وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٣٥] (١٤٦٦) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بذَاتِ الدِّينِ (^٢)، تَرِبَتْ يَدَاكَ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) الْحَرَشيّ، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ الزمِنُ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
_________________
(١) هكذا ترجمت تبعًا للقرطبيّ - ﵀ - حيث ترجم في "المفهم" بنحو هذه الترجمة، وأما الشراح الآخرون كالنوويّ، وغيره، فقد جعلوا ترجمتين: ترجمة لنكاح ذات الدين، وترجمة لنكاح الأبكار، وما سلكته أولى؛ اختصارًا، فتنبّه.
(٢) وفي نسخة: "فاطلب ذات الدين".
[ ٢٥ / ٧٩٢ ]
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْن سَعِيدٍ) أبو قُدامة السَّرَخْسيّ، ثقة ثبت سنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص العمريّ المدنيّ الفقيه، ثقة ثبت [٥] مات سنة بضع و(٢٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) المقبريّ، أبو سَعْد المدنيّ، ثقة تغير قبل موته بأربع سنين [٣] مات في حدود (١٢٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٧ - (أَبُوهُ) كَيْسان المقبريّ، مولى أم شَرِيك، أبو سَعِيد المدني، ثقة ثبت [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٤/ ٣٩٢.
٨ - (أبو هريرة) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة الأخذ والأداء منه، ومنهم، كما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: زهير، وعُبيد الله، كما أسلفته آنفًا، وأما شيخه ابن المثنّى، فإنه ممن اتّفق الجماعة بالرواية عنه بلا واسطة، فتنبّه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيوخه، فالأول نسائيّ، ثم بغداديّ، والثاني بصريّ، والثالث سرخسيّ، ويحيى، بصريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين رَوَى بعضهم عن بعض: عبيد الله العمريّ، وسعيد المقبريّ، وأبوه، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
[ ٢٥ / ٧٩٣ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ) وفي "النسائيّ": "النساء"، وهو فعلٌ ونائب فاعله. قال النوويّ - ﵀ -: الصحيح في معنى الحديث أنه - ﷺ - أخبر بما يفعله الناس في العادة، فإنهم يقصدون هذه الخصال الأربع، وآخرها عندهم ذات الدِّين، لا أنه أمر بذلك. انتهى (^١).
وقال أبو العباس القرطبيّ - ﵀ -: معنى الحديث أن هذه الخصال الأربع، هي المرغّبة في نكاح المرأة، وهي التي يَقْصِدها الرجال من النساء، فهو خبرٌ عما في الوجود من ذلك، لا أنه أمرٌ بذلك، وظاهره إباحة النكاح لقصد مجموع هذه الخصال، أو لواحدة منها، لكن قصد الدِّين أولى وأهمّ، ولذلك قال: "فاظفر بذات الدين، تربت يمينك".
قال: ولا يُظنّ من هذا الحديث أن مجموع هذه الأربع، والمساواة فيها هي الكفاءة، فإن ذلك لم يقل به أحدٌ من العلماء فيما علمتُ، وإن كانوا قد اختلفوا في الكفاءة ما هي؟. انتهى (^٢).
(لِـ) أجل (أَرْبَعٍ) وفي رواية: "لأربعة"، ولكلٍّ وجهٌ، وذلك أن تقدير الأول: لأربع خصال، وتقدير الثاني: لأربعة أمور، وقوله: (لِمَالِهَا) إلخ بدل من "لأربع" (وَلحَسَبِهَا) بفتح المهملتين، ثم موحّدة: أي شَرَفها، والحسب في الأصل الشرف بالآباء، وبالأقارب، مأخوذ من الحساب؛ لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدّوا مناقبهم، ومآثر آبائهم وقومهم، وحسبوها، فيُحكم لمن زاد عدده على غيره، وقيل: المراد بالحسب هنا الفَعَال الحسنة، وقيل: المال، وهو مردود لذكر المال قبله، وذكره معطوفًا عليه، وقد وقع في مُرْسَل يحيى بن جَعْدةَ، عند سعيد بن منصور: "على دينها، ومالها، وعلى حسبها، ونسبها"، وذِكْرُ النسب على هذا تأكيدٌ، ويؤخذ منه أن الشريف النسيب يُستحبّ له أن
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٥١ - ٥٢.
(٢) "المفهم" ٤/ ٢١٥.
[ ٢٥ / ٧٩٤ ]
يتزوّج نسيبةً، إلا إذا تعارض نسيبةٌ غيرُ ديّنة، وغيرُ نسيبة ديّنة، فتُقدّم ذات الدين، وهكذا في كلّ الصفات.
قال الحافظ: وأما قول بعض الشافعيّة: يُستحبّ أن لا تكون المرأة ذات قرابة قريبة، فإن كان مستندًا إلى الخبر فلا أصل له، أو إلى التجربة، وهو أن الغالب أن الولد بين القريبين يكون أحمق، فهو متّجه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه التجربة غير صحيحة، فقد وُلد الحسن، والحسين - ﵄ - من فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، وهي بنت عم عليّ - ﵄ -، فأين الْحُمْقُ؟ وَقِسْ غيرهما عليهما، والغريب نقل الحافظ له، وتقريره عليه، والله المستعان.
قال: وأما ما أخرجه أحمد، والنسائيّ، وصححه ابن حبان، والحاكم، من حديث بريدةَ - ﵁ - رفعه: "أن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال"، فيَحْتَمِل أن يكون المراد أنه حسب من لا حسب له، فيقوم النسب الشريف لصاحبه مقام المال لمن لا نسب له، ومنه حديث سمرة - ﵁ - رفعه: "الحسب المال، والكرم التقوى"، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وصححه هو، والحاكم.
وبهذا الحديث تمسك من اعتبر الكفاءة بالمال (^١)، قال: أو أن من شأن أهل الدنيا رفع من كان كثير المال، ولو كان وضيعًا، ووضع من كان مُقِلًّا ولو كان رفيع النسب، كما هو موجود مشاهد، فعلى الاحتمال الأول يمكن أن يؤخذ من الحديث اعتبار الكفاءة بالمال (^٢)، لا على الثاني؛ لكونه سيق في الإنكار على مَن يفعل ذلك.
وقد أخرج مسلم الحديث (^٣) من طريق عطاء، عن جابر - ﵁ -، وليس فيه ذكر الحسب، اقتَصَر على الدين، والمال، والجمال. انتهى (^٤).
_________________
(١) قال الجامع: قد تقدّم أن الحقّ أنه لا اعتبار في الكفاءة إلا بالدين، وما عدا ذلك من النسب، والمال، والحرفة، وغير ذلك، وإن قال به جلّ الفقهاء، فلا دليل يؤيّده، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٢) قد عرفت ما فيه، فتنبّه.
(٣) يعني الحديث التالي.
(٤) "الفتح" ١١/ ٣٦٤.
[ ٢٥ / ٧٩٥ ]
(وَلجَمَالِهَا) قال في "الفتح": يؤخذ منه استحباب تزويج الجميلة، إلا إن تعارض الجميلة غير الديّنة، وغير الجميلة الديّنة، نعم لو تساوتا في الدين، فالجميلة أولى، ويلتحق بالحسنة الذات الحسنة الصفات، ومن ذلك أن تكون خفيفة الصداق. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أخذ استحباب تزويج الجميلة من هذا الحديث محلّ نظر؛ إذ الصحيح أن الحدث خبر عن واقع الناس الجاري بينهم فيما يتعلّق بشأن النكاح، لا أنه أمر بذلك، حتى يُستفاد منه ما ذُكر، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(وَلدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ) وفي بعض النسخ: "فاطلب ذات الدين"، أي اطلبها حتى تفوز بها، وتكون محصّلًا بها غاية المطلوب، وفي حديث جابر - ﵁ -: "فعليك بذات الدين".
قال في "الفتح": والمعنى: أن اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كلّ شيء، لا سيّما فيما تطول صحبته، فأمره النبيّ - ﷺ - بتحصيل صاحبة الدين الذي هو غاية البغية.
وقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - عند ابن ماجه، رفعه: "لا تَزَوَّجوا النساء لحسنهنّ، فعسى حسنهنّ أن يُرديهنّ - أي يهلكهن - ولا تَزَوّجوهنّ لأموالهنّ، فعسى أموالهنّ أن تُطغيهنّ، ولكن تزوّجوهنّ على الدين، ولأمة خَرماء سوداء ذات دين أفضل" (^٢). انتهى (^٣).
