وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٤٣] (١٤٦٧) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، أَخْبَرَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) المقرئ، أبو عبد الرحمن المكيّ، ثقةٌ فاضلٌ، أقرأ القرآن نيّفًا وسبعين سنةً [٩] (ت ٢١٣) وقد قارب المائة، من كبار شيوخ البخاريّ (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٥.
٣ - (حَيْوَةُ) بنُ شُريح التُّجِيبيّ، أبو زُرْعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨.
٤ - (شُرَحْبِيلُ بْنُ شَرِيكٍ) الْمَعَافريّ، أبو محمد المصريّ، ويقال: شُرَحْبيل بن عمرو بن شَريك، صدوق [٦] (بخ م د ت س) تقدم في "الزكاة" ٤٢/ ٢٤٢٦.
٥ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ) - بضمّتين - عبد الله بن يزيد الْمَعَافريّ المصريّ، ثقة [٣] (ت ١٠٠) بإفريقية (بخ م ٤) تقدم في "الزكاة" ٤٢/ ٢٤٢٦.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد بن سَهْم السَّهْميّ، الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، المتوفّى في ذي الحجة ليالي الْحَرّة على الأصحّ، بالطائف على الراجح (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
[ ٢٥ / ٨٢٣ ]
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمصريين، غير شيخه، فكوفيّ، وشيخ شيخه، فمكيّ.
٢ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وأحد السابقين إلى الإسلام، ومن العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة - ﵃ -، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو) بْنِ الْعَاصِ - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: "الدُّنْيَا مَتَاعٌ) أي تَمَتّع قليلٌ، ونفعٌ زائلٌ عن قريب، قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]. وقال - ﷺ -: "لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بَعُوضةٍ ما سقى الكافر منها شَرْبة ماء" (^١)، قاله القاريّ.
وقال السنديّ: أي محلّ للاستمتاع، لا مطلوبة بالذات، فتؤخذ على قدر الحاجة.
وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "الدنيا متاعٌ" هو من التمتّع بالشيء، وهو الانتفاع به، وكلّ ما يُنتفع به من عُرُوض الدنيا قليلها وكثيرها فهو متاعٌ، قال: والظاهر أنه - ﷺ - أخبر أن الاستمتاعات الدنيويّة كلّها حقيرة، لا يُعبأُ بها، وكذلك أنه تعالى لَمّا ذكر أصنافها، وأنواعها، وسائر ملاذّها في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران: ١٤]، أتبعه بقوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ثم قال بعده: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَئَابِ﴾، فنبّه على أنها تضادّ ما عند الله تعالى من حسن الثواب، وخَصّ منها المرأة، وقيّدها بالصالحة؛ ليؤذِن بأنها شرّ لو لم تكن على هذه الصفة، ومن ثمّ قدّمها في الآية على سائرها، وورد في حديث أسامة - ﵁ -، مرفوعًا: "ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء" (^٢). انتهى (^٣).
(وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا) أي خير ما يُتمتّع به في الدنيا (الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ") أي
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ، والضياء المقدسيّ، من حديث سهل بن سعد - ﵄ -.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٧/ ٢٢٥٩.
[ ٢٥ / ٨٢٤ ]
لأنها مُعينة على أمور الآخرة، قال القرطبيّ - ﵀ -: هي الصالحة في دينها، ونفسها، والمصلحة لحال زوجها، وهذا كما قال في الحديث الآخر: "ألا أُخبركم بخير ما يَكنُزُ المرء؟ "، قالوا: بلى، قال: "المرأة الصالحة، التي إذا نظر إليها سرّته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته" (^١).
قال الطيبيّ - ﵀ -: وقيّد بالصالحة إيذانًا بأنها شرٌّ لو لم تكن على هذه الصفة. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٣٦٤٣] (١٤٦٧)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٦/ ٦٩)، و"الكبرى" (٣/ ٢٧١)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٨٥٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٤٩ و٤٩٧)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٨/ ٢٨١)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ١٣٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٠٣١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٤٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٤١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٨٠)، و"الصغرى" (٦/ ٨٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٢٤١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل المرأة الصالحة.
٢ - (ومنها): أن فيه الحثّ على البحث عن المرأة الصالحة؛ إذ هي أفضل متاع الدنيا، فينبغي للعاقل البحث، والتنقيب عنها؛ لتتكامل له الحياة المرضيّة التي تتّصل بالحياة الأبديّة، والسعادة السرمديّة.
٣ - (ومنها): أن فيه الحثَّ على الزهد في الدنيا، حيث إنها متاعٌ قليلٌ
_________________
(١) حديث ضعيف، أخرجه أبو داود برقم (١٦٦٤) ورجال إسناده ثقات، وضعّفه الشيخ الألباني - ﵀ -. راجع: "ضعيف سنن أبي داود" ٢/ ١٢٦.
[ ٢٥ / ٨٢٥ ]
زائلٌ عن قريب، فهي كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]، والترغيب في الآخرة، حيث إنها النعيم المقيم الذي لا يزول ولا يحول، فهي كما وصفها الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.