قال النوويّ - ﵀ -: دَعْوة الطعام - بفتح الدال - ودِعْوة النسب - بكسرها - هذا قول جمهور العرب، وعكسه تيم الرِّبَاب - بكسر الراء - فقالوا: الطعام بالكسر، والنسب بالفتح، وأما قول قُطْرُب في المثلَّث: إن دعوة الطعام بالضم، فغلّطوه فيه. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٠٩] (١٤٢٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدَّم قريبًا.
٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد الله - ﵄ -، تقدَّم أيضًا قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات الكتاب، وهو (٢٣٢) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن أصح الأسانيد: مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -، على ما نُقل عن البخاريّ - ﵀ -، وقد تقدّم غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وقد دخلها.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٣٣.
[ ٢٥ / ٣٨٣ ]
٥ - (ومنها): أن ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وقد تقدّم غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيَأْتِهَا") أي فليأت مكانها، والتقدير: إذا دُعِي إلى مكان وليمة فليأتها، ولا يضرّ إعادة الضمير مؤنَّثًا، قاله في "الفتح" (^١).
وقال النوويّ - ﵀ -: فيه الأمر بحضور الوليمة، ولا خلاف في أنه مأمور به، ولكن هل هو أمر إيجاب، أو ندب؟ فيه خلاف، الأصح في مذهبنا أنه فرض عين على كل من دُعِي، لكن يسقط بأعذار، سنذكرها - إن شاء الله تعالى - والثاني: أنه فرض كفاية، والثالث: مندوب، هذا مذهبنا في وليمة العرس، وأما غيرها، ففيها وجهان لأصحابنا: أحدهما: أنها كوليمة العرس، والثاني أن الإجابة إليها ندب، وإن كانت في العرس واجبة، ونَقَل القاضي عياض اتّفاق العلماء (^٢) على وجوب الإجابة في وليمة العرس، قال: واختلفوا فيما سواها، فقال مالك، والجمهور: لا تجب الإجابة إليها، وقال أهل الظاهر: تجب الإجابة إلى كل دعوة من عرس وغيره، وبه قال بعض السلف.
قال: وأما الأعذار التي يَسقُط بها وجوب إجابة الدعوة، أو ندبها، فمنها: أن يكون في الطعام شبهة، أو يخص بها الأغنياء، أو يكون هناك من يتأذى بحضوره معه، أو لا تليق به مجالسته، أو يدعوه لخوف شَرّه، أو لطمع في جاهه، أو ليعاونه على باطل، وأن لا يكون هناك منكر، من خمر، أو لهو، أو فَرْش حرير، أو صُوَر حيوان غير مفروشة، أو آنية ذهب، أو فضة، فكل هذه أعذار في ترك الإجابة.
ومن الأعذار أن يعتذر إلى الداعي فيتركه، ولو دعاه ذميّ لَمْ تجب إجابته على الأصح. ولو كانت الدعوة ثلاثة أيام، فالأول تجب الإجابة فيه، والثاني
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٥٤١.
(٢) سيأتي تعقّب دعوى الاتّفاق، فتنبّه.
[ ٢٥ / ٣٨٤ ]
تستحب، والثالث تكره. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^١)، وسيأتي تمام البحث في المسائل - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٣٥٠٩ و٣٥١٠ و٣٥١١ و٣٥١٢ و٣٥١٣ و٣٥١٤ و٣٥١٥ و٣٥١٦ و٣٥١٧] (١٤٢٩)، و(البخاريّ) في "النكاح" (٥١٧٣)، و(أبو داود) في "الأطعمة" (٣٧٣٦ و٣٧٣٧)، و(الترمذيّ) في "النكاح" (١٠٩٨)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٤٠)، و(مالك) في "الموطّإ" (٢/ ٥٤٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٧)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ١٩٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٢٩٤)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" ٨/ ٢٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٠٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٦١) و"الصغرى" (٦/ ٢٥٦) و"المعرفة" (٥/ ٤٠٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٩/ ١٣٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في معنى "الوليمة":
قال ابن قُدامة - ﵀ -: الوليمة اسم للطعام في العُرس خاصّةً، لا يقع هذا الاسم على غيره، كذلك حكاه ابن عبد البرّ عن ثعلب وغيره من أهل اللغة، وقال بعض الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إن الوليمة تقع على كل طعام لسرور حادث، إلا أن استعمالها في طعام العرس أكثر، وقول أهل اللغة أقوى؛ لأنهم أهل اللسان، وهم أعرف بموضوعات اللغة، وأعلم بلسان العرب. و"الْعَذِيرة": اسم لدعوة الختان، وتُسمّى الإعذار، و"الْخُرْسُ، والْخُرْسَة" (^٢) عند الولادة. و"الوَكِيرَة": دعوة البناء، يقال: وَكّر، وخرّس، مشدّدٌ، و"النَّقِعة": عند قُدوم
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٢) بضمّ الخاء المعجمة، وإسكان الراء، وبالسين المهملتين، ذكره في "طرح التثريب" ٧/ ٧٠.
[ ٢٥ / ٣٨٥ ]
الغائب، يقال: نَقَعَ، مخَّفٌ، و"العقيقة": الذبح لأجل الولد، قال الشاعر:
كُلّ الطَّعَامِ تَشْتَهِي رَبِيعَهْ … الْخُرْسَ وَالإِعْذَارَ وَالنَّقِيعَهْ (^١)
و"الحِذَاقُ": الطعام عند حِذَاق الصبيّ، و"الْمَأْدُبَةُ": اسمٌ لكلّ دعوة لسبب كانت، أو لغير سبب. و"الآدِبُ": صاحب المأدُبة، قال الشاعر [من الرمل]:
نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى … لَا تَرَى الآدِبَ مِنَّا يَنْتَقِرْ
و"الْجَفَلَى" في الدعوة: أن يعمّ الناسَ بدعوته، و"النَّقَرَى": هو أن يَخُصّ قومًا دون قوم. انتهى كلام ابن قدامة - ﵀ - (^٢).
وقال في "الفتح": وقال صاحب "المحكم": الوليمة: طعام العرس، والإملاك، وقيل: كل طعام صُنع لعرس وغيره، وقال عياض في "المشارق": الوليمة طعام النكاح، وقيل: الإملاك. وقيل: طعام العرس خاصّة، وقال الشافعيّ، وأصحابه: تقع الوليمة على كل دعوة تُتّخذ لسرور حادثة، من نكاح، أو ختان، وغيرهما، لكن الأشهر استعمالها عند الإطلاق في النكاح، وتقييده في غيره، فيقال: وليمة الختان، ونحو ذلك، وقال الأزهريّ: الوليمة مأخوذةٌ من الْوَلْم، وهو الجمع وزنًا ومعنىً، لأن الزوجين يجتمعان، وقال ابن الأعرابيّ: أصلها من تتميم الشيء، واجتماعه، وجزم الماورديّ، ثم القرطبيّ بأنها لا تُطلق في غير طعام العرس إلا بقرينة.
وأما الدعوة، فهي أعمّ من الوليمة، وهي بفتح الدال على المشهور، وضمها قطرب في مثلّثه، وغلّطوه في ذلك، على ما قاله النوويّ. قال: ودِعوة النسب بكسر الدال، وعكس ذلك بنو تيم الرِّباب، ففتحوا دَعوة النسب، وكسروا دال دِعوة الطعام. انتهى.
قال الحافظ: وما نسبه لبني تيم الرِّباب نسبه صاحبا "الصحاح" و"المحكم" لبني عديّ الرِّباب، فالله أعلم.