(تَرِبَتْ يَدَاكَ") من باب تَعِبَ: أي افتقرتا، كأنهما لصقتا بالتراب، وقال في "الفتح": أي لصقتا بالتراب، وهي كناية عن الفقر، وهو خبر بمعنى الدعاء، لكن لا يراد به حقيقته، وبهذا جزم صاحب "العمدة"، زاد
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٣٦٤ - ٣٦٥.
(٢) لكن الحديث في إسناده عبد الرحمن بن زياد الإفريقيّ، وقد ضعّفه الأكثرون، ووثقه أحمد بن صالح المصريّ وغيره، ويشهد لحديثه هذا حديث الباب، فالظاهر أن الحديث لا ينزل عن درجة الحسن، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(٣) "الفتح" ١١/ ٣٦٥.
[ ٢٥ / ٧٩٦ ]
غيره أنّ صدور ذلك من النبيّ - ﷺ - في حقّ مسلم لا يُستجاب؛ لشرطه ذلك على ربّه.
وحكى ابن العربيّ أن معناه: استغنت، ورُدّ بأن المعروف أترب إذا استغنى، وتَرِب إذا افتقر، ووجّه بأن الغنى الناشئ عن المال تراب؛ لأن جميع ما في الدنيا تُراب، ولا يخفى بُعْده.
وقيل: معناه ضَعُف عقلك، وقيل: افتقرت من العلم، وقيل: فيه تقدير شرط: أي وقع لك ذلك إن لم تفعل، ورجّحه ابن العربيّ، وقيل: معنى افتقرت خابت.
وصحّفه بعضهم، فقال: بالثاء المثلّثة، ووجّهه بأن معنى ثَرَبَتْ: تفرّقت، وهو مثل حديث: "نُهي عن الصلاة إذا صارت الشمس كالأثارب". وهو جمع ثُرُوب، وأَثْرُب، مثل فُلُوس، وأفلُس، وهي جمع ثَرْب - بفتح أوّله، وسكون الراء - وهو الشحم الرقيق المتفرّق الذي يَغشَى الكرش. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٣٦٣٥] (١٤٦٦)، و(البخاريّ) في "النكاح" (٥٠٩)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢٠٤٧)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٦/ ٦٨)، وفي "الكبرى" (٥٣٣٧)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٨٥٨)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١١/ ٣٠٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٢٨)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ١٣٣ - ١٣٤)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (١/ ١٦٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٠٣٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٣٧)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٣/
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٣٦٥.
[ ٢٥ / ٧٩٧ ]
٣٠٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٧٩ - ٨٠) و"الصغرى" (٦/ ٨١)، و(الغويّ) في "شرح السنّة" (٢٢٤٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب نكاح ذوات الدين.
٢ - (ومنها): الحثّ على مصاحبة أهل الدين في كل شيء؛ لأن مصاحبهم يستفيد من أخلاقهم، وبركات أنفاسهم، وحسن طرائقهم، ويأمن المفسدة من جهتهم، قال الله تعالى حكاية عن موسى - ﵇ -: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ [الكهف: ٦٦]. وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ الآية [الكهف: ٢٨].
وفي "الصحيحين" من حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ -: أن النبيّ - ﷺ - قال: "إنما مثل الجليس الصالح، وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك، إما أن يَحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه رائحة طيّبة، ونافخ الكير إما أن يَحرِق ثوبك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة".
٣ - (ومنها): أن النسائيّ - ﵀ - استنبط منه كراهية تزويج الزُّناة، ووجه الاستدلال به أن فيه الأمر بنكاح ذات الدين، والأمر بالشيء نَهْيٌ عن ضدّه، والزانية من أشرّ الأضداد لذات الدين، فيكون نكاحها منهيًّا عنه، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): أنه لا ينبغي للإنسان أن يستدلّ بالكثرة على كون الشيء صوابًا، فيتأسّى بأكثر الناس، ففي هذا الحديث أشار النبيّ - ﷺ - إلى أن ثلاثة أصناف من الناس مخطئون في اختيارهم لصفات الزوجيّة، وأن صنفًا واحدًا هو المصيب.
وقد نبّه الله - ﷿ - على ذلك بقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ الآية [الأنعام: ١١٦].
[ ٢٥ / ٧٩٨ ]
٥ - (ومنها): أنه ينبغي للإنسان أن ينظر في عواقب الأمور، ومستقبلها، لا في عاجلها، فإن الزوجة الصالحة في دينها هي التي تكون بها السعادة في المستقبل، فإنها تحفظه في نفسها، وتحفظه في بيته، وتحفظه في ماله، وتقوم بتربية أولاده، وهي القرين الصالح النافع في الدنيا والآخرة، بخلاف ذات الجمال، والمال، والحسب، فإن السعادة بها قاصرة، غير مستمرّة، بل كثيرًا ما يكون ذلك لها غرورًا، يرديها، ويُردي من تعلّق بها.
٦ - (ومنها): أنه لا يَحْرُم على الشخص أن يرغب في نكاح ذات الحسب، والجمال، والمال، وإنما يعاب عليه إهمال أهمّ الصفات، وهو الدين.
٧ - (ومنها): أن الإتيان بالكلمات التي ظاهرها الدعاء، أو مدلولها الذمّ، والتقبيح مما جاء على ألسنة العرب، أو على ألسنة الناس، لا يوقع في الإثم، إذا لم يقصد حقيقتها، وإنما استعملها على ما جرت به العادة، مثل: "تربت يداك"، و"ثكلتك أمك"، و"ويل أمه"، ونحو ذلك، والله تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): أنّ المهلّب قال: في هذا الحديث دليل على أن للزوج الاستمتاع بمال الزوجة، فإن طابت نفسها بذلك حلّ له، وإلا فله من ذلك ما بذل لها من الصداق.
وتُعُقّب بأن هذا التفصيل ليس في الحديث، ولم ينحصر مقصود نكاح المرأة لأجل ما لها في استمتاع الزوج، بل قد يُقصد تزويج ذات الغنى لما عساه يحصل له منها ولدٌ، فيعود إليه ذلك المال بطريق الإرث، إن وقع، أو لكونها تستغني بمالها عن كثرة مطالبته بما يحتاج إليه النساء، ونحو ذلك.
قال الحافظ: وأعجب منه استدلال بعض المالكيّة به على أن للرجل أن يحجُر على امرأته في مالها، قال: لأنه إنما تزوّج لأجل المال، فليس لها
[ ٢٥ / ٧٩٩ ]
تفويته عليه، ولا يخفى وجه الرّدّ. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٣٦] (٧١٥) (^٢) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَقِيتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: "يَا جَابِرُ تَزَوَّجْتَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "بِكْرٌ (^٣)، أَمْ ثَيِّبٌ؟ " قُلْتُ: ثَيِّبٌ، قَالَ: "فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا؟ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لي أَخَوَاتٍ، فَخَشِيتُ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُنَّ، قَالَ: "فَذَاكَ إِذَنْ، إِنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ عَلَى دِينِهَا، وَمَالِهَا، وَجَمَالِهَا، فَعَلَيْكَ بذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) ميسرة الْعَرْزَميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح، تقدّم قبل حديث.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٣٦٥ - ٣٦٦.
(٢) هذا مكرّر تقدّم بالرقم المذكور، فتنبّه.
(٣) وفي نسخة: "أبكر، أم ثيّب؟ ".
[ ٢٥ / ٨٠٠ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنهم ما بين مدنيّ، وهو جابر، ومكيّ، وهو عطاء، وكوفيين، وهم الباقون.
٤ - (ومنها): أن فيه جابرًا - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَطَاءِ) بن أبي رباح، أنه قال: (أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - (قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً) امرأة اسمها - كما قال ابن سعد - سهلة بنت مسعود بن أوس بن مالك الأنصاريّة الأوسيّة (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَقِيتُ) بكسر القاف، من باب فَرِح يَفْرَحُ (النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: "يَا جَابِرُ تَزَوَّجْتَ؟ ") بتقدير همزة الاستفهام، أي: أتزوّجت؟ وفي رواية للنسائيّ: "يا جابر هل أصبت امرأةً بعدي. . ."، وفي رواية الشعبيّ، عن جابر الآتية: قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في غزاة، فلما أقبلنا تعجلت على بعير لي قَطُوف، فلحقني راكب خلفي، فنَخَسَ بعيري بعَنَزَة معه، فانطلق بعيري، كأجود ما أنت راء من الإبل، فالتفتّ، فإذا أنا برسول الله - ﷺ -، فقال: "ما يُعْجِلك يا جابر؟ "، قلت: يا رسول الله كنت حديث عَهْدٍ بعُرْس، فقال: "أبكرًا تزوجتها أم ثيبًا؟ "، قال: قلت: بل ثيبًا، قال: "فهلا جارية تلاعبها، وتلاعبك؟ "، قال: فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل، فقال: "أَمْهِلوا حتى تدخلوا ليلًا" - أي عشاء - "كي تمتشط الشَّعِثَة، وتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبة - قال: وقال -: إذا قَدِمتَ، فالكيس الكيس".
(قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "بِكْرٌ، أَمْ ثَيِّبٌ؟) وفي بعض النسخ: "أبكرٌ، أم ثيّبٌ؟ "، وهو خبر لمحذوف، أي أهي بكرٌ. . . إلخ.
و"البكر": خلاف الثيّب، رجلًا كان أو امرأةً، وهو الذي لم يتزوّج، وجمعه أبكار، مثلُ حِمْلٍ وأحمال.
[ ٢٥ / ٨٠١ ]
و"الثيّب": المتزوّج، فَيعِلٌ، اسم فاعل من ثاب: إذا رجع، ومنه قيل للمكان الذي يَرجع إليه الناس: مَثَابةٌ، وقيل للإنسان إذا تزوّج: ثَيّبٌ، وإطلاقه على المرأة أكثر؛ لأنها ترجع إلى أهلها بوجه غير الأول، ويستوي في الثّيّب الذكر والأنثى، كما يقال: أَيّمٌ، وبِكْرٌ، وجمع المذكّر ثَيّبون بالواو والنون، وجمع المؤنّث ثَيّبات، والمولّدون يقولون: ثُيَّبٌ، وهو غير مسموع، وأيضًا فَفَيعِلٌ لا يُجمع على فُعَّلٍ، أفاده الفيّوميّ (^١).
وقال وليّ الدين العراقيّ: البكر هي الجارية الباقية على حالتها الأولى، والثيّب المرأة التي دخل بها الزوج، وكأنها ثابت إلى حال كبار النساء غالبًا. انتهى (^٢).
[تنبيه]: سؤال النبيّ - ﷺ - لجابر عن تزوّجه لم يقع عقب الزواج، بل كان بعد مدّة؛ لأن زواجه كان بالمدينة بعد أن استُشْهِد أبوه بأُحُدٍ، والسؤال وقع في الرجوع من الغزوة، وقد رجّح في "الفتح" أن تلك الغزوة هي ذات الرِّقَاع، وكانت بعد أُحُد بسنة على الصحيح، وقيل: هي تبوك.
(قُلْتُ: ثَيِّبٌ) خبر لمحذوف، أي هي ثيّبٌ (قَالَ: "فَهَلَّا) - بفتح الهاء، وتشديد اللام - أداة تحضيض، ولا يليها إلا الفعل غالبًا، نحو هَلّا أكرمتَ زيدًا، وقد يليها اسم معمول لفعل محذوف، كقول الشاعر [من الكامل]:
هَلَّا التَّقَدُّمُ وَالْقَلُوبُ صِحَاحُ
أي هلّا وُجِد التقدّم، وكقوله هنا (بِكْرًا تُلَاعِبُهَا؟ ") أي هلّا تزوّجتَ بكرًا، وفي رواية عمرو ابن دينار الآتية: "فهلّا جاريةً"، وقوله (تُلَاعِبُهَا) وفي رواية عمرو الآتية: "تلاعبها، وَتُلَاعِبُكَ، وتضاحكها، وتضاحكك"، وهو من الملاعبة، تعليلٌ للترغيب في البكر، سواء كانت الجملة مستأنفةً، كما هو الظاهر، أو صفة لـ "بكر"، أي ليكون بينكما كمال التألّف والتأنّس؛ فإن الثيّب قد تكون متعلّقة القلب بالسابق.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٨٧.
(٢) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٧/ ١٠.
[ ٢٥ / ٨٠٢ ]
وقوله: "وتضاحكها، وتضاحكك" مما يؤيّد أن "تلاعبها" من اللعب، ووقع عند الطبرانيّ من حديث كعب بن عُجرة - ﵁ -: "أن النبيّ - ﷺ - قال لرجل. . ." فذكر نحو حديث جابر - ﵁ -، وقال فيه: "وتَعَضّها، وتعضّك"، وفي رواية: "تداعبها وتداعبك" بالدال المهملة بدل اللام، من المداعبة، وهو المزح، ووقع في رواية لأبي عُبيدة: "تُذاعبها، وتُذاعبك" - بالذال المعجمة بدل اللام.
ووقع في رواية محارب المتقدّمة بلفظ: "ما لك وللعَذَارَى ولِعَابها"، وهو بكسر اللام، بمعنى الملاعبة، وسيأتي تمام البحث فيه في الحديث التالي.
(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ) قال في "الفتح": لم يُعرَف أسماء أخوات جابر - ﵁ - (فَخَشِيتُ) بكسر الشين المعجمة، من باب رَضِي يَرْضَى (أَنْ تَدْخُلَ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، من الدخول، ويَحْتَمِل أن يكون بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإدخال (بَيْنِي وَبَيْنَهُنَّ) أي تثير بيني وبينهنّ العداوة والبغضاء (قَالَ) - ﷺ - ("فَذَاكَ) مبتدأ، خبره محذوف، أي فذاك حسنٌ، أو أفضل، وقوله: (إِذَنْ) هي "إذا" الشرطيّة، وتنوينها تنوين عوض عن المضاف إليه، وجوابها محذوف، يدلّ عليه ما تقدّم، أي إذا كان الأمر ما ذكرته، فذاك حسنٌ، أي فما عملته حسنٌ.
وفي رواية وهب بن كيسان، عن جابر - ﵁ - الآتية: "قلت: إنّ لي أخوات، فأحببتُ أن أتزوّج امرأةً تجمعهنّ، وتَمشُطُهنّ، وتقوم عليهنّ"، أي وتقوم في غير ذلك من مصالحهنّ، وهو من العامّ بعد الخاصّ، وفي رواية عمرو بن دينار: "إن عبد الله هلك، وترك تسع بنات - أو سبع - وإني كرهتُ أن آتيهنّ، أو أجيئهنّ بمثلهنّ، فأحببتُ أن أجيء بامرأة تقوم عليهنّ، وتُصلحهنّ، قال: فبارك الله لك"، أو: قال خيرًا.
وفي رواية للبخاريّ في "المغازي": "وترك تسع بنات، كنّ لي تسع أخوات، فكرهتُ أن أجمع إليهنّ جاريةً خرقاء مثلهنّ، ولكن امرأة تقوم
[ ٢٥ / ٨٠٣ ]
عليهنّ، وتمشُطهنّ، قال: أصبت"، وفي رواية: "فأردتُ أن أنكح امرأةً قد جرّبت خلا منها، قال: فذاك" (^١).
قال الحافظ وليّ - ﵀ -: هذه الرواية التي فيها الجزم بأن أخواته كنّ تسعًا مقدّمة على رواية حماد بن زيد التي فيها التردّد بين التسع والسبع، فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ. انتهى (^٢).
(إِنَّ الْمَرْأةَ تُنْكَحُ عَلَى دِينِهَا، وَمَالِهَا، وَجَمَالِهَا، فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ")، هذه الْجُمَل تقدّم شرحها في حديث أبي هريرة - ﵁ - الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٣٦٣٦ و٣٦٣٧ و٣٦٣٨ و٣٦٣٩ و٣٦٤٠ و٣٦٤١ و٣٦٤٢] (٧١٥) (^٣)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢٠٩٧) و"الوكالة" (٢٣٠٩) و"المغازي" (٤٠٥٢) و"النكاح" (٥٠٧٩ و٥٠٨٠ و٤٢٤٥ و٥٢٤٧) و"النفقات" (٥٣٦٧) و"الدعوات" (٦٣٨٧)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢٠٤٨)، و(الترمذيّ) في "النكاح" (١١٠٠)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٣٢٢٠ و٣٢٢١ و٣٢٢٦) وفي "الكبرى" (٥٣٢٧ و٥٣٢٨ و٥٣٣٦)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٨٦٠)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٣٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٠٨ و٣١٤)، و(الدارميّ) "في سننه" (٢٢١٦)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (١/ ١٦٨)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩/ ١٤٩)، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ٣٣٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤/ ٤٤٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٤٠)، و(أبو يعلى) في
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١١/ ٣٤٤ - ٣٤٥.
(٢) "طرح التثريب" ٧/ ١٢.
(٣) هذا مكرر حسب ترقيم محمد فؤاد.
