وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٨٦] (١٥٤٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَة، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا).
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٦٥٩ - ٦٦٠.
(٢) هكذا ترجم القرطبيّ ﵀ في "المفهم"، وهو الأولى، خلاف صنيع النوويّ ومن تبعه، فإنهم أدخلوا هذه الأحاديث تحت ترجمة "باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا"، فتنبّه.
[ ٢٧ / ١٥٤ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعئات المصنف ﵀، وهو (٢٥٦) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ) - بميم مضمومة، وزاي، وباء موحّدة، ونون - مفاعلة من الزَّبْن - بفتح الزاي، وسكون الموحّدة -: وهو الدفع الشديد، ومنه سُمّيت الحرب الزَّبُون؛ لشدّة الدفع فيها، وقيل للبيع المخصوص: المزابنة؛ لأن كلّ واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقّه، أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع بفسخه، وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع، هذا هو تفسير المزابنة لغةً، وأما التفسير الشرعيّ، فهو ما بيّنه بقوله: (وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ) الأول بالثاء المثلّثة، والثاني بالتاء المثناة الفوقانيّة، والمراد ثمر النخل؛ أي: رُطَبه، لا كلّ ثمر، إذ يجوز بيع الثمر من غير النخل بالتمر كيلًا؛ لجواز التفاضل فيه.
وقوله: (كَيْلًا) منصوب على التمييز.
(وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا) وفي الرواية التالية: "وبيع العنب بالزبيب كيلًا"، و"الكرم" - بفتح الكاف، وسكون الراء -: هو شجر العنب، والمراد منه هنا نفس العنب، كما أوضحته الروايةُ الثانية، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٣٨٨٦ و٣٨٨٧ و٣٨٨٨ و٣٨٨٩ و٣٨٩٠ و٣٨٩١ و٣٨٩٢ و٣٨٩٣] (١٥٤٢)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢١٧١ و٢١٧٢ و٢١٨٥ و٢٢٠٥)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٣٦١)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٢٦٦)، و"الكبرى" (٤/ ٢٠)، و(مالك) في "الموطّأ" (٢/ ٦٢٤)،
[ ٢٧ / ١٥٥ ]
و(الشافعيّ) في "المسند" (٢/ ١٥٣)، و"الرسالة" فقرة (٩٠٦)، و(عبد الرزّاق) في "مصنفه" (١٤٤٨٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٩٩٨ و٤٩٩٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٩٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٠٧)، و"المعرفة" (٤/ ٣٣٧)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (٢٠٦٩ و٢٠٧٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن بيع المزابنة.
٢ - (ومنها): بيان تفسير المزابنة، قال الحافظ وليّ الدين ﵀: "المزابنة" - بضم الميم، وفتح الزاي، وبعد الألف باء موحدة مفتوحة، ثم نون - مشتقة من الزَّبْن، وهو المخاصمة والمدافعة، وقد فسرها في الحديث بأنها بيع الثمر بالتمر كيلًا، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا، والثمر المذكور أولًا بفتح الثاء المثلثة والميم، والثاني بفتح التاء المثناة من فوقُ، وإسكان الميم، فالأول اسم له، وهو رُطَبٌ على رءوس النخل، والثاني اسم له بعد الجداد واليبس، وكذا في حديث أبي سعيد الخدريّ في "الصحيحين": والمزابنة اشتراء الثمر بالتمر على رءوس النخل، وكذا في حديث جابر، فإن كان هذا التفسير مرفوعًا، فلا إشكال في وجوب الأخذ به، وإن كان موقوفًا على هؤلاء الصحابة، فهم رواة الحديث، وأعرف بتفسيره من غيرهم، قال ابن عبد البرّ: ولا مخالف لهم علمته، بل قد أجمع العلماء على أن ذلك مزابنة، ولذلك أجمعوا على أن كل ما لا يجوز إلا مِثلًا بمثل أنه لا يجوز منه كيلٌ بِجِزاف، ولا جِزاف بجزاف؛ لأن في ذلك جهل المساواة، ولا يؤمَن مع ذلك التفاضل.
