنس، قاله في "الفتح"، والله تعالى أعلم.
(عَنْ أَبِي سُفْيَانَ - مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ) - بتشديد الخاء المعجمة - من الترخيص، ويقال فيه: أرخص، من الإرخاص، وهو التيسير، والتسهيل (فِي بَيْعِ الْعَرَايَا)؛ أي: بيع ثمارها (بِخَرْصِهَا) المشهور في كتب اللغة أنه بكسر، فسكون: اسم بمعنى المخروص؛ أي: القدر الذي يُعرف بالتخمين، وأما بفتح، فسكون: فهو مصدرٌ بمعنى التخمين. قال في "النهاية": خَرَصَ النخلة، والكرمة يخرُصها خَرْصًا؛ أي: من باب نصر -: إذا حَزَرَ ما عليها تمرًا، ومن العنب زبيبًا، فهو من الْخَرْص؛ أي: الظنّ؛ لأن الْحَزْرَ إنما هو تقدير بظنّ، والاسم: الْخِرْصُ بالكسر، يقال: كم خِرْصُ أرضك؟ وفاعل ذلك: الخارص. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ: الخِرص بكسر الخاء: هو اسم للمخروص، وبفتح الخاء هو: المصدر، والرواية هنا بالكسر. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وقد تقدّم إنكار ابن العربيّ الفتح، وجزمه بالكسر، لكن جوّز النوويّ الوجهين، وقال: الفتح أشهر، والظاهر أن الأشهر هنا بالكسر، عكس ما قاله النوويّ؛ لأنه المشهور في اللغة، والرواية، كما أشار إليه القرطبيّ آنفًا.
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٦٥٥ - ٦٥٦.
(٢) "النهاية" ٢/ ٢٢ - ٢٣.
(٣) "المفهم" ٤/ ٣٩٤.
[ ٢٧ / ١٤٩ ]
والحاصل أن المكسور اسم للمخروص، والمفتوح مصدر بمعنى التخمين، لكن لو أريد به المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق لكان وجيهًا.
هذا كله إن جُعلت الباء في "بخرصها" للمقابلة، كما هو المتبادر الشائع، والمعنى: أنها تباع بقدر المخروص، وأما إذا كانت للسببيّة، فالخرص يكون مصدرًا بمعنى التخمين، أفاده السنديّ (^١)، والله تعالى أعلم.
ومعنى الحديث أنه - ﷺ - رخّص العرايا أن يُباع ثمرها بعد أن يُخرَص، ويُعرَف قدره بقدر ذلك من التمر، كما تقدّم البحث فيه مستوفًى.
قال ابن المنذر ﵀: ادّعى الكوفيون أن بيع العرايا منسوخ بنهيه - ﷺ -، عن بيع الثمر بالتمر، وهذا مردود؛ لأن الذي رَوَى النهي عن بيع الثمر بالتمر، هو الذي رَوَى الرخصة في العرايا، فأثبت النهي والرخصة معًا.
ورواية سالم المذكورة في الباب الماضي، تدل على أن الرخصة في بيع العرايا، وقعت بعد النهي عن بيع الثمر بالتمر، ولفظه عن ابن عمر، مرفوعًا: "أن رسول الله - ﷺ - قال: لا تبتاعوا الثمر حتّى يبدو صلاحه، ولا تبتاعوا الثمر بالتمر"، وقال سالم: "أخبرني عبد الله، عن زيد بن ثابت، عن رسول الله - ﷺ - أنه رخّص بعد ذلك في بيع العرية"، وهذا هو الذي يقتضيه لفظ الرخصة، فإنها تكون بعد المنع، وكذلك بقية الأحاديث، التي وقع فيها استثناء العرايا، بعد ذكر بيع الثمر بالتمر، وقد تقدم إيضاح ذلك كلّه، مطوّلًا، فلا تنس نصيبك، والله تعالى وليّ التوفيق.
(فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) متعلّق بـ "رخّص" (أَوْ فِي خَمْسَةِ؟) بالكسر من غير تنوين؛ لنيّة لفظ المضاف إليه؛ أي: أو في خمسة أوسق، و"أو" هنا للشكّ، كما بيّنه بقوله: (يَشُكُّ دَاوُدُ) يعني أن داود بن الحصين شكّ، هل قال أبو سفيان: "فيما دون خمسة أوسق، أو قال: في خمسة أوسق"؟ وقوله: (قَالَ: خَمْسَةٌ أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ) تفسير لشك داود؛ أي: قال أبو سفيان: هي خمسة، أو دون خمسة.
و"الأوسق": جمع وَسْق، بفتح، فسكون، ويُجمع على وُسُوق أيضًا،
_________________
(١) "شرح السنديّ على النسائيّ" ٧/ ٢٦٧ - ٢٦٨.
