وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّلَ الكتاب قال:
[٣٥٠٢] (١٤٢٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٢٦.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٧٥.
(٣) "المفهم" ٤/ ١٤٤.
(٤) "المفهم" ٤/ ١٤٤.
[ ٢٥ / ٣٥٨ ]
سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، وَهَذَا حَدِيثُ بَهْزٍ، قَالَ: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِزَيْدٍ: "فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ"، قَالَ: فَانْطَلَقَ زَيْدٌ حَتَّى أَتَاهَا، وَهْيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهَا عَظُمَتْ فِي صَدْرِي، حَتَّى مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ذَكَرَهَا، فَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِي، وَنَكَصْتُ عَلَى عَقِبِي، فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَذْكُرُكِ، قَالَتْ: مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا، حَتَّى أُوَامِرَ رَبِّي، فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَدَخَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ. قَالَ: فَقَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَطْعَمَنَا الْخُبْزَ، وَاللَّحْمَ، حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ، فَخَرَجَ النَّاسُ، وَبَقِيَ رِجَالٌ، يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ بَعْدَ الطَّعَامِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَاتَّبَعْتُهُ، فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ حُجَرَ نِسَائِهِ، يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ، وَيَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟ قَالَ: فَمَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ أَنَّ الْقَوْمَ خَرَجُوا، أَوْ أَخْبَرَنِي؟ قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ مَعَهُ، فَأَلْقَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَنَزَلَ الْحِجَابُ، قَالَ: وَوُعِظَ الْقَوْمُ بِمَا وُعِظُوا بِهِ. زَادَ ابْنُ رَافِعٍ فِي حَدِيثِهِ: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ بْنِ مَيْمُونٍ) البغداديّ السَّمِين، صدوقٌ ربما وَهِم، وكان فاضلًا [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) وله ثلاث وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَس) بن مالك - ﵁ -، وقوله: (وَهَذَا حَدِيثُ بَهْزٍ)؛ أي: الآتي لفظ حديث بهز بن أسد، وأما حديث أبي النضر، فهو بمعناه، لا بلفظه (قَالَ) أنس - ﵁ - (لَمَّا انْقَضَتْ)؛ أي: انتهت (عِدَّةُ زَيْنَبَ) بنت جحش - ﵂ - من طلاق
[ ٢٥ / ٣٥٩ ]
زيد بن حارثة - ﵁ -، وهي زينب بنت جحش بن رئاب بن يَعْمَر بن صَبْرة بن مرّة بن كَبير بن غَنْم بن دُودان بن أسد بن خُزيمة الأسديّة، أم المؤمنين. وأمّها أُميمة بنت عبد المطّلب عمة رسول الله - ﷺ - (^١). زوّجها رسول الله - ﷺ - زيد بن حارثة - ﵁ -، وأصدقها عشرة دنانير وستين درهمًا، وخمارًا، وملحفةً، ودرعًا، وخمسين مُدًّا من طعام، وعشرة أمداد من تمر. قاله مقاتل بن حيّان، فمكثت عنده قريبًا من سنة، أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله - ﷺ -، فجعل رسول الله - ﷺ - يقول له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] (^٢).
[فائدة]: ذكر المفسّرون أقوالًا في المراد بقوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الآية، والأصحّ أنه إخبار الله تعالى نبيّه - ﷺ - أنها ستصير زوجته.
أخرج ابن أبي حاتم، من طريق السدّيّ، قال: "بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أُميمة بنت عبد المطّلب، عمة رسول الله - ﷺ -، وكان رسول الله - ﷺ - أراد أن يزوّجها زيد بن حارثة مولاه، فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله - ﷺ -، فزوّجها إياه، ثم أعلم الله نبيّه - ﷺ - بعدُ أنها من أزواجه، فكان يستحيي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون بين الناس، فأمره رسول الله - ﷺ - أن يُمسك عليه زوجه، وأن يتّقي الله، وكان يَخشى الناس أن يَعيبوا عليه، ويقولوا: تزوّج امرأة ابنه، وكان قد تبنّى زيدًا".
وعنده من طريق عليّ بن زيد بن جُدعان، عن عليّ بن الحسين بن عليّ، قال: أعلم الله نبيّه - ﷺ - أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوّجها، فلما أتاه زيد يشكوها إليه، وقال له: "اتق الله، وأمسك عليك زوجك"، قال الله: قد أخبرتك أني مزوّجكها، وتُخفي في نفسك ما الله مبديه.
قال الحافظ - ﵀ -: وقد أطنب الترمذيّ الحكيم في تحسين هذه الرواية،
_________________
(١) "تهذيب الكمال" ٣٥/ ١٨٤.
(٢) راجع: "تفسير ابن كثير" ٣/ ٤٩٩، "تفسير سورة الأحزاب".
[ ٢٥ / ٣٦٠ ]
وقال: إنها من جواهر العلم المكنون. وكأنه لم يقف على تفسير السدّيّ الذي أوردته، وهو أوضح سياقًا، وأصحّ إسنادًا إليه؛ لضعف عليّ بن زيد بن جُدعان.
وروى عبد الرزّاق، عن معمر، عن قتادة، قال: جاء زيد بن حارثة، فقال: يا رسول الله إن زينب اشتدّ عليّ لسانها، وأنا أريد أن أُطلّقها، فقال له: "اتق الله، وأمسك عليك زوجك"، قال: والنبيّ - ﷺ - يحبّ أن يُطلّقها، ويَخشى قالةَ الناس.
ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم، والطبريّ، ونقلها كثير من المفسّرين، لا ينبغي التشاغل بها (^١)، والذي أوردته منها هو المعتمد.
والحاصل أن الذي كان يُخفيه النبيّ - ﷺ - هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس تزوّج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهليّة عليه من أحكام التبنّي بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوّج امرأة الذي يُدعَى ابنًا، ووقوع ذلك من إمام المسلمين ليكون أدعى لقبولهم، وإنما وقع الخبط في تأويل متعلّق الخشية. والله تعالى أعلم.
وأخرج الترمذيّ، من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن عائشة - ﵂ -، قالت: "لو كان رسول الله - ﷺ - كاتمًا شيئًا من الوحي، لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ يعني: بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يعني: بالعتق، فأعتقته ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ إلى قوله ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وإن رسول الله - ﷺ - لما تزوجها، قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وكان رسول الله - ﷺ - تبناه، وهو صغير، فلبث حتى صار رجلًا، يقال له: زيد بن
_________________
(١) وقال الحافظ ابن كثير في "تفسيره": ذكر ابن أبي حاتم، وابن جرير هنا آثارًا عن بعض السلف - ﵃ - أحببنا أن نضرب عنها صفحًا؛ لعدم صحّتها، فلا نوردها. انتهى.
[ ٢٥ / ٣٦١ ]
محمد، فأنزل الله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، فلان مولى فلان، وفلان أخو فلان، ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] يعني: أعدل.
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب (^١)، قد روي عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: لو كان النبيّ - ﷺ - كاتمًا شيئًا من الوحي، لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. هذا الحرف، لم يروَ بطوله.