[ ٢٥ / ٨٠٤ ]
"مسنده" (٣/ ٤١٣)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ٤١٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٥١)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب نكاح الأبكار؛ لكونه - ﷺ - حضّ على ذلك، وقد ورد بأصرح من ذلك عند ابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن سالم بن عتبة بن عُوَيم بن ساعدة، عن أبيه، عن جدّه بلفظ: "عليكم بالأبكار، فإنهنّ أعذب أفواهًا، وأنتق أرحامًا (^١) "، أي أكثر حركةً، والنتق - بنون، ومثناة -: الحركة، ويقال أيضًا للرمي، فلعلّه يريد أنها كثيرة الأولاد.
وأخرج الطبراني في "المعجم الكبير" من حديث ابن مسعود - ﵁ - نحوه، وزاد: "وأرضى باليسير".
ولا يعارضه حديث: "عليكم بالولود" من جهة أن كونها بكرًا لا يُعرف به كونها كثيرة الولادة، فإن الجواب عن ذلك أن البكر مظنّة، فيكون المراد بالولود من هي كثيرة الولادة بالتجربة، أو بالمظنّة، وأمّا مَا جُرّبت، فظهرت عقيمًا، وكذا الآيسة، فالخبران متّفقان على مرجوحيّتهما.
٢ - (ومنها): أن فيه فضيلةً لجابر - ﵁ -؛ لشفقته على أخواته، وإيثاره مصلحتهنّ على حظّ نفسه.
٣ - (ومنها): أنه إذا تزاحمت مصلحتان قُدّم أهمّهما؛ لأن النبيّ - ﷺ - صوّب فعل جابر - ﵁ -، ودعا له لأجل ذلك.
٤ - (ومنها): أنه يؤخذ منه الدعاء لمن فعل خيرًا، وإن لم يتعلّق بالداعي.
٥ - (ومنها): أن فيه سؤالَ الإمام أصحابَهُ عن أمورهم، وتفقّده أحوالهم، وإرشاده إلى مصالحهم، وتنبيههم على وجه المصلحة، ولو كان في باب النكاح، وفيما يُستحيا من ذكره.
_________________
(١) حديث حسنٌ.
[ ٢٥ / ٨٠٥ ]
٦ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة. خدمة المرأة زوجها، ومن كان منه بسبيل، من ولد، وأخ، وعائلة، وأنه لا حرج على الرجل في قصده ذلك من امرأته، وإن كان ذلك لا يجب عليها، لكن يؤخذ منه أن العادة جارية بذلك، فلذلك لم ينكره النبيّ - ﷺ -، هكذا قال في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في قوله: "وإن كان ذلك لا يجب عليها" نظرٌ لا يخفى، ومن أيّ دليل استنبط هذا؟، والله - ﷾ - يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، فأوجب الله على النساء مثل ما أوجب لهنّ على الرجال مما جرى العرف به، وقد جرى العرف بأن الزوجة تخدم زوجها، وتقوم على بيته، وأولاده، فالحقّ أن خدمة الزوجة لزوجها، وقيامها بمهمات بيته مما أوجبه الشرع الشريف.
وقد عقد الإمام ابن قيّم الجوزيّة - ﵀ - في كتابه النافع "زاد المعاد في هدي خير العباد" فصلًا مفيدًا جدًّا، أحببت إيراده لأهميّته، ونفاسته، قال - ﵀ -:
[فصل]: في حكم النبيّ - ﷺ - في خدمة المرأة لزوجها:
قال ابن حبيب في "الواضحة": حكم النبيّ - ﷺ - بين عليّ بن أبي طالب - ﵁ -، وبين زوجته فاطمة حين اشتكيا إليه الخدمة، فحكم على فاطمة بالخدمة الباطنة، خدمةِ البيت، وحكم على عليّ بالخدمة الظاهرة، ثم قال ابن حبيب: والخدمة الباطنة: العَجْن، والطَّبْخ، والفَرْش، وكَنْسُ البيت، واستقاء الماء، وعمل البيت كلّه.
وفي "الصحيحين": أن فاطمة - ﵂ - أتت النبيّ - ﷺ -، تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرَّحَى، وتسأله خادمًا، فلم تجده، فذكرت ذلك لعائشة - ﵂ -، فلما جاء رسول الله - ﷺ - أخبرته، قال عليّ: فجاءنا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقومُ، فقال: "مكانكما"، فجاء، فقعد بيننا، حتى وجدت برد قدميه على بطني، فقال: "ألا أدلّكما على ما هو خيرٌ لكما مما سألتما، إذا أخذتما مضاجعكما،
_________________
(١) ١١/ ٣٤٥.
[ ٢٥ / ٨٠٦ ]
فسبّحا الله ثلاثًا وثلاثين، واحمَدَا ثلاثًا وثلاثين، وكبّرا أربعًا وثلاثين، فهو خيرٌ لكما من خادم"، قال عليّ: فما تركتها بعدُ، قيل: ولا ليلة صفّين؟ قال: ولا ليلة صفّين.
وصحّ عن أسماء أنها قالت: كنت أخدُم الزبير خدمة البيت كلّه، وكان له فرَسٌ، وكنت أسوسه، وكنت أحتشّ له، وأقوم عليه (^١)، وصحّ عنها أنها كانت تعلف فرسه، وتسقي الماء، وتخرز الدلو، وتعجِن، وتنقُل النوى على رأسها من أرض له على ثُلثي فرسخ (^٢).
فاختلف الفقهاء في ذلك، فأوجب طائفة من السلف والخلف خدمتها له في مصالح البيت. وقال أبو ثور: عليها أن تخدُم زوجها في كلّ شيء.
ومنعت طائفة وجوب خدمته عليها في شيء، وممن ذهب إلى ذلك مالكٌ، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأهل الظاهر، قالوا: لأن عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع، لا الاستخدام، وبذل المنافع، قالوا: والأحاديث المذكورة إنما تدلّ على التطوّع، ومكارم الأخلاق، فأين الوجوب منها؟.
واحتجّ من أوجب الخدمة بأن هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله - ﷿ - بكلامه، وأما ترفيهُ المرأة، وخدمة الزوج، وكنسه، وطحنه، وعَجْنه، وغسيله، وفرشه، وقيامه بخدمة البيت، فمن المنكر، والله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٣٤]، وإذا لم تخدمه المرأة، بل يكون هو الخادم لها، فهي القوّامة عليه.
وأيضًا فإن المهر في مقابلة البضع، وكلٌّ من الزوجين يقضي وطره من صاحبه، فإنما أوجب الله - ﷿ - نفقتها، وكسوتها، ومسكنها في مقابلة استمتاعه بها وخدمتها، وما جرت به عادة الأزواج.
_________________
(١) أخرجه أحمد في "مسنده" ٦/ ٣٥٢ بإسناد صحيح.
(٢) أخرجه أحمد أيضًا في "مسنده" ٦/ ٣٤٧ بإسناد صحيح.
[ ٢٥ / ٨٠٧ ]
وأيضًا فان العقود المطلقة إنما تُنزّل على العرف، والعرف خدمة المرأة، وقيامها بمصالح البيت الداخلة.
وقولهم: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرّعًا وإحسانًا يردّه أن فاطمة كانت تشتكي ما تلقى من الخدمة، فلم يقل لعليّ: لا خدمة عليها، وإنما هي عليك، وهو - ﷺ - لا يُحابي في الحكم أحدًا؛ ولَمّا رأى أسماء، والعلَف على رأسها، والزبير معه، لم يقل له: لا خدمة عليها، وأن هذا ظلم لها، بل أقرّه على استخدامها، وأقرّ سائر أصحابه على استخدام أزواجهم، مع علمه بأنّ منهنّ الكارهةَ والراضيةَ، هذا أمر لا ريب فيه، ولا يصحّ التفريق بين شريفة، ودنيئة، وفقيرة، وغنيّة، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها، وجاءته - ﷺ - تشكو إليه الخدمة، فلم يُشْكِها، وقد سمّى النبيّ - ﷺ - في الحديث الصحيح المرأة عانيةً، فقال: "اتقوا الله في النساء، فإنهنّ عَوَانٍ عندكم"، والعاني الأسير، ومرتبة الأسير خدمة من هو تحت يده، ولا ريب أن النكاح نوعٌ من الرقّ، كما قال بعض السلف: النكاح رقّ، فلينظر أحدكم عند من يُرقّ كريمته، ولا يخفى على المنصف الراجحُ من المذهبين، والأقوى من الدليلين. انتهى كلام ابن القيّم - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره ابن القيّم - ﵀ - تحقيق نفيسٌ جدًّا، فقد ظهر لنا به، وتبيّن، واتضح أن المذهب الأول، وهو وجوب خدمة المرأة زوجها هو الراجح؛ لقوة دليله؛ لأنه المعروف في ذلك الوقت الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٨]، فأوجب الله عليها أن تلتزم بما هو معروف عند الناس، وقد طبّق نساء العصر الأول من الصحابيات، وغيرهن على أنفسهنّ ما طُلب منهن في الآية الكريمة، كما تقدم آنفًا في قصّة فاطمة، وأسماء - ﵄ -، فتأمله بالإنصاف، واخلع عنك ربقة التقليد، فإنه حجة البليد، وملجأ العنيد، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "زاد المعاد في هدي خير العباد" ٥/ ١٨٦ - ١٨٩.