قال وليّ الدين: وحقيقتها الجامعة لأفرادها بيع الرُّطَب من الرِّبويّ باليابس منه، وفسّرها مالك ﵀ بأعم من ذلك، وهو بيع مجهول بمعلوم من صنف ذلك، سواء كان مما يجوز فيه التفاضل أم لا، وجَعَله من باب المخاطرة والقمار، وأدخله في معنى المزابنة، فقال في "الموطإ": وتفسير المزابنة كلُّ شيء من الجزاف الذي لا يُعْلَم كيله، ولا وزنه، ولا عدده يباع بشيء مسمًّى من الكيل، أو الوزن، أو العدد، وذلك أن يقول الرجل للرجل يكون له الطعام الْمُصْبَر الذي لا يُعلم كيله من الحنطة والتمر، وما أشبه ذلك من الأطعمة، أو يكون للرجل السلعة من الحنطة، أو النوى، أو القَضْب، أو
[ ٢٧ / ١٥٦ ]
العُصْفُر، أو الكُرْسُف، أو الكتان، أو الغزل، أو ما أشبه ذلك من السِّلَع، لا يُعلَم كيلُ شيء من ذلك، ولا وزنه، ولا عدده، فيقول الرجل لرب تلك السلعة: كِلْ سلعتك، أو مُرْ من يكيلها، أو زِنْ من ذلك ما يوزن، أو اعدُد من ذلك ما يُعَدّ، فما نقص من كذا وكذا صاعًا فعليّ غُرْمُه، وما زاد على ذلك فهو لي، أضمن ما نقص من ذلك الكيل، أو الوزن، أو العدد على أن يكون لي ما زاد، فليس ذلك بيعًا، ولكنه الغرر، والمخاطرة، والقمار.
ومن ذلك أيضًا أن يقول الرجل للرجل له الثوب: أضمن لك من ثوبك هذا كذا وكذا ظِهارةَ قلنسوةٍ قدر كل ظِهارة كذا وكذا، فما نقص من ذلك فعليّ غُرْمُه، وما زاد على ذلك فهو لي، ثم ذكر أمثلة أخرى، ثم قال: فهذا كله، وما أشبهه من الأشياء من المزابنة التي لا تجوز. انتهى تفسير مالك ﵀ مع إسقاط بعضه اختصارًا (^١).
وفسَّر الشافعيّ ﵀ المزابنة بأنه بيع ما حَرُم فيه التفاضل جَزَافًا بجزاف، أو معلومًا بجزاف، أو مع التساوي، ولكن أحدهما رطب ينقص إذا جَفّ، قال: وأما إذا قال: أضمن لك صُبْرتك هذه بعشرين صاعًا، فما زاد فلي، وما نقص فعليّ تمامها، فهذا من القمار، وليس من المزابنة.
قال ابن عبد البرّ ﵀: وما قدّمنا عن أبي سعيد الخدريّ، وابن عمر، وجابر في تفسير المزابنة يشهد لما قاله الشافعيّ، وهو الذي تدلّ عليه الآثار المرفوعة في ذلك، قال: ويشهد لقول مالك - والله أعلم - أصل معنى المزابنة في اللغة؛ لأنه لفظ مأخوذ من الزَّبْن، وهو المقامرة والدفع، والمغالبة، وفي معنى القمار: الزيادة والنقص أيضًا، حتى قال بعض أهل اللغة: إن القمر مُشتقّ من القمار؛ لزيادته ونقصانه، فالمزابنة والقمار والمخاطرة شيء واحد، يشبه أن يكون أصل اشتقاقها واحد، تقول العرب: حَرْبٌ زَبُونٌ؛ أي: ذات دفع، وقمار، ومغالبة، قال أبو الغول الطهويّ [من الوافر]:
فَوَارِسُ لَا يَمَلُّونَ الْمَنَايَا … إِذَا دَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ الزَّبُونِ
_________________
(١) راجع: "الموظأ" ٢/ ٦٢٥ - ٦٢٦.
[ ٢٧ / ١٥٧ ]
وقال أوس بن حجر (^١) [من الطويل]:
وَمُسْتَعْجِبٍ مِمَّا رَأَى مَنْ أنَاتِنَا … وَلَوْ زَبَنَتْهُ الْحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرمِ (^٢)
٣ - (ومنها): أن فيه حجةً للجمهور على تحريم بيع الرُّطْب من الربويّ باليابس منه، ولو تساوَيا في الكيل، أو الوزن، وهذا مدلول المزابنة كما تقدم، والمعنى فيه أن الاعتبار بالتساوي حالة الكمال، ولا يلزم من مساواة الرَّطْب له في حالة الرطوبة مساواته في حالة الجفاف؛ إذ ينقص بجفافه كثيرًا، وقد ينقص قليلًا، وهذا مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وأكثر العلماء من السلف، وجَوَّز أبو حنيفة البيع في هذه الصورة مع التساوي، واكتفى بالمساواة حالة الرطوبة، وهذا الحديث حجة عليه، وقال النوويّ: اتَّفَقَ العلماء على تحريم بيع الرُّطَب بالتمر في غير العرايا، وأنه رِبًا، وعلى تحريم بيع العنب بالزبيب، وسواء عند جمهورهم كان الرُّطَب والعنب على الشجر، أو مقطوعًا، وقال أبو حنيفة: إن كان مقطوعًا جاز بيعه بمثله من اليابس.