_________________
(١) وأنشد الزمخشريّ في "الأساس": كُلّ الطَّعَامِ تَشْتَهِي عَمِيرَهْ … الْخُرْصَ وَالإِعْذَارَ وَالْوَكِيرَهْ
(٢) "المغني" ١٠/ ١٩١.
[ ٢٥ / ٣٨٦ ]
وذكر النوويّ تبعًا لعياض أن الولائم ثمانية: "الإعذار" - بعين مهملة، وذال معجمة -: للختان. و"العقيقة": للولادة. و"الْخُرْس" - بضم المعجمة، وسكون الراء، ثم سين مهملة - السلامة المرأة من المطلق، وقيل: طعام الولادة، و"العقيقة": تختصّ باليوم السابع، و"النّقيعة": لقدوم المسافر، مشتقّةٌ من النقع، وهو الغبار، و"الوكيرة": للسكن المتجدّد، مأخوذ من الوَكَر، وهو المأوي، والمستقرّ، و"الوَضِيمة" - بفتح الواو، وكسر الضاد المعجمة -: لما يُتّخذ عند المصيبة، و"المأدبة": لما يُتخذ بلا سبب، ودالها مضمومة، ويجوز فتحها. انتهى (^١).
و"الإعذار" يقال فيه أيضًا: "الْعُذْرَة" - بضمّ، فسكون -. و"الْخُرس"، يقال فيه أيضًا: بالصاد المهملة بدل السين، وقد تزاد في آخره هاء، فيقال: خُرْسة، وخرصة، وقيل: إنها لسلامة المرأة من الطلق، وأما التي للولادة بمعنى الفرح، في العقيقة.
واختُلف في النقيعة، هل التي يصنعها القادم من السفر، أو تُصنع له؟، قولان، وقيل: النقيعة التي يصنعها القادم، والتي تُصنع له تُسمى التُّحْفة، وقيل: إن الوليمة خاصّ بطعام الدخول، وأما طعام الإملاك، فيُسمّى الشُّنْدَخ - بضمّ المعجمة، وسكون النون، وفتح الدال المهملة، وقد تضمّ، وآخره خاء معجمةٌ - مأخوذ من قولهم: فرسٌ شُنْدَخٌ، أي يتقدّم غيره، سمّي طعام الإملاك بذلك؛ لأنه يتقدّم الدخول.
قال الحافظ: وأغرب شيخنا في "التدريب"، فقال: الولائم سبعٌ، وهي: وليمة الإملاك، وهو التزوّج، ويقال لها: النقيعة - بنون، وقاف -، ووليمة الدخول، وهو العرس، وقَلَّ من يغاير بينهما. انتهى.
وموضع الإغراب إغرابه تسمية وليمة الإملاك نقيعة، ثم رأيته تبع في ذلك المنذريّ في "حواشيه"، وقد شذّ بذلك، وقد فاتهم ذكر الحِذاق - بكسر المهملة، وتخفيف الذال المعجمة، وآخره قاف -: الطعام الذي يتخذ عند حِذْق الصبيّ، ذكره ابن الصبّاغ في "الشامل"، وقال ابن الرفعة: هو الذي
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٩/ ٢١٧.
[ ٢٥ / ٣٨٧ ]
يُصنع عند الختم، أي ختم القرآن، كذا قيّده، ويَحْتَمِل ختم قدر مقصود منه، ويَحْتَمِل أن يطّرد ذلك في حِذقه لكلّ صناعة، وذكر المحامليّ في "الرونق" في الولائم: "العَتِيرة" - بفتح المهملة، ثم مثنّاة مكسورة - وهي شاة تذبح في أول رجب، وتُعُقّب بأنها في معنى الأضحية، فلا معنى لذكرها مع الولائم.
وأما المأدبة، ففيها تفصيلٌ؛ لأنها إن كانت لقوم مخصوصين، فهي النَّقَرَى - بفتح النون والقاف، مقصورًا - وإن كانت عامّةً، فهي الْجَفَلَى - بجيم، وفاء، بوزن الأول -، قال الشاعر [من الرمل]:
نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى … لَا تَرَى الآدِبَ مِنَّا يَنْتَقِرْ
وَصَفَ قومه بالجود، وأنهم إذا صنعوا مأدبة دعوا إليها عمومًا، لا خصوصًا، وخصّ الشتاء؛ لأنها مظنّة قلّة الشيء، وكثرة احتياج من يُدعَى، و"الآدب": اسم الفاعل من المأدبة، وينتقر مشتقّ من النقَرَى. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت ما تقدّم من أسماء الولائم، فقلت:
إِنَّ الْوَلَائِمَ لَدَيْهِمْ عَشَرَهْ … مَعْ وَاحِدٍ أَرَدتُّ أَنْ أحَبِّرَه
إِعْذَارُهُمْ لِلْخَتْنِ وَالْعَقِيقَةُ … عِنْدَ الْوِلَادَةِ تَلِي النَّقِيعَةُ
عِنْدَ قُدُومِ مَنْ غَدَا مُسَافِرَا … وَالْخُرْسُ لِلطَّلْقِ إِذَا تَيَسَّرَا
لِلْمَسْكَنِ الْجَدِيدِ قُلْ وَكِيرَةُ … وَلِلْمُصِيبَةِ تُرَى الْوَضِيمَةُ
مَأْدُبَةٌ تُصْنَعُ لَا بِسَبَبِ … وَتُحْفَةٌ تُصْنَعُ لِلْمُغْتَرِبِ
وَبَعْضُهُمْ خَصَّ الْوَلِيمَةَ بِمَا … يُصْنَعُ فِي دُخُولِ زَوْجٍ فَاعْلَمَا
أَمَّا الَّذِي يُصْنَعُ لِلإِمْلَاكِ قَدْ … سَمَّوْهُ بِالشُّنْدُخِ أَيُّهَا السَّنَدْ
يُدْعَى الْحِذَاقَ عِنْدَ حِذْقِ مَنْ قَرَا … أَوْ مُطْلَقٌ لِحِذْقِ صَانِعٍ يُرَى
عَتِيرَةٌ فِي رَجَبٍ وَالْبَعْضُ قَدْ … جَعَلَهَا مِنَ الأَضَاحِي تُعْتَمَدْ
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الوليمة:
قال ابن قدامة - ﵀ - ما ملخّصه: لا خلاف بين أهل العلم في أن الوليمة سنّةٌ في الْعُرس مشروعة، قال: وليست واجبةً في قول أكثر أهل العلم، وقال
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٥٣٦ - ٥٣٨.
[ ٢٥ / ٣٨٨ ]
بعض أصحاب الشافعيّ: هي واجبة. انتهى (^١).
وقال البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه": [باب الوليمةُ حقّ]، قال ابن بطّال: قوله: "الوليمة حقّ" أي ليست بباطل، بل يُندب إليها، وهي سنّة فضيلة، وليس المراد بالحقّ الوجوب، ثم قال: ولا أعلم أحدًا أوجبها.
قال الحافظ: كذا قال، وغَفَل عن رواية في مذهبه بوجوبها، نقلها القرطبيّ، وقال: إن مشهور المذهب أنها مندوبة، وابن التين عن مذهب أحمد، لكن الذي في "المغني" أنها سنّة، بل وافق ابن بطال في نفي الخلاف بين أهل العلم في ذلك، قال: وقال بعض الشافعيّة: هي واجبة؛ لأن النبيّ - ﷺ - أمر بها عبد الرحمن بن عوف، ولأن الإجابة إليها واجبة، فكانت واجبة.
