وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٨٩] (١٤٢٦) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
_________________
(١) هكذا ترجم القرطبيّ - ﵀ - هنا، فتبعته؛ لكونه مناسبًا، فتنبّه.
[ ٢٥ / ٣٠١ ]
مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟، قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أوقيَّةً وَنَشًّا، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِأَزْوَاجِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ) الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٠) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
٤ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، تقدّم قريبًا.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدّمت أيضًا قريبًا.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي، فـ "عبد العزيز بن محمد" هو الدراورديّ.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخيه: فالأول مروزيّ، ثم نيسابوريّ، والثاني عَدَنيّ، ثم مكيّ.
[ ٢٥ / ٣٠٢ ]
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض: يزيد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة.
٥ - (ومنها): أن فيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا سلمة بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، على بعض الأقوال، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -) - ﵂ - (كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟) الصِداق بالفتح، والكسر، جمعه أَصْدِقَةٌ، كقَذَال وأقذِلَة، وبِنَاء، وأَبْنِيَةٍ، وهو مهر المرأة، قال في "اللسان": الصّدَقَةُ - أي بفتحتين - والصّدُقة - بفتح، فضمّ - والصُّدُقة - بضمّتين - والصُّدْقَة - بضمّ، فسكون - والصَّدْقَة - بفتح، فسكون - والصَّداق - بالفتح - والصِّدَاق - بالكسر -: مهر المرأة، وجمعها في أدنى العدد - يعني جمع القلّة -: أَصْدِقَةٌ، والكثير: صُدُقٌ، وهذان البناءان إنما هما على الغالب، وقد أصدق المرأة حين تزوّجها: أي جعل لها صداقًا، وقيل: أصدقها: سَمَّى لها صَدَاقًا. انتهى بتوضيح (^١).
وقال في: "القاموس": الصَّدُقَةُ - بضمّ الدال -، وكغُرْفة، وصَدْمَة، وبضمّتين، وبفتحتين، وككِتاب، وسَحَاب: مهر المرأة، جمع الصَّدُقَة، كَنَدُسَة: صَدُقاتٌ، وجمعُ الصُّدْقَة - بالضمّ -: صُدْقَاتٌ، وصُدَقَاتٌ، وصُدُقَاتٌ - بضمّتين - وهي أقبحها. انتهى (^٢).
وقد نظمت لغات الصِداق بقولي:
قَدْ ضُبِطَ الصَّدَاقُ كَالسَّحَابِ … وَغُرْفَةٍ وَصَدْمَةٍ كِتَابِ
وَضَمَّتَيْنِ زِدْ وَفَتْحَتَيْنِ … لِمَهْرِ نِسْوَةٍ بِغَيْرِ مَيْنِ
_________________
(١) "لسان العرب" ١٠/ ١٩٧.
(٢) "القاموس المحيط" ص ١١٦٢.
[ ٢٥ / ٣٠٣ ]
وَجَمْعُهُ كَكُتُبٍ وَأَرْغِفَهْ … هذَا هُوَ الْغَالِبُ يَا ذَا الْمَعْرِفَهْ
(قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً) - بضمّ الهمزة، وسكون الواو، وكسر القاف، وتشديد الياء التحتانية - قال النوويّ - ﵀ -: الأوقيّة بضمّ الهمزة، وتشديد الياء، والمراد أُوقيّة الحجاز، وهي أربعون درهمًا (^١). انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم البحث في ضبط الأوقيّة مستوفًى في الباب الماضي.
(وَنَشًّا) - بفتح النون، وتشديد الشين المعجمة -: فسّرته عائشة - ﵂ -، وقال كُراع: هو نصف الشيء، وقال الخطّابيّ: هو اسم موضوع لهذا القدر، وقال القرطبيّ: هو مُعَرَّبٌ، منوّنٌ. انتهى (^٣)، وقال الفيّوميّ: النّشّ بالفتح: نصف الأوقيّة وغيرها، وكانت الأوقيّة عندهم أربعين درهمًا، وكان النشّ عشرين درهمًا، قال ابن الأعرابيّ: ونشُّ الدرهم، والرَّغِيف: نصفه. انتهى.
(قَالَتْ) عائشة - ﵂ - (أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قَالَ) أبو سلمة (قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَتِلْكَ) أي مجموع الاثنتي عشرة أوقيّةً ونشًّا (خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ (^٤)، فَهَذَا صَدَاقُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِأَزْوَاجِهِ) قال النوويّ - ﵀ -: استدلّ بهذا الحديث أصحابنا على أنه يستحبّ كون الصداق خمسمائة درهم، والمراد: في حقّ من يحتمل ذلك.
[فإن قيل]: فصداق أمّ حبيبة زوج النبيّ - ﷺ -، كان أربعة آلاف درهم، وأربعمائة دينار. [فالجواب]: أن هذا القدر تبرّع به النجاشيّ من ماله، إكرامًا
_________________
(١) وقدّر بالمعيار المعاصر بـ (١٤٧) غرامًا، راجع ما كتبه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن البسّام - ﵀ - في كتابه: "توضيح المرام" ٤/ ٤٧١.
(٢) "شرح النوويّ" ٩/ ٢١٥.
(٣) "المفهم" ٤/ ١٣٣ - ١٣٤.
(٤) هو بالريال السعوديّ مائة وأربعون ريالًا، قاله الشيخ البسام - ﵀ -، "توضيح الأحكام" ٤/ ٤٧٢.