وقال ابن العربيّ: إنما قال - ﷺ - لزيد: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ اختبارًا لما عنده من الرغبة فيها، أو عنها، فلما أطلعه زيد على ما عنده منها من النفرة التي نشأت من تعاظمها عليه، وبذاءة لسانها أذن له في طلاقها، وليس في مخالفة متعلّق الأمر لمتعلّق العلم ما يمنع من الأمر به. والله أعلم (^٢).
(قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِزَيْدٍ) هو: ابن حارثة بن شَراحِيل الكلبيّ، أبو أسامة مولى رسول الله - ﷺ - الصحابيّ الجليل المشهور من أول الناس إسلامًا، استُشهد يوم مؤتة في حياة النبيّ - ﷺ - سنة ثمان، وهو ابن خمس وخمسين سنةً، له ذكر في "صحيح مسلم"، بلا رواية.
("فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ") يقال: ذكر المرأة: إذا خطبها. وقيل: تعرّض لخِطبتها؛ أي: اخطبها لأجلي من نفسها، والتمس نكاحها لي. وإنما أرسل النبيّ - ﷺ - زيدًا؛ لئلا يظنّ أحدٌ أن ذلك وقع قهرًا بغير رضاه، وفيه أيضًا اختبار ما كان عنده منها، هل بقي منه شيء، أو لا؟. والله تعالى أعلم (^٣).
(قَالَ) أنس (فَانْطَلَقَ زَيْدٌ) - ﵁ -، وفي رواية النسائيّ: "قال زيد: فانطلقت" (حَتَّى أَتَاهَا)؛ أي: أتى زينب - ﵂ -، وقوله: (وَهْيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا) جملة حالية؛ أي: والحال أنها تخمّر عجينها، وتخمير العجين أن يُصبّ فيه المَاء، وَيُتْرَكَ حتى يَجُودَ؛ أَي: يَطِيب، والفِعْلُ كضَرَبَ، ونَصَرَ، يقال: خَمَر العَجِينَ يَخْمُره
_________________
(١) هو حديث ضعيف؛ لأن في سنده داود بن الزبرقان متروك، بل كذّبه بعضهم، كما في "التقريب".
(٢) راجع: "الفتح" ٩/ ٤٧٩، ٤٨٠.
(٣) راجع: "الفتح" ٩/ ٤٨٠.
[ ٢٥ / ٣٦٢ ]
- بالضمّ -، ويَخْمِره - بالكسر -، خَمْرًا، وخَمَّرَه تَخْمِيرًا، وهو خَمِيرٌ، ومُخَمَّر، وقيل: خَمَّرَ العَجِينَ: جَعَلَ فيه الخَمِيرَ، قاله في "التاج" (^١)، وقال في "اللسان": وخمّره: ترك استعماله حتى يَجُود، وقيل: جعل فيه الخمير. انتهى (^٢).
(قَالَ) زيد (فَلَمَّا رَأَيْتُهَا عَظُمَتْ) - بضمّ الظاء - (فِي صَدْرِي، حَتَّى مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهَا) من شدّة عظمتها في صدره، وقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ذَكَرَهَا) بيان لسبب عظمتها في صدره، و"أنّ" يحْتَمل أن تكون بفتح الهمزة بتقدير حرف التعليل؛ أي: لأن رسول الله - ﷺ -. . . إلخ، وأن تكون بكسرها على أنها جملة مستأنفة تعليليّة (فَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِي)؛ أي: أدبرت عنها (وَنَكَصْتُ)؛ أي: رجعت (عَلَى عَقِبِي) وكان جاء إليها ليخطبها، وهو ينظر إليها، على ما كان من عادتهم، وهذا قبل نزول الحجاب، فلما غلب عليه الإجلال تأخّر، وخطبها، وظهره إليها؛ لئلا يسبقه النظر إليها، قاله النوويّ (^٣).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: معنى هذا الكلام أنه لما خطبها النبيّ - ﷺ -، وعَلِمَ زيد أنها صالحة لأن تكون من أزواج النبيّ - ﷺ -، ومن أمهات المؤمنين، حصل لها في نفسه صورة أخرى، وإجلالٌ زائدٌ على ما كان لها عنده في حال كونها زوجته، وتوليته إياها ظهره مبالغةٌ في التحرّز من رؤيتها، وصيانة لقلبه من التعلّق بها، على أن الحجاب إذ ذاك لم يكن مشروعًا بعدُ، على ما يدلّ عليه بقيّة الخبر. انتهى (^٤).
(فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية النسائيّ: "فَقُلْتُ: يَا زَيْنَبُ، أَبْشِرِي" (يَذْكُرُكِ)؛ أي: يخطبك (قَالَتْ) زينب - ﵂ - (مَا) نا فية (أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا، حَتَّى أُوَامِرَ رَبِّي) ولفظ النسائيّ: "حَتَّى أَسْتَأْمِرَ رَبِّي"؛ أي: أَستخيره، وأنظر أمره على لسان رسول الله - ﷺ -، فلما وَكَلَت أمرها إلى الله تعالى، وصحّ تفويضها إليه، تولّى الله تعالى إنكاحها منه - ﷺ -، ولم يُحوجها إلى من يتولّى عقد نكاحها، ولذلك قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا
_________________
(١) "تاج العروس" ص ٢٧٨٤.
(٢) "لسان العرب" ٤/ ٢٥٦.
(٣) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٢٨.
(٤) "المفهم" ٤/ ١٤٦.
[ ٢٥ / ٣٦٣ ]
زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧]، ولما أعلمه الله تعالى بذلك دخل عليها بغير وليّ، وتجديد عقد، ولا تقرير صداق، ولا شيء مما يكون شرطًا في حقنا، ومشروعًا لنا، وهذا من خصائصه - ﷺ - اللاتي لا يشاركه فيها أحد بإجماع المسلمين. قاله القرطبيّ - ﵀ - (^١).
(فَقَامَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا) - بفتح الجيم، وكسرها -؛ أي: موضع صلاتها من بيتها لتصلّي صلاة الاستخارة؛ لأنه - ﷺ - كان علّمها ذلك، كما في "صحيح البخاريّ" من حديث جابر - ﵁ -: "كان رسول الله - ﷺ - يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلّمنا السورة من القرآن. . ." الحديث. قال النوويّ: ولعلّ استخارتها؛ لخوفها من التقصير في حقّه - ﷺ -.
(وَنَزَلَ الْقُرْآنُ) يعني: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧] (وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَدَخَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ)؛ أي: بغير إذن منها؛ لأن الله تعالى زوّجه إياها بهذه الآية الكريمة (قَالَ: فَقَالَ) أنس (وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا)؛ أي: معاشر الصحابة - ﵃ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَطْعَمَنَا الْخُبْزَ، وَاللَّحْمَ، حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ)؛ أي: ارتفعت شمسه (فَخَرَجَ النَّاسُ) المجتمعون للأكل بعد انتهاء الأكل (وَبَقِيَ رِجَالٌ) وفي رواية: "وبقي ثلاثة رهط"، وفي رواية: "فلما رجع إلى بيته رأى رجلين"، قال الحافظ: ويُجمع بين الروايتين بأنهم أول ما قام، وخرج من البيت كانوا ثلاثة، وفي آخر ما رجع توجه واحد منهم في أثناء ذلك، فصاروا اثنين، وهذا أولى من جزم ابن التين بأن إحدى الروايتين وهم، وجوَّز الكرمانيّ أن يكون التحديث وقع من اثنين منهم فقط، والثالث كان ساكتًا، فمن ذكر الثلاثة لحظ الأشخاص، ومن ذكر الاثنين لحظ سبب القعود، قال: ولم أقف على تسمية أحد منهم. انتهى (^٢).
