" النَّوْبَةُ": - بفتح النون، وسكون الواو -: اسم من المناوبة، جمعه نُوَبٌ، بضمّ، ففتح، مثلُ قَرْيةٍ وقُرًى، يقال: ناوبته مُناوبةً: بمعنى ساهمته مُساهمةً، وتناوبوا عليه: تداولوه بينهم، يفعله هذا مرّةً، وهذا مرّةً (^١).
و"الضَّرّة" - بفتح الضاد المعجمة، وتشديد الراء -: امرأة زوج المرأة، جمعها ضَرّات على القياس، وسُمع ضَرَائرُ، وكأنها جمع ضَرِيرة، مثلُ كريمة وكَرَائم، ولا يكاد يوجد لها نظير، ورجلٌ مُضِرٌّ: ذو ضَرَائر، وامرأة مُضِرٌّ أيضًا: لها ضَرَائرُ، وهو اسم فاعل من أَضَرّ: إذا تزوّج على ضَرَّةٍ، قاله الفيّوميّ (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٢٩] (١٤٦٣) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ فِي مِسْلَاخِهَا، مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، مِنْ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ. قالَتْ: فَلَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِعَائِشَةَ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ قدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ: يَوْمَهَا، وَيَوْمَ سَوْدَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون تقدّموا قبل بابين.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ - أنها (قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أكُونَ فِي مِسْلَاخِهَا) - بكسر الميم، وبالخاء المعجمة -: هو الجِلْد، ومعناه: أن أكون أنا هي.
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٦٢٩.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣٦٠ - ٣٦١.
[ ٢٥ / ٧٦٩ ]
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قولها: "في مِسْلاخها" أي في جِلدها، وحقيقة ذلك أنها تمنّت أن تكون هي؛ لأن أحدًا لا يتمنّى أن يكون في جلد غيره، وهذا اللفظ قد جرى مجرى المثَل، ومقصودها أنها أحبّت أن تكون على مثيل حالها في الأوجه التي استحسنت منها. انتهى (^١).
(مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ) - بفتح الميم، وإسكانها - ابن قيس بن عبد شمس بن عبد وَدّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لُؤَيّ العامريّة القرشيّة، أم المؤمنين - ﵂ -، تزوجها رسول الله - ﷺ -، وهو بمكة بعد موت خديجة - ﵂ -، ودخل عليها بها، وكانت قبله عند السكران بن عمرو.
رَوَت عن النبيّ - ﷺ -، وروى عنها ابن عباس، ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة.
وقال ابن أبي خيثمة: تُوُفّيت في آخر خلافة عمر، وقال ابن سعد: أسلمت بمكة قديمًا، وهاجرت هي وزوجها إلى الحبشة الهجرة الثانية، زاد الزبير بن بكار: ومات زوجها هناك، ورّجّح الواقديّ أنها تُوفيت سنة أربع وخمسين، وقال ابن حبان: من زعم أنها أخت عبد الله بن زمعة، فقد وَهِمَ، وهي أول امرأه تزوج بها رسول الله - ﷺ - بعد موت خديجة، وماتت سنة خمس وستين.
أخرج لها البخاريّ، وأبو داود، والنسائيّ، ولها عند المصنّف ذكر فقط.
وسيأتي في الحديث التالي قول عائشة - ﵂ -: وكانت أول امرأة تزوجها بعدي، ومعناه: عَقَدَ عليها بعد أن عَقَد على عائشة - ﵂ -، وأما دخوله عليها فكان قبل دخوله على عائشة بالاتفاق، وقد نبّه على ذلك ابن الجوزيّ - ﵀ - (^٢).
(مِنْ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ) قال القاضي عياض - ﵀ -: "من" هنا للبيان، واستفتاح الكلام، ولم تُرِدْ عائشة عَيب سَوْدة بذلك، بل وصفتها بقُوّة النفس، وجَوْدة الْقَرِيحة، وهى الْحِدّة - بكسر الحاء -.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قولها: "من امرأة إلخ": "من" هنا للبيان، والخروج من وصف إلى ما يخالفه، ولم تُرد تنقيصها، وإنما أرادت أنها كانت شَهْمة
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٠٨.
(٢) "كشف المشكل" ٤/ ٣٢٠.
[ ٢٥ / ٧٧٠ ]
النفس، حديدة القلب، حازمةً مع عقل رصين، وفضل متين، ولذلك جعلت يومها لعائشة - ﵄ -. انتهى (^١).
(قَالَتْ: فَلَمَّا كَبِرَتْ) - بكسر الموحّدة - يقال: كَبِرَ الصبيّ وغيره يَكْبَرُ، من باب تَعِبَ مَكْبِرًا، مثلُ مَسْجِدٍ، وكِبَرًا وزانُ عِنَبٍ، فهو كبيرٌ، وأما كبُر الشيءُ من باب قَرُب، فهو بمعنى عَظُمَ، فلا يناسب هنا (جَعَلَتْ يَوْمَهَا) أي يوم نوبتها، وهي يوم وليلةٌ (مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) متعلّق بحال من "يومها"، وقولها: (لِعَائِشَةَ) متعلّق بـ "جَعَلَتْ"، وفي رواية البخاريّ: "وهبت يومها لعائشة"، وفي رواية له: "يومها وليلتها"، وزاد في آخره: "تبتغي بذلك رضا رسول الله - ﷺ -".
وأخرج أبو داود هذا الحديث في "سننه"، وزاد فيه ما يُبيّن سبب هبتها أوضح مما هنا، فرَوَى عن أحمد بن يونس، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة بالسند المذكور: كان رسول الله - ﷺ - لا يُفَضِّل بعضنا على بعض في الْقَسْم. . . الحديث، وفيه: ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أَسَنَّتْ، وخافت أن يفارقها رسول الله - ﷺ -: يا رسول الله يومي لعائشة، فقَبِلَ ذلك منها، ففيها وأشباهها نزلت: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ الآية [النساء: ١٢٨]، وتابعه ابن سعد عن الواقديّ، عن ابن أبي الزناد في وصله.
ورواه سعيد بن منصور، عن ابن أبي الزناد مرسلًا، لم يذكر فيه عن عائشة.
وعند الترمذيّ من حديث ابن عباس - ﵄ - موصولًا نحوه، وكذا قال عبد الرزاق، عن معمر بمعنى ذلك، فتواردت هذه الروايات على أنها خَشِيَت الطلاق، فوهبت.