[ ٢٥ / ٣٠٤ ]
للنبيّ - ﷺ -، لا أنّ النبيّ - ﷺ - أدّاه، أو عقد به. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ - ما ملخّصه: هذا القول من عائشة - ﵂ - إنما هو إخبار عن غالب أزواج النبيّ - ﷺ -؛ لأن صفيّة - ﵂ - من جملة أزواجه، وأصدقها نفسها، على ما تقدّم من الخلاف، وزينب بنت جحش - ﵂ -، لم يُذكر لها صداق، وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان - ﵂ - أصدقها النجاشيّ أربعة آلاف درهم، فقد خرج هؤلاء من عموم قول عائشة - ﵂ -. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٣٤٨٩] (١٤٢٦)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٣٣٤٨) وفي "الكبرى" (٥٥١٣)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢١٠٥)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٨٨٦)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦/ ١٧٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٩٣)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢١٩٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٣٣) و"الصغرى" (٦/ ٢٢١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن الصداق للمرأة عند النكاح لا بدّ منه.
٢ - (ومنها): كون الصداق خمسمائة درهم، وهذا ليس على سبيل الوجوب، وإنما هو لمن يتيسّر له ذلك، وإلا فيجوز بأقلّ منه، فقد ثبت أنه - ﷺ - قال: "التمس، ولو خاتمًا من حديد"، وأنه - ﷺ - تزوّج بأكثر من ذلك، كما في قصّة أم حبيبة - ﵂ -، غير أنّ المغالاة فيه مكروهةٌ؛ لأنها من باب السرف، والتعسير، والمباهاة، قاله القرطبيّ.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٩/ ٢١٥.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٣٤.
[ ٢٥ / ٣٠٥ ]
وقد تقدّم اختلاف أهل العلم في أقلّ المهر في المسألة السابعة من شرح حديث الواهبة نفسها، وهو الحديث الأول في الباب الماضي، مستوفىً، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٩٠] (١٤٢٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا حَمَادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَثَرَ صُفْرَةٍ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ "، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: "فَبَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ) البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٣ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنَانيّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الأنصاريّ الْخَزرجي الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٢٧) من رباعيّات الكتاب، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفية أخذه عنهم، ثم فصّل؛ لاختلافهم فيها.
[ ٢٥ / ٣٠٦ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وأبي الربيع، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير يحيى، فنيسابوريّ، وقتيبة، فبغلانيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالبصرة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ) بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زُهرة القرشيّ الزهريّ، أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، أسلم قديمًا، ومناقبه شهيرة، ومات - ﵁ - سنة (٣٢) وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته في "الصلاة" ٢٣/ ٩٥٧. (أَثَرَ صُفْرَةٍ) - بضمّ الصاد المهملة، وسكون الفاء -: لونٌ دون الحمرة، ويطلق على الأسود أيضًا، والمراد به هنا صفرة الْخَلُوق، و"الْخَلُوق" - بفتح الخاء المعجمة، وضمّ اللام، آخره قاف، وِزان رَسُولٍ -: ما يُتخلّقُ به من الطيب، قال بعض الفقهاء: وهو مائعٌ فيه صُفْرةٌ، والْخِلاقُ، مثلُ كتاب بمعناه. قاله الفيّوميّ. وقال في "الفتح": طيبٌ يُصنَع من زعفران وغيره.
وفي رواية: "فلقيه النبيّ - ﷺ - في سِكّة من سِكَك المدينة، وعليه وَضَر من صفرة"، وفي رواية: "وعليه وضرٌ من خَلُوق"، وفي رواية: "وعليه رَدْعُ زعفران". و"الوضر" بفتح الواو، والضاد المعجمة، وآخره راءٌ: هو في الأصل الأثر، و"الرَّدْعُ" بمهملات مفتوح الأول، ساكن الثاني -: هو أثر الزعفران، والمراد بالصفرة: صفرةُ الْخَلُوق، والْخَلُوق: طيب من زعفران وغيره. قاله في "الفتح".
وقال النوويّ - ﵀ -: وقوله: "أثر صُفْرة"، وفي رواية في غير كتاب مسلم: "رأى عليه صفرةً"، وفي رواية: "رَدْع من زعفران"، والردع براء ودال وعين مهملات، هو أثر الطيب، والصحيح في معنى هذا الحديث أنه
[ ٢٥ / ٣٠٧ ]
تَعَلَّق به أثر من الزعفران وغيره، من طيب العَرُوس، ولم يقصده، ولا تعمد التزعفر، فقد ثبت في "الصحيح" النهي عن التزعفر للرجال، وكذا نُهِي الرجالُ عن الْخَلُوق؛ لأنه شعار النساء، وقد نُهِي الرجال عن التشبه بالنساء، فهذا هو الصحيح في معنى الحديث، وهو الذي اختاره القاضي، والمحققون، قال القاضي: وقيل: إنه يُرَخَّص في ذلك للرجل العروس، وقد جاء ذلك في أثر ذكره أبو عبيد، أنهم كانوا يُرَخِّصون في ذلك للشاب أيام عُرْسه، قال: وقيل: لعله كان يسيرًا، فلم يُنكَر، قال: وقيل: كان في أول الإسلام من تزوج لَبِس ثوبًا مصبوغًا علامةً لسروره وزواجه، قال: وهذا غير معروف، وقيل: يَحْتَمِل أنه كان في ثيابه دون بدنه، ومذهب مالك وأصحابه جواز لبس الثياب المزعفرة، وحكاه مالك عن علماء المدينة، وهذا مذهب ابن عمر وغيره، وقال الشافعيّ، وأبو حنيفة: لا يجوز ذلك للرجل. انتهى (^١).
[تنبيه]: في الحديث قصّة، ساقها البخاريّ - ﵀ -، ولفظه:
(١٩٠٧) - حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -: لَمّا قَدِمنا المدينة آخى رسول الله - ﷺ - بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالًا، فأَقسم لك نصف مالي، وانظر أيَّ زوجتي هَوِيتَ نزلت لك عنها، فإذا حَلَّت تزوجتها، قال: فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ قال: سوق قَينقاع، قال: فغدا إليه عبد الرحمن، فأتى بأَقِطٍ وسَمْنٍ، قال: ثم تابع الْغُدُوّ، فما لَبِث أن جاء عبد الرحمن عليه أثر صُفْرة، فقال رسول الله - ﷺ -: "تزوجت؟ "، قال: نعم، قال: "ومَنْ؟ "، قال: امرأةً من الأنصار، قال: "كم سُقْت؟ "، قال: زِنَةَ نَوَاة، من ذهب، أو نَوَاةً من ذهب، فقال له النبيّ - ﷺ -: "أَوْلِمْ، ولو بشاة".