وقوله: (يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ بَعْدَ الطَّعَامِ) جملة في محلّ رفع صفة لـ "رجال" (فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) من البيت؛ لكي يخرجوا إذا رأوا خروجه، وإنما لم يأمرهم بالخروج؛ لشدّة حيائه، ففي رواية للبخاريّ: "وكان النبيّ - ﷺ - شديد الحياء، فخرج منطلقًا نحو حجرة عائشة"، وفي رواية: "رأى رجلين
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٤٧.
(٢) "الفتح" ١٠/ ٥١١.
[ ٢٥ / ٣٦٤ ]
جرى بهما الحديث، فلما رآهما رجع عن بيته، فلما رأى الرجلان نبيّ الله - ﷺ - رجع عن بيته وثبا مسرعين".
قال الحافظ: ومحصل القصة أن الذين حضروا الوليمة جلسوا يتحدثون، واستحيى النبيّ - ﷺ - أن يأمرهم بالخروج، فتهيأ للقيام؛ ليفطنوا لمراده، فيقوموا بقيامه، فلما ألهاهم الحديث عن ذلك قام، وخرج، فخرجوا بخروجه، إلا الثلاثة الذين لم يفطنوا لذلك؛ لشدة شغل بالهم بما كانوا فيه من الحديث، وفي غضون ذلك كان النبيّ - ﷺ - يريد أن يقوموا من غير مواجهتهم بالأمر بالخروج؛ لشدة حيائه، فيطيل الغيبة عنهم بالتشاغل بالسلام على نسائه، وهم في شغل بالهم، وكأن أحدهم في أثناء ذلك أفاق من غفلته، فخرج، وبقي الاثنان، فلما طال ذلك، ووصل النبيّ - ﷺ - إلى منزله، فرآهما، فرجع، فرأياه لما رجع، فحينئذ فَطِنا، فخرجا، فدخل النبيّ - ﷺ -، وأنزلت الآية، فأرخى الستر بينه وبين أنس خادمه أيضًا، ولم يكن له عهد بذلك. انتهى (^١).
قال أنس (وَاتَّبَعْتُهُ، فَجَعَلَ)؛ أي: أخذ، وشرع (يَتَتَبَّعُ حُجَرَ) - بضمّ، ففتح - جمع حُجرة؛ أي: بيوت (نِسَائِهِ) - ﷺ -، والحال أنه (يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ، وَيَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ؟) وفي رواية: "فخرج النبيّ - ﷺ -، فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: السلام عليكم"، في رواية: "ثم خرج إلى أمهات المؤمنين، كما كان يصنع صبيحة بنائه، فيسلم عليهنّ، ويسلّمن عليه، ويدعو لهنّ، ويدعون له"، وفي رواية: "إنهن قلن له: كيف وجدت أهلك، بارك الله لك".
(قَالَ) أنس (فَمَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ أَنَّ الْقَوْمَ خَرَجُوا، أَوْ أَخْبَرَنِي؟) ووقع في رواية: "فانطلقت، فجئت، فأخبرت النبيّ - ﷺ - أنهم انطلقوا"، قال في "الفتح": هكذا وقع الجزم في هذه الرواية بأنه الذي أخبر النبيّ - ﷺ - بخروجهم، وكذا في رواية الجعد، واتفقت رواية عبد العزيز، وحميد على أن أنسًا كان يشكّ في ذلك، ولفظ حميد: "فلا أدري أنا أخبرته بخروجهما، أم أُخبِر"، وفي رواية عبد العزيز، عن أنس: "فما أدري أخبرته، أو أُخبر"، وهو مبني للمجهول؛ أي: أُخبر بالوحي، وهذا الشك قريب من شك أنس في تسمية الرجل الذي سأل الدعاء
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٥١٢.
[ ٢٥ / ٣٦٥ ]
بالاستسقاء، فإن بعض أصحاب أنس جزم عنه بأنه الرجل الأول، وبعضهم ذكر أنه سأله عن ذلك، فقال: لا أدري، كما تقدم في مكانه، وهو محمول على أنه كان يذكره، ثم عرض له الشكّ، فكان يشكّ فيه، ثم تذكّر، فجزم. انتهى (^١).
(قَالَ: فَانْطَلَقَ) - ﷺ - (حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ)؛ أي: البيت الذي فيه زينب - ﵂ - (فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ مَعَهُ)؛ أي: على عادته قبل نزول الحجاب (فَأَلْقَى السِّتْرَ) - بكسر السين -؛ أي: الحجاب الساتر عن أعين الناس (بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَنَزَلَ الْحِجَابُ)؛ أي: آية الحجاب، وفي رواية: "حتى إذا وضع رجله في أُسكفّة الباب داخلة، والأخرى خارجة أرخى الستر بيني وبينه، وأُنزلت آية الحجاب"، وعند الترمذيّ عن أنس: "فلما أرخى الستر دوني ذكرت ذلك لأبي طلحة، فقال: إن كان كما تقول لينزلن فيه قرآن، فنزلت آية الحجاب".
(قَالَ) أنس (وَوُعِظَ الْقَوْمُ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: وعظهم الله تعالى (بِمَا وُعِظُوا بِهِ) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: بالكلام الذي وعظهم به، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣].
وقوله: (زَادَ ابْنُ رَافِعٍ)؛ يعني: شيخه الثاني، وغرضه بيان اختلاف شيخيه: محمد بن حاتم، ومحمد بن رافع، فالأول اقتصر على قوله: "ونزل الحجاب"، والثاني زاد (فِي حَدِيثِهِ) ذكر الآية، وهي قوله: (﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾) قال أبو عبيدة: "إناه"؛ أي: إدراكه، وبلوغه، ويقال: أَنَى يأني أَنْيًا؛ أي: بلغ، وأدرك، قال الشاعر [من الوافر]:
تَمَحَّضَتِ الْمَنُونُ لَهُ بِنَوْمٍ … أَنَى وَلِكُلِّ حَامِلَةٍ تَمَامُ
وقوله: "أَنْيًا" - بفتح الهمزة، وسكون النون - مصدر أيضًا، وقرأ الأعمش وحده: "آناه" بمد أوله بصيغة الجمع، مثل آناء الليل، ولكن بغير همز في آخره (^٢).
إِلَى قَوْلِهِ: (﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾) فيه إثبات صفة الحياء لله تعالى على ما يليق بجلاله، فنحن نثبتها، ولا نعطّل، ولا نشبّه، ولا نحرّف، ولا
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٥١٢.
(٢) "الفتح" ١٠/ ٥٠٩.