[ ٢٧ / ١٥٠ ]
كفلس وأفلس، وفُلُوس، ويقال: الوسق بكسر الواو أيضًا، والجمع أَوْساقٌ، كحِمْل وأَحمال، قال ابن منظور ﵀: الوَسْق، والوِسْق - أي: بالفتح، والكسر -: مِكْيلة معلومة، وقيل: هو حِمْل بعير، وهو ستّون صاعًا بصاع النبيّ - ﷺ -، وهو خمسة أرطال وثلث، فالوسق على هذا الحساب: مائة وستّون مَنًا، قال الزجّاج: خمسة أوسق: هي خمسة وعشرون قَفِيزًا، قال: وهو قَفيزنا الذي يُسمّى الْمُعدّل، وكلُّ وسق بالْمُلَجّم ثلاثة أقفزة، قال: وستّون صاعًا أربعة وعشرون مَكُّوكًا بالْمُلَجّم، وذلك ثلاثة أَقْفِزة، وقال في "التهذيب": الوسق بالفتح: ستّون صاعًا، وهو ثلاثة وعشرون رِطلًا، عند أهل الحجاز، وأربعمائة وثمانون رطلًا عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والمدّ، والأصل في الوَسق: الْحَمْلُ، وكلُّ شيء وَسَقْته، فقد حَمَلته. انتهى كلام ابن منظور ﵀ (^١).
[تنبيه]: قد عرفت مما سبق آنفًا أن الوسق ستون صاعًا بصاع النبيّ - ﷺ -، والصاع النبويّ بالموازين المعاصرة على ما قدّره العلماء المتأخّرون هو ٣٠٠٠ (ثلاثة آلاف غرام)، فالخمسة الأوسق تكون ثلاثمائة صاع، فتكون الثلاثمائة الصاع ٩٠٠٠ (تسعة آلاف غرام). راجع ما كتبه الشيخ البسّام: في "شرح بلوغ المرام" (^٢).
وقوله: (قَالَ: نَعَمْ) أي: قال مالك جوابًا عن سؤال يحيى: نعم حدّثني داود بن الحصين بهذا الحديث.
[تنبيه]: سؤال يحيى مالكًا هذا نوع من أنواع القراءة على الشيخ، فإذا قال الشيخ: نعم، فلا خلاف فيه، وإن لم يقل، ففيه اختلاف بين العلماء، والأصحّ جوازه، قال في "الفتح": وهذا التحمّل يُسمَّى عرض السماع، وكان مالك يختاره على التحديث من لفظه، واختَلَف أهل الحديث هل يُشترط أن يقول الشيخ: "نعم" أم لا؟ والصحيح أن سكوته يُنزّل منزلة إقراره إذا كان
_________________
(١) "لسان العرب" ١٠/ ٣٧٨ - ٣٧٩.
(٢) "توضيح الأحكام، شرح بلوغ المرام" ٣/ ٤٥.
[ ٢٧ / ١٥١ ]
عارفًا، ولم يمنعه مانع، وإذا قال: "نعم" فهو أولى بلا نزاع. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: نظمت هذه المسألة بقولي:
اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا قَرَا عَلَى … شَيْخٍ وَقَدْ أَصْغَى إِلَيْهِ إِذْ تَلَا
وَهُوَ فَاهِمٌ وَغَيْرُ مُنْكِرِ … وَلَيْسَ مَانِعٌ لَهُ إِنْ يُنْكِرِ
فَذَا يُنَزَّلُ كَالاقْرَارِ (^٢) لَدَى … جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهْوَ الْمُقْتَدَى
وَبَعْضُهُمْ شَرَطَ قَوْلَهُ نَعَمْ … وَالْحَقُّ لَيْسَ وَاجِبًا فَيُلْتَزَمْ
والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٣٨٨٥] (١٥٤١)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢١٩٠)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٣٦٤)، و(الترمذيّ) في "البيوع" (١٣٠١)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٢٦٨) و"الكبرى" (٤/ ٢١)، و(مالك) في "الموطّأ" (٢/ ٦٢٠)، و(الشافعيّ) في "المسند" (٢/ ١٥١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٠٠٦ و٥٠٠٧)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (٤/ ٣٠)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٦٥٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣١١)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٠٧٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال في "الفتح": وقد اعتَبَر من قال بجواز بيع العرايا بمفهوم هذا العدد، ومنعوا ما زاد عليه، واختلفوا في جواز الخمسة؛ لأجل الشكّ المذكور، والخلاف عند المالكية، والشافعية، والراجح عند المالكية: الجواز في الخمسة، فما دونها، وعند الشافعية الجواز فيما دون الخمسة، ولا يجوز في الخمسة، وهو قول الحنابلة، وأهل الظاهر.