وفي رواية: قال: لَمّا قَدِموا المدينة، نزل المهاجرون على الأنصار،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٩/ ٢١٦.
[ ٢٥ / ٣٠٨ ]
فنزل عبد الرحمن بن عوف، على سعد بن الربيع، فقال: أقاسمك مالي، وأَنزِل لك عن إحدى امرأتيّ، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، فخرج إلى السوق، فباع، واشترى، فأصاب شيئًا من أقط، وسمن، فتزوج، فقال النبيّ - ﷺ -: "أولم، ولو بشاة". انتهى.
(فَقَالَ) - ﷺ - ("مَا هَذَا؟ ") وفي رواية للبخاريّ: "فقال له رسول الله - ﷺ -: مَهْيم" (^١): أي ما شأنك، أو ما هذا؟ (قَالَ) عبد الرحمن (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً) قال في "الفتح": وهذه المرأة جزم الزبير بن بكار في "كتاب النسب" أنها بنت أبي الحيسر، أنس بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، وفي ترجمة عبد الرحمن بن عوف من "طبقات ابن سعد" أنها بنت أبي الحشاش، وساق نسبه، قال الحافظ: وأظنهما ثنتين، فإن في رواية الزبير قال: ولدت لعبد الرحمن القاسمَ، وعبدَ الله، وفي رواية ابن سعد: ولدت له إسماعيلَ، وعبدَ الله، وذكر ابن القدّاح في نسب الأوس: أنها أم إياس بنت أبي الحيسر - بفتح المهملتين، بينهما تحتانية ساكنة، وآخره راء - واسمه أنس بن رافع الأوسيّ. انتهى (^٢).
_________________
(١) قوله: "مهيم" - بفتح الميم، وسكون الهاء، وفتح التحتانيّة، وسكون الميم -: أي ما شأنك؟، أو ما هذا؟، وهي كلمة استفهام، مبنيّةٌ على السكون، وهل هي بسيطةٌ، أم مركّبةٌ؟ قولان لأهل اللغة، وقال ابن مالك: هي اسم فعل بمعنى أخبر، ووقع في رواية للطبرانيّ في "الأوسط": "فقال له: مهيم، وكانت كلمته إذا أراد أن يسأل عن الشيء"، ووقع في رواية ابن السكن: (مَهْيَنْ) بنون آخره، بدل الميم، والأول هو المعروف قاله في "الفتح". ثم يَحْتَمِل أن يكون الاستفهام استفهام إنكار، ويَحْتَمِل أن يكون سؤالًا، أي ما السبب في الذي أراه عليك؟. وقال في "اللسان": "مهيم" كلمة يمانية، معناها: ما أمرك؟، وما هذا الذي أرى بك؟، ونحو هذا من الكلام، قال الأزهريّ: ولا أعلم على وزن مَهْيَم كلمة غير مَرْيَم. وقال الجوهريّ: كلمة يُستفهم بها، معناها: ما حالك؟، وما شأنك؟. انتهى.
(٢) "الفتح" ١١/ ٥٢٤ - ٥٢٥.
[ ٢٥ / ٣٠٩ ]
(عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ) زاد في الرواية الآتية: "كم أصدقتها؟، قال: فقلت: نواةً".
[تنبيه]: "النّوَى" - بفتح النون، والواو، مقصورًا -: اختُلف في المراد به على أقوال: فقيل: المراد واحدة نوى التمر، كما يوزن بنوى الْخَرُّوب، وأن القيمة عنها يومئذ كانت خمسة دراهم. وقيل: كان قدرها يومئذ ربع دينار، ورُدّ بأن نوى التمر يَختلف في الوزن، فكيف يُجعل معيارًا لما يوزن به؟، وقيل: لفظ النواة من ذهب عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورِق، وجزم به الخطّابيّ، واختاره الأزهريّ، ونقله عياضٌ عن أكثر العلماء، ويؤيّده أن في رواية للبيهقيّ من طريق سعيد بن بشر، عن قتادة: "وزن نواة من ذهب، قُوّمت خمسةَ دراهمَ"، وقيل: وزنها من الذهب خمسة دراهم، حكاه ابن قتيبة، وجزم به ابن فارس، وجعله البيضاويّ الظاهر. واستُبعِدَ لأنه يستلزم أن يكون ثلاثة مثاقيل ونصفًا، ووقع في رواية حجّاج بن أرطاة، عن قتادة، عند البيهقيّ: "قُوّمت ثلاثة دراهم وثلثًا"، وإسناده ضعيف، ولكن جزم به أحمد، وقيل: ثلاثة ونصفٌ، وقيل: ثلاثة وربع، وعن بعض المالكيّة النواة عند أهل المدينة ربع دينار، ويؤيّد هذا ما وقع عند الطبرانيّ في "الأوسط" في آخر الحديث قال أنس: "جاء وزنها ربع دينار"، وقد قال الشافعيّ: النواة ربع النّشّ نصف أوقيّة، والأوقيّة أربعون درهمًا، فيكون خمسة دراهم، وكذا قال أبو عبيد: إن عبد الرحمن بن عوف دفع خمسة دراهم، وهي تسمى نواة كما تسمّى الأربعون أوقيّة، وبه جزم أبو عوانة، وآخرون، قاله في "الفتح" (^١).