وأخرج ابن سعد بسند رجاله ثقات، من رواية القاسم بن أبي بَزَّة مرسلًا: أن النبيّ - ﷺ - طلقها، فقَعَدت له على طريقه، فقالت: والذي بعثك بالحقّ ما لي في الرجال حاجة، ولكن أُحِب أن أُبعث مع نسائك يوم القيامة، فأنشدك بالذي أنزل عليك الكتاب، هل طلقتني لِمَوْجِدة وَجَدتها عليّ؟ قال: "لا"، قالت: فأنشدك لَمّا راجعتني، فراجعها، قالت: فإني قد جعلت يومي
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٠٨.
[ ٢٥ / ٧٧١ ]
وليلتي لعائشة حِبّة رسول الله - ﷺ -. أفاده في "الفتح" (^١).
(قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْسِمُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من ضرب (لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ: يَوْمَهَا، وَيَوْمَ سَوْدَةَ) قال النوويّ - ﵀ -: معناه: أنه كان يكون عند عائشة - ﵂ - في يومها، ويكون عندها أيضًا في يوم سودة - ﵂ -، لا أنه يوالي لها اليومين، والأصح عند أصحابنا أنه لا يجوز الموالاة للموهوب لها، إلا برضى الباقيات، وجوّزه بعض أصحابنا بغير رضاهنّ، وهو ضعيف. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه لا وجه لتضعيف هذا القول؛ لأنه لا دليل على منع الموالاة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٣٦٢٩ و٣٦٣٠] (١٤٦٣)، و(البخاريّ) في "النكاح" (٥٢١٢)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢/ ٢٤٣)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢٥٩ و٥/ ٢٩٢)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٩٧٢)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٢٦٧)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٠٧)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦/ ٢٣٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٥٠١)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٦٨ و٧٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٣٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٣٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٤/ ٣٢ و٣٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٢١١)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٨/ ٨٧)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ٣٩٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٩٦) و"المعرفة" (٥/ ٤٢٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣٢٤)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١١/ ٦٥٦.
[ ٢٥ / ٧٧٢ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز هبة المرأة نوبتها لضَرّتها، قال النوويّ - ﵀ -: فيه جواز هبتها نوبتها لضرّتها؛ لأنه حقها، لكن يشترط رضا الزوج بذلك؛ لأن له حقًّا في الواهبة، فلا يفوته إلا برضاه، ولا يجوز أن تأخذ على هذه الهبة عوضًا، ويجوز أن تَهَب للزوج، فيجعل الزوج نوبتها لمن شاء، وقيل: يلزمه توزيعها على الباقيات، ويجعل الواهبة كالمعدومة، والأول أصحّ، وللواهبة الرجوع متى شاءت، فترجع في المستقبل دون الماضي؛ لأن الهبات يُرجَع فيما لم يُقْبَض منها دون المقبوض. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قال العلماء: إذا وهبت يومها لضرتها قَسَم الزوج لها يوم ضرتها، فإن كان تاليًا ليومها فذاك، وإلا لم يُقَدِّمه عن رتبته في الْقَسْم إلا برضا من بقي، وقالوا: إذا وهبت المرأة يومها لضرتها، فإن قَبِل الزوج لم يكن للموهوبة أن تمتنع، وإن لم يَقْبَل لم يُكْرَه على ذلك، وإذا وهبت يومها لزوجها، ولم تتعرض للضرّة، فهل له أن يخص واحدة إن كان عنده أكثر من اثنتين، أو يوزعه بين من بقي؟ وللواهبة في جميع الأحوال الرجوع عن ذلك متى أحبّت، لكن فيما يُستقبَل، لا فيما مضى، وأطلق ابن بطال أنه لم يكن لسودة الرجوع في يومها الذي وهبته لعائشة - ﵂ -. انتهى (^٢).
٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: فيه دليلٌ على أن الْقَسْم حقّ للزوجة ذات الضرائر، وأنه يجوز لا بذله لغيرها بعوض، وغير عوض إذا رَضِي الزوج (^٣)، ويشهد لهذا كلّه قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ الآية [النساء: ١٢٨]، وفي هذه القصّة نزلت هذه الآية على ما قيل، لكن عند مالك لها الرجوع في مثل هذا إذا شاءت؛ لأنها حقوقٌ متجدّدة آنًا فآنًا، فلكل متجدّد حكمه، بخلاف
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٤٨.
(٢) "الفتح" ١١/ ٦٥٥.
(٣) الظاهر أن هذا مذهب المالكيّة، وتقدّم عن النوويّ أنه لا يجوز لها أن تأخذ عوضًا، والذي يظهر لي أن الأول هو الأرجح، لأنه دليل على منع العوض، فتأمل، والله تعالى أعلم.
[ ٢٥ / ٧٧٣ ]
الحقوق الثابتة، تلك التي لا يَرجِع في شيء منها من أسقطها، مثل ما يترتّب في الذمم، أو في الأبدان، وهذا أحد قَوْلَي مالك، وقيل: يلزم ذلك دائمًا. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ -، من حسن الخلق، وكمال العشرة، حيث نزل عند رغبة سودة - ﵂ - لَمّا ناشدته أن يراجعها بعد ما طلّقها، فلم يخيّب رجاءها في ذلك - كما سبق في رواية أبي داود -.
٤ - (ومنها): بيان فضيلة سودة - ﵂ -، حيث أثنت عليها عائشة - ﵂ - بهذا الثناء الجميل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٣٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثنَا زُهَيْرٌ (ح) وَحَدَّثنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ: أَنَّ سَوْدَةَ لَمَّا كَبِرَتْ، بِمَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ شَرِيكٍ: قَالَتْ: وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بَعْدِي).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عُقْبَةُ بْنُ خَالِدِ) بن عُقبة السَّكُونيّ، أبو مسعود الكوفيّ المجدَّر، صدوقٌ، صاحب حديث [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٣/ ١٥٩٣.
٣ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) تقدّم قبل بابين.
٤ - (الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ) الملقّب بشاذان، تقدّم قريبًا.
٥ - (زُهَيْرُ) بن مُعاوية بن حُدَيج، تقدّم أيضًا قريبًا.
٦ - (مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى) بن فَرُّوخ الْخُوَارزميّ، وهو الْخُتَّليّ - بضمّ الخاء المعجمة، وتشديد التاء المفتوحة - أبو عليّ نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠].