[ ٢٥ / ٨٠٨ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٣٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأةً فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ:، أَبِكْرًا، أَمْ ثَيِّبًا؟ " قُلْتُ: ثَيِّبًا، قَالَ: "فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْعَذَارَى، وَلِعَابِهَا؟ "، قَالَ شُعْبَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتَهُ مِنْ جَابِرٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: "فَهَلَّا جَارِيةً، تُلَاعِبُهَا، وَتُلَاعِبُكَ؟ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاد الْعَنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج، الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (مُحَارِبُ) بن دِثَار السَّدُوسيّ الكوفيّ القاضي، ثقةٌ إمامٌ زاهدٌ [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٠/ ١٠٦٩.
و"جابرٌ" - ﵁ - ذُكر قبله.
وقوله: ("فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْعَذَارَى) بفتح الراء، وكسرها: جمع عَذْراء، وزانُ حمراء: أي ذات عُذْرة، كما قال في "الخلاصة":
وَبِالْفَعَالِي وَالْفَعَالَى جُمِعَا … صَحْرَاءُ وَالْعَذْرَاءُ وَالْقَيْسَ اتْبَعَا
وعُذْرة الجارية بَكارتها، والجمع عُذَرٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف، ويقال: عَذَرتُ الغلامَ والجاريةَ عَذْرًا، من باب ضَرَبَ: ختنته، فهو معذورٌ، وأعذرته بالألف لغة. أفاده الفيّوميّ (^١).
وقوله: (وَلعَابِهَا؟ ") قال النوويّ - ﵀ -: هو بكسر اللام، ووقع لبعض رواة البخاريّ بضمها، قال القاضي عياض: وأما الرواية في كتاب مسلم فبالكسر لا غير، وهو من الملاعبة، مصدر لاعب ملاعبةً، كقاتل مقاتلة، قال: وقد حَمَل
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٣٩٩.
[ ٢٥ / ٨٠٩ ]
جمهور المتكلمين في شرح هذا الحديث قوله - ﷺ -: "تلاعبها" على اللعب المعروف، ويؤيِّده: "تضاحكها، وتضاحكك"، وقال بعضهم: يَحْتَمِل أن يكون من اللِّعَاب، وهو الريق. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": وأما ما وقع في رواية محارب بلفظ: "ما لك وللعَذَارَى ولِعَابها"، فقد ضبطه الأكثر بكسر اللام، وهو مصدر من الملاعبة أيضًا، يقال: لاعب لِعابًا وملاعبة، مثل: قاتل قتالًا ومقاتلةً، كما قال في "الخلاصة":
لِفَاعَلَ الْفِعَالُ وَالْمُفَاعَلَهْ
ووقع عند البخاريّ في رواية المستملي بضمّ اللام، والمراد به الريق، وفيه إشارةٌ إلى مصّ لسانها، ورَشف شفتيها، وذلك يقع عند الملاعبة والتقبيل، وليس هو ببعيد، كما قال القرطبيّ (^٢).
ويؤيّد أنه بمعنى آخر غير المعنى الأول قول شعبة: إنه عرَضَ ذلك على عمرو بن دينار، فقال اللفظ الموافق للجماعة.
وفي رواية لمسلم التلويح بإنكار عمرو رواية مُحارب بهذا اللفظ، ولفظه: "إنما قال جابرٌ: تلاعبها وتلاعبك"، فلو كانت الروايتان متّحدتين في المعنى لَمَا أنكر عمرو ذلك؛ لأنه كان ممن يُجيز الرواية بالمعنى، أفاده في "الفتح" (^٣).
وقوله: (قَالَ شُعْبَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، فَقَالَ. . . إلخ) معناه أن شعبة عرَضَ ما حدّثه محارب بن دِثَار عن جابر - ﵁ -، فانكر قوله: "فأين أنت من العذارى، ولعابها؟ "، وقال: أنا سمعت الحديث من جابر، فلم
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٥٢ - ٥٣.
(٢) أي كما ادّعى القرطبيّ كونه بعيدًا، وعبارته في "المفهم" (٤/ ٢١٥): وقد رواه أبو ذرّ من طريق المستملي: "لُعابها" بالضمّ، يعني به ريقها عند التقبيل، وفيه بُعْدٌ، والصواب الأول. انتهى.
(٣) راجع: "الفتح" ١١/ ٣٤٤.
[ ٢٥ / ٨١٠ ]
يقل هذا، وإنما قال: "فهلّا جاريةً تلاعبها، وتلاعبك"، والظاهر - كما سبق عن "الفتح" - أنه إنما سأله بلفظ "لُعابها" بضم اللام، وهو الريق، فأنكر ذلك؛ لأنه مخالف لما رواه معنًى؛ إذ هو من الملاعبة، وهي المداعبة، لا من اللُّعاب، بمعنى الريق، لكن يَحْتَمل تصحيحه؛ إذ ملاعبة الرجل، وتقبيله لامرأته يؤدّي إلى ذلك، ففيه إشارة إلى مصّ لسانها، ورشف شفتيها، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٣٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ هَلَكَ، وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ، أَوْ قَالَ: سَبْعَ (^١)، فَتَزَوَّجْتُ امْرَأةً ثَيِّبًا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "يَا جَابِرُ تَزَوَّجْتَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "فَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌّ؟ " قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبٌ، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "فَهَلَّا جَارِيَةً، تُلَاعِبُهَا، وَتُلَاعِبُكَ؟ - أَوْ قَالَ -: تُضَاحِكُهَا، وَتُضَاحِكُكَ؟ "، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ اللهِ هَلَكَ، وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ، أَوْ سَبْعَ (^٢)، وَإِنِّي كَرِهْتُ أَنْ آتِيَهُنَّ، أَوْ أَجِيئَهُنَّ بِمِثْلِهِنَّ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَجِيءَ بِامْرَأَةٍ، تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، وَتُصْلِحُهُنَّ، قَالَ: "فَبَارَكَ اللهُ لَكَ"، أَوْ: قَالَ لِي خَيْرًا، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الرَّبِيعِ: "تُلَاعِبُهَا، وَتُلَاعِبُكَ، وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
_________________
(١) وفي نسخة: "سبع بنات".
(٢) وفي نسخة: "أو سبعًا".
[ ٢٥ / ٨١١ ]
٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن الربيع الْعَتكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
و"جابر" - ﵁ - ذُكر قبله.
وقوله: ("فَبِكْرٌ أَمْ ثَيِّبٌ؟ ") بالرفع خبر لمحذوف، أي: أهي بكر، أم ثيبٌ؟.
وقوله: (أَوْ قَالَ -: تُضَاحِكُهَا، وَتُضَاحِكُكَ؟) "أو" هنا للشكّ من الراوي.
وقوله: (وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ، أَوْ سَبْعَ) هكذا في رواية حمَّاد بن زيد، عن عمرو بالشكّ، وفي رواية ابن عيينة، عن عمرو التي أحالها المصنّف بعد هذا على رواية حمّاد، وسنسوقها من رواية البخاريّ: "تسع بنات" بالجزم، قال وليّ الدين - ﵀ -: هذه الرواية التي فيها الجزم بأن أخواته كُنّ تسعًا مقدّمة على رواية حمّاد بن زيد التي فيها التردد بين التسع والسبع، فإن من حَفِظَ حجة على من لم يحفظ. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "تسع بنات"، في رواية الشعبيّ: "ست بنات"، فكأن ثلاثًا منهنّ كنّ متزوجات، أو بالعكس. انتهى (^٢).
وقوله: (أَوْ سَبْعَ) هكذا بغير تنوين، لتقدير المضاف إليه، أي سبع بنات، وفي نسخة: "أو سبعًا" بالتنوين.