وأجاب بأنه طعام لسرور حادثٍ، فأشبه سائر الأطعمة، والأمر محمول على الاستحباب، بدليل ما ذكرناه، ولكونه أمره بشاة، وهي غير واجبة اتفاقًا، وأما البناء فلا أصل له.
قال الحافظ: والبعض الذي أشار إليه من الشافعيّة هو وجهٌ معروفٌ عندهم، وكذلك حكى الوجوب في "البحر" عن أحد قولي الشافعيّ، وقد جزم به سُليم الرازيّ، وقال: إنه ظاهر نصّ "الأمّ"، ونقله عن النصّ أيضًا أبو إسحاق الشيرازيّ في "المهذّب"، وهو قول أهل الظاهر، كما صرّح به ابن حزم. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن من النظر في الأدلّة أن الأرجح هو مذهب من قال بوجوب الوليمة على القادر عليها؛ لأنها ثبتت عنه - ﷺ - قولًا وفعلًا، والقول أمرٌ، وهو للوجوب إلا عند وجود صارف عنه، والقائلون بالاستحباب لم يأتوا بصارف، غير دعوى الإجماع، وقد عرفت أنها دعوى باطلة، فقد قال بالوجوب بعض أهل العلم، وهو نصّ الشافعيّ في "الأمّ"، وقول أهل الظاهر، فلا إجماع، فبقي دليل الوجوب بلا معارض، فوجب القول به، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "المغني" ١٠/ ١٩٢ - ١٩٣.
(٢) "الفتح" ١١/ ٥١٨ - ٥١٩.
[ ٢٥ / ٣٨٩ ]
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم إجابة الدعوة:
ذهب جمهور العلماء إلى وجوب الإجابة إليها، وهو المشهور عند الشافعيّة، والحنابلة، وقالوا: إنها فرض عين، ونصّ عليه مالك، وقال به أهل الظاهر، ونقل القاضي عياض الاتفاق عليه، وابن عبد البرّ الإجماع عليه، وذهب بعضهم إلى استحبابها، قاله بعض الشافعيّة، والحنابلة، وقال أبو الحسن من المالكيّة: إنه المذهب، وصرّح صاحب "الهداية" من الحنفيّة بأن الإجابة سنّةٌ، لكنه استدلّ بقوله - ﷺ -: "من لم يُجب الدعوة، فقد عصى أبا القاسم"، وشبّهها فيما إذا كان هناك غناء ونحوه بصلاة الجنازة واجبة الإقامة، وإن حضرتها نياحة، وذلك يُفْهِمُ الوجوب.
وقال بعض الشافعيّة، والحنابلة: إجابتها فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين.
وحكى الشيخ تقيّ الدين في "شرح الإلمام" عن بعضهم أنه خصّ الوجهين في إجابتها فرض عين، أو كفاية بما إذا دُعي الجميع، وقال: لو خصّ كلّ واحد بالدعوة، تعيّنت الإجابة على الكلّ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور، وهو كون الإجابة فرض عين، هو الحقّ؛ لوضوح أدلّته؛ كحديث أبي هريرة - ﵁ -: "ومن ترك الدعوة، فقد عصى الله ورسوله"، متّفقٌ عليه، وحديث ابن عمر - ﵄ -: "من دُعي إلى وليمة، فلم يأتها، فقد عصى الله ورسوله"، رواه أبو عوانة في "صحيحه". فهذا نصّ صريح في عصيان من لم يجب الدعوة، ولا يُطلق العصيان إلا على ترك الواجب، كما أفاده في "الفتح" (^٢).
والحاصل أن إجابة الدعوة فرض عين، إلا لمانع، وسيأتي بيانه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم إجابة الدعوة غير العُرْس:
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٧/ ٧٠ - ٧١.
(٢) "الفتح" ١١/ ٥٣٨.
[ ٢٥ / ٣٩٠ ]
ذهبت طائفة إلى وجوب الإجابة مطلقًا، وذهب الأكثرون إلى أنّ الوجوب يخصّ العرس فقط، وأما غيرها فتستحبّ إجابتها، وإلى المذهب الأول مال الإمام البخاريّ - ﵀ -، حيث قال في "صحيحه":
[باب إجابة الداعي في العُرس وغيره]: ثم أخرج بسنده عن نافع، قال: سمعت عبد الله بن عمر - ﵄ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "أجيبوا هذه الدَّعْوة إذا دُعيتم إليها"، قال: كان عبد الله يأتي الدعوة في العُرْس وغير العرس، وهو صائم. انتهى.
قال في "الفتح": قوله: "كان عبد الله" القائل هو نافع، وقد أخرج مسلمٌ من طريق عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر العمريّ، عن نافع بلفظ: "إذا دُعي أحدكم إلى وليمة عرس، فليجب"، وأخرجه مسلم، وأبو داود من طريق أيوب، عن نافع بلفظ: "إذا دعا أحدكم أخاه، فليجب عُرسًا كان، أو نحوه"، ولمسلم من طريق الزُّبيديّ، عن نافع، بلفظ: "من دُعي إلى عرس، أو نحوه فليُجب"، وهذا يؤيّده ما فهمه ابن عمر أن الأمر بالإجابة لا يختصّ بطعام العرس.
وقد أخذ بظاهر الحديث بعض الشافعيّة، فقال بوجوب الإجابة إلى الدعوة مطلقًا عُرسًا كان، أو غيره بشرطه، ونقله ابن عبد البرّ عن عبيد الله بن الحسن العنبريّ قاضي البصرة، وزعم ابن حزم أنه قولُ جمهور الصحابة والتابعين، ويعكُرُ عليه ما نقلناه عن عثمان بن أبي العاص (^١)، وهو من مشاهير الصحابة أنه قال في وليمة الختان: لم يكن يُدعى لها، لكن يمكن الانفصال عنه بأنّ ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دَعَوا.
وعند عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه دعا بالطعام، فقال رجلٌ من القوم: اعفني، فقال ابن عمر: إنه لا عافية لك من هذا، فقم.
_________________
(١) قال الجامع: أثر عثمان بن أبي العاص - ﵁ - هذا لا يصحّ؛ لأن في سنده عنعنة ابن إسحاق، والحسن البصريّ، وكلاهما مشهوران بالتدليس، فلا يعكر على ما قاله ابن حزم - ﵀ -، فتنبّه.
[ ٢٥ / ٣٩١ ]
وأخرج الشافعيّ، وعبد الرزاق بسند صحيح، عن ابن عبّاس أن ابن صفوان دعاه، فقال: إني مشغول، وإن لم تُعفني جئته.
وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكيّة، والحنفيّة، والحنابلة، وجمهور الشافعية، وبالغ السرخسيّ منهم، فنقل فيه الإجماع، ولفظ الشافعيّ: إتيان دعوة الوليمة حقّ، والوليمة التي تعرف وليمة العرس، وكلّ دعوة دُعي إليها رجلٌ: وليمةٌ، فلا أُرخّص لأحد في تركها، ولو تركها لم يتبيّن لي أنه عاص في تركها كما تبيّن لي في وليمة العرس. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما تقدّم من الأدلّة أن أرجح الأقوال هو القول بوجوب إجابة الدعوة مطلقًا، لقوّة أدلّته، ولم يأت القائلون بالفرق بين العُرس وغيرها بدليل صحيح، صريح، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في بيان ما ذكره أهل العلم من شروط وجوب إجابة الدعوة:
قال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: قال أصحابنا الشافعية: إنما تجب الإجابة، أو تستحبّ بشروط:
[أحدها]: أن يعم عشيرته، وجيرانه، أو أهل حرفته، أغنياءهم وفقراءهم، دون ما إذا خصّ الأغنياء، وحُكِي عن ابن مسعود - ﵁ -، قال أبو العباس القرطبيّ: ونحوَه نحا ابنُ حبيب من أصحابنا - يعني المالكيّة - وظاهر كلام أبي هريرة - ﵁ - وجوب الإجابة.