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٠٨.
[ ٢٥ / ٧٧٤ ]
رَوَى عن هُشيم، ومروان بن معاوية، وابن عيينة، وعبد الله بن إدريس، وابن علية، وابن مهديّ، والوليد بن مسلم، ويونس بن محمد، وغيرهم.
وروى عنه الجماعة، سوى البخاريّ، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والذُّهْليّ، وإبراهيم الحربيّ، وإبراهيم بن الجنيد، وموسى بن هارون، وابن أبي الدنيا، وغيرهم.
قال ابن مُحْرِز عن ابن معين: ثقةٌ لا بأس به، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وقال صالح بن محمد: صدوقٌ، وقال موسى بن محمد: صدوقٌ، وقال النسائيّ: بغداديّ ثقةٌ، وأصله خُراسانيّ، وقال موسى بن هارون: كان مولده فيما أرى سنة ثمان وخمسين - أي ومائة - وقال البغويّ: مات في ربيع الأول سنة أربع وأربعين - أي ومائتين - وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات يوم الجمعة لتسع بقين من رمضان سنة أربع وأربعين ومائتين، وكان عسر الحفظ، وهو الذي يقال له: مجاهد بن موسى الْخُتَّليّ، كان أصله من خُتَّل خُراسان، وقال مسلمة بن قاسم: كان ثقةً.
روى عنه المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط: هذا برقم (١٤٦٣)، وحديث (٢٣٣٤): "إذا صلى الغداة جاء أهل المدينة بآنيتهم. . .".
٧ - (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن مسلم المؤدّب، أبو محمد البغداديّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٨ - (شَرِيكُ) بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ القاضي، أبو عبد الله، صدوقٌ يُخطئ كثيرًا، وتغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البِدَع [٨] (ت ٧ أو ١٧٨) (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٣٦/ ١٠٣٠.
و"هشام" ذُكر قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ) أي كلُّ هؤلاء الثلاثة: عقبة بن خالد، وزهير بن معاوية، وشريك النخعيّ رووا هذا الحديث عن هشام بن عروة.
وقولها: (وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بَعْدِي) قال النوويّ - ﵀ -: كذا ذكره مسلم من رواية يونس، عن شريك، أنه - ﷺ - تزوج عائشة قبل سودة، وكذا ذكره يونس أيضًا عن الزهريّ، وعن عبد الله بن محمد بن عَقِيل، ورَوَى عُقَيل بن خالد، عن الزهريّ: أنه تزوج سودة قبل عائشة، قال ابن عبد البرّ: وهذا قول
[ ٢٥ / ٧٧٥ ]
قتادة، وأبي عبيدة، قلت: وقاله أيضًا محمد بن إسحاق، ومحمد بن سعد كاتب الواقديّ، وابن قتيبة، وآخرون. انتهى (^١).
[تنبيه]: رواية عقبة بن خالد، عن هشام بن عروة ساقها البيهقيّ - ﵀ - في "الكبرى" ٧/ ٢٩٦ فقال:
(١٤٥١١) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الوليد، نا الحسن بن سفيان، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا عقبة بن خالد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ -، قالت: "لما أن كَبِرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة - ﵂ -، فكان رسول الله - ﷺ - يَقْسِمُ لها بيوم سودة". انتهى.
ورواية زُهير بن معاوية، عن هشام، ساقها (^٢) أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده" ٣/ ١٣٥ فقال:
(٤٤٧٧) - رَوَى محمد بن يحيى، عن أحمد بن يونس، عن زهير، وأبو الوليد، عن شريك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن سودة لَمّا كَبِرت وهبت يومها لي، فكان النبيّ - ﷺ - يَقْسِم لي به. انتهى.
ورواية شريك بن عبد الله النخعيّ، عن هشام ساقها أبو يعلى - ﵀ - في "مسنده" ٨/ ٨٧ فقال:
(٤٦٢١) - حدّثنا بشر بن الوليد، حدثنا شريك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن سودة لَمّا كَبِرت وهبت يومها لعائشة، قالت: وكان رسول الله - ﷺ - يَقْسِم لي يومي ويومها، وكانت أول امرأة تزوجت إليّ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٣١] (١٤٦٤) (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَأَقُولُ: وَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا،؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ: ﴿تُرْجِي مَنْ
_________________
(١) "شرح مسلم" ١٠/ ٤٩.
(٢) وأضاف إليها رواية شريك، عن هشام.
[ ٢٥ / ٧٧٦ ]
تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ [الأحزاب: ٥١] قَالَ: قُلْتُ: وَاللهِ مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
والباقون ذُكروا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن شيخه، وأبا أسامة كوفيّان، والباقون مدنيّون.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وتابعيّ عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، وهو عروة.
٧ - (ومنها): أن فيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ -، أنها (قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ) - بفتح الهمزة، والغين المعجمة، من باب تَعِب - قال الطيبيّ: أي أَعيب عليهنّ؛ لأن من غار عاب، ويدلّ عليه قولها: "أوَ تهب المرأة نفسها للرجل؟ "، وهو هنا تقبيح وتنفير لئلا تهب النساء أنفسهنّ له - ﷺ -.
و"الغَيْرَة" - بفتح، فسكون: وهي الْحَمِيّة، والأَنَفَة، يقال: رجلٌ غَيُورٌ، وامرأةٌ غَيُور بلا هاء؛ لأن فعولًا يستوي فيه الذكر والأنثى، كما قال في "الخلاصة":
وَلَا تَلِي فَارقَةً فَعُولَا … أَصْلَا وَلَا الْمِفْعَالَ والْمِفْعِيلَا
[ ٢٥ / ٧٧٧ ]
كَذَاكَ مِفْعَلٌ وَمَا تَلِيهِ … تَا الْفَرْقِ مِنْهُ فَشُذُوذٌ فِيهِ
ووقع عند الإسماعيليّ من طريق محمد بن بشر، عن هشام بن عروة، بلفظ: "كانت تُعيّر اللاتي وهبن أنفسهنّ" بعين مهملة، وتشديد.
(عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ) هذا ظاهر في أن الواهبة أكثر من واحدة، ففي حديث سهل بن سعد عند الشيخين: "إذ قالت امرأة: إني وهبت نفسي لك".