وقوله: (أَوْ أَجِيئَهُنَّ) "أو" للشك من الراوي.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٧/ ١٢.
(٢) "الفتح" ٩/ ١٢٨.
[ ٢٥ / ٨١٢ ]
وقوله: (تَقُومُ عَلَيْهِنَّ) أي تقوم بمصالحهنّ، فيكون عطف قوله: "وَتُصْلِحُهُنَّ" عليه من عطف التفسير، والإيضاح لمعنى قيامهنّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٣٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "هَلْ نَكَحْتَ يَا جَابِرُ؟ "، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: امْرَأَةً تَقُومُ عَلَيْهِنَّ، وَتَمْشُطُهُنَّ، قَالَ: "أَصَبْتَ"، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عُيينة، تقدَّم أيضًا قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٣٥) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير سفيان بن عيينة.
وقوله: (وَتَمْشُطُهُنَّ) أي تُسَرّح شعرهنّ، وهو بفتح التاء، وضمّ الشين المعجمة، وكسرها، من بابي نصر، وضرب، قال الفيّوميّ - ﵀ -: مَشَطتُ الشّعَرَ مَشْطًا، من بابي قَتَلَ، وضَرَبَ: سَرَّحته، والتثقيل مبالغةٌ. انتهى (^١).
وذكر "تمشُطهنّ" بعد "تقوم عليهنّ" من عطف الخاص على العامّ؛ لأن القيام أعمّ من المشط.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٧٤.
[ ٢٥ / ٨١٣ ]
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار هذه ساقها البخاريّ - ﵀ -، فقال:
(٣٨٢٦) - حدّثنا قُتَيْبَةُ، حدّثنا سُفْيَانُ، أخبرنا عَمْرٌو، عن جَابِرٍ، قال: قال لي رسول اللهِ - ﷺ -: "هل نَكَحْتَ يا جَابِرُ؟ " قلت: نعم، قال: "مَاذَا، أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ " قلت: لَا، بَلْ ثَيِّبًا، قال: "فَهَلَّا جَارِيَة تُلَاعِبُكَ؟ " قلت: يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبِي قُتِلَ يوم أُحُدٍ، وَتَرَكَ تِسْعَ بَنَاتٍ، كُنَّ لي تِسْعَ أَخَوَاتٍ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجْمَعَ إِلَيْهِنَّ جَارِيَةً خَرْقَاءَ، مِثْلَهُنَّ، وَلَكِنْ امْرَأَةً تَمْشُطُهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ، قال: "أَصَبْتَ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٤٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غَزَاةٍ، فَلَمَّا أَقْبَلْنَا تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ خَلْفِي، فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ، كَانَتْ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ بَعِيرِي، كَأَجْوَدِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ الْإِبِلِ، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "مَا يُعْجِلُكَ يَا جَابِرُ؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَقَالَ: "أَبِكْرًا تَزَوَّجْتَهَا، أَمْ ثَيِّبًا؟ " قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا، قَالَ: "هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا، وَتُلَاعِبُكَ؟ " قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ: "أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا - أَيْ عِشَاءً - كَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ"، قَالَ: وَقَالَ: "إِذَا قَدِمْتَ، فَالْكَيْسَ، الْكَيْسَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هُشَيْمُ) بن بشير الواسطيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (سَيَّارُ) بن أبي سيّار، واسم أبيه وَرْدان، أو ورد، وقيل غيره، أبو الحكم الْعَنَزيّ الواسطيّ، ويقال: البصريّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
[ ٢٥ / ٨١٤ ]
٣ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ، مشهورٌ [٣] مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ سَيَّارٍ) - بفتح المهملة، وتشديد التحتانية - وفي رواية البخاريّ، عن أبي النعمان، عن هشيم، قال: حدّثنا سيار، وله أيضًا: حدّثنا يعقوب الدَّوْرقيّ، حدّثنا هُشيم، أنبأنا سيّار (عَن الشَّعْبِيِّ) وفي رواية أبي عوانة من طريق شُرَيح بن النعمان، عن هُشيم، حدّثنا سيّار، حدّثنا الشعبيّ، ولأحمد من وجه آخر: سمعت الشعبي (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - أنه (قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غَزَاةٍ) - بفتح الغين المعجمة - بوزن حَصَاة: اسم من غَزَوتُ العدُوّ، قاله المرتضى (^١). (فَلَمَّا أَقْبَلْنَا) هكذا الرواية هنا "أقبلنا" من الإقبال، ووقع عند القرطبيّ "أقفلنا"، بالفاء، من الإقفال، قال القرطبيّ: كذا لابن ماهان، ووجه الكلام "قفلنا" ثلاثيًّا، يقال: قَفَل الجند من مبعثهم: أي رجعوا، وأقفلهم الأمير، وقَفَلهم أيضًا، وتَحْتَمِل الرواية أن تكون بفتح اللام: أي أقفلنا النبيّ - ﷺ -، وتَحْتَمِل أن تكون اللام ساكنةً، ويكون معناه: أقفل بعضنا بعضًا، ورواه ابن سفيان: "أقبلنا" بالباء المنقوطة بواحدة، من الإقبال. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^٢).
(تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ) - بفتح القاف: أي بطيء المشي، قال الفيّوميّ - ﵀ -: قَطَفَ الدّابّةُ يَقْطُفُ، من باب قَتَل، وهو قَطُوفٌ، مثلُ رَسُولٍ، قاله في "البارع"، والمصدر القِطَاف، مثلُ كتابٍ، وجمع الْقَطُوفُ قُطُفٌ، مثلُ رَسُولٍ ورُسُلٍ، قال الفارابيّ: الْقَطُوف من الدوابّ وغيرها: البطيء، وقال ابن
_________________
(١) "تاج العروس من جواهر القاموس" ١٠/ ٢٦٥.
(٢) "المفهم" ٤/ ٢١٨.
[ ٢٥ / ٨١٥ ]
القطّاع: قَطَفَ الدّابّةُ: أعجل سيره مع تقارب الْخَطْوِ. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: الْقَطُوف: هو البعير البطيء المشي المتقارب الخطو، قاله الخليل وغيره، قال الثعالبيّ: إذا كان الفرس يمشي وَثْبًا وثبًا، فهو قَطُوفٌ، فإذا كان يرفع يديه، ويقوم على رجليه، فهو شَبُوبٌ، فإن كان يلتوي برأسه حتى يكاد يسقط عنه راكبه، فهو قَمُوصٌ، فإذا كان مانعًا ظهره، فهو شَمُوسٌ. انتهى (^٢).
(فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ خَلْفِي، فَنَخَسَ) أي طعنه، يقال: نخستُ الدابّة نَخْسًا، من باب قتل: طعنتُهُ بعود، أو غيره، فهاج، والفاعل نَخّاسٌ، مبالغةٌ، ومنه قيل لدلّال الدابّة ونحوها: نَخّاسٌ (^٣). (بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ) بفتحات: هي عصًا، نحو نصف الرُّمْح، في أسفلها زُجٌّ، قاله النوويّ (^٤)، وقال الفيّوميّ - ﵀ -: الْعَنَزَة: عصًا أقصر من الرُّمْح، ولها زُجٌّ من أسفلها، والجمع: عَنَزٌ، وعَنَزَاتٌ، مثلُ قَصَبَةٍ، وقَصَبٍ، وقَصَبَاتٍ. انتهى (^٥).
وقال في "المفهم": الْعَنَزة: عصًا مثل نصف الرمح، أو أكثر، وفيها زُجّ، قاله أبو عبيد، قال الثعالبيّ: فإن طالت شيئًا، فهي النَّيْزَك، والمِطْرَدُ، فإذا زاد طولها، وفيها سِنَانٌ عَرِيضٌ، فهي أَلّةٌ، وحَرْبةٌ. انتهى (^٦).
(كَانَتْ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ بَعِيرِي، كَأَجْوَدِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ الْإِبِلِ) أي كأسرع بعير تراه من الإبل، وهذا فيه معجزة لرسول الله - ﷺ -، وأثر بركته (فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -) "إذا" هنا هي الْفُجائيّة، أي ففاجأني حضور رسول الله - ﷺ - (فَقَالَ) - ﷺ - ("مَا يُعْجِلُكَ يَا جَابِرُ؟ ") "ما" استفهاميّة، أي أيُّ شيء جعلك متعجّلًا؟ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ) بضم العين، وسكون الراء: أي بزفاف امرأتي، قال الفيّوميّ: والعُرْسُ بالضمّ: الزِّفاف، ويُذكّر، ويؤنّثُ، فيقال: هو الْعُرْس، والجمع: أعراسٌ، مثلُ قُفْلٍ وأَقْفالٍ، وهي الْعُرْسُ، والجمع: عُرْسات، ومنهم من يقتصر على إيراد التأنيث، والْعُرْسُ
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٠٩.