[ثانيها]: أن يخصه بالدعوة بنفسه، أو بإرسال شخص إليه، فأما إذا قال بنفسه أو بوكيله: ليحضر من أراد، أو قال لشخص: احضر، وأحضر معك من شئت، فقال لغيره: احضر فلا تجب الإجابة، ولا تستحبّ، وكذا اعتبر المالكية والحنابلة في وجوب الإجابة أن يدعو معينًا، قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام": ولا يخلو من احتمال، لو قيل بخلافه. انتهى.
وقد يقال: هذا معلوم من قولهم: دُعِي، فإن هذا لم يُدْعَ، وإنما مُكِّنَ من
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٥٤٦ - ٥٤٧.
[ ٢٥ / ٣٩٢ ]
الحضور، وذكر الروياني في "البحر" أنه لو قال: إن رأيت أن تجملني لزمته الإجابة.
[ثالثها]: أن لا يكون إحضاره لخوف منه، أو طمع في جاهه، أو لتعاونه على باطل، بل يكون للتقرّب والتودّد.
[رابعها]: أن يكون الداعي له مسلمًا، فلو دعاه ذميّ، فهل هو كالمسلم، أم لا تجب قطعًا، طريقان، أصحهما الثاني، ولا يكون الاستحباب في إجابته كالاستحباب في دعوة المسلم؛ لأنه قد يَرْغَب عن طعامه؛ لنجاسته، وتصرفه الفاسد، وكذا اعتَبَر الحنابلة في وجوب الإجابة أن يكون الداعي مسلمًا، ويدلّ لذلك قوله في رواية: "إذا دعا أحدكم أخاه".
[خامسها]: أن يُدْعَى في اليوم الأول، كذا ادَّعَى النوويّ في "الروضة" القطع به، وليس كذلك، فقد حَكَى ابن يونس في "التعجيز" وجهين في وجوب الإجابة في اليوم الثاني، وقال في "شرحه": أصحهما الوجوب، وبه قطع الجرجانيّ؛ لوصف النبيّ - ﷺ - الثاني بأنه معروف، واعتَبَر الحنابلة أيضًا في وجوب الإجابة أن يكون في اليوم الأول، وحجتهم في ذلك حديث ابن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "طعام أول يوم حقٌّ، وطعام يوم الثاني سنةٌ، وطعام الثالث سُمْعةٌ، ومن سَمَّع سَمَّع الله به"، رواه الترمذيّ، وقال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث زياد بن عبد الله، وهو كثير الغرائب والمناكير، وسمعت محمد بن إسماعيل يذكر عن محمد بن عقبة، قال: قال وكيع: زياد بن عبد الله مع شرفه لا يكذب في الحديث، ورواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة، بلفظ: "الوليمة أول يوم حقٌّ، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعةٌ"، وضعّفه البيهقيّ، وفيه عبد الملك بن حسين، وهو ضعيف جدًّا، ورواه بهذا اللفظ الثاني أبو داود، من رواية الحسن بن عبد الله بن عثمان الثقفيّ، عن رجل أعور من ثقيف، كان يقال له: معروف، أي يثني عليه خيرًا، إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان، فلا أدري ما اسمه؟، ورواه الطبرانيّ من حديث زهير من غير شكّ، وقال البخاريّ: لا يصح إسناده، ولا يُعرف لزهير صحبة، وأخرجه النسائيّ من حديث الحسن مرسلًا، لم يذكر عبد الله بن عثمان، ولا زهيرًا، وأخرجه باللفظ الثاني أيضًا ابن عديّ في "الكامل"، والبيهقيّ في
[ ٢٥ / ٣٩٣ ]
"سننه" من طريقه، من حديث أنس، فقال البيهقيّ: ليس هذا بقويّ، بكر بن خُنيس تكلموا فيه. انتهى.
قال وليّ الدين - ﵀ -: وقد عَرَفت بما بسطناه ضعف جميع هذه الطرق، ولذلك قال والدي في "شرح الترمذيّ": إنه لا يصح من جميع طرقه، وقال البخاريّ في "تاريخه الكبير" بعد ما تقدم عنه في حديث زهير: إنه لا يصح إسناده، ولا تُعرف له صحبة، وقال ابن عمر وغيره، عن النبيّ - ﷺ -: "إذا دُعي أحدكم إلى الوليمة فليجب"، ولم يخصّ ثلاثة أيام ولا غيرها، قال: وهذا أصحّ، ثم ذكر حديث حفصة أن سيرين عَرَّس بالمدينة، فأولم، ودعا الناس سبعًا، وكان فيمن دعا أُبَيّ بن كعب، فجاء وهو صائم، فدعا لهم بخير، وانصرف، وأشار لذلك في "صحيحه" بقوله: "باب حقّ إجابة الوليمة والدعوة، ومن أولم سبعة أيام ونحوه، ولم يوقّت النبيّ - ﷺ - يومًا، ولا يومين"، وروى البيهقيّ في "سننه" قصة سيرين هذه، قال القاضي عياض: واستحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا، ثم قال: وذلك إذا دعا في كل يوم من لم يدع قبله، ولم يكرر عليهم، ويوافق ذلك ظاهر عبارة العمرانيّ من الشافعيّة في "البيان" أنه إنما تكره الإجابة إذا كان المدعوّ في اليوم الثالث هو المدعوّ في اليوم الأول، وكذا صوّره الرويانيّ في "البحر" بما إذا كانت الوليمة ثلاثة أيام، فدعاه في الأيام الثلاثة، لكن ظاهر عبارة "التنبيه" أنه لا فرق في الكراهة بين أن يكون هو المدعوّ في اليوم الأول أم لا.
وقال الشيخ الإمام تقيّ الدين السبكيّ: لا تصريح في كلام أصحابنا بذلك، وإنما رأيت للمالكية فيه خلافًا.
قال وليّ الدين: واستبعد شيخنا الشيخ شهاب الدين ابن النقيب ما قدمته عن "البيان"، فإن الفاعل لذلك وصفه النبيّ - ﷺ - بالرياء فلا يساعد عليه.
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت فيما سبق أن الحديث ضعيف، فلا يصلح للتمسّك به، فالحقّ أن الدعوة لا تختصّ باليوم الأول، سواء كان المدعوّ هو الأول، أو غيره، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
[سادسها]: أن لا يَعْتَذِر المدعوّ إلى صاحب الدعوة، فيرضى بتخلفه، فإن وُجد ذلك زال الوجوب، وارتفعت كراهة التخلّف، قال الحافظ العراقيّ - ﵀ -:
[ ٢٥ / ٣٩٤ ]
وهو قياس حقوق العباد، ما لم يكن فيه شائبة حق الله تعالى، كردّ السلام، فإنه لا يسقط وجوب الردّ برضى المسلِّم بتركه، وقد يُظْهِر الرضى، ويورث مع ذلك وحشة. انتهى، فلو غَلَب على ظنه أن الداعي لا يتألم بانقطاعه، ففيه تردّدٌ، حكاه القاضي مُجَلِّي في "الذخائر".