قال وليّ الدين: ولم أر في كتب الحنفية تقييد ذلك عن أبي حنيفة ﵀ بالمقطوعة. انتهى (^٣).
٤ - (ومنها): أن قوله: "كيلًا" ليس تقيدًا للنهي بهذه الحالة، فإنه متى كان جِزافًا فلا كيل، بل كان أولى بالمنع، وكانه إنما قَيَّد بذلك لأنها صورة المبايعة التي كانوا يتعاملون بها، فلا مفهوم له؛ لخروجه على سبب، أو له مفهوم، لكنه مفهوم الموافقة؛ لأن المسكوت عنه أولى بالمنع من المنطوق.
٥ - (ومنها): بيان أن معيار التمر والزبيب الكيل، وهو كذلك، قاله وليّ الدين ﵀ (^٤).
٦ - (ومنها): تسمية العنب كَرْمًا، وقد ورد النهي عنه، وتبيّن بهذا الحديث جوازه، وأن ذلك النهي إنما هو للأدب والتنزيه، دون المنع والتحريم، قاله وليّ الدين ﵀.
_________________
(١) هكذا في "لسان العرب"، وفي "التمهيد": وقال معاوية، فليُحرّر.
(٢) أي لم يحرك شفته بالكلام.
(٣) "طرح التثريب" ٦/ ١٣٤ - ١٣٥.
(٤) "طرح التثريب" ٦/ ١٣٥.
[ ٢٧ / ١٥٨ ]
وقال في "الفتح": فيه: جواز تسمية العِنَب كَرْمًا، وقد ورد النهي عنه، فقد أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، قال: "لا تُسمُّوا العِنَب كَرْمًا"، وفي رواية: "ويقولون: الكرم، إنما الكرم قلب المؤمن".
ويُجمَع بينهما بحمل النهي على التنزيه، ويكون ذِكره هنا؛ لبيان الجواز، وهذا كله بناء على أن تفسير المزابنة، من كلام النبيّ - ﷺ -، وعلى تقدير كونه موقوفًا، فلا حجة على الجواز، فيُحْمَل النهي على حقيقته.
٧ - (ومنها): أنه اختَلَف السلف: هل يُلحق العنب أو غيره بالرُّطَب في العرايا؟ فقيل: لا، وهو قول أهل الظاهر، واختاره بعض الشافعية، منهم المحبّ الطبري. وقيل: يُلحق العنب خاصة، وهو مشهور مذهب الشافعيّ، وقيل: يُلْحَق كل ما يُدَّخَر، وهو قول المالكية، وقيل: يُلْحَق كل ثمرة، وهو منقول عن الشافعيّ، أيضًا، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى.
أفاده في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم ترجيح القول بعدم إلحاق غير التمر بالتمر؛ لقوة حجته، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٨٧] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ: بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ (^٢) كَيْلًا، وَبَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا، وَبَيْعِ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ كَيْلًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ) بن الْفَرَافصة الْعَبْديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٦٥٢.
(٢) وفي نسخة: "والمزابنة بيع ثمر النخل بالتمر".
[ ٢٧ / ١٥٩ ]
وقوله: (بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ) بجرّ "بيعِ" بدلًا من "المزابنة"، وفي بعض النسخ: "نهى عن المزابنة، والمزابنةُ بيعُ ثمر النخل بالتمر".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٨٨] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّاء بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله (٩٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية يحيى بن أبي زائدة، عن عبيد الله هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" (٣/ ٢٩٨) فقال:
(٥٠٥٢) - حدّثنا أبو داود السِّجْزيّ، قثنا (^١) أبو بكر بن أبي شيبة، قثنا يحيى بن أبي زائدة، قثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله -ﷺ- نَهَى عن بيع الثمر بالتمر كيلًا، وعن بيع العنب بالزبيب كيلًا، وعن بيع الزرع بالحنطة كيلًا. انتهى.
وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب فال:
[٣٨٨٩] (…) - (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ ثَمَرِ النَّخَلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْعِنَبِ (^٢) كَيْلًا، وَعَنْ كُلِّ ثَمَرٍ بِخَرْصِهِ).
_________________
(١) قوله: "قتنا" في ثلاثة مواضع مختصر من "قال: حدّثنا"، فتنبّه.
(٢) وفي نسخة: "وبيع العنب بالزبيب".