وقد روى أحمد في "مسنده" بإسناد حسن، من طريق الحضرميّ بن لاحق، عن أنس بن مالك - ﵁ -، أن امرأة أتت النبيّ - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، ابنة لي كذا وكذا، ذكرت من حسنها وجمالها، فآثرتك بها، فقال: "قد قَبِلْتها"، فلم تزل تمدحها، حتى ذكرت أنها لم تُصدَع، ولم تَشتَكِ شيئًا قط، قال: "لا حاجة لي في ابنتك"، وهذه امرأة أخرى بلا شكّ.
وعند ابن أبي حاتم من حديث عائشة - ﵂ -: "التي وهبت نفسها للنبيّ - ﷺ - هي خولة بنت حكيم".
ومن طريق الشعبيّ قال: من الواهبات: أمّ شَريك، وأخرجه النسائيّ من طريق عروة.
وعند أبي عبيدة معمر بن المثنّى: أن من الواهبات فاطمة بنت شُريح.
وقيل: إن ليلى بنت الخَطِيم ممن وهبت نفسها له.
ومنهنّ زينب بنت خُزيمة، جاء عن الشعبيّ، وليس بثابت.
وخولة بنت حكيم، وهو في "صحيح البخاريّ".
ومن طريق قتادة، عن ابن عباس، قال: التي وهبت نفسها للنبيّ - ﷺ - هي ميمونة بنت الحارث، وهذا منقطع، وأورده من وجه آخر مرسل، وإسناده ضعيف.
ويعارضه حديث سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: "لم يكن عند رسول الله - ﷺ - امرأة وهبت نفسها له"، أخرجه الطبريّ، وإسناده حسن، والمراد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له، وإن كان مباحًا له؛ لأنه راجع إلى إرادته؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠].
(لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -) متعلّق بـ "وهبن" (وَأَقُولُ: وَتَهَبَ الْحُرَّةُ نَفْسَهَا؟) بتقدير
[ ٢٥ / ٧٧٨ ]
همزة الاستفهام، وهو استفهام إنكاريّ، وفي الرواية التالية: "أما تستحيي امرأة تهب نفسها لرجل؟ " (فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ: ﴿تُرْجِي﴾) ترجي قرئ مهموزًا، وغير مهموز، وهما لغتان، يقال: أرجيت الأمر، وأرجأته إذا أخّرته، أي تؤخرهن بغير قَسْم، وهذا قول الجمهور، وأخرجه الطبري عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وأبي رزين، وغيرهم، وأخرج الطبري أيضًا عن الشعبي في قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قال: كنّ نساء وهبن أنفسهنّ للنبيّ - ﷺ -، فدخل ببعضهنّ، وأرجأ بعضهنّ، لم ينكحهنّ. وهذا شاذّ، والمحفوظ أنه لم يدخل بأحد من الواهبات، كما تقدّم.
وقيل: المراد بقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أنه كان همّ بطلاق بعضهنّ، فقلن له: لا تطلّقنا، واقسم لنا ما شئت، فكان يَقسم لبعضهنّ قَسْمًا مستويًا، وهنّ اللواتي آواهنّ، ويَقسم للبواقي ما شاء، وهنّ اللواتي أرجأهنّ.
فحاصل ما نُقل في تأويل ﴿تُرْجِي﴾ أقوال:
[أحدها]: تطلّق، وتُمسك.
[ثانيها]: تعتزل من شئت منهنّ بغير طلاق، وتَقسم لغيرها.
[ثالثها]: تَقبَل من شئت من الواهبات، وترُدّ من شئت. وحديث الباب يؤيّد هذا، والذي قبله، واللفظ محتملٌ للأقوال الثلاثة (^١).
(﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾) أي طلبت، والابتغاء في اللغة هو الطلب، ولا يكون إلا بعد الإرادة، قال الله تعالى مخبرًا عن موسى - ﵇ -: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] وجواب "من" قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ وقوله: (﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾) أي أزلت، والعَزْل: الإزالة، قال العربيّ - ﵀ -: والمعنى: ومن أردت أن تضمّه، وتؤويه بعد أن أزلته، فقد نِلْت ذلك عندنا، ووجدته تحقيقًا؛ لقول عائشة - ﵂ -: "لا أرى ربك إلا وهو يسارع في هواك"، فإن شاء النبيّ - ﷺ - أن يؤخر أَخَّر، وإن شاء أن يقدِّم استقدم، وإن شاء أن يَقْلِب المؤخر مقدمًا، والمقدم مؤخرًا فَعَلَ، لا جناح عليه في شيء من
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٥٠٦.
[ ٢٥ / ٧٧٩ ]
ذلك، ولا حرج فيه. انتهى (^١).
وهذا صريح في أن هذه الآية نزلت بهذا السبب، قال القرطبيّ - ﵀ -: حَمَلت عائشةَ - ﵂ - على هذا التقبيح الغَيْرَةُ التي طُبعت عليها النساء، وإلا فقد عَلِمت أن الله تعالى أباح لنبيّه - ﷺ - ذلك، وأن جميع النساء لو مَلَّكْنَ له رقّهنّ، ورقابهنّ للنبيّ - ﷺ - لكنّ معذورات في ذلك، ومشكورات عليه لعظيم بركته، ولشرف منزلة القرب منه، وعلى الجملة فإذا حُقّق النظر في أحوال أزواجه عُلم أنه لم يحصل أحدٌ في العالم على مثل ما حصلن عليه، ويكفيك من ذلك مخالطة اللحوم، والدماء، ومشابكة الأعضاء والأجزاء، وناهيك بها مراتب فاخرة، لا جَرَمَ هنّ أزواجه المخصوصات به في الدنيا والآخرة. انتهى كلام القرطبيّ ببعض تصرّف (^٢).
(قَالَتْ: قُلْتُ: وَاللهِ مَا أَرَى رَبَّكَ، إِلَّا يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ) وفي الرواية التالية: "فقلت: إن ربّك لَيُسارع لك في هواك"، أي ما أرى الله إلا موجدًا لما تريد بلا تأخير، منزلًا لما تحبّ، وتختار، قاله في "الفتح" (^٣).