[سابعها]: أن لا يسبق الداعي غيره، فإن دعاه اثنان أجاب الأسبق، فإن جاءا معًا أجاب الأقرب رَحِمًا، ثم دارًا، وعكس الماورديّ، والرويانيّ، فقدّما قُرب الجوار على قرب الرحم، وذكرا بعدهما القرعة، وقال الحنابلة: يُقدَّم أدينهما، ثم أقربهما رحمًا، ثم جِوَارًا، ثم بالقرعة، وإجابة الأول هو امتثال لهذا الحديث، والامتناع من الثاني إذا تزاحما في الوقت؛ لتعذر الجمع بينه وبين الأول، والله أعلم
[ثامنها]: أن لا يكون هناك من يتأذى بحضوره، ولا تليق به مجالسته، فإن كان فهو معذور في التخلف، وكذا اعتَبَر المالكية في الوجوب أن لا يكون هناك أراذل، وأشار الغزاليّ في "الوسيط" إلى حكاية وجه بخلاف هذا، وفي "البحر" للرويانيّ: لو دعا مُحْتَشَمًا مع سفهاء القوم، هل تلزمه الإجابة؟ وجهان، ويوافقه قول الماورديّ: ليس من الشروط إلا يكون عدوًّا للمدعوّ، ولا يكون في الدعوة من هو عدوّ له، وفيما قاله نظرٌ، وأيّ تأذٍّ أشدّ من مجالسة العدوّ؟
[تاسعها]: ألا يكون هناك منكر، كشرب الخمر، والملاهي، فإن كان نَظَر إن كان الشخص المدعوّ ممن إذا حَضَر رُفِع المنكر فليحضر؛ إجابةً للدعوة، وإزالةً للمنكر، وإلا فوجهان: أحدهما الأولى أن لا يحضر، ويجوز أن يحضر، ولا يستمع، وينكر بقلبه، كما لو كان يُضْرَب المنكر في جِوَاره فلا يلزمه التحول، وإن بلغه الصوت، وعلى ذلك جرى العراقيّون، كما قال الرافعيّ، أو بعضهم، كما قال النوويّ، وحكاه البيهقي عن أصحابنا، وهو ظاهر نصّ الشافعيّ - ﵀ - في "الأُمّ"، و"المختصر"، وحُكي عن أبي حنيفة: ابتليتُ بهذا مرّةً، وهذا لأن إجابة الدعوة سنة، فلا يَتركها لما اقترنت من البدعة من غيره، قال: وهذا إذا لَمْ يكن مُقْتَدًى، فإن كان، ولم يقدر على منعهم يخرج ولا يقعد؛ لأن في ذلك شين الدين، وفتح باب المعصية على المسلمين، والمحكيّ عن أبي حنيفة كان قبل أن يصير مُقتدًى، ولو كان ذلك
[ ٢٥ / ٣٩٥ ]
على المائدة لا ينبغي أن يقعد، وإن لم يكن مُقتدًى؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، قال: وهذا كله بعد الحضور، ولو عَلِم قبل الحضور لا يحضر؛ لأنه لم يلزمه حقّ الدعوة، بخلاف ما إذا هُجِم عليه؛ لأنه قد لزمه. انتهى.
والوجه الثاني لأصحابنا: أنه يحرم الحضور؛ لأنه كالرضى بالمنكر، وإقراره، وبه قال المراوزة، وهو الصحيح، وإذا قلنا به: فلم يَعْلَم حتى حضر نهاهم، فإن لم ينتهوا فليخرج، والأصح تحريم القعود، إلا أن لا يمكنه الخروج، بأن كان في الليل وخاف، فيقعد كارهًا، ولا يستمع، وعلى هذا الوجه الثاني جرى الحنابلة، قالوا: فإن عَلِم بالمنكر، ولم يره، ولم يسمعه، فله الجلوس، وكذا اعتبر المالكية في وجوب الإجابة أن لا يكون هناك منكر، وقال ابن عبد البرّ: قال مالك، وابن القاسم: أما اللهو الخفيف مثل الدّفّ، فلا يرجع، وقال أصبغ: أرى أن يرجع، قال: وقد أخبرني ابن وهب عن مالك، أنه لا ينبغي لذي الهيئة أن يحضر موضعًا فيه لَعِبٌ، ثم حَكَى ابنُ عبد البر الفرق بين المقتدى به وغيره عن محمد بن الحسن، والأصل في هذا الباب امتناعه - ﷺ - من دخوله بيته لَمَّا رأى فيه نُمْرُقة فيها تصاوير، وهو في "الصحيح" من حديث عائشة - ﵂ -، وبَوَّب عليه البخاريّ - ﵀ -: "بابٌ هل يرجع إذا رأى منكرًا في الدعوة"، قال: ورأى ابن مسعود سورة في البيت فرجع، ودعا ابنُ عمر أبا أيوب، فرأى في البيت سِتْرًا على الجدار، فقال ابن عمر: غَلَبنا عليه النساء، فقال: مَن كنتُ أخشى عليه، فلم أكن أخشى عليك، والله لا أَطْعَم لكم طعامًا فرجع.
[عاشرها]: أن لا يدعوه من أكثر ماله حرام، فمن هو كذلك تكره إجابته، فإن عَلِمَ أن غير الطعام حرام حَرُمت، وإلا فلا، قال المتولي في "التتمة": فإن لم يعلم حال الطعام، وغلب الحلال لم يتأكد الإجابة، أو الحرام، أو الشبهة كُرِهت.
[حادي عشرها]: قال إبراهيم المروزيّ من الشافعيّة: لو دعته أجنبية، وليس هناك مَحْرم له، ولا لها، ولم تَخْلُ به، بل جلست في بيت، وبعثت بالطعام إليه مع خادم إلى بيت آخر من دارها، لم يجبها؛ مخافةَ الفتنة، حكاه
[ ٢٥ / ٣٩٦ ]
النوويّ في "الروضة"، وأقرّه، وقال السبكيّ: وهو الصواب، إلا أن يكون الحال على خلاف ذلك، كما كان سفيان الثوريّ وأضرابه يزورون رابعة العدوية، ويسمعون كلامها، فإذا وُجدت امرأة مثل رابعة، ورجل مثل سفيان لم يكره لهما ذلك، قال وليّ الدين: أين مثلُ سفيان ورابعة؟ بل الضابط أن يكون الحضور إليها لأمر دينيّ مع أمن الفتنة.
قال: وقال شيخنا الإمام جمال الدين عبد الرحيم الإسنويّ: إن أراد المروزيّ تحريم الإجابة فممنوع، وإن أراد عدم الوجوب فلا حاجة لتقييده بعدم وجود محرم؛ لأن هنا مانعًا آخر من الوجوب، وهو عدم العموم.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قالوه في مسألة دعوة المرأة الأجنبيّة فيه نظر لا يخفى؛ لأن الذي ورد في الشرع النهي عنه هو الخلوة بالأجنبيّة، وأما إذا لم يكن هناك خلوة بها، فأين الدليل المانع من إجابة دعوتها؟، فليُتأمّل حقّ التأمل، والله تعالى أعلم.
[ثاني عشرها]: أن لا يكون المدعوّ قاضيًا، ذكره بعض أصحابنا، وقال مطرّف، وابن الماجشون من المالكية: لا ينبغي للقاضي أن يجيب الدعوة إلا في الوليمة وحدها؛ للحديث؛ وفي "الموازنة": أكره أن يجيب أحدًا، وهو في الدعوة خاصةً أشدّ، وقال سحنون: يجيب الدعوة العامة، ولا يجيب الخاصة، فإن تنزه عن مثل هذا، فهو أحسن، قال الشيخ تقيّ الدين في "شرح الإلمام": والعموم يقتضي ظاهره المساواة بين القاضي وغيره، قال: والذين استثنوا القاضي، فإنما استثنوه لمعارض قام عندهم، وكأنه طلب صيانته عما يقتضي ابتذاله، وسقوط حرمته عند العامة، وفي ذلك عود ضرر على مقصود القضاء من تنفيذ الأحكام؛ لأن الهيئات مُعِينة عليها، ومن لم يعتبر هذا رجع إلى الأمر، وإنّ ترك العمل بمقتضاه مفسدة محققةٌ، وما ذكر من سبب التخصيص قد لا يفضي إلى المفسدة. انتهى.