وقال في "النهاية": النواةُ اسم لخمسة دراهم، كما قيل للأربعين: أوقيّة، وللعشرين: نَشّ، وقيل: أراد قدر نواة من ذهب كان قيمتها خمسة دراهم، ولم يكن ثَمَّ ذهبٌ، وأنكره أبو عبيد، قال الأزهريّ: لفظ الحديث، يدلّ على أنه تزوّج المرأة على ذهب قيمته خمسة دراهم، ألا تراه قال: نواة من ذهب، ولست أدري لِمَ أنكره أبو عُبيد، والنواة في الأصل عَجَمَةُ التمرة. انتهى (^٢).
(مِنْ ذَهَبٍ) قال في "الفتح": كذا وقع الجزم في رواية ابن عيينة،
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٥٢٦.
(٢) "النهاية" ٥/ ١٣١ - ١٣٢.
[ ٢٥ / ٣١٠ ]
والثوريّ، وكذا في رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد، وفي رواية زهير، وابن عليّة: "نواة من ذهب، أو وزن نواة من ذهب"، وكذا في رواية عبد الرحمن نفسه بالشكّ، وفي رواية شعبة عن عبد العزيز بن صُهيب: "على وزن نواة"، وعن قتادة: "على وزن نواة من ذهب"، ومثل الأخير في رواية حماد بن زيد، عن ثابت، وكذا أخرجه مسلم من طريق أبي عوانة، عن قتادة، ولمسلم من رواية شعبة، عن أبي حمزة، عن أنس: "على وزن نواة، فقال رجلٌ من ولد عبد الرحمن: من ذهب"، ورجّح الداوديّ رواية من قال: "على نواة من ذهب"، واستنكر رواية من روى: "وزن نواة"، قال الحافظ: واستنكاره هو المنكر؛ لأن الذين جزموا بذلك أئمّةٌ حُفّاظ، قال عياضٌ: لا وَهَمَ في الرواية؛ لأنها إن كانت نواة تمر، أو غيره، أو كان للنواة قدرٌ معلوم، صلح أن يقال في كلّ ذلك: وزن نواة. انتهى (^١).
(قَالَ) - ﷺ - ("فَبَارَكَ اللهُ لَكَ) قال النوويّ - ﵀ -: فيه استحباب الدعاء للمتزوّج، وأن يقال: بارك الله لك، أو نحوه، وسبق في الباب الماضي إيضاحه. انتهى (^٢).
(أَوْلِمْ) فعل أمر من أولَمَ: إذا صَنَعَ وَلِيمَة، أي اصنع وليمة، و"الوليمة": اسم لكلّ طعام يُتّخذ لجمع، وقال ابن فارس: هي طعام الْعُرْس، والجمع وَلائم، قاله الفيّوميّ، وقال ابن منظور: الوليمة طعام العُرْس، والإملاك، وقيل: هي كلّ طعام صُنِع لِعُرس وغيره، وقد أولم، قال أبو عبيد: سمعت أبا زيد يقول: يُسمَّى الطعام الذي يُصنع عند الْعُرْس الوليمةَ، والذي عند الإمْلَاكِ النَّقِيعَةَ. انتهى (^٣)، وسيأتي تمام البحث في ذلك بعد بابين - إن شاء الله تعالى -.
(وَلَوْ بِشَاةٍ") "لو" هنا للتقليل، كما في حديث: "رُدُّوا السائل ولو بظلف مُحْرَق" (^٤)، قال السيوطيّ في "الكوكب الساطع" عند تعداد معاني "لو":
وَقِلَّةٍ كَخَبَرِ الْمُصَدَّقِ … تَصَدَّقُوا وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقِ
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٥٢٥ - ٥٢٦.
(٢) "شرح مسلم" ٩/ ٢١٦.
(٣) راجع: "لسان العرب" ١٢/ ٦٤٣.
(٤) حديث صحيح، أخرجه النسائيّ.
[ ٢٥ / ٣١١ ]
وقال في "الفتح": ليست "لو" هذه الامتناعيّة (^١)، وإنما هي للتقليل، وزاد في رواية حماد بن زيد: "فقال: بارك الله لك" قبل قوله: "أولم"، وكذا في رواية حماد بن سلمة، عن ثابت، وحميد.
وزاد في آخر الحديث: "قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني، ولو رفعت حجرًا لرجوت أن أُصيب ذهبًا أو فضّة"، فكأنه قال ذلك إشارةً إلى إجابة الدعوة النبويّة بأن يبارك الله له.
ووقع في رواية أبي هريرة - ﵁ - بعد قوله: "أَعْرَستَ؟ "، قال: نعم، قال: "أولمت؟ " قال: لا، فرمى إليه رسول الله - ﷺ - بنواة من ذهب، فقال: "أولم، ولو بشاة"، وهذا لو صحّ كان فيه أن الشاة من إعانة النبيّ - ﷺ -، وكان يعكُرُ على من استدلّ به على أن الشاة أقلّ ما يشرع للموسر، ولكن الإسناد ضعيف.
وفي رواية معمر، عن ثابت: "قال أنس: فلقد رأيته قُسِم لكلّ امرأة من نسائه بعد موته مائة ألف"، قال الحافظ: قلت: مات عن أربع نسوة، فيكون جميع تَرِكَتِه ثلاثة آلاف ألف ومائتي ألف، وهذا بالنسبة لِتَرِكَة الزبير بن العوّام - ﵁ - قليلٌ جدًّا، فَيَحْتَمِل أن تكون هذه دنانير، وتلك دراهم؛ لأن كثرة مال عبد الرحمن مشهورٌ جدًّا. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٣٤٩٠ و٣٤٩١ و٣٤٩٢ و٣٤٩٣ و٣٤٩٤ و٣٤٩٥ و٣٤٩٦] (١٤٢٧)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢٠٤٩) و"الحوالة" (٢٢٩٣) و"المناقب" (٣٧٨١) و"النكاح" (٥٠٧٢ و٥١٤٨ و٥١٥٣ و٥١٥٥ و٥١٦٧) و"الأدب" (٦٠٨٢) و"الدعوات" (٦٣٨٦)، و(أبو داود) في "النكاح"
_________________
(١) أي وهي الشرطيّة، فقد اختَلَف النحاة، هل تفيد الامتناع أم لا؟، ولو عبّر بالشرطيّة لكان أولى، فتنبّه.