[ ٢٥ / ٣٦٦ ]
نؤول، بل كما أثبته تعالى لنفسه، على مراده - ﷾ -، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٣٥٠٢ و٣٥٠٣ و٣٥٠٤ و٣٥٠٥ و٣٥٠٦ و٣٥٠٧ و٣٥٠٨] (١٤٢٨)، و(البخاريّ) في "النكاح" (٥١٧٠)، و"التفسير" (٤٧٩١)، و"الاستئذان" (٦٢٣٩ و٦٢٧١)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٢١٩)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٤٣٣ و٤٣٤ و٤٣٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٩٨ و١٠٥ و٢٠٠ و٢٦٢ - ٢٦٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٠٦٢ و٥٥٧٨ و٥٥٧٩)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣٣٣٢)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٨/ ١٠٥)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (٢٢/ ٣٧ - ٣٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣١٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان قصّة نكاح النبيّ - ﷺ - أم المؤمنين زينب بنت جحش - ﵂ -.
٢ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٣ - (ومنها): بيان مشروعية الحجاب لأمهات المؤمنين، قال عياض (^١): فرضُ الحجاب مما اختصصن به، فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهنّ كشف ذلك في شهادة، ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهنّ، وإن كن مستترات، إلا ما دعت إليه ضرورة من بُراز، ثم استَدَلّ بما في "الموطأ" أن حفصة لما تُوفي عمر سترها النساء عن أن يُرى شخصها، وأن زينب بنت جحش جُعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها. انتهى.
وتعقّبه الحافظ، فقال: وليس فيما ذكره دليل على ما ادّعاه من فرض ذلك عليهنّ، وقد كنّ بعد النبيّ - ﷺ - يحججن، ويطفن، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهنّ الحديث، وهن مستترات الأبدان، لا الأشخاص، وقد تقدّم في "الحج" قول ابن جريج لعطاء لما ذكر له طواف عائشة: أقَبل الحجاب
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٧/ ٥٧.
[ ٢٥ / ٣٦٧ ]
أو بعده؟ قال: قد أدركت ذلك بعد الحجاب. انتهى (^١).
٤ - (ومنها): بيان مشروعيّة صلاة المرأة إذا خُطبت، مستخيرةً ربّها، ودعاؤها عند الخِطبة قبل الإجابة.
٥ - (ومنها): استحباب صلاة الاستخارة لمن همّ بأمر، سواء كان ذلك الأمر ظاهر الخير، أم لا؛ كما أفادته هذه القصّة، ولِمَا أخرجه البخاريّ عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يعلّمنا الاستخارة في الأمور، كما يعلّمنا السورة من القرآن، يقول: "إذا هَمّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللَّهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر، ولا أقدر، وتعلم، ولا أعلم، وأنت علّام الغيوب، اللَّهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري - أو قال -: عاجل أمري، وآجله، فاقدره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرّ لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري - أو قال -: في عاجل أمري، وآجله، فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به"، قال: ويسمّي حاجته. انتهى (^٢).
٦ - (ومنها): أن من وكل أمره إلى الله تعالى يسّر الله له ما هو الأحظّ له، والأنفع دنيا وأخرى.
٧ - (ومنها): أنه لا بأس أن يبعث الرجل لخطبة المرأة له من كان زوجها سابقًا، إذا علم أنه لا يَكره ذلك، كما كان حال زيد - ﵁ - مع رسول الله - ﷺ -.
٨ - (ومنها): فضل زينب - ﵂ - حيث زوّجها الله - ﷾ - من رسوله - ﷺ -، ولذلك كانت تفتخر على بقية أزواج النبيّ - ﷺ -، فقد أخرج البخاريّ عن أنس - ﵁ -، قال: "إن زينب بنت جحش - ﵂ - كانت تفتخر على أزواج النبيّ - ﷺ -، فتقول: زوّجكنّ أهاليكنّ، وزوّجني الله تعالى من فوق سبع سموات". وأخرج ابن جرير في "تفسيره" من طريق المغيرة، عن الشعبيّ، قال: كانت زينب - ﵂ -، تقول للنبيّ - ﷺ -: إني لأُدلي عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تُدلي بهنّ: إن جدّي وجدّك واحد، وإني أَنكحنيك الله من السماء، وإن السفير جبريل.
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٥١٣.
(٢) "صحيح البخاريّ" ١/ ٣٩١.
[ ٢٥ / ٣٦٨ ]
انتهى. وهذا مرسل. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٠٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع الزَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثابِتٍ، عن أَنَسٍ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كَامِلٍ: سَمِعْتُ أَنَسًا، قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَوْلَمَ عَلَى امْرَأَةٍ، وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ: عَلَى شَيْءٍ مِنْ نِسَائِهِ، مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ، فَإِنَّهُ ذَبَحَ شَاةً).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ) الْجَحْدريّ البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٤٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
والباقون ذُكروا في الباب، وفيما قبله، و"أبو الربيع الزهرانيّ" هو: سليمان بن داود.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٣٠) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَوْلَمَ عَلَى امْرَأَةٍ. . . إلخ) أشار ابن بطال - ﵀ - إلى أن ذلك لم يقع قصدًا لتفضيل بعض النساء على بعض، بل باعتبار ما اتَّفَقَ، وأنه لو وجد الشاة في كل منهنّ لَأَوْلم بها؛ لأنه كان أجود الناس، ولكن كان لا يبالغ فيما يتعلق بأمور الدنيا في التأنُّق.
وجَوَّز غيره أن يكون فعل ذلك لبيان الجواز.
وقال الكرمانيّ - ﵀ -: لعل السبب في تفضيل زينب في الوليمة على غيرها كان للشكر لله تعالى على ما أنعم به عليه من تزويجه إياها بالوحي.
وقال الحافظ - ﵀ -: ونفي أنس أن يكون النبيّ - ﷺ - لم يولم على غير زينب بأكثر مما أولم عليها محمول على ما انتهى إليه علمه، أو لِمَا وقع من البركة في وليمتها، حيث أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا من الشاة الواحدة، وإلا فالذي يظهر أنه لمّا أولم على ميمونة بنت الحارث لمّا تزوجها في عمرة القضية بمكة، وطلب من أهل مكة أن يحضروا وليمتها فامتنعوا، أن يكون ما أولم به
[ ٢٥ / ٣٦٩ ]
عليها أكثر من شاة؛ لوجود التوسعة عليه في تلك الحالة؛ لأن ذلك كان بعد فتح خيبر، وقد وسّع الله على المسلمين منذ فتحها عليهم.
وقال ابن الْمُنَيِّر: يؤخذ من تفضيل بعض النساء على بعض في الوليمة جواز تخصيص بعضهن دون بعض بالإتحاف، والألطاف، والهدايا. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٠٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَا أَوْلَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، أَكْثَرَ، أَوْ أَفْضَلَ مِمَّا أَوْلَمَ عَلَى زينَبَ، فَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: بِمَ أَوْلَمَ؟ (^٢) قَالَ: أَطْعَمَهُمْ خُبْزًا وَلَحْمًا، حَتَّى تَرَكُوهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ) الْعَتَكيّ، أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٣٤) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٤٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، أبو بكر العبديّ البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
والباقون ذُكروا في الباب، وفي البابين قبله.
وقوله: (أَوْ أَفْضَلَ) "أو" هنا للشكّ من الراوي.