ويَحْتَمِل أن يكون المعنى في المنع ما فيه من استمالته، وأنه قد يكون في معنى قبوله الهدية، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: استثناء القاضي من عموم قوله - ﷺ -: "إذا دُعِي أحدكم إلى الوليمة، فليُجِب" محلّ نظر، فتأمّل.
[ ٢٥ / ٣٩٧ ]
[ثالث عشرها]: قال الماورديّ: يُشتَرط أن يكون الداعي مكلفًا حُرًّا رشيدًا، وإن أَذِن ولي المحجور لم تجب إجابته أيضًا؛ لأنه مأمور بحفظ ماله، ولو أَذِن سيد العبد فهو حينئذ كالحرّ.
[رابع عشرها]: أن يكون المدعوّ حرًّا، فلو دعا عبدًا لزمه إن أذن سيده، وكذا المكاتب، إن لم يضرّ حضوره بكسبه، فإن ضرّ وأذن سيده فوجهان، والمحجور فيما إذا كان مدعوًّا كالرشيد.
[خامس عشرها]: أن لا يكون معذورًا بمرخص في ترك الجماعة، ذكره الماورديّ، والرويانيّ قالا: ولو اعتَذَر بحرّ، أو برد، فإن منعا غيره من التصرف منع، وإلا فلا.
قال الجامع عفا الله عنه: من الأعذار ما يقع هنا في بلاد الحرمين: مكة، والمدينة، وجدّة، وغيرها من البلدان من كون وقت الوليمة ليلًا بعد صلاة العشاء، بل بعد منتصف الليل، بل ثلثيه، بحيث إنه يفوّت على الإنسان صلاة الليل، والوتر، ولا سيما إذا كان معه نساء، فإنه ربّما تفوته صلاة الجماعة في الصبح، بل ربّما أدى إلى فوات الصبح رأسًا، وهذا من المنكر الذي غفل عنه كثير من الناس، وقد ثبت في "الصحيحين" أنه - ﷺ - كان يكره النوم قبلها - أي العشاء - والحديث بعدها، فكيف إذا ضاع معظم الليل بما لا يعني، فلا حول ولا قوّة إلا بالله، فعلى من دُعي في مثل هذا أن لا يُجيب، فليُتفطّن، والله تعالى أعلم.
[سادس عشرها]: قال الشيخ تاج الدين عبد الوهاب ابن السبكيّ في "التوشيح": ينبغي أن يتقيد أيضًا بما إذا دعاه في وقت استحباب الوليمة، دون ما إذا دعاه في غير وقتها، قال: ولم ير في صريح كلام الأصحاب تعيّن وقتها، فاستنبط الوالد من قول البغويّ: ضربُ الدفّ في النكاح جائز في العقد، والزفاف، قبلُ وبعدُ قريبًا منه، أن وقتها موسع من حين العقد، قال: والمنقول عن فعل النبيّ - ﷺ - أنها بعد الدخول.
وبوّب البيهقيّ في "سننه" على وقت الوليمة، وذكر فيه حديث أنس: بَنَى رسول الله - ﷺ -، فأرسلني، فدعوت رجالًا. . . الحديث.
وقال النوويّ في "شرح مسلم": اختَلَف العلماء في وقت فعلها، فحَكَى
[ ٢٥ / ٣٩٨ ]
القاضي عياض أن الأصح عند مالك وغيره أنه يستحب فعلها بعد الدخول، وعن جماعة من المالكية استحبابها عند العقد، وعن ابن حبيب استحبابها عند العقد، وبعد الدخول.
قال وليّ الدين: ثم إن أريدَ أنه لا تجب الإجابة فيما إذا عُملت الوليمة قبل العقد فهو واضح، ولكن لا يحتاج إلى ذكره؛ لأنها ليست وليمة عرس، ويبقى النظر فيما لو دُعي قبل العقد؛ ليحضر العقد، ويأكل طعامًا قد هُيِّئ، هل تجب الإجابة أم لا؟ فيه احتمال؛ لكونه لم يُعقد إلى الآن، والظاهر وجوب الإجابة؛ لكون الوليمة إنما تُفعل بعد العقد، وإن كان الإعلام بها سابقًا.
وإن أريدَ أنّا إذا استحببنا أن تكون بعد الدخول، فعُملت قبله لا تجب الإجابة فهو ممنوع؛ لأنها وليمة عرس، وإن عَدَل بها صاحبها عن الأفضل، فهو كمن أولم بغير شاة، مع التمكن منها.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا كلّه عند من قال: إن الواجب إجابة دعوة وليمة العرس فقط، لكن الصحيح كما سيأتي أن إجابة الدعوة واجبة، مطلقًا، عُرسًا كان، أو غيرها، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[سابع عشرها]: أن يكون المدعوّ مسلمًا، فلو دعا مسلم كافرًا لم تلزمه الإجابة جزمًا، كما صرح به الماورديّ، والرويانيّ، وعللاه بأنه لم يلتزم أحكامنا إلا عن تراض، فلو رضي ذميان بحكمنا أخبرناهما بإيجاب الإجابة، وهل يخبر المدعوّ أم لا؟ فيه قولان، حكاهما الماورديّ، والرويانيّ.
قال وليّ الدين: فهذا ما وقفت عليه في ذلك لأصحابنا المتقدمين والمتأخرين، واعتَبَر مالك - ﵀ - في وجوب الإجابة أن لا يكون هناك زحام، ولا إغلاق باب دونه، حكاه عنه ابن الحاجب في "مختصره"، فأما الأول وهو انتفاء الزحام فقد صرح الروياني من أصحابنا بخلافه، وقال: إن الزحام ليس عذرًا، وقد يقال: إنه مختلفٌ؛ لِمَا سبق من اعتبار أن لا يكون هناك من يتأذى به، فإن الزحام مما يتأذى به.
وأما الثاني وهو إغلاق الباب دونه، فإن أريدَ استمرار إغلاقه، فلا يُفتَح له أصلًا، فهذا واضح؛ لأنه لم يتمكن من حضور الوليمة، فلا يمكن القول بوجوبه عليه، وإن أريد إغلاقه حتى يحتاج إلى الإعلام والتوسل فيفتح، فهذا
[ ٢٥ / ٣٩٩ ]
مُحْتَمِلٌ، ولا يبعد على قواعدنا القول به؛ لما في الوقوف على الأبواب من الذلّ الذي يصعب على الإنسان، ويشق عليه احتماله، والله أعلم.