(٢) "الفتح" ١١/ ٥٢٧.
[ ٢٥ / ٣١٢ ]
(٢١٠٩)، و(الترمذيّ) في "البرّ والصلة" (١٩٣٣)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٣٣٥٢ و٣٣٧٣ و٣٣٧٤ و٣٣٧٥ و٣٣٨٩) وفي "الكبرى" (٥٥٠٧ و٥٥٠٨ و٥٥٥٨ و٥٥٥٩ و٥٥٦٠)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٩٠٧)، و(مالك) في "الموطّإ" (١١٥٧)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٢٤٦)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٠٤١١)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٩٧٨)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٢١٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٦٥)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٠٦٤ و٢٢٠٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٠٦٠)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٤/ ١٤٥)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٧٢٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٤٦ و٤٧ و٤٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٩١)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣٧٨١)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١/ ٧٢٨) و"الأوسط" (٦/ ٥٥)، و(البزّار) في "مسنده" (٣/ ٢١٧)، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ٣٩٥ و٤٠٣ و٤٠٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٣٦ - ٢٣٧) و"المعرفة" (٥/ ٣٧٠ و٣٧١)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣٠٨ و٢٣١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (^١):
١ - (منها): بيان مشروعيّة النكاح على نواة من ذهب، وهي خمسة دراهم، على ما تقدّم من الخلاف في تفسير النواة.
٢ - (ومنها): أنه يدلّ على أن النكاح لا بدّ فيه من صداق؛ لاستفهامه عن الكمّية، ولم يقل: هل أصدقتها، أم لا؟ وُيشعر ظاهره بأنه يحتاج إلى تقديرٍ؛ لإطلاق لفظة "كم" الموضوعة للتقدير، كذا قال بعض المالكيّة، قال الحافظ: وفيه نظر؛ لاحتمال أن يكون المراد: الاستخبار عن الكثرة، أو القلّة، فيخبره بعد ذلك بما يليق بحال مثله، فلما قال له القدر، لم يُنكر عليه، بل أقرّه.
٣ - (ومنها): أنه استُدلّ به على استحباب تقليل الصداق؛ لأن
_________________
(١) المراد: فوائد حديث قصّة عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - الواردة في الباب، سواء التي ساقها المصنّف، أو أوردتها في الشرح، لا خصوص ما ساقه المصنّف، فتنبّه.
[ ٢٥ / ٣١٣ ]
عبد الرحمن بن عوف كان من مياسير الصحابة - ﵃ -، وقد أقرّه النبيّ - ﷺ - على إصداقه وزن نواة من ذهب.
وتُعُقّب بأن ذلك كان في أول الأمر حين قدم المدينة، وإنما حصل له اليسار بعد ذلك من ملازمة التجارة حتى ظهر منه من الإعانة في بعض الغزوات ما اشتهر، وذلك ببركة دعاء النبيّ - ﷺ - له.
٤ - (ومنها): جواز خروج العروس، وعليه أثر العُرْس، من خَلُوق ونحوه.
٥ - (ومنها): جواز التزعفر للرجال عند العُرْس، فيُخصّص به النهي الوارد في ذلك، على ما هو رأي النسائيّ - ﵀ -، لكن الأرجح أنه أصابه من امرأته، ولم يستعمله قصدًا، جمعًا بينه، وبين حديث النهي عن التزعفر للرجال، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
٦ - (ومنها): استحباب الدعاء بالبركة للمتزوّج، وقد ترجم الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه"، فقال: "بابٌ كيف يُدعى للمتزوّج".
قال في "الفتح": قال ابن بطّال: إنما أراد بهذا - والله أعلم - ردّ قول العامّة عند العروس: بالرفاء والبنين، فكأنه أشار إلى تضعيفه، ونحوِ ذلك، كحديث معاذ بن جبل أنه شَهِدَ إملاك رجلٍ من الأنصار، فخطب رسول الله - ﷺ -، وأنكح الأنصاريّ، وقال: "على الإلفة والخير، والبركة، والطير الميمون، والسعة في الرزق. . ." الحديث، أخرجه الطبرانيّ في "الكبير" بسند ضعيف، وأخرجه في "الأوسط" بسند أضعف منه، وأخرجه أبو عمرو البَرْقانيّ في "كتاب معاشرة الأهلين" من حديث أنس، وزاد فيه: "والرفاء والبنين"، وفي سنده أبانُ العبديّ، وهو ضعيف.
وأقوى من ذلك ما أخرجه أصحاب السنن، وصححه الترمذيّ، وابن حبّان، والحاكم، من طريق سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: "كان رسول الله - ﷺ - إذا رفّأ إنسانًا، قال: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير".
وقوله: "رَفَّأَ"" بفتح الراء، وتشديد الفاء، مهموز: معناه دعا له في موضع قولهم: بالرفاء والبنين، وكانت كلمة تقولها أهل الجاهليّة، فورد النهي عنها،
[ ٢٥ / ٣١٤ ]
كما روى بقيّ بن مَخْلَد، من طريق غالب، عن الحسن، عن رجل من بني تميم، قال: كنّا نقول في الجاهليّة: بالرفاء والبنين، فلما جاء الإسلام علّمنا نبيّنا - ﷺ -، قال: قولوا: "بارك الله لكم، وبارك فيكم، وبارك عليكم".
قال: ودلّ حديث أبي هريرة - ﵁ - على أن اللفظ كان مشهورًا عندهم غالبًا حتى سُمّي كلّ دعاء للمتزوّج ترفئة.
قال: ودلّ صنيع البخاريّ على أن الدعاء للمتزوّج بالبركة هو المشروع، ولا شكّ أنها لفظةٌ جامعةٌ، يدخل فيها كلّ مقصود من ولد وغيره، ويؤيّد ذلك ما تقدّم من حديث جابر - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - لَمّا قال له: "تزوّجت بكرًا، أو ثَيِّبًا؟ ": قال: "بارك الله لك"، والأحاديث في ذلك معروفة. انتهى ما في "الفتح" باختصار (^١).