وقوله: (بِمَ أَوْلَمَ؟) هكذا نُسخ شرح الأبيّ "بم" بحذف الألف، وهو الموافق للقاعدة؛ لأن "ما" الاستفهاميّة إذا جُرّت حُذفت ألفها، كما قال في "الخلاصة":
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٥٣١ - ٥٣٢.
(٢) وفي بعض النسخ: "بما أولم".
[ ٢٥ / ٣٧٠ ]
وَ"مَا" فِي الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … أَلِفُهَا وَأَوْلِهَا الْهَا إِنْ تَقِفْ
وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا انْخَفَضَا … بِاسْمٍ كَقَوْلِكَ "اقْتِضَاءَ مَا اقْتَضَى"
ووقع في كثير من النسخ: "بما أولم" بإثبات الألف، وهو قليل، حكاه الأخفش لغة، وقرئ شُذوذًا: (عمّا يتساءلون). وقال حسّان [من الوافر]:
عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ … كَخِنْزِيرٍ تَمَرَّغَ فِي التُّرَابِ (^١)
وقوله: (حَتَّى تَرَكُوهُ) يعني حتى شَبِعوا، وتركوا أكله؛ لشِبَعهم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٠٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، وَعَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، كُلُّهُمْ عَنْ مُعْتَمِرٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ - ﷺ - زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، دَعَا الْقَوْمَ، فَطَعِمُوا، ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، قَالَ: فَأَخَذَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ، فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قَامَ، قَامَ مَنْ قَامَ مِنَ الْقَوْمِ، زَادَ عَاصِمٌ، وَابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى فِي حَدِيثِهِمَا: قَالَ: فَقَعَدَ ثَلَاثَةٌ، وَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَاءَ لِيَدْخُلَ، فَإِذَا الْقَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا، فَانْطَلَقُوا، قَالَ: فَجِئْتُ، فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - أَنَّهُمْ قَدْ انْطَلَقُوا، قَالَ: فَجَاءَ، حَتَّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ، فَأَلْقَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، قَالَ: وَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
_________________
(١) راجع: "حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة" ٢/ ٢٧٦.
[ ٢٥ / ٣٧١ ]
٢ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) الأحول، أبو عمر البصريّ، صدوق [١٠] (م د س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٦/ ١٣٥٠.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) الصنعانيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م قد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٩٢/ ٥٠٣.
٤ - (مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن طَرْخان التيميّ، أبو محمد البصريّ، الملقّب بالطُّفَيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
٥ - (أَبُوهُ) سليمان بن طَرْخان التيميّ، نزل في بني تيم، فنُسب إليهم، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابد [٤] (ت ١٤٣) وهو ابن (٩٧) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٦ - (أَبُو مِجْلَزٍ) - بكسر الميم، وسكون الجيم، وفتح اللام، بعده زاي - وحُكي بفتح الميم، والمشهور الأول، لاحِقُ بن حُميد بن سعيد (^١) البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٣] (ت ٦ أو ١٠٩) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٥٦/ ١٥٤٧.
و"أنس - ﵁ -" ذُكر قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٠٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: إِنَّ أَنَسٍ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحِجَابِ، لَقَدْ كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَسْأَلُنِي عَنْهُ، قَالَ أَنَسٌ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَرُوسًا بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، قَالَ: وَكَانَ تَزَوَّجَهَا بِالْمَدِينَةِ، فَدَعَا النَّاسَ لِلطَّعَامِ بَعْدَ ارْتفَاعِ النَّهَارِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَجَلَسَ مَعَهُ رِجَالٌ بَعْدَمَا قَامَ الْقَوْمُ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَمَشَى فَمَشَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى بَلَغَ بَابَ حُجْرَةِ
_________________
(١) قال النوويّ - ﵀ -: قيل: وليس في "الصحيحين" من أول اسمه لام ألف غيره. انتهى.
[ ٢٥ / ٣٧٢ ]
عَائِشَةَ، ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا، فَرَجَعَ، وَرَجَعْتُ مَعَهُ، فَإِذَا هُمْ جُلُوسٌ مَكَانَهُمْ، فَرَجَعَ فَرَجَعْتُ الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ حُجْرَةَ عَائِشَةَ، فَرَجَعَ فَرَجَعَتُ، فَإِذَا هُمْ قَدْ قَامُوا، فَضَرَبَ بَيْني وَبَيْنَهُ بِالسِّتْرِ، وَأنزَلَ اللهُ آيَةَ الْحِجَابِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قريبًا.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٣ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجة [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤ - (صَالِحُ) بن كيسان الغفاريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ [٤] مات بعد سنة (١٣٠) أو (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام، تقدّم قريبًا.
و"أنس - ﵁ -" ذُكر قبله.
وقوله: (عَرُوسًا بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) العروس نعت يستوي فيه الرجل والمرأة، والْعُرْس مُدّة بناء الرجل بالمرأة، وأصله اللزوم، قاله في "الفتح" (^١).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: "الْعَرُوُس": وصفٌ يستوي فيه الذكر والأنثي، ما داما في إِعراسهما، وجمع الرجل: عُرُسٌ - بضمتين - مثل رسول ورُسُل، وجمع المرأة: عرائس، وعَرَّسَ بالشيء أيضًا: لَزِمَه، ويقال: "العَرُوس" من هذين، وأعرس بامرأته بالألف: دخل بها، وأعرس: عَمِلَ عُرْسًا، وأما عَرَّسَ بامرأته بالتثقيل، على معنى الدخول، فقالوا: هو خطأ، وإنما يقال: عَرَّسَ: إذا نزل المسافر؛ ليستريح نَزْلَةً، ثم يرتحل، قال أبو زيد: وقالوا: عَرَّسَ القوم في المنزل تعريسًا: إذا نَزَلُوا أَيَّ وقت كان، من ليل، أو نهار، فالإعراس: دخول الرجل بامرأته، والتعريس: نزول المسافر ليستريح، وعِرْسُ الرجل بالكسر: امرأته،
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٣٩٦ "كتاب الأطعمة" رقم (٥٤٦٦).
[ ٢٥ / ٣٧٣ ]
والجمع أعراس، مثلُ حِمْلٍ وأَحْمال، وقد يقال للرجل: عِرْسٌ أيضًا، والْعُرْس بالضم: الزفاف، ويُذَكّر، ويُؤنَّث، فيقال: هو الْعُرْس، والجمع: أَعراس، مثلُ قُفْلٍ وأَقْفال، وهي الْعُرْسُ، والجمع: عُرْسَاتٌ، ومنهم من يقتصر على إيراد التأنيث، والْعُرْس أيضًا: طعام الزِّفَاف، وهو مذكر؛ لأنه اسم للطعام. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٠٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ، عَنْ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ، قَالَ: فَصَنَعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا، فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ، فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي، وَهِيَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "ضَعْهُ"، ثُمَّ قَالَ: "اذْهَبْ، فَادْعُ لِي فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، وَمَنْ لَقِيتَ"، وَسَمَّى رِجَالًا، قَالَ: فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّي، وَمَنْ لَقِيتُ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: عَدَدَ كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "يَا أَنَسُ هَاتِ التَّوْرَ"، قَالَ: فَدَخَلُوا، حَتَّى امْتَلَأَت الصُّفَّةُ، وَالْحُجْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لِيَتَحَلَّقْ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ، وَلْيَأْكُلْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِمَّا يَلِيهِ"، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، قَالَ: فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ، وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ، حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ، فَقَالَ لِي: "يَا أَنَسُ ارْفَعْ"، قَالَ: فَرَفَعْتُ، فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ، أَمْ حِينَ رَفَعْتُ؟ قَالَ: وَجَلَسَ طَوَائِفُ مِنْهُمْ يَتَحَدَّثُونَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالِسٌ، وَزَوْجَتُهُ مُوَلِّيَةٌ وَجْهَهَا إِلَى الْحَائِطِ، فَثَقُلُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَسَلَّمَ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَدْ رَجَعَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٠١ - ٤٠٢.