[ ٢٧ / ١٦٠ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ مَعِينِ) بن عون الْغَطَفانيّ مولاهم، أبو زكرياء البغداديّ، ثقةٌ حافظ مشهورٌ، إمام الجرح والتعديل [١٠] (ت ٢٣٣) بالمدينة، وله بضع وسبعون سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الحمّال، أبو موسى البغداديّ البزاز، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٣ - (حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى) بن حُمران الطائيّ، أبو عليّ الْبِسطاميّ الْقُومَسيّ الدامغانيّ، سكن نيسابور، ومات بها، ثقةٌ (^١)، صاحب حديث [١٠].
رَوَى عن ابن عيينة، وابن أبي فُديك، وأبي قتيبة، وأبي أسامة، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وجعفر بن عون، وطبقتهم.
وروى عنه الجماعة، إلا الترمذيّ، وابن ماجه، وأبو العباس الأزهريّ، والحسين بن محمد القَبَّانيّ، وأبو حاتم، ويحيى الذُّهْليّ، وابن خزيمة، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوق، وقال الحاكم: كان من كبار المحدثين، وثقاتهم، من أئمة أصحاب العربية، وقال النسائيّ في "الكنى"، وفي "أسماء شيوخه": ثقةٌ، وكذا قال الدارقطنيّ، وقال الإدريسيّ: وكان عالِمًا فاضلًا كثير الحديث.
وقال البخاريّ: مات سنة (٢٤٧)، وكذا قال ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن ثمانين سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
والباقون ذُكروا قبله.
_________________
(١) قال في "التقريب": صدوق. انتهى. والأَولى ما ذكرته، كما يظهر من ترجمته بعدُ، فتأمل.
[ ٢٧ / ١٦١ ]
وقوله: (وَعَنْ كُلِّ ثَمَرٍ بِخَرْصِهِ) بفتح الخاء المعجمة، وكسرها، كما مرّ توجيهه؛ أي: ونهى عن بيع كلّ ثمر بقدره من جنسه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قبل حديثين.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٩٠] (…) - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، وَزُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَة، وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ بِكَيْلٍ مُسَمًّى، إِنْ زَادَ فَلِي، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا في البابين الماضيين، و"إسماعيل بن إبراهيم" هو: ابن عُليّة، و"أيوب" هو: السَّخْتيانيّ.
وقوله: (وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يُبَاعَ) "أن" مصدريّة، والمصدر المؤوّل خبر "المزابنةُ".
وقوله: (مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ) أي: من الثمار، و"في" هنا بمعنى "على"، كما قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١].
وقوله: (بِتَمْرٍ) متعلّقٌ بـ "يُباع"، والباء للمقابلة.
وقوله: (بِكَيْلٍ مُسَمًّى) أي: بكيل معيّن، وهو بدل من الجارّ والمجرور قبله بإعادة الجارّ.
وقوله: (إِنْ زَادَ فَلِي … إلخ) حال من نائب فاعل "يباع" بتقدير القول؛ أي: ببيعه قائلًا: إن زاد التمر المخروص على ما يساوي الكيل فهو لي، وإن نقص فعليّ بتشديد الياء؛ أي: عليّ غُرْمه لك.
وحاصل المعنى: أن البائع يقول للمشتري: إن زاد ما في رؤوس النخل في الكيل على التمر، فالزائد لي، وإن نقص عنه، فالخسارة عليّ.
قال في "الفتح": وهذا أصل المزابنة، وألحق الشافعيّ بذلك كل بيع مجهول بمجهول، أو بمعلوم من جنس يجري الربا في نقده، قال: وأما من
[ ٢٧ / ١٦٢ ]
قال: أَضْمَنُ لك صبرتك هذه، بعشرين صاعًا مثلًا، فما زاد فلي، وما نقص فعليّ، فهو من القمار، وليس من المزابنة.
لكن فيه نظر؛ لأن هذا التفسير، قد سمّاه في هذا الحديث مزابنة.
قال الحافظ: فثبت أن من صور المزابنة أيضًا، هذه الصورة من القمار، ولا يلزم من كونها قمارًا، أن لا تسمى مزابنة.
ومن صور المزابنة أيضًا بيع الزرع بالحنطة كيلًا، كما رواه مسلم هنا.
وقال مالك: المزابنة كلُّ شيء من الجزاف، لا يُعلم كيله، ولا وزنه، ولا عدده، إذا بيع بشيء مسمى من الكيل وغيره، سواء كان من جنس يجري الربا في نقده أم لا، وسبب النهي عنه، ما يدخله من القمار والغرر، قال ابن عبد البر: نظر مالك إلى معنى المزابنة لغة، وهي المدافعة، ويدخل فيها القمار، والمخاطرة.