[تنبيه]: اختُلِف في علة النهي عن قولهم: "بالرفاء والبنين"، فقيل: لأنه لا حمد فيه، ولا ثناء، ولا ذكر لله، وقيل: لِمَا فيه من الإشارة إلى بُغْض البنات؛ لتخصيص البنين بالذكر، وأما الرِّفَاء فمعناه الالتئام، من رَفَأْتُ الثوب، ورَفَوْته رَفْوًا، ورَفَاءً، وهو دعاء للزوج بالالتئام والائتلاف، فلا كراهة فيه، وقال ابن الْمُنَيِّر: الذي يظهر أنه - ﷺ - كَرِه اللفظ؛ لِمَا فيه من موافقة الجاهلية؛ لأنهم كانوا يقولونه تفاؤلًا، لا دعاءً، فيظهر أنه لو قيل للمتزوج بصورة الدعاء لم يُكره، كان يقول: اللهم ألِّف بينهما، وارزقهما بنين صالحين مثلًا، أو ألَّف الله بينكما، ورزقكما ولدًا ذكرًا، ونحو ذلك.
وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة، من طريق عمر بن قيس: قال: شهدت شُريحًا، وأتاه رجل من أهل الشام، فقال: إني تزوجت امرأةً، فقال: بالرفاء والبنين. . . الحديث، وأخرجه عبد الرزاق، من طريق عديّ بن أرطاة، قال: حَدَّثت شريحًا أني تزوجت امرأةً، فقال: بالرفاء والبنين، فهو محمول على أن شريحًا لم يبلغه النهي عن ذلك، قاله في "الفتح" (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٥٠٥ - ٥٠٦.
(٢) "الفتح" ١١/ ٥٠٥ - ٥٠٦.
[ ٢٥ / ٣١٥ ]
٧ - (ومنها): سؤال الإمام، وكبير القوم أصحابه، وأتباعه عن أحوالهم، ولا سيّما إذا رأى منهم ما لم يَعهَدْ.
٨ - (ومنها): تأكّد أمر الوليمة، وسيأتي اختلاف العلماء في حكمها بعد بابين في "باب إجابة الداعي" - إن شاء الله تعالى -.
٩ - (ومنها): أن الوليمة تكون بعد الدخول، قال في "الفتح": ولا دلالة فيه، وإنما فيه أنها تُستدرك إذا فاتت بعد الدخول، هكذا قال في "الفتح"، وفيه نظر لا يخفى، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
١٠ - (ومنها): أن أقلّ ما يجزئ الموسر في الوليمة شاة، قال في "الفتح": ولولا ثبوت أنه - ﷺ - أولم على بعض نسائه بأقلّ من الشاة لكان يمكن أن يستدلّ به على أن الشاة أقلّ ما تُجزئ في الوليمة، ومع ذلك فلا بدّ من تقييده بالقادر عليها، وأيضًا فيعكُر على الاستدلال أنه خطاب واحد، وفيه اختلافٌ، هل يستلزم العموم أو لا؟، وقد أشار إلى ذلك الشافعيّ فيما نقله البيهقيّ عنه، قال: لا أعلمه أمر بذلك غير عبد الرحمن، ولا أعلمه أنه - ﷺ - ترك الوليمة، فجعل ذلك مستندًا في كون الوليمة ليست بحتم. انتهى.
١١ - (ومنها): أنه يُستفاد من السياق طلب تكثير الوليمة لمن يَقدر، قال عياضٌ: وأجمعوا على أن لا حدّ لأكثرها، وأما أقلّها فكذلك، ومهما تيسّر أجزأ، والمستحبّ أنها على قدر حال الزوج، وقد تيسّر على الموسر الشاة، فما فوقها.
١٢ - (ومنها): أنه استُدل بقصّة عبد الرحمن مع سعد بن الربيع على جواز المواعدة لمن يريد أن يتزوّج بها، إذا طلّقها زوجها، وأوفت العدّةَ؛ لقول سعد بن الربيع: "انظر أيّ زوجتيّ أعجب إليك حتى أطلّقها، فإذا انقضت عدّتا تزوّجتها"، ووقع تقرير ذلك، ويعكُر على هذا أنه لم يُنقل أن المرأة علمت بذلك، ولا سيّما ولم يقع تعيينها، لكن الاطلاع على أحوالهم إذ ذاك يقتضي أنهما علمتا معًا؛ لأن ذلك كان قبل نزول آية الحجاب، فكانوا يجتمعون، ولولا وثوق سعد بن الربيع من كل منهما بالرضا ما جزم بذلك.
وقال ابن المنيّر: لا يستلزم المواعدة بين الرجلين وقوع المواعدة بين الأجنبيّ والمرأة؛ لأنها إذا مُنع، وهي في العدّة من خطبتها تصريحًا، ففي هذا
[ ٢٥ / ٣١٦ ]
يكون بطريق الأولى؛ لأنها إذا طلّقت دخلت العدّة قطعًا، قال: ولكنها وإن اطّلعت على ذلك، فهي بعد انقضاء عدّتها بالخيار، والنهي إنما وقع عن المواعدة بين الأجنبيّ والمرأة، أو وليّها، لا مع أجنبيّ آخر. انتهى.
١٣ - (ومنها): جواز نظر الرجل إلى المرأة قبل أن يتزوّج بها.
١٤ - (ومنها): أن فيه منقبةً لسعد بن الربيع - ﵁ - في إيثاره على نفسه بما ذَكَرَ، ولعبد الرحمن بن عوف - ﵁ - في تنزهه عن شيء يستلزم الحياءُ والمروءةُ اجتنابه، ولو كان محتاجًا إليه.