وقال النوويّ - ﵀ -: قولها: "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك": هو بفتح الهمزة من "أَرَى"، ومعناه: يُخفّف عنك، ويوسّع عليك في الأمور، ولهذا خيّرك.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: هذا قولٌ أبرزته الغيرة والدّلال، وهو من نوع قولها: "ما أهجُرُ إلا اسمك"، متفق عليه، و"لا أحمد إلا الله"، متفق عليه، وإلا فإضافة الهوى إلى النبيّ - ﷺ - مباعدٌ لتعظيمه، وتوقيره الذي أمرنا الله تعالى به، فإن النبيّ - ﷺ - منزّهٌ عن الهوى بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ [النجم: ٣]، وهو ممن نَهَى النفس عن الهوى، ولو جَعَلت مكان "هواك" "مرضاتك" لكان أشبه، وأولى، لكن أبعد هذا في حقّها عن نوع الذنوب أن ما يَفعل المحبوب محبوب. انتهى (^٤).
وقال السنديّ: - ﵀ -: قولها: "والله ما أرى ربك. . . إلخ" كناية عن ترك
_________________
(١) "أحكام القرآن" لابن العربي ٣/ ٦٠٦.
(٢) "المفهم" ٤/ ٢١١ - ٢١٢.
(٣) "الفتح" ١٠/ ٥٠٦.
(٤) "المفهم" ٤/ ٢١١.
[ ٢٥ / ٧٨٠ ]
التنفير والتقبيح لما رأت من مسارعة الله تعالى في مرضاة النبيّ - ﷺ -، أي كنت أنفّر النساء عن ذلك، فلما رأيت الله يسارع في مرضاته - ﷺ - تركت ذلك؛ لما فيه من الإخلال بمرضاته - ﷺ -
قال: وقد يقال: المذموم هو الهوى الخالي عن الهدى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [القصص: ٥٠].
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن التأويل الأخير هو الصواب؛ لأن الهوى في أصل اللغة هو محبة الشيء، يقال: هَوِيتُ الشيءَ، من باب تعب: إذا أحببته، وعَلِقتَ به، فهذا أصل معناه لغةً، وإن كان يُطلق على ميل النفس، وانحرافها المذموم، فأرادت عائشة - ﵂ - هنا محبته - ﷺ - للأمر، فهذا عندي أولى مما ذكروه من التأويلات؛ مراعاة لتعظيم جانب عائشة - ﵂ - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٣٦٣١ و٣٦٣٢] (١٤٦٤)، و(البخاريّ) في "التفسير" (٤٧٨٨) و"النكاح" (٥١١٣)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٦/ ٥٤) و"الكبرى" (٣/ ٢٥٩ و٥/ ٢٩٤ و٣٠١ و٦/ ٤٣٤)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (٢٠٠٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ١٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٣٤ و١٥٨ و٢٦١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٣٦٧)، و(الحاكم) في "مستدركه" (٢/ ٤٣٦)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (٢٢/ ٢٦)، و(البغويّ) في "تفسيره" (٣/ ٥٣٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٣٤ و١٣٥ و١٣٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٣٦ و١٥٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٥٥) و"المعرفة" (٥/ ٢١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما أكرم الله تعالى به نبيّه - ﷺ -، وفضّله به من حلّ النساء بدون حصر بأربع، أو نحوه.
[ ٢٥ / ٧٨١ ]
٢ - (ومنها): بيان بعض خصائصه - ﷺ -، وهو نكاح من وهبت نفسها له بلا مهر، قال الله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
٣ - (ومنها): بيان سبب نزول آية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية.
٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابيات من الحرص على أن يكنّ من أمهات المؤمنين، فيَعْرِضْن أنفسهنّ عليه - ﷺ -.
٥ - (ومنها): أنه - ﷺ - لا يجب عليه القَسْم بين زوجاته، وفيه خلاف بين أهل العلم، وهذا هو الراجح.
٦ - (ومنها): ما جُبلت عليه النساء من الْغَيْرة، حيث كانت عائشة - ﵂ - تكره النساء اللاتي يَعْرِضن أنفسهنّ على النبيّ - ﷺ -.
٧ - (ومنها): استحباب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح؛ رجاء عودة صلاحه عليها بما ينفعها في معاشها ومعادها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أنه لم يُرجئ النبيّ - ﷺ - بعد نزول هذا التخيير له، بل كان يقسم لهنّ، وإذا أراد أن يذهب إلى غير صاحبة النوبة، استأذنها، فقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما"، من طريق عاصم الأحول، عن معاذة، عن عائشة - ﵂ -: "أن رسول الله - ﷺ -، كان يستأذن في يوم المرأة منا، بعد أن أُنزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥١]، فقلت لها: ما كنت تقولين؟، قالت: كنت أقول له: إن كان ذاك إلي، فإني لا أريد، يا رسول الله أن أُوثِرَ عليك أحدًا".
قال الزهريّ: ما أعلم أنه أرجأ أحدًا من نسائه، أخرجه ابن أبي حاتم، وعن قتادة: أُطلق له أن يَقسِم كيف شاء، فلم يَقسِم إلا بالسويّة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اختلف السلف في هذه الآية، فقيل: هي ناسخة لقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، مبيحة له أن يتزوّج ما شاء، وقيل: بل نُسخ قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ قال زيد بن أسلم: تزوّج رسول الله - ﷺ - بعد نزول هذه الآية ميمونة، ومُليكة، وصفيّة، وجويرية،
[ ٢٥ / ٧٨٢ ]
وقالت عائشة - ﵂ -: "ما مات رسول الله - ﷺ - حتى أحلّ الله له النساء". رواه الترمذيّ، والنسائيّ.
وقيل عكس هذا، وهو أن قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ ناسخة لقوله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ الآية [الأحزاب: ٥٠]، ولقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾، وقيل غير هذا مما هو ظاهر الفساد، وإن صحّ ما نقله زيد بن أسلم فالقول قوله. قاله أبو العباس القرطبيّ - ﵀ -.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح أن آية ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ منسوخة بآية ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾؛ لحديث عائشة - ﵂ - المذكور هنا.