وفسَّر بعضهم المزابنة، بأنها بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وهو خطأ، فالمغايرة بينهما ظاهرة، من أول حديث ابن عمر عند البخاريّ بلفظ: "لا تبيعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبيعوا الثمر بالتمر"، فقد غاير بينهما.
وقيل: هي المزارعة على الجزء، وقيل غير ذلك، والذي تدل عليه الأحاديث في تفسيرها أولى.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٩١] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو الرَّبِيع، وَأَبُو كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي، و"أبو الربيع" هو: سليمان بن داود الْعَتَكيّ، و"أبو كامل" هو: فُضيل بن حسين الْجَحْدريّ، و"حمّاد" هو: ابن زيد، و"أيوب" هو: السَّخْتيانيّ.
[تنبيه]: رواية حمّاد بن زيد، عن أيوب هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
[ ٢٧ / ١٦٣ ]
(٢٠٦٤) - حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -؛ أن النبيّ - ﷺ - نَهَى عن المزابنة، قال: والمزابنة أن يبيع الثمر بكيل، إن زاد فلي، وإن نقص فعليّ.
قال (^١): وحدّثني زيد بن ثابت؛ أن النبيّ - ﷺ - رَخَّص في العرايا بخرصها. انتهى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٩٢] (…) - (حَدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْمُزَابَنَةِ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَتْ نَخْلًا بِتَمْرٍ كيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كيْلًا، وَإِنْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّه، وَفِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ: أَوْ كَانَ زَرْعًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم ذُكروا في الباب وقبله، وهو من رباعيّات المصنف ﵀، وهو (٢٥٧) من رباعيَّات الكتاب، و"عبد الله" هو ابن عمر - ﵄ -.
وقوله: (أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ) في تأويل المصدر بدل من "المزابنة"، والحائط هنا معناه: البستان، ويُجمع على حوائط، وأما الحائط بمعنى الجدار، فيُجمع على حِيطان، أفاده الفيّوميّ (^٢).
وقوله: (وَإِنْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ) المراد إذا كان من جنسه، وإلا فلا منع، قال ابن بطال ﵀ (^٣): أجمع العلماء على أنه لا يجوز بيع الزرع قبل أن يُقْطَع بالطعام؛ لأنه بيع مجهول بمعلوم، وأما بيع رَطْب ذلك بيابسه بعد القطع، وإمكان المماثلة فالجمهور لا يجيزون بيع شيء من ذلك بجنسه، لا متفاضلًا، ولا متماثلًا. انتهى، وقد تقدم البحث في ذلك مستوفًى.
واحتَجَّ الطحاويّ لأبي حنيفة في جواز بيع الزرع الرَّطْب بالحبّ اليابس
_________________
(١) القائل هو ابن عمر - ﵄ -.
(٢) راجع: "المصباح المنير" ١/ ١٥٤.
(٣) راجع: "شرح ابن بطال على البخاريّ" ٦/ ٣٢٦.
[ ٢٧ / ١٦٤ ]
بأنهم أجمعوا على جواز بيع الرُّطَب بالرُّطَب مِثلًا بمثل، مع أن رطوبة أحدهما ليست كرطوبة الآخر، بل تختلف اختلافًا متباينًا.
وتُعُقّب بأنه قياس في مقابلة النصّ فهو فاسدٌ، وبأن الرُّطَب بالرُّطَب وإن تفاوت، لكنه نقصان يسير، فعُفِي عنه؛ لقلّته، بخلاف الرُّطَب بالتمر، فإن تفاوته تفاوت كثير، قاله في "الفتح".
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٨٩٣] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدثَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنِي الضَّحَّاكُ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
وكلّهم تقدّموا في البابين الماضيين، و"أبو الطاهر" هو: أحمد بن عمرو بن السَّرْح، و"ابن وهب" هو: عبد الله، و"يونس" هو: ابن يزيد الأيليّ، و"ابن رافع" هو: محمد، و"ابن أبي فُديك" هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم، و"الضحّاك" هو: ابن عثمان الحِزاميّ، و"سُويد بن سعيد" هو: الْحَدَثانيّ، و"حفص بن ميسرة" هو: الْعُقيليّ.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ) ضمير الجماعة يعود إلى يونس، والضحّاك، وموسى بن عقبة.
وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِهِمْ) ضمير الجماعة هنا يعود إلى مالك، وعُبيد الله، وأيوب، والليث بن سعد.
[تنبيه]: لم أجد من ساق روايات هؤلاء الثلاثة: يونس، والضحّاك، وموسى بن عُقبة، ثلاثتهم عن نافع، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ٢٧ / ١٦٥ ]