واعتَبَر الحنابلة في وجوب الإجابة أن لا يكون الداعي ممن يجوز هجره، والقول به عندنا قريب؛ لأن التودد بحضور الوليمة أشدّ، وأبلغ من السلام والكلام، فإذا لَمْ يُحَيَّ فحضور الوليمة أولى، فهذه عشرون شرطًا. انتهى كلام وليّ الدين - ﵀ - (^١)، وهو بحث نفيسٌ، وقد سبق مناقشة بعض ما ذكره، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في وقت الوليمة، هل هو عند العقد، أو عقبه، أو عند الدخول، أو عقبه، أو موسّعٌ من ابتداء العقد إلى انتهاء الدخول؟ على أقوال:
قال النوويّ - ﵀ -: اختلفوا، فحكى عياضٌ أن الأصحّ عند المالكيّة استحبابه بعد الدخول، وعن جماعة منهم أنه عند العقد، وعند ابن حبيب عند العقد، وبعد الدخول، وقال في موضع آخر: يجوز قبل الدخول وبعده، وذكر ابن السبكيّ أن أباه قال: لم أر في كلام الأصحاب تعيين وقتها، وأنه استنبط من قول البغويّ: ضرب الدفّ في النكاح جائزٌ في العقد، والزفاف، قبلُ وبعدُ قريبًا منه، أن وقتها موسّعٌ من حين العقد، قال: والمنقول من فعل النبيّ - ﷺ - أنها بعد الدخول، كأنه يشير إلى قصّة زينب بنت جحش - ﵂ -، وقد ترجم عليه البيهقيّ في وقت الوليمة. انتهى.
قال الحافظ: وما نفاه من تصريح الأصحاب متعقّبُّ بأن الماورديّ صرّح بأنها عند الدخول، وحديث أنس - ﵁ - في هذا الباب صريح في أنها بعد الدخول؛ لقوله فيه: "أصبح عروسًا بزينب، فدعا القوم".
واستحبّ بعض المالكيّة أن تكون عند البناء، ويقع الدخول عقبها، وعليه عمل الناس اليوم، ويؤيّد كونها للدخول، لا للإملاك أن الصحابة بعد الوليمة تردّدوا، هل هي زوجةٌ، أو سُرّيّةٌ؟ فلو كانت الوليمة عند الإملاك لعرفوا أنها
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٧/ ٧١ - ٧٧.
[ ٢٥ / ٤٠٠ ]
زوجة؛ لأن السّرّيّة لا وليمة لها، فدلّ على أنها عند الدخول، أو بعده. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن كونها بعد الدخول هو الأرجح؛ لحديث أنسٌ - ﵁ - المتقدّم في قصّة زينب - ﵂ - المذكور في الباب الماضي، فإنه صريحٌ في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة التاسعة): في اختلاف أهل العلم في تحديد أيام الوليمة:
قال الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه": "باب حقّ إجابةِ الوليمة والدعوة، ومن أولم سبعة أيام، ونحوه، ولم يوقّت النبيّ - ﷺ - يومًا، ولا يومين".
قال في "الفتح": أي لم يجعل للوليمة وقتًا معيّنًا يختصّ به الإيجاب، أو الاستحباب، وأخذ ذلك من الإطلاق، وقد أفصح بمراده في "تاريخه"، فإنه أورد في ترجمة زُهير بن عثمان الحديث الذي أخرجه أبو داود، والنسائيّ من طريق قتادة، عن عبد الله بن عثمان الثقفيّ، عن رجل من ثقيف، كان يُثني عليه، إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان، فلا أدري ما اسمه؟ يقوله قتادة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الوليمة أول يوم حقّ، والثاني معروفٌ، والثالث رياء وسمعة"، قال البخاريّ: لا يصحّ إسناده، ولا يصحّ له صحبةٌ - يعني لزهير - قال: وقال ابن عمر وغيره، عن النبيّ - ﷺ -: "إذا دُعي أحدكم إلى الوليمة فليُجب"، ولم يخصّ ثلاثة أيام، ولا غيرها، وهذا أصحّ، قال: وقال ابن سيرين، عن أبيه: "أنه لما بنى بأهله أولم سبعة أيام، فدعا في ذلك أُبيّ بن كعب، فأجابه". انتهى.
وقد خالف يونس بن عُبيد قتادة في إسناده، فرواه عن الحسن، عن النبيّ - ﷺ -، مرسلًا، أو معضلًا، لم يذكر عبد الله بن عثمان، ولا زهيرًا، أخرجه النسائيّ، ورجّحه على الموصول، وأشار أبو حاتم إلى ترجيحه، ثم أخرج النسائيّ عقبه حديث أنس: "أن رسول الله - ﷺ - أقام على صفيّة ثلاثة أيام حتى أعرس بها"، فأشار إلى تضعيفه، أو إلى تخصيصه، وأصرح من ذلك ما
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٣٠٨.
[ ٢٥ / ٤٠١ ]
أخرجه أبو يعلى بسند حسن عن أنس - ﵁ -، قال: "تزوّج النبيّ - ﷺ - صفيّة، وجعل عتقها صداقها، وجعل الوليمة ثلاثة أيام. . ." الحديث.
قال الحافظ: وقد وجدنا لحديث زهير بن عثمان شواهد، منها: عن أبي هريرة - ﵁ - مثله، أخرجه ابن ماجه، وفيه عبد الملك بن حسين، وهو ضعيف جدًّا، وله طريق أخرى عن أبي هريرة، وعن أنس مثله، أخرجه ابن عديّ، والبيهقيّ، وفيه بكر بن خنيس، وهو ضعيفٌ، وله طريق أخرى ذكر ابن أبي حاتم أنه سأل أباه عن حديث رواه مروان بن معاوية، عن عوف، عن الحسن، عن أنس نحوه؟ فقال: إنما هو عن الحسن، عن النبيّ - ﷺ - مرسل، وعن ابن مسعود - ﵁ - أخرجه الترمذيّ بلفظ: "طعام أول يوم حقّ، وطعام يوم الثاني سنةٌ، وطعام يوم الثالث سمعة، ومن سمّع سمّع الله به"، وقال: لا نعرفه إلا من حديث زياد بن عبد الله البكائيّ، وهو كثير الغرائب، والمناكير، قال الحافظ: وشيخه فيه عطاء بن السائب، وسماع زياد منه بعد اختلاطه، فهذه علّته.
وعن ابن عباس رفعه: "طعام في العرس يوم سنّة، وطعام يومين فضلٌ، وطعام ثلاثة أيام رياء وسمعة"، أخرجه الطبرانيّ بسند ضعيف.
وهذه الأحاديث، وإن كان كلّ منها لا يخلو عن مقال، فمجموعها يدلّ على أن للحديث أصلًا.
وقد وقع في رواية أبي داود، والدارميّ في آخر حديث زهير بن عثمان: "قال قتادة: بلغني عن سعيد بن المسيّب أنه دُعي أول يوم وأجاب، ودعي ثاني يوم فأجاب، ودُعي ثالث يوم فلم يُجب، وقال: أهل رياء وسمعة"، فكأنه بلغه الحديث، فعمل بظاهره، إن ثبت ذلك عنه.
وقد عمل به الشافعيّة، والحنابلة، قال النوويّ: إذا أولم ثلاثًا، فالإجابة في اليوم الثالث مكروهة، وفي الثاني لا تجب قطعًا، ولا يكون استحبابها فيه كاستحبابها في اليوم الأول. وقد حكى صاحب "التعجيز" في وجوبها في اليوم الثاني وجهين، وقال في "شرحه": أصحّهما الوجوب، وبه قطع الجرجانيّ؛ لوصفه بأنه معروفٌ، أو سنةٌ، واعتبر الحنابلة الوجوب في اليوم الأول، وأما الثاني فقالوا: سنةٌ؛ تمسّكًا بظاهر لفظ حديث ابن مسعود، وفيه بحث.