وقال أبو عبد الله القرطبيّ - ﵀ - في "تفسيره": واختَلَف العلماء في تأويل هذه الآية، وأصح ما قيل فيها: التوسعة على النبيّ - ﷺ - في ترك القَسْم، فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته، وهذا القول هو الذي يناسب ما مضى، وهو الذي ثبت معناه في "الصحيح" عن عائشة - ﵂ -، قالت: "كنت أغار على اللائي وهبن أنفسهن لرسول الله - ﷺ -، وأقول: أَوَ تَهَبُ المرأة نفسها لرجل؟ فلما أنزل الله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ قالت: قلت: والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك"، قال ابن العربيّ: هذا الذي ثبت في "الصحيح" هو الذي ينبغي أن يُعَوَّل عليه، والمعنى المراد: هو أن النبيّ - ﷺ - كان مُخَيَّرًا في أزواجه، إن شاء أن يَقْسِم قَسَم، وإن شاء أن يترك القَسْم ترك، فخُصَّ النبيّ - ﷺ - بأن جُعِل الأمر إليه فيه، لكنه كان يَقْسِم من قِبَل نفسه، دون فرض ذلك عليه؛ تطييبًا لنفوسهنّ، وصونًا لهنّ عن أقوال الغيرة التي تؤدي إلى ما لا ينبغي.
وقيل: كان القسم واجبًا على النبيّ - ﷺ -، ثم نُسِخ الوجوبُ عنه بهذه الآية، قال أبو رزين: كان رسول الله - ﷺ - قد هَمّ بطلاق بعض نسائه، فقلن له: اقْسِم لنا ما شئت، فكان ممن آوى عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب، فكان قسمتهنّ من نفسه وماله سواء بينهنّ، وكان ممن أرجى سودة، وجويرية، وأم حبيبة، وميمونة، وصفية، فكان يَقْسِم لهنّ ما شاء.
وقيل: المراد الواهبات، رَوَى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ قالت: هذا في الواهبات أنفسهنّ، قال الشعبيّ:
[ ٢٥ / ٧٨٣ ]
هنّ الواهبات أنفسهنّ، تزوج رسول الله - ﷺ - منهنّ، وترك منهنّ.
وقال الزهريّ ما علمنا أن رسول الله - ﷺ - أرجأ أحدًا من أزواجه، بل آواهنّ كلهنّ.
وقال ابن عباس وغيره: المعنى في طلاق من شاء، ممن حصل في عصمته، وإمساك من شاء، وقيل غير هذا، وعلى كل معنى، فالآية معناها التوسعة على رسول الله - ﷺ -، والإباحة، وما اخترناه أصحّ. انتهى كلام أبي عبد الله القرطبيّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق أن أرجح الأقوال هو ما دلّ عليه ظاهر الآية الكريمة، وحديث عائشة - ﵂ - المذكور في الباب أنه - ﷺ - خُصّ بعدم وجوب القسم، فلا يجب عليه، ولكنه كان يَقْسِم من قبل نفسه؛ لكرمه، وحسن عشرته، ورأفته بأزواجه، فظهر به مصداق قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾، وقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾، وقوله - ﷺ -: "خيركم خير لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (^٢)، فصلى الله وسلم، وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٣٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: أَمَا تَسْتَحْيِي امْرَأَةٌ تَهَبُ نَفْسَهَا لِرَجُلٍ؟ حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، فَقُلْتُ: إِنَّ رَبَّكَ لَيُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةُ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩.
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ١٤/ ٢١٤ - ٢١٥.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه.
[ ٢٥ / ٧٨٤ ]
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٣٣] (١٤٦٥) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْن حَاتِمٍ، قَالَ مُحَمَّدُ بْن حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَنَازَةَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِسَرِفَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ زَوْجُ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا، فَلَا تُزَعْزِعُوا، وَلَا تُزَلْزِلُوا، وَارْفُقُوا، فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تِسْعٌ، فَكَانَ يَقْسِمُ لِثَمَانٍ، وَلَا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ، قَالَ عَطَاءٌ: الَّتِي لَا يَقْسِمُ لَهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون، تقدّم قبل باب.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل بابين.
٥ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر - ﵄ -، تقدّم قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان قرن بينهما، ثم فصّل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني تفرّد به هو وأبو داود.
[ ٢٥ / ٧٨٥ ]
٣ - (ومنها): أن فيه ابن عباس - ﵄ - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَطَاءِ بن أبي رباح)، أنه (قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (جِنَازَةَ مَيْمُونَةَ) - بكسر الجيم، وفتحها، والكسر أفصح -: والمراد سريرها الذي وُضِعت هي عليه لَمّا ماتت، من جَنَزتُ الشيءَ أجنِزه، من باب ضرب: إذا سترته، قال الأصمعيّ، وابن الأعرابيّ: بالكسر الميت نفسه، وبالفتح السرير، ورَوَى أبو عمر الزاهد، عن ثعلب عكس هذا، فقال: بالكسر السرير، وبالفتح الميت نفسه، قاله الفيّوميّ (^١).
وفي "القاموس": والْجِنَازة: الميتُ، ويُفتح، أو بالكسر: الميتُ، وبالفتح: السرير، أو عكسه، أو بالكسر: السرير مع الميت. انتهى.
وميمونة هي بنت الحارث الهلاليّة، قيل: اسمها برّة، فسمّاها النبيّ - ﷺ - ميمونة، وتزوّجها بسرف، سنة سبع من الهجرة، وماتت بها، ودُفنت سنة (٥١) على الصحيح (زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -) بالجرّ بدل من "ميمونة" (بِسَرِفَ) اتَّفَقَ العلماء على أنها تُوُفّيت بسَرِف - بفتح السين، وكسر الراء، وبالفاء - وهو مكان بقرب مكة، بينه وبينها ستة أميال، وقيل: سبعة، وقيل: تسعة، وقيل: اثنا عشر، قاله النوويّ - ﵀ - (^٢).
وأخرج ابن سعد بإسناد صحيح عن يزيد بن الأصمّ، قال: "دفنّا ميمونة بسرف، في الظلّة التي بنى بها فيها رسول الله - ﷺ -"، ومن وجه آخر عن يزيد بن الأصمّ، قال: "صلّى عليها ابن عبّاس، ونزل في قبرها عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعبيد الله الْخَوْلانيّ، ويزيد بن الأصمّ"، أما عبد الرحمن، فهي خالة أبيه، وأما عُبيد الله الخولانيّ، فكان في حِجرها، وأما يزيد بن الأصمّ، فهي خالته، كما هي خالة لابن عباس - ﵃ -، أفاده في "الفتح" (^٣).
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١١١.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ٥٠.
(٣) ١١/ ٣٢٩.