١٥ - (ومنها): أن فيه استحبابَ المؤاخاة، وحسن الإيثار من الغنيّ للفقير، حتى بإحدى زوجتيه، واستحباب رَدّ مثل ذلك على من آثر به؛ لما يغلب في العادة من تكلف مثل ذلك، فلو تحقق أنه لم يتكلف جاز، وفيه أن من ترك ذلك بقصد صحيح عَوَّضه الله تعالى خيرًا منه.
١٦ - (ومنها): استحباب التكسب، وأن لا نقص على من يتعاطى من ذلك ما يليق بمروءة مثله.
١٧ - (ومنها): كراهة قبول ما يتوقع منه الذلّ، من هبة وغيرها، وأن العيش من عمل المرء بتجارة، أو حرفة أولى؛ لنزاهة الأخلاق من العيش بالهبة، ونحوها (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال في "الفتح": واستدلّ بحديث الباب على جواز التزعفر للعروس، وخُصّ به عموم النهي عن التزعفر للرجال، كما سيأتي بيانه في "كتاب اللباس".
وتُعقّب باحتمال أن تكون تلك الصفرة، كانت في ثيابه، دون جسده، وهذا الجواب للمالكيّة على طريقتهم في جوازه في الثوب، دون البدن، وقد نَقَلَ ذلك مالكٌ عن علماء المدينة، وفيه حديث أبي موسى: "لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خَلُوق"، أخرجه أبو داود، فإن مفهومه أن ما عدا الجسد لا يتناوله الوعيد.
ومنع من ذلك أبو حنيفة، والشافعيّ، ومن تبعهما في الثوب أيضًا،
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١١/ ٥٢٧ - ٥٢٩.
[ ٢٥ / ٣١٧ ]
وتمسّكوا بالأحاديث في ذلك، وهي صحيحة، وفيها ما هو صريحٌ في المدّعَى، كما سيأتي بيانه، وعلى هذا فأجيب عن قصّة عبد الرحمن بأجوبة:
[أحدها]: أن ذلك كان قبل النهي، وهذا يحتاج إلى تاريخ، ويؤيّده أن سياق قصّة عبد الرحمن يُشعر بأنها كانت في أوائل الهجرة، وأكثر من روى النهي ممن تأخّرت هجرته.
[ثانيها]: أن أثر الصفرة التي كانت على عبد الرحمن تعلّقت به من جهة زوجته، فكان ذلك غير مقصود له، ورجّحه النوويّ، وعزاه للمحقّقين، وجعله البيضاويّ أصلًا، ردّ إليه أحد الاحتمالين أبداهما في قوله: "مهيم"، فقال: معناه: ما السبب في الذي أراه عليك؟ فلذلك أجاب بأنه تزوّج، قال: ويحتمل أن يكون استفهام إنكار؛ لما تقدّم من النهي عن التضمّخ بالخلوق، فأجاب بقوله: "تزوّجت"، أي فتعلّق بي منها، ولم أقصد إليه.
[ثالثها]: أنه كان قد احتاج إلى التطيّب للدخول على أهله، فلم يجد من طيب الرجال حينئذ شيئًا، فتطيّب من طيب المرأة، وصادف أنه كان فيه صُفْرة، فاستباح القليل منه عند عدم غيره؛ جمعًا بين الدليلين، وقد ورد الأمر في التطيّب للجمعة، ولو من طيب المرأة، فبقي أثر ذلك عليه.
[رابعها]: أنه كان يسيرًا، ولم يبق إلا أثره، فلذلك لم يُنكره.
[خامسها]: - وبه جزم الباجيّ - أن الذي يُكره من ذلك ما كان من زعفران وغيره من أنواع الطيب، وأما ما كان ليس بطيب، فهو جائز.
[سادسها]: أن النهي عن التزعفر للرجال ليس على التحريم بدلالة تقريره لعبد الرحمن بن عوف في هذا الحديث.
[سابعها]: أن الْعَرُوس يُستثنى من ذلك، ولا سيّما إذا كان شابًّا، ذكر ذلك أبو عُبيد قال: وكانوا يُرخّصون للشابّ في ذلك أيام عُرْسه، قال: وقيل: كان في أوّل الإسلام من تزوّج لبس ثوبًا مصبوغًا علامةً لزواجه ليُعان على وليمة عرسه، قال: وهذا غير معروف.
قال الحافظ: وفي استفهام النبيّ - ﷺ - له عن ذلك دلالة على أنه لا يختصّ بالتزويج، لكن وقع في بعض طرقه عند أبي عوانة من طريق شعبة، عن حميد بلفظ: "فأتيت النبيّ - ﷺ -، فرأى عليّ بَشَاشة العُرْس، فقال: أتزوّجتَ؟ قلت:
[ ٢٥ / ٣١٨ ]
تزوّجت امرأة من الأنصار"، فقد يتمسّك بهذا السياق للمدّعي، ولكن القصّة واحدة، وفي أكثر الروايات أنه قال له: "مهيم؟، أو ما هذا؟ "، فهو المعتمد.
وبَشَاشة العُرْس أثره، وحسُنه، أو فرحه وسروره، يقال: بَشَّ فلان بفلان، أي أقبل عليه فرحًا به ملطفًا به. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن الجواب الثاني هو الصحيح، وحاصله أن أثر الصفرة تعلّقت بعبد الرحمن بن عوف - ﵁ - من جهة زوجته، دون قصد، فلذلك لم يُنكر النبيّ - ﷺ - عليه ذلك، فلا تعارض بينه، وبين حديث النهي عن التزعفر للرجال، وهذا هو الأرجح، كما تقدّم ترجيح النوويّ له، وعزاه للمحققين، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٩١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، تَزَوَّجَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (م د س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: هذا الإسناد كسابقه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٢٨) من رباعيّات الكتاب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٢٥ / ٣١٩ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٩٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، وَحُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابين.
٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قريبًا.