[ ٢٥ / ٣٧٤ ]
ثَقُلُوا عَلَيْهِ، قَالَ: فَابْتَدَرُوا الْبَابَ، فَخَرَجُوا كُلُّهُمْ، وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَرْخَى السِّتْرَ، وَدَخَلَ وَأَنَا جَالِسٌ فِي الْحُجْرَةِ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا، حَتَّى خَرَجَ عَلَيَّ، وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. قَالَ الْجَعْدُ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَا أَحْدَثُ النَّاسِ عَهْدًا بِهَذِهِ الْآيَاتِ، وَحُجِبْنَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، لكنه يتشيّع [٨] (ت ١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢.
٢ - (الْجَعْدُ أَبو عُثْمَانَ) هو: الجعد بن دينار، تقدّم في الباب الماضي. والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٣١) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي زينب بنت جحش - ﵂ -، وفي رواية معمر: "لما تزوّج النبيّ - ﷺ - زينب أهدت له أم سليم حيسًا. . ." الحديث، وكان زواجها سنة ثلاث، وقيل: سنة خمس، وكانت قبله عند زيد بن حارثة، وكانت أول من مات من نساء النبيّ - ﷺ - (فَدَخَلَ بِأَهْلِهِ، قَالَ: فَصَنَعَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ) بنت مِلْحان - ﵂ -، يقال: اسمها سهلة، وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمتها في "الحيض" ٧/ ٧١٦. (حَيْسًا) - بفتح الحاء المهملة، وسكون التحتانيّة -: تمرُّ يُنزع نواه، ويدقّ مع أقط، ويُعجنان بالسمن، ثم يُدلك باليد حتى يبقى كالثريد، وربّما جُعل معه سَوِيقٌ، وهو مصدرٌ في الأصل، يقال؛ حاس الرجل حَيْسًا، من باب باع: إذا اتّخذ ذلك، قاله الفيّوميّ، وقد تقدّم البحث عنه بأتمّ من هذا في شرح حديث أنس - ﵁ - في قصّة زواجه - ﷺ - من صفيّة بنت حُييّ - ﵂ -.
[ ٢٥ / ٣٧٥ ]
[تنبيه]: قد استشكل القاضي عياض ما وقع في هذا الحديث من أن الوليمة بزينب بنت جحش كانت من الحيس الذي أهدته أم سُليم، بأن المشهور أنه - ﷺ - أولم عليها بالخبز واللحم، ولم يقع في القصّة تكثير ذلك الطعام، وإنما فيه: "أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا"، وذكر في حديث الباب أن أنسًا قال: "فقال لي: ادع رجالًا، سمّاهم، وادع من لقيت، وأنه أدخلهم، ووضع - ﷺ - يده على تلك الحيسة، وتكلّم بما شاء الله، ثم جعل يدعو عشرة عشرة، حتى تصدّعوا كلهم عنها"، يعني تفرّقوا.
قال عياضٌ: هذا وَهَمٌ من راويه، وتركيب قصّة على أخرى.
وتعقّبه القرطبيّ بأنه لا مانع من الجمع بين الروايتين، والأَوْلى أن يقال: لا وهَمَ في ذلك، فلعلّ الذين دُعوا إلى الخبز واللحم، فأكلوا حتى شبعوا، وذهبوا، ولم يرجعوا، ولمّا بقي النفر الذين يتحدّثون جاء أنس بالحيسة، فأُمر بأن يدعو ناسًا آخرين، ومن لقي، فدخلوا، فأكلوا أيضًا حتى شبعوا، واستمرّ أولئك النفر يتحدّثون.
قال الحافظ: وهو جمعٌ لا بأس به، وأولى منه أن يقال: إن حضور الحيسة صادف حضور الخبز واللحم، فأكلوا كلهم من كلّ ذلك.
وعجبتُ من إنكار عياض وقوع تكثير الطعام في قصّه الخبز واللحم، مع أن أنسًا يقول: إنه أولم عليها بشاة، ويقول: إنه أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا، وما الذي يكون قدرُ الشاة حتى يُشبع المسلمين جميعًا، وهم يومئذ نحو الألف، لولا البركة التي حصلت من جملة آياته - ﷺ - في تكثير الطعام؟. انتهى كلام الحافظ - ﵀ -، وهو توجيهٌ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ) - بفتح التاء، وسكون الواو، آخره راء -: إناءٌ يُشرَبُ فيه، مذكّر، جمعه أتوار، كثوب وأثواب (^١)، وقال النوويّ - ﵀ -: "التَّوْرُ: بتاء مثناة فوقُ مفتوحة، ثم واو ساكنة: إناءٌ، مثلُ الْقَدَح، سبق بيانه في باب الوضوء. انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "القاموس" ١/ ٣٨١، و"المصباح" ١/ ٧٨.
(٢) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٣١.
[ ٢٥ / ٣٧٦ ]
وفي "النهاية": هو إناء من صُفْر، أو حجارة، كالإِجّانة، وقد يُتوضّأ منه. انتهى (^١).
وفي رواية معمر التالية: "في تور من حجارة".
(فَقَالَتْ: يَا أنَسُ اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي) قال النوويّ - ﵀ -: فيه أنه يستحب لأصدقاء المتزوج أن يبعثوا إليه بطعام، يساعدونه به على وليمته، وقد سبق هذا في الباب قبله (وَهِيَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ) - بضمّ المثنّاة الفوقانيّة - من الإقراء رباعيًّا، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وقرأتُ على زيد السلامَ أقرؤه عليه قِرَاءةً، وإذا أمرتَ منه قلتَ: اقْرَأْ ﵇، قال الأصمعيّ: وتعديته بنفسه خطأٌ، فلا يقال: اقْرَأْه السلامَ؛ لأنه بمعنى اتلُ عليه، وحَكَى ابنُ القطّاع أنه يتعدّى بنفسه رباعيًّا، فيقال: فلانٌ يُقْرِئك السلامَ. انتهى (^٢).
وفي "القاموس": وقَرَأ ﵇: أبلغه، كأقرأه، أو لا يُقال: أَقْرَأَهُ إلا إذا كان مكتوبًا. انتهى (^٣).
قال النوويّ - ﵀ -: وفيه استحبابُ بعث السلام إلى الصاحب، وإن كان أفضل من الباعث، لكن هذا يَحْسُن إذا كان بعيدًا من موضعه، أو له عذر في عدم الحضور بنفسه للسلام. انتهى (^٤).
(وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللهِ) إنما قالت أم سُليم - ﵂ - هذا اعتذارًا إليه - ﷺ -؛ نظرًا إلى ما يستحقّه من الإكرام، وفيه الاعتذار إلى المبعوث إليه، وقول الإنسان نحو قولها هذا. (قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهَا) هكذا النُّسخ بتأنيث الضمير؛ لتأويله بالهديّة، أي ذهبت بالهدية التي بعثتني أمي إليه - ﷺ -، وفي رواية النسائيّ: "فذهبتُ به" بالتذكير، أي بالحيس الذي بعثته به (إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "ضَعْهُ") أَمْرٌ بوضعه على الأرض، أي ضع الحيس الذي حملته على الأرض، والأصل: أوْضَعْهُ، من وَضَعَ الشيءَ يَضَعُهُ، من باب نَفَعَ:
_________________
(١) "النهاية" ١/ ١٩٩.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٠٢.
(٣) "القاموس المحيط" ١/ ٢٤.
(٤) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٣١.
[ ٢٥ / ٣٧٧ ]
إذا تركه، حُذفت واوه حملًا على المضارع، وحُذفت أيضًا همزة الوصل؛ لعدم الحاجة إليها، حيث تحرّك ما بعدها، كما هو مشهور في كتب الصرف (ثُمَّ قَالَ: "اذْهَبْ، فَادْعُ لِي فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا، وَمَنْ لَقِيتَ") بفتح اللام، وكسر القاف، أي: وَادْعُ أيضًا من لقيت من الصحابة - ﵃ -، وفي رواية معمر: "اذهب فادع لي من لقيتَ من المسلمين" (وَسَمَّى رِجَالًا) أي سمّى رسول الله - ﷺ - رجالًا معيّنين بأسمائهم، فأجملهم أنس، إما اختصارًا، أو نسيانًا (قَالَ) أنس - ﵁ - (فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى، وَمَنْ لَقِيتُ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ - القائل هو الجعد أبو عثمان - عَدَدَ كَمْ كَانُوا؟) بنصب "عَدَد" على الخبريّة لـ "كان" مقدّمًا وجوبًا؛ لإضافته إلى الاستفهام، وقيل: لفظ "عدد" مقحم (قَالَ) أنس - ﵁ - (زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةٍ) قال النوويّ: "الزُّهَاءُ" بضمّ الزاي، وفتع الهاء، وبالمدّ: أي قدر ثلاثمائة، وقال الفيّومي: زُهاءٌ في العدد، وزانُ غُرَاب، يقال: هم زُهاء ألف: أي قدر ألف، وزُهاءُ مائة: أي قدرها، قال الشاعر [من الرجز]:
كَأَنَّمَا زُهاؤُهُمْ لِمَنْ جَهَرْ
ويقال: كم زُهاؤهم: أي كم قدرهم، قاله الأزهريّ، والجوهريّ، وابنُ وَلَّاد، وجماعةٌ، وقال الفارابيّ أيضًا: هم زُهاء مائة بالضمّ والكسر، فقول الناس: هو زُهاءٌ على مائة ليس بعربيّ. انتهى (^١).
(وَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "يَا أَنَسُ هَاتِ التَّوْرَ") بكسر التاء من "هاتِ"، كُسرت للأمر، كما تُكسر الطاء من أعط، قاله النوويّ، وهو: أمر من هَاتَى، كأعطى وزنًا ومعنىً، يقال: هاتِ يا رجلُ: أي أعط، والمهاتاةُ: مفاعلة منه، وما أُهاتيك: أي ما أنا بمعطيك، أفاده في "القاموس" (^٢). (قَالَ) أنس (فَدَخَلُوا، حَتَّى امْتَلَأَت الصُّفَّةُ) بضمّ الصاد، وتشديد الفاء: جمعه صُفَفٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَفٍ، قال في "اللسان": "الصُّفّة" من البنيان: شِبْهُ الْبَهْوِ (^٣) الواسع الطويل السَّمْك، قال: وأهل الصُّفَّة هم فقراء المهاجرين، ومن لم يكن له منهم
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٥٨.
(٢) "القاموس المحيط" ٤/ ٤٠٢.
(٣) في "القاموس" ٤/ ٣٠٦: الْبَهْوُ: البيت المقدَّم أمام البيوت، وكِنَاسٌ واسعٌ للثور، جمعه: أبهاءٌ، وبُهُوٌّ، وبُهِيٌّ. انتهى.
[ ٢٥ / ٣٧٨ ]
منزل يسكنه، فكانوا يأوون إلى موضع مُظَلَّل في مسجد المدينة يسكنونه. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ: "الصُّفَةُ": السقيفة. انتهى (^٢).
(وَالْحُجْرَةُ) - بضمّ الحاء المهملة، وسكون الجيم -: البيت، جمعه حُجَرٌ، وحُجُرات، مثل غُرْفة وغُرَف، وغرفات في وجوهها (^٣)، وفي "القاموس": الْحُجْرة: الْغُرْفة، جمعها حُجَرٌ، كصُرَد (^٤).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لِيَتَحَلَّقْ عَشَرَةٌ عَشَرَةٌ) أي لِيَصِرْ كلّ عشرة منكم حلقة (وَلْيَأْكُلْ كُلُّ إِنْسَانٍ مِمَّا يَلِيهِ") وهذا من آداب الأكل (قَالَ) أنس (فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، قَالَ: فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ، وَدَخَلَتْ طَائِفَةٌ) أي لِتَحُلّ مكان الطائفة التي خرجت (حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ) وفي رواية معمر التالية: "فجعلوا يدخلون عليه، فيأكلون، ويخرجون، ووضع النبيّ - ﷺ - يده على الطعام، فدعا فيه، وقال فيه ما شاء الله أن يقول، ولم أَدَعْ أحدًا لقيته إلا دعوته، فأكلوا حتى شبعوا، وخرجوا. . ." (فَقَالَ) - ﷺ - (لِي: "يَا أَنَسُ ارْفَعْ") أي ارفع التور الذي فيه الطعام؛ لانتهاء الحاجة إليه، بفراغ جميع من حضر من الأكل منه (قَالَ) أنس (فَرَفَعْتُ، فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ، أَمْ حِينَ رَفَعْتُ؟) فيه معجزة ظاهرة لرسول الله - ﷺ - بتكثير الطعام (قَالَ: وَجَلَسَ طَوَائِفُ مِنْهُمْ) أي من الناس الذين دُعُوا، فأكلوا من ذلك الطعام.
قال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله: "وجلس طوائف منهم يتحدَّثون. . ." إلى آخر ما ذكر في الرواية التي قبل هذه، هذا يدلُّ على أن القصَّة في الروايتين واحدة، غير أنَّه ذكر في الأولى: أنَّه أولم بشاة، وأنَّه أطعمهم خبزًا ولحمًا حتى شبعوا، ولم يذكر فيها آيته في تكثير الطعام، وذكر في هذه الرِّواية: أنه أشبعهم من الْحَيْس الذي بعثت به أم سُلَيْم في التور، وفيه كانت الآية.
فقال القاضي عياض: هو وَهْمٌ من بعض الرُّواة، وتركيب قصة على أخرى.
_________________
(١) راجع: "لسان العرب" ٩/ ١٩٥.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٥٠.