[ ٢٥ / ٧٨٦ ]
(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (هَذِهِ زَوْجُ النَّبِيِّ - ﷺ -) تقدّم أن الزوج بلا هاء يُطلق على الرجل والمرأة، وهذه هي اللغة الفصحى، وبها جاء القرآن، كقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وبعض العرب يقولون في المرأة: زوجة بالهاء (إِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا) - بعين مهملة، وشين معجمة -: هو السرير الذي يوضع عليه الميت (فَلَا تُزَعْزِعُوا) - بزايين معجمتين، وعينين مهملتين - والزعزعة تحريك الشي الذي يُرفَع، أي لا تحرّكوا جنازتها؛ احترامًا لهًا، وتوقيرًا، وقوله: (وَلَا تُزَلْزِلُوا) الزلزلة الاضطراب، فيكون مؤكّدًا لـ "تُزَعزعُوا"، وقوله: (وَارْفُقُوا) فيه إشارة إلى أن مراده بعدم الزعزعة، والتحريك هو الرفق بها؛ توقيرًا، وتعظيمًا لها، فيكون المطلوب هو السيرَ الوسطَ المعتدلَ (فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تِسْعُ) أي تسع نِسْوَةٍ أراد به عند موته - ﷺ -، وهنّ سودة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة، وجُويرية، وصفيّة، وميمونة، هذا ترتيب تزويجه - ﷺ - إياهنّ - رضي الله تعالى عنهنّ -، ومات، وهنّ في عصمته، واختُلف في رَيحانة، هل كانت زوجة، أو سُرّيّةً، وهل ماتت قبله، أم لا؟. وسيأتي تمام البحث فيهنّ في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - (فَكَانَ يَقْسِمُ) بفتح أوّله، من باب ضرب (لِثَمَانٍ) أي ومن جملتهنّ ميمونة رضي الله تعالى عنها، فينبغي لكم أن تعرفوا فضلها، وتراعوا حقّها (وَلَا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ) وقوله: (قَالَ عَطَاءُ) بن أبي رباح (الَّتِي لَا يَقْسِمُ لَهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ) قال النوويّ - ﵀ -: قول عطاء: "التي لا يقسم لها صفية": قال العلماء: هو وَهَمٌ من ابن جُريج الراوي عن عطاء، وإنما الصواب سودة، كما سبق في الأحاديث. انتهى.
وقال في "الفتح": قال عياض: قال الطحاويّ: هذا وَهَمٌ، وصوابه سودة، كما تقدّم أنها وهبت يومها لعائشة، وإنما غلط فيه ابن جريج، راويه عن عطاء. كذا قال، قال عياض: قد ذكروا في قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] أنه آوى عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، فكان يستوفي لهنّ الْقَسْمَ، وأرجأ سودة، وجويرية، وأم حبيبة، وميمونة، وصفيّة، فكان يَقسم لهنّ ما شاء. قال: فيحتمل أن تكون رواية ابن جريج صحيحة، ويكون ذلك في آخر أمره، حيث آوى الجميع، فكان يَقسم لجميعهنّ إلا لصفيّة.
[ ٢٥ / ٧٨٧ ]
قال الحافظ: قد أخرج ابن سعد من ثلاثة طرق أن النبيّ - ﷺ - كان يقسم لصفيّة، كما يَقسم لنسائه، لكن في الأسانيد الثلاثة الواقديّ، وليس بحجّة، وقد تعصّب مغلطاي للواقديّ، فنقل كلام من قوّاه، ووثّقه، وسكت عن ذكر من وهّاه، واتّهمه، وهم أكثر عددًا، وأشدّ إتقانًا، وأقوى معرفةً به من الأولين، ومن جملة ما قوّاه به أن الشافعيّ روى عنه، وقد أسند البيهقيّ عن الشافعيّ أنه كذّبه، ولا يقال: فكيف روى عنه؟؛ لأنا نقول: رواية العدل ليست بمجرّدها توثيقًا، فقد روى أبو حنيفة عن جابر الْجُعفيّ، وثبت عنه أنه قال: ما رأيت أكذب منه.
فيترجّح أن مراد ابن عبّاس بالتي لا يَقسم لها سودة، كما قاله الطحاويّ؛ لحديث عائشة - ﵂ -: "أن سودة وهبت يومها لعائشة، وكان النبيّ - ﷺ - يقسم لعائشة يومها، ويوم سودة"، كما تقدّم.
لكن يَحْتَمِل أن يقال: لا يلزم من أنه كان لا يبيت عند سودة أن لا يقسم لها، بل كان يقسم لها، لكن يبيت عند عائشة - ﵂ - وقع من تلك الهبة.
نعم يجوز نفي القسم عنها مجازًا.
قال الحافظ: والراجح عندي ما ثبت في "الصحيح"، ولعلّ البخاريّ حذف هذه الزيادة عمدًا.
قال: وقد وقع عند مسلم أيضًا فيه زيادة أخرى من رواية عبد الرزّاق، عن ابن جريج، قال عطاء: كانت آخرهنّ موتًا، ماتت بالمدينة.
كذا قال، فأما كونها آخرهنّ موتًا، فقد وافق عليه ابن سعد وغيره، قالوا: وكانت وفاتها سنة إحدى وستين، وخالفهم آخرون، فقالوا: ماتت سنة ستّ وخمسين، ويعكر عليه أن أم سلمة عاشت إلى قتل الحسين بن عليّ، وكان قتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. وقيل: بل ماتت أم سلمة سنة تسع وخمسين، والأول أرجح.
ويَحْتمِل أن تكونا ماتتا في سنة واحدة، لكن تأخّرت ميمونة.
وقد قيل أيضًا: إنها ماتت سنة ثلاث وستّين، وقيل: سنة ستّ وستّين، وعلى هذا لا ترديد في آخريّتها في ذلك.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ترجيح الحافظ هنا يخالف ترجيحه في
[ ٢٥ / ٧٨٨ ]
"تهذيب التهذيب"، و"التقريب"، حيث قال: وتوفيت سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثلاث وستّين. وقيل: سنة ستّ وستّين، قال: والقول الأول هو الصحيح، وأما الأخيران، فغلط بلا ريب، فقد صحّ من حديث يزيد بن الأصمّ، قال: دخلت على عائشة بعد وفاة ميمونة، فقالت: كانت من أتقانا، انتهى.