(٢) "المفهم" ٤/ ٢١٨ - ٢١٩.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٥٩٦.
(٤) "شرح النوويّ" ١٠/ ٥٤.
(٥) "المصباح" ٢/ ٤٣٢.
(٦) "المفهم" ٤/ ٢١٩.
[ ٢٥ / ٨١٦ ]
أيضًا: طعام الزِّفاف، وهو مذكّرٌ؛ لأنه اسم للطعام. انتهى (^١). (فَقَالَ) - ﷺ - ("أَبِكْرًا تَزَوَّجْتَهَا، أَمْ ثَيِّبًا؟ ") ونصب "بكرًا"، و"ثيّبًا" على الحال من المفعول (قَالَ) جابر - ﵁ - (قُلْتُ: بَلْ) تزوّجتها (ثَيِّبًا) حال من مفعول العامل المقدّر (قَالَ) - ﷺ - ("هَلَّا جَارِيةً تُلَاعِبُهَا، وَتُلَاعِبُكَ؟ " قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ) أي قارب قدومنا إليها (ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ، فَقَالَ) - ﷺ - ("أَمْهِلُوا) أي اتّئدوا، ولا تعجلوا (حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا) ثم فسّر الراوي - ولم يتبيّن لي من هو؟ - المراد بالليل بقوله: (أَيْ عِشَاءً) أي وقت العشاء، وإنما فسّره بهذا؛ لأن الليل يُطلق على أوله، ونصّه، وآخره، فربّما توهّم متوهّم إطلاقه، فقيّده بأنه يريد أوله (كَيْ تَمْتَشِطَ) أي تُسرّح شعرها (الشَّعِثَةُ) بفتح، فكسر: أي المتغيّرة الحال والهيئة (وَتَسْتَحِدَّ) أي تستعمل الحديدة في شعر العانة، وهو إزالته بالموسى، قال النوويّ: والمراد ها هنا إزالته كيف كانت (الْمُغِيبَةُ") بضم الميم، وكسر الغين المعجمة، وإسكان الياء، أي التي غاب عنها زوجها، يقال: أغابت المرأة، فهي مُغيبة بالهاء: إذا غاب زوجها، وأشهدت: إذا حضر زوجها، فهي مُشْهِدٌ بغير هاء.
وفي هذا الحديث التنبيه على رعاية المصالح الجزئيّة في الأهل، والإرشاد إلى مكارم الأخلاق، والشفقة على المسلمين، والاحتراز من تتبّع العورات، وتحسين المعاشرة، واجتلاب دوام الصحبة، وذلك أن المرأة تكون في حالة غيبة زوجها على حالةِ بَذَاذة، وقلّة مبالاة بنفسها، وشعث، فلو قَدِم الزوج عليها، وهي في تلك الحال ربّما نَفَر منها، وزَهِدَ فيها، وهانت عليه، فنبّه - ﷺ - على ما يزيل ذلك.
ولا يعارض قوله في هذا الحديث: "حتى ندخل ليلًا" نهيه - ﷺ - في الحديث الآخر عن أن يَطرُق الرجل أهله، أي يأتيهم ليلًا؛ لأن ذلك إذا لَمْ يتقدّم إليهم خبره؛ لئلا يستغفلهم، ويرى منهم ما يكرهه، وقد جاء مبيّنًا في حديث أنس - ﵁ -: "أن رسول الله - ﷺ - كان لا يطرق أهله ليلًا، وكان يأتيهم غُدْوةً أو عشيّةً"، متّفقٌ عليه، وقد جاء في حديث النهي عن الطُّروق التنبيه على علّة أخرى، وهي أنه لا يطرقهم يتخوّنهم، ويطلب عَثَراتهم، وهو معنى آخرُ غير
_________________
(١) "المصباح" ٢/ ٤٠٢.
[ ٢٥ / ٨١٧ ]
الأول، وينبغي أيضًا: أن يجتنب الطروق لأجل ذلك، قاله القرطبيّ - ﵀ - (^١).
(قَالَ) جابر (وَقَالَ) - ﷺ - ("إِذَا قَدِمْتَ) بكسر الدال (فَالْكَيْسَ، الْكَيْسَ") أي الجماع، والمراد الحثّ على ابتغاء الولد.
وقال في "الفتح": "فالكيس الكيس" بالنصب فيهما على الإغراء، وقيل: على التحذير من ترك الجماع، قال الخطابيّ: "الكيسَ" هنا بمعنى الحذر، وقد يكون "الكيس" بمعنى الرِّفق، وحسن التأني، وقال ابن الأعرابيّ: الكيس العقل، كأنه جعل طلب الولد عقلًا، وقال غيره: أراد الحذر من العجز عن الجماع، فكأنه حَثّ على الجماع، وجزم ابن حبان في "صحيحه" بعد تخريج هذا الحديث بأن الكيس الجماع، قال الحافظ: ويؤيده قوله في رواية محمد بن إسحاق: "فإذا قَدِمتَ، فاعمل عملًا كَيْسًا"، وفيه: قال جابر: "فدخلنا حين أمسينا، فقلت للمرأة: إن رسول الله - ﷺ - أمرني أن أعمل عملًا كَيْسًا، قالت: سمعًا وطاعةً، فدونك، قال: فبِتّ معها، حتى أصبحت"، أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، قال عياض: فَسَّر البخاريّ وغيره الكيس بطلب الولد والنسل، وهو صحيحٌ، قال صاحب "الأفعال": كاس الرجلُ في عمله حَذِقَ، وكاس وَلَدَ ولدًا كيسًا، وقال الكسائيّ: كاس الرجلُ وُلد له ولدٌ كيس. انتهى.
وأصل الكيس العقل كما ذكر الخطابيّ، لكنه بمجرده ليس المراد هنا، والشاهد لكون الكيس يراد به العقل قول الشاعر [من البسيط]:
وَإِنَّمَا الشِّعْرُ لُبُّ الْمَرْءِ يَعْرِضُهُ … عَلَى الرِّجَالِ فَإِنْ كَيْسًا وَإِنْ حُمْقَا
فقابله بالْحُمْق، وهو ضد العقل، ومنه حديث: "الْكَيِّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والأحمق مَن أتبع نفسه هواها" (^٢)، وأما حديث: "كلُّ شيء بقدر، حتى العجزُ والكيس" (^٣)، فالمراد به الفطنة، ذكره في "الفتح" (^٤).
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢١٩ - ٢٢٠.
(٢) أخرجه الترمذيّ برقم (٢٤٥٩) وهو ضعيف؛ لأن في إسناده سفيان بن وكيع، وأبا بكر بن أبي مريم، وهما ضعيفان.
(٣) أخرجه مسلم في "صحيحه" برقم (٢٦٥٥).
(٤) "الفتح" ١١/ ٧٠٤ "كتاب النكاح" رقم (٥٢٤٦).
[ ٢٥ / ٨١٨ ]
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٤١] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، يَعْني ابْنَ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيَّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غَزَاةٍ، فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي، فَأَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ لِي: "يَا جَابِرُ" قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "مَا شَأْنُكَ؟ " قُلْتُ: أَبْطَأَ بِي جَمَلِي، وَأَعْيَا، فَتَخَلَّفْتُ، فَنَزَلَ، فَحَجَنَهُ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ قَالَ: "ارْكَبْ"، فَرَكِبْتُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَكُفُّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "أَتَزَوَّجْتَ؟ " فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: "أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ " فَقُلْتُ: بَلْ ثَيِّبٌ، قَالَ: "فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا، وَتُلَاعِبُكَ؟ "، قُلْتُ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ، وَتَمْشُطُهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ، قَالَ: "أَمَا إِنَّكَ قَادِمٌ، فَإِذَا قَدِمْتَ، فَالْكَيْسَ، الْكَيْسَ"، ثُمَّ قَالَ: "أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوقِيَّةٍ، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ، فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: "الْآنَ حِينَ قَدِمْتَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "فَدَعْ جَمَلَكَ، وَادْخُلْ، فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ"، قَالَ: فَدَخَلْتُ، فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَزِنَ لِي أُوقِيَّةً، فَوَزَنَ لِي بِلَالٌ، فَأَرْجَحَ فِي الْمِيزَانِ، قَالَ: فَانْطَلَقْتُ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ، قَالَ: "ادْعُ لِي جَابِرًا"، فَدُعِيتُ، فَقُلْتُ: الْآنَ يَرُدُّ عَلَيَّ الْجَمَلَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ) أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ، فَقَالَ: "خُذْ جَمَلَكَ، وَلَكَ ثَمَنُهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ) البصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ) القُرشيّ مولاهم، أبو نعيم المدنيّ المعلّم، ثقةٌ، من كبار [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٣/ ٧٩٧.