٣ - (حُمَيْدُ) بن أبي حُميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ٢ أو ١٤٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٣٩.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٩٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ وَهْبٍ: قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٤) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال البغداديّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم بن زيد الأزديّ، أبو العباس البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٥.
[ ٢٥ / ٣٢٠ ]
٦ - (أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ) هو: أحمد بن الحسن بن خِرَاش، أبو جعفر البغداديّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٢ (م ت) تقدم في "الإيمان" ٤٢/ ٢٨٠.
٧ - (شَبَابَةُ) بن سوّار المدائنيّ، تقدّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية أبي داود الطيالسيّ، عن شعبة، ساقها أبو داود - ﵀ - نفسه في "مسنده" ١/ ٢٨٤:
(٢١٢٨) - حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا شعبة، قال: أخبرني حميد، سمع أنسًا قال: تزوج عبد الرحمن بن عوف، على نواة من ذهب، فقال رسول الله - ﷺ -: "أَوْلِم ولو بشاة". انتهى.
ورواية وهب، عن شعبة، ساقها أبو نعيم - ﵀ - في "مستخرجه" ٤/ ٩١ فقال:
(٣٣٢٤) - أنبأ عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود، ثنا شعبة، أخبرني حميد، أنه سمع أنسًا (ح) وثنا أبو محمد بن حيان، ثنا هارون بن عبد الله، ثنا وهب بن جرير، ثنا شعبة، عن حميد الطويل، سمعت أنسًا، قال: قال عبد الرحمن بن عوف: تزوجت امرأة من الأنصار على وزن نواة من ذهب، أو وزن نواة، فأتيت رسول الله - ﷺ -، فرأى عليّ ثياب العُرْس، فقال: "تزوجتَ؟ "، قلت: نعم من الأنصار، قال: "أولم بشاة".
لفظُ وهب بن جرير. انتهى.
وأما رواية شباية بن سوّار، عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٩٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: رَآنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَعَلَيَّ بَشَاشَةُ الْعُرْسِ، فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: "كَمْ أَصْدَقْتَهَا؟ "، فَقُلْتُ: نَوَاةً، وَفِي حَدِيثِ إِسْحَاقَ: مِنْ ذَهَبٍ).
[ ٢٥ / ٣٢١ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ) بن إسماعيل السلميّ البخاريّ، نزيل مرو، ثقة (^١) [١١] من أفراد المصنّف تقدّم في "الصيام" ٣٩/ ٢٧٥٤.
٢ - (النَّضْرُ بْن شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن البصريّ النحويّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
٣ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (رَآنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَعَلَيَّ بَشَاشَةُ الْعُرْسِ) هي الفرح الذي حصل منه، وبشاشة اللقاء: الفرح بالمرء، والانبساط إليه، والأُنس به، قال في "العمدة": ويُروَى: "فرأى النبيّ - ﷺ - شيئًا يُشبه العُرْس"، قال ابن قرقول: كذا في كتاب الأصيليّ، والقابسيّ، والنسفيّ، وبعض رواة البخاريّ، وهو تصحيف، وصوابه: "بشاشة العُرْس" كما لأبي ذرّ، وابن السكن، ويُروَى: "العروس". انتهى (^٢).
وقوله: (فَقُلْتُ: تَزَوَّجْتُ إلخ) معطوف على محذوف، تقديره: "فسألني، فقلت إلخ"، ولفظ البخاريّ: "فرأى النبيّ - ﷺ - بشاشة الْعُرس، فسأله، فقال: إني تزوجت امرأة إلخ".
وقوله: (وَفِي حَدِيثِ إِسْحَاقَ: مِنْ ذَهَبٍ) بيّن به أن شيخه إسحاق بن راهويه زاد لفظة "من ذهب" بعد قوله: "نواةً".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٩٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ شُعْبَةُ: وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تَزَوَّجَ امْرَأةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ).
_________________
(١) قال في "التقريب": مقبول، والحقّ أنه ثقةٌ، فقد روى عنه جماعة، وأخرج له مسلم، ووثقه الذهبيّ في "الميزان" ٤/ ١٥، فتنبّه.
(٢) "عمدة القاري" ٢٠/ ١٣٨.
[ ٢٥ / ٣٢٢ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو حَمْزَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ) ويقال: ابن عبد الله، ويقال: أبو حمزة بن أبي عبد الله كيسان، وقيل: خِدَاش، المازنيّ البصريّ، جار شعبة، مقبول [٤].
رَوَى عن أنس، وحميد بن هلال، وصفوان بن مُحْرِز، وسليمان بن يسار، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، ويونس الإسكاف، ذكره ابن حبان في "الثقات"، قال الحافظ: جزم مسلم أن عبد الرحمن بن كيسان الذي رَوَى عن شعبة (^١) من رواية وكيع عنه وهو أبو حمزة هذا.
تفرّد به المصنّف، والنسائيّ في "عمل اليوم والليلة"، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا قبله، و"أبو داود" هو: سليمان بن داود الطيالسيّ.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٩٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: مِنْ ذَهَبٍ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وكلّهم ذُكروا قبل حديثين، و"وهب": هو ابن جرير بن حازم.
وقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) قال صاحب "التنبيه": أولاد عبد الرحمن بن عوف: سالم الأكبر، مات قبل الإسلام، ومحمد، وإبراهيم، وحُميد، وإسماعيل، ومَعْنٌ، وعُمر، وزيد، وعروة الأكبر، وسالم الأصغر، وأبو بكر، وعبد الله، وأبو سلمة، وعبد الرحمن، وسُهيل، وعثمان، وعروة، ويحيى، وبلالٌ. قاله ابن الجوزيّ. انتهى (^٢).
_________________
(١) هكذا نسخة: "التهذيب"، ولعله: "روى عنه شعبة"، فليُحرّر.
(٢) "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" (ص ٢٣٧).
[ ٢٥ / ٣٢٣ ]
قال الجامع عفا الله عنه: لم أجد مَنْ بيَّن القائل من هؤلاء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.