قال: وأما قوله: "وماتت بالمدينة"، فقد تكلّم عليه عياض، فقال: ظاهره أنه أراد ميمونة، وكيف يلتئم مع قوله في أول الحديث: إنها ماتت بسرف، وسرف من مكة بلا خلاف، فيكون قوله: "بالمدينة" وَهَمًا.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن يريد بالمدينة البلد، وهي مكّة، والذي في أول الحديث أنهم حضروا جنازتها بسرف، ولا يلزم من ذلك أنها ماتت بسرف، فيَحْتَمِل أن تكون ماتت داخل مكة، وأوصت أن تُدفن بالمكان الذي دخل بها رسول الله - ﷺ - فيه، فنفّذ ابن عباس وصيّتها، ويؤيّد ذلك أن ابن سعد لما ذكر حديث ابن جريج هذا قال بعده: وقال غير ابن جريج في هذا الحديث: توفّيت بمكة، فحملها ابن عبّاس حشى دفنها بسرف. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٣٦٣٣ و٣٦٣٤] (١٤٦٥)، و(البخاريّ) في "النكاح" (٥٠٦٧)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٦/ ٥٣) و"الكبرى" (٣/ ٢٥٨ و٥/ ٢٩٣)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣/ ٤٤٢)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٣١ و٣٤٨ و٣٤٩)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٤/ ٢٢٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٣٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٣٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١١/ ١٨٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٢)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٣٢٩ - ٣٣١.
[ ٢٥ / ٧٨٩ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما خصّ الله تعالى نبيّه - ﷺ - فيما يتعلّق بالنكاح، حيث أباح له أكثر من أربع زوجات.
٢ - (ومنها): أن مِن أغرب ما اتَّفَق من الأحداث، ما اتَّفَق لميمونة - ﵂ -، حيث تزوّجها رسول الله - ﷺ - سنة سبع من الهجرة، بسَرِف، وبنى بها فيها، ثم تُوفّيت بعد ذلك سنة (٥١)، وقيل: بعد ذلك بسَرِف، ودُفنت في الظّلّة التي بنى بها فيها - ﷺ -، وبين تزويجها، ووفاتها أزيد من ثلاث وأربعين سنة، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن فيه بيان ما لأمهات المؤمنين - رضي الله تعالى عنهنّ - من وجوب الاحترام، والتعظيم أكثر من غيرهنّ.
٤ - (ومنها): أن حرمة المؤمن بعد موته باقية، كما كانت في حياته، وفيه حديثُ: "كسر عظم الْميّت ككسره حيًّا"، أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن حبّان، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٣٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادَ: قَالَ عَطَاءٌ: كَانَتْ آخِرَهُنَّ مَوْتًا، مَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل باب.
و"ابن جُريج" ذُكر قبله.
وقوله: (وَزَادَ: قَالَ عَطَاءٌ) فاعل "زاد" ضمير عبد الرزّاق - ﵁ -.
وقوله: (كَانَتْ آخِرَهُنَّ مَوْتًا، مَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ) قال القاضي عياض: - ﵀ -: ظاهر كلام عطاء أنه أراد بآخرهنّ موتًا ميمونة، وقد ذُكِر في الحديث أنها ماتت بسَرِف، وهي بقرب مكة، فقوله: "بالمدينة" وَهَمٌ.
[ ٢٥ / ٧٩٠ ]
وقوله: "آخرهن موتًا"، قيل: ماتت ميمونة سنة ثلاث وستين، وقيل: ست وستين، وقيل: إحدى وخمسين (^١) قبل عائشة؛ لأن عائشة تُوُفّيت سنة سبع، وقيل: ثمان وخمسين، وأما صفية، فتُوُفّيت سنة خمسين بالمدينة. انتهى كلام القاضي - ﵀ -.
قال النوويّ - ﵀ -: ويَحْتَمِل أن قوله: "ماتت بالمدينة" عائد على صفية، ولفظه فيه صحيح يَحْتَمِله، أو ظاهرٌ فيه. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره النوويّ فيه نظرٌ؛ لأن صفيّة ليست هي آخرهنّ موتًا، فقد قيل: إنها ماتت سنة ستّ وثلاثين، وقيل: سنة خمسين، وهو الأصحّ، وعائشة، وأم سلمة - ﵄ - بعده بيقين، فإن عائشة ماتت على الأصح سنة سبع وخمسين، وأم سلمة ماتت على الأصحّ سنة اثنتين وستين، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قول عطاء: "كانت آخرهنّ موتًا، ماتت بالمدينة" قولٌ مشكلٌ، يلزم عليه وهمٌ، وذلك أنه إن أراد ميمونة فقد وَهِمَ في قوله: "إنها ماتت بالمدينة"، وقد بيّنّا أنها ماتت بسَرِف، إلا أن يريد بالمدينة هنا مكة، وفيه بُعْدٌ، وإن أراد بها صفيّة فقد وَهِمَ أيضًا؛ لأنها لم تكن آخرهنّ موتًا على ما قدّمنا، وقد وَهِمَ أيضًا في قوله: إن التي لا يَقسِم له هي صفيّة، فإن المشهور أن التي لا يَقسِم لها هي سودة، وهبت يومها لعائشة، كما تقدّم. انتهى (^٣).
[تنبيه]: رواية عبد الرزّاق، عن ابن جريج هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - (١/ ٣٤٩) فقال:
(٣٢٦١) - حدثنا عبد الله (^٤)، حدّثني أبي، ثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج
_________________
(١) هذا هو الأصحّ، وأما القولان الأولان فغلط بلا ريب، فقد صحّ من حديث يزيد بن الأصمّ، قال: دخلت على عائشة بعد وفاة ميمونة، فقالت: كانت من أتقانا. قاله في "تهذيب الهذيب" ٤/ ٦٨٩.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ٥١.
(٣) "المفهم" ٤/ ٢١٢.
(٤) هو ابن الإمام أحمد الراوي عنه "المسند".
[ ٢٥ / ٧٩١ ]
قال: أخبرني عطاء أن ميمونة زوج النبيّ - ﷺ - خالة ابن عباس، تُوُفِّيت، قال: فذهبت معه إلى سَرِف، قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أم المؤمنين، لا تُزعْزعوا بها، ولا تزلزلوا، ارفُقُوا، فإنه كان عند نبي الله - ﷺ - تسع نسوة، فكان يَقْسِم لثمان، ولا يَقْسِم للتاسعة، يريد صفية بنت حُيَيّ. قال عطاء: كانت آخرهنّ موتًا، ماتت بالمدينة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.