والباقون ذُكروا في الباب، و"عُبَيْدُ اللهِ" هو: ابن عُمر الْعُمَريّ.
وقوله: (فِي غَزَاةٍ، فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي) أي تأخّر مسيره، قال الفرّاء: الجمل زوج الناقة، والجمع جِمَال، وأجمال، وجِمالات، وجمائل، ويُطلق عليه
[ ٢٥ / ٨١٩ ]
البعير؛ لأن جابرًا قال في الحديث في رواية أبي داود: "بعته" يعني بعيره من النبيّ - ﷺ -، واشترطت حُملانه إلى أهله، وقال في آخره: "تراني إنما ماكستك لأذهب بجملك؟ خذ جملك وثمنه، فهما لك"، وقال أهل اللغة: البعير: الجمل البازل، وقيل: الْجَذَع، وقد يكون للأنثى، ويجمع على أبعرة، وأباعر، وأباعير، وبِعران وبُعران، قاله في "العمدة" (^١).
وقوله: (وَأَعْيَا) أي عجز عن الذهاب إلى مقصده؛ لعِيِّه، وعجزه عن المشي، يقال: عَيِيت بأمري إذا لَمْ تهتد لوجهه، وأعياني هو، ويقال: أعيى فهو مُعْيي، ولا يقال: عيا، وأعياه الله، كلاهما بالألف يستعمل لازمًا ومتعديًا (^٢).
(فَتَخَلَّفْتُ، فَنَزَلَ) أي نزل رسول الله - ﷺ - عن راحلته.
(فَحَجَنَهُ بِمِحْجَنِهِ) - بالحاء المهملة، والجيم، والنون، يقال: حجنت الشيء: إذا اجتذبته بالْمِحْجَن إلى نفسك، والْمِحْجن بكسر الميم: عصًا في رأسه اعوجاجٌ، يلتقط به الراكب ما سقط منه.
وقوله: (فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَكُفُّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) أي لئلا يتقدّم على راحلته.
(ثُمَّ قَالَ: "أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوقِيَّةٍ) هي أربعون درهمًا، وقد اختلفت الروايات في ثمن جمل جابر هذا، وفي اشتراطه ظهره إلى المدينة، وغير ذلك، وسيأتي البحث فيه مستوفًى في "كتاب البيوع" إن شاء الله تعالى.
وقوله: (ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَقَدِمْتُ بِالْغَدَاةِ) ظاهر هذه الرواية تناقض الرواية الأخرى: "فتقدّمت الناس إلى المدينة"؛ لأن في إحداهما أنه تقدم الناس إلى المدينة، وفي الأخرى أن النبيّ - ﷺ - قَدِم قبله، فيَحْتَمِل في الجمع بينهما أن يقال: إنه لا يلزم من قوله: "فتقدمت الناس" أن يستمرّ سبقه لهم؛ لاحتمال أن يكونوا لَحِقُوه بعد أن تقدمهم، إما لنزوله لراحة، أو نوم، أو غير ذلك، ولعله امتثل أمره - ﷺ - بأن لا يدخل ليلًا فبات دون المدينة، واستمرّ
_________________
(١) "عمدة القاري" ١١/ ٢١٥.
(٢) "عمدة القاري" ١١/ ٢١٥.
[ ٢٥ / ٨٢٠ ]
النبيّ - ﷺ - إلى أن دخلها قبله ليلًا، ولم يدخلها جابر حتى طلع النهار، والعلم عند الله تعالى (^١).
وقوله: ("الْآنَ حِينَ قَدِمْتَ؟ ") "الآن" منصوب على الظرفيّة، متعلّق بخبر محذوف، أي: كائن الآن، و"حينَ قَدِمت" مبتدأ مؤخّهر مبنيّ على الفتح؛ لإضافته إلى الجملة، ويجوز رفعه بالضمة، كما أشار إليه في "الخلاصة" بقوله:
وَأَلْزَمُو إِضَافَةً إِلَى الْجُمَلْ … "حَيْثُ" و"إِذْ" وَإِنْ يُنَوَّنْ يُحْتَمَلْ
إِفْرَادُ "إِذْ" وَمَا كَـ "إِذْ" مَعْنًى كَـ "إِذْ" … أَضِفْ جَوَازًا نَحْوُ "حِينَ جَا نُبِذْ"
وَابْنِ أَوَ اعْرِبْ مَا كَـ "إِذْ" قَدْ أُجْرِيَا … وَاخْتَرْ بِنَا مَتْلُوِّ فِعْلٍ بُنِيَا
وَقَبْلَ فِعْلٍ مُعْرَبٍ أَوْ مُبْتَدَا … أَعْرِبْ وَمَنْ بَنَى فَلَنْ يُفَنَّدَا
والكلام بتقدير همزة الاستفهام، أي: أكائنٌ الآنَ وقتُ قدومك؟.
وقوله: (فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ) فيه استحباب ركعتين عند القدوم من السفر.
وقوله: (فَأَرْجَحَ فِي الْمِيزَانِ) فيه استحباب إرجاح الميزان في وفاء الثمن، وقضاء الديون، وسيأتي تمام البحث في هذا في "كتاب البيوع" - إن شاء الله تعالى -.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٤٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنَّا فِي مَسِيرٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَأَنَا عَلَى نَاضِحٍ، إِنَّمَا هُوَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، قَالَ: فَضَرَبَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، أَوْ قَالَ: نَخَسَهُ، أُرَاهُ قَالَ: بِشَيْءٍ كَانَ مَعَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَقَدَّمُ النَّاسَ يُنَازِعُنِي، حَتَّى إِنِّي لِأَكُفُّهُ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَتَبِيعُنِيهِ بِكَدَا وَكَذَا، وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: هُوَ لَكَ يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: "أَتَبِيعُنِيهِ بِكَذَا وَكَذَا، وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: هُوَ لَكَ يَا نَبِيَّ اللهِ (^٢)، قَالَ: وَقَالَ لِي:
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٦٠٠.
(٢) قوله: "يا نبيّ الله" لم يوجد في بعض النسخ في المرّة الثانية.
[ ٢٥ / ٨٢١ ]
"أَتَزَوَّجْتَ بَعْدَ أَبِيكَ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "ثَيِّبًا أَمْ بِكْرًا؟ " قَالَ: قُلْتُ: ثَيِّبًا، قَالَ: "فَهَلَّا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُضَاحِكُكَ، وَتُضَاحِكُهَا، وَتُلَاعِبُكَ وَتُلَاعِبُهَا؟ "، قَالَ أَبُو نَضْرَةَ: فَكَانَتْ كَلِمَةً يَقُولُهَا الْمُسْلِمُونَ: افْعَلْ كَذَا وَكَذَا، وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٣.
٢ - (الْمُعْتَمِرُ) بن سليمان التيميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٣ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٤ - (أَبُو نَضْرَةَ) المنذر بن مالك بن قَطَعَة الْعَبْديّ الْعَوَقيّ البصريّ، ثقةٌ مشهور بكنيته [٣] (ت ٨ أو ١٠٩) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
و"جابر" - ﵁ - ذُكر قبله.
وقوله: (وَأَنَا عَلَى نَاضِحٍ) الناضح هو البعير الذي يُستقى عليه الماء.
وقوله: (فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ) بضم الهمزة، وفتح الراء: جمع أُخرى، أي في آخر الناس.
وقوله: (وَاللهُ يَغْفِرُ لَكَ) وفي رواية النسائيّ من طريق أبي الزبير، قال: "اللهم اغفر له، اللهم ارحمه"، زاد في رواية: "وكانت كلمةً تقولها العرب افعل كذا، والله يغفر لك"، ولأحمد: قال سليمان، يعني بعض رواته: فلا أدري كم من مرة؟ يعني قال له: "والله يغفر لك"، وللنسائي من طريق أبي الزبير، عن جابر - ﵁ -: "استغفر لي رسول الله - ﷺ - ليلة البعير خمسًا وعشرين مرةً (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٥٩٩ "كتاب الشروط" رقم (٢٧١٨).
[ ٢٥ / ٨٢٢ ]