(٣) "المصباح" ١/ ١٢٢.
(٤) راجع: "القاموس" ٢/ ٥.
[ ٢٥ / ٣٧٩ ]
قال القرطبيّ: أولى من هذا أن يقال: إن القصَّة واحدة، ليس فيها وَهْم؛ فإنَّه يمكن أن يقال: اجتمع في تلك الوليمة الأمران، فأكل قوم الخبز واللحم حتى شبعوا وانصرفوا، ثم إنَّه لما جاء الْحَيْس استَدْعَى الناس وجرى ما ذكر، وهذا كلُّه، والمتحدِّثون في بيته جلوسٌ لم يبرحوا إلى أن خرج النبيّ - ﷺ - ودار على بيوت أزواجه على ما تقدَّم، وليس في تقدير هذا بُعْدٌ، ولا تناقض، وإذا أمكن هذا حملناه عليه، وكان أولى من تطريق الوهم للثقات والأثبات، من غير ضرورة تدعو إليه، ولا أمر بيِّنٍ يدلُّ عليه (^١)، والله أعلم. انتهى (^٢).
(يَتَحَدَّثُونَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالِسٌ، وَزَوْجَتُهُ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع النسخ، و"زوجته" بالتاء، وهي لغة قليلة، تكرّرت في الحديث، والشعر، والمشهور حذفها. انتهى (^٣). (مُوَلِّيَةٌ) أي موجِّهة (وَجْهَهَا إِلَى الْحَائِطِ، فَثَقُلُوا) بضمّ الفاء المخفّفة (عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَسَلَّمَ عَلَى نِسَائِهِ) وفي رواية معمر: "فأطالوا عليه الحديث، فجعل رسول الله - ﷺ - يستحيي منهم أن يقول لهم شيئًا، فخرج، وتركهم في البيت" (ثُمَّ رَجَعَ، فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَدْ رَجَعَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ ثَقُلُوا عَلَيْهِ، قَالَ: فَابْتَدَرُوا الْبَابَ) أي تسابقوا إليه للخروج منه (فَخَرَجُوا كُلُّهُمْ، وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَرْخَى السِّتْرَ، وَدَخَلَ وَأنَا جَالِسٌ فِي الْحُجْرَةِ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا) أي وقتًا قليلًا (حَتَّى خَرَجَ عَلَيَّ، وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ) ببناء الفعل للمفعول، والإشارة للآية المذكورة بعده (فخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾) أي منتظرين (﴿إِنَاهُ﴾) أي إدراكه، ونضجه ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾)، وقوله: (﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾) معطوف على ﴿نَاظِرِينَ﴾ (﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيةِ، قَالَ الْجَعْدُ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَا أَحْدَثُ النَّاسِ عَهْدًا) أي أقرب الناس زمنًا (بِهَذِهِ الْآيَاتِ) أي بنزولها (وَحُجِبْنَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - ﷺ -) ببناء الفعل للمفعول، أي مُنِعن من الظهور والتبرّج أمام الرجال الأجانب.
_________________
(١) قد تقدّم للحافظ - ﵀ - توجيه آخر في الجمع بين الروايتين، فلا تغفل.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٥١ - ١٥٢.
(٣) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٣٢.
[ ٢٥ / ٣٨٠ ]
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى، بيان مسائله في شرح الحديث المذكور أول الباب.
[تنبيه]: مما يُستفاد من الحديث، وإن كان بعضه تقدّم إلا أن تلخيصه في موضع واحد أنفع للاستحضار:
١ - (منها): بيان استحباب الإهداء لمن تزوّج، إدخالًا للسرور في قلبه، وقيامًا عنه ببعض الكُلَف؛ لكونه مشغولًا بأمر الزواج، وهو نحو ما يُستحبّ من الإهداء لأهل الميت.
٢ - (ومنها): الاعتذار عن الهديّة إذا كانت قليلة، وقول الإنسان نحو قول أم سُليم - ﵂ -: "هذا لك قليل".
٣ - (ومنها): كون الوليمة بعد البناء، وهو الغالب، وقد تقدم بيانه.
٤ - (ومنها): تعيين مرسل الهديّة باسمه، وليس ذلك من الرياء.
٥ - (ومنها): استحباب بعث السلام، وإن كان المبعوث إليه أفضل من الباعث.
٦ - (ومنها): استحباب حمل السلام، وإبلاغه إلى من كان غائبًا.
٧ - (ومنها): استحباب الدعوة العامّة، من غير تعيين، كأن يقول: ادْعُ من لقيت، قال القرطبيّ: وقد قال بعض علمائنا: إنه إذا لم يتعيّن المدعوّ لم تجب عليه الإجابة. انتهى.
٨ - (ومنها): ما ظهر فيه من دلائل النبوّة، حيث دَعَا رسول الله - ﷺ - على الطعام القليل بالبركة، فكفى هذا العدد الكثير من الصحابة - ﵃ -.
٩ - (ومنها): أن من آداب الآكلين إذا كثر عددهم أن يَجتمعوا على القصعة الواحدة عشرة.
١٠ - (ومنها): أنه ينبغي أن يكون أكل الإنسان مما يليه، وهذا إذا كان الطعام نوعًا واحدًا، أما إذا كان أنواعًا، فله أن يأكل ما تشتهيه نفس الآكل، من غير حرج، وقد ثبت في "الصحيحين" عن أنس - ﵁ -: "أنه رأى النبيّ - ﷺ - يتتبّع الدباء من حوالي القصعة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٢٥ / ٣٨١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٠٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ - ﷺ - زَيْنَبَ، أَهْدَتْ لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ حَيْسًا فِي تَوْرٍ، مِنْ حِجَارَةٍ، فَقَالَ أَنَسٌ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "اذْهَبْ، فَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ"، فَدَعَوْتُ لَهُ مَنْ لَقِيتُ، فَجَعَلُوا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ، فَيَأْكُلُونَ، وَيَخْرُجُونَ، وَوَضَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدَهُ عَلَى الطَّعَامِ، فَدَعَا فِيهِ، وَقَالَ فِيهِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، وَلَمْ أَدْعْ أَحَدًا لَقِيتُهُ إِلَّا دَعَوْتُهُ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَخَرَجُوا، وَبَقِيَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، فَأَطَالُوا عَلَيْهِ الْحَدِيثَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَسْتَحْيِي مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ شَيْئًا، فَخَرَجَ، وَتَرَكَهُمْ فِي الْبَيْتِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، قَالَ قَتَادَةُ: غَيْرَ مُتَحَيِّنِينَ طَعَامًا، ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ (^١) حتى بلغ: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي، وأبو عثمان - ﵁ - هو: الجعد بن دينار المذكور قبله.
وقوله: (غَيْرَ مُتَحَيِّنِينَ طَعَامًا) أي غير جاعلين للطعام حينًا تنتظرونه، قال في "القاموس": وحَيّنه: جعل له حِينًا، والناقةَ: جَعَل لها في كلّ يوم وليلة وقتًا يَحْلُبها فيه، كتحيّنَها. انتهى (^٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) وفي نسخة: ﴿فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾.
(٢) "القاموس المحيط" ٤/ ٢١٨.
[ ٢٥ / ٣٨٢ ]