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٦٦٠.
(٢) بنقل حركة الهمزة إلى اللام، ودرجها.
[ ٢٧ / ١٥٢ ]
فمأخذ المنع: أن الأصل التحريم، وبيع العرايا رخصة، فيؤخذ منه بما يتحقق منه الجواز، ويُلغى ما وقع فيه الشك.
وسبب الخلاف: أن النهي عن بيع المزابنة، هل ورد متقدمًا، ثم وقعت الرخصة في العرايا، أو النهي عن بيع المزابنة، وقع مقرونًا بالرخصة، في بيع العرايا؟ فعلى الأول لا يجوز في الخمسة؛ للشك في رفع التحريم، وعلى الثاني يجوز؛ للشك في قدر التحريم، ويُرَجِّح الأول روايةُ سالم المتقدّمة بلفظ: "رَخَّص بعد ذلك في بيع العريّة بالرطب أو بالتمر"، فإنها نصّ في كون الرخصة بعد النهي عن المزابنة.
واحتج بعض المالكية بأن لفظة "دون" صالحة لجميع ما تحت الخمسة، فلو عَمِلنا بها للزم رفع هذه الرخصة.
وتُعُقِّب بأن العمل بها ممكن، بأن يُحْمَل على أقل ما تَصْدُق عليه، وهو المفتى به في مذهب الشافعي، وقد روى الترمذيّ، حديث الباب من طريق زيد بن الْحُبَاب، عن مالك، بلفظ: "أرخص في بيع العرايا، فيما دون خمسة أوسق"، ولم يتردد في ذلك، وزعم المازريّ أن ابن المنذر ذهب إلى تحديد ذلك بأربعة أوسق؛ لوروده في حديث جابر من غير شك فيه، فتعيّن طرح الرواية التي وقع فيها الشك، والأخذ بالرواية المتيقنة، قال: وألزم المزنيُّ الشافعيَّ القولَ به. انتهى.
قال الحافظ: وفيما نقله نظر، أما ابن المنذر فليس في شيء من كتبه ما نقله عنه، وإنما فيه ترجيح القول الصائر إلى أن الخمسة لا تجوز، وإنما يجوز ما دونها، وهو الذي ألزم المزنيُّ أن يقول به الشافعيّ، كما هو بَيِّن من كلامه.
وقد حَكَى ابن عبد البر هذا القول عن قوم، قال: واحتجوا بحديث جابر، ثم قال: ولا خلاف بين الشافعيّ، ومالك، ومن اتبعهما في جواز العرايا في أكثر من أربعة أوسق، مما لم يبلغ خمسة أوسق، ولم يثبت عندهم حديث جابر.
قال الحافظ: حديث جابر الذي أشار إليه، أخرجه الشافعيّ، وأحمد، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، أخرجوه كلهم من طريق ابن إسحاق: حدّثني محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول - حين أَذِن لأصحاب العرايا، أن يبيعوها بخرصها - يقول: "الوسق، والوسقين، والثلاثة، والأربع"، لفظ
[ ٢٧ / ١٥٣ ]
أحمد، وترجم عليه ابن حبّان: "الاحتياط أن لا يزيد على أربعة أوسق"، وهذا الذي قاله يتعيّن المصير إليه، وأما جَعْله حَدًّا لا يجوز تجاوزه، فليس بالواضح.
واحتج بعضهم لمالك، بقول سهل بن أبي حثمة: "إن العريّة تكون ثلاثة أوسق، أو أربعة، أو خمسة"، ولا حجة فيه؛ لأنه موقوف.
ومن فروع هذه المسألة: ما لو زاد في صفقة على خمسة أوسق، فان البيع يبطل في الجميع.
وخرّج بعض الشافعية، من جواز تفريق الصفقة، أنه يجوز، وهو بعيد؛ لوضوح الفرق، ولو باع ما دون خمسة أوسق في صفقة، ثم باع مثلها البائع بعينه للمشتري بعينه في صفقة أخرى، جاز عند الشافعية، على الأصح، ومنعه أحمد، وأهل الظاهر، والله أعلم. انتهى (^١).
فال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأصحّ ترجيح عدم الجواز في خمسة أوسق، وإنما يجوز فيما دونها، كما هو مذهب الشافعيّة، والحنبليّة، وأهل الظاهر، وترجيح عدم الجواز أيضًا في أكثر من خمسة أوسق فيما إذا تفرّقت الصفقة، كما هو مذهب الحنبليّة، وأهل الظاهر؛ لقوّة حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.