[ ٢٥ / ٤٠٢ ]
وأما الكراهة في اليوم الثالث، فأطلقه بعضهم؛ لظاهر الخبر، وقال العمرانيّ: إنما تكره إذا كان المدعوّ في الثالث هو المدعوّ في الأول، وكذا صوَّره الرويانيّ، واستبعده بعض المتأخرين، وليس ببعيد؛ لأن إطلاق كونه رياء وسمعة يُشعر بأن ذلك صنع للمباهاة، وإذا كثر الناس، فدعا في كل يوم فرقةً لم يكن في ذلك مباهاةٌ غالبًا.
وإلى ما جنح إليه البخاريّ ذهب المالكيّة، قال عياضٌ: استحبّ أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا، قال: وقال بعضهم: محلّه إذا دعا في كلّ يوم من لم يدع قبله، ولم يُكرّر عليهم، وهذا شبيهٌ بما تقدّم عن الروياني، وإذا حملنا الأمر في كراهة الثالث على ما إذا كان هناك رياء وسمعةٌ، ومباهاةٌ كان الرابع، وما بعده كذلك، فيمكن حمل ما وقع من السلف من الزيادة على اليومين عند الأمن من ذلك، وإنما أطلق ذلك على الثالث لكونه الغالب، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه المالكيّة، وهو الذي مال إليه البخاريّ، من جواز كون الوليمة أسبوعًا لمن تيسّر له هو الأرجح؛ إن خلا عن الرياء والسمعة؛ لإطلاق النصوص؛ وأما الأحاديث التي احتج القائلون بالكراهة فيما بعد اليوم الثاني، فقد علمت كونها كلها ضعافًا، لا ينبغي أن تُذكر لمعارضة إطلاق الأحاديث الصحاح بها، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة العاشرة): في اختلاف أهل العلم في وجوب إجابة دعوة الوليمة غير العُرْس:
قال وليّ الدين - ﵀ -: استُدِلّ بالحديث على وجوب الإجابة في وليمة غير العرس؛ تمسكًا بلفظ الوليمة، ويؤيد ذلك قوله في بعض الروايات: "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب، عُرْسًا كان أو نحوه"، وقوله في رواية أخرى: "من دُعِي إلى عُرس أو نحوه، فليجب"، وكان عبد الله بن عمر راوي الحديث يأتي الدعوة في العُرس، وغير الْعُرس، وهو صائم، وهو في "الصحيحين".
[ ٢٥ / ٤٠٣ ]
قال: وبهذا قال بعض أصحابنا الشافعية، وحكاه ابن عبد البر عن عبيد الله بن الحسن العنبريّ القاضي، وأشار إليه البخاريّ بتبويبه على رواية موسى بن عقبة: "باب إجابة الداعي في العرس وغيرها"، وإليه ذهب أهل الظاهر، وادَّعَى ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين، وفي ذلك نظرٌ.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال وليّ الدين معارضًا لقول ابن حزم، ولم يأت بدليل ينفي كونه قول جمهورهم، فمن أين له النظر؟، فتبصّر.
قال: وذهب المالكية، والحنابلة، والحنفية إلى الجزم بعدم الوجوب في بقية الولائم، وهو المشهور عند الشافعية، وحكى السرخسيّ وغيره إجماع المسلمين عليه.
قال الجامع عفا الله عنه: بُطلان هذا الإجماع المدّعى ظاهر مما سبق، فإن المسألة لا زال الخلاف فيها قائمًا، فتبصّر.
قال: ويدل له التقييد في بعض الروايات بقوله: "وليمة عرس"، وقد تقدم ذكرها، فيُحْمَل المطلق على المقيد.
وصرّح الحنابلة بأن إجابة وليمة غير العرس مباحة، لا تستحب، ولا تكره.
وقال الشافعيّ - ﵀ -: إتيان دعوة الوليمة حقّ، والوليمة التي تُعرف وليمة العرس، وكل دعوة دُعي إليها رجل، فاسم الوليمة يقع عليها، فلا أرخّص لأحد في تركها، ولو تركها لم يَبِنْ لي أنه عاص في تركها، كما تبيّن لي في وليمة العرس، ثم ساق الكلام إلى أن قال: إني لا أعلم أن النبيّ - ﷺ - ترك الوليمة على عرس، ولم أعلمه أولم على غيره، رواه عنه البيهقيّ في "المعرفة".
وقال الطحاويّ: لم نجد عند أصحابنا عن أبي حنيفة وأصحابه في ذلك شيئًا إلا في إجابة دعوة وليمة العرس خاصّةً، وذكر الخطابي أن المعنى في اختصاص وليمة النكاح بالإجابة ما فيه من إعلان النكاح، والإشادة به. انتهى
[ ٢٥ / ٤٠٤ ]
كلام وليّ الدين - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: يتبيّن من أحاديث الباب وغيرها أن الحقّ قول من قال بوجوب الإجابة مطلقًا، عُرسًا كان، أو غيرها؛ فقد صرّح - ﷺ - بقوله: "إذا دعا أحدكم أخاه، فليُجب، عرسًا كان، أو نحوه"، وفي لفظ: "من دُعي إلى عُرس، أو نحوه، فليُجِب"، فماذا بعد هذا التصريح؟ فتأمّل بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال وليّ الدين - ﵀ -: إذا عدّينا الإيجاب، أو الاستحباب إلى سائر الولائم، فقال الشيخ تقيّ الدين في "شرح الإلمام": إن الأحاديث عامّة بالنسبة إلى أهل الفضل وغيرهم، والمنقول عن مالك: أنه كره لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم، قال القاضي عياض: وتأوله بعض أصحابنا على غير الوليمة، قال: وتأوله بعضهم على غير أسباب السرور المتقدمة مما يُصنع تفضلًا، وقال ابن حبيب: قال مطرِّف، وابن الماجشون: وكلُّ ما لزم القاضي من النزاهات في جميع الأشياء، فهو به أجمل وأولى، وإنا لنحبّ هذا لذي المروءة والهدى أن لا يجيب إلا في الوليمة، إلا أن يكون لأخ في الله، أو خاصة أهله، أو ذوي قرابته، فلا بأس بذلك.
قال الشيخ تقيّ الدين: وهذا تخصيص آخر، ومقتضاه أضعف من الأول، يعني استثناء القاضي، قال: وظاهر الحديث يقتضي الإجابة، والمروءةُ والفضلُ والهدى في اتباع ما دلّ عليه الشرع، ثم قال: نعم إذا تحققت مفسدة راجحة، فقد يُجعل ذلك مخصصًا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد الشيخ تقيّ الدين ابن دقيق العيد - ﵀ - في تعقّبه على ما قاله المالكيّة من تخصيص أهل الفضل بعدم الإجابة؛ لأن ذلك معارض للنصوص الصحيحة الكثيرة التي أمرت عموم المسلمين، أهل الفضل والمروءة، وغيرهم بإجابة الدعوة، بل أهل الفضل هم أحقّ الناس باتّباع سنة رسول الله - ﷺ -، وهو - ﷺ - سيّد أهل الفضل والمروءة، وقد أمر بذلك، وفعله بنفسه، فلا كلام معه - ﷺ -؛ قال الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٧/ ٧٧ - ٧٨.
[ ٢٥ / ٤٠٥ ]
عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية [الحشر: ٧]، وقال - ﷺ -: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" (^١)، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥١٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَلِيمَةِ فَلْيُجِبْ"، قَالَ خَالِدٌ: فَإِذَا عُبَيْدُ اللهِ يُنَزِّلُهُ عَلَى الْعُرْسِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل بابين.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر الْعُمريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَالَ خَالِدٌ) أي ابن الحارث (فَإِذَا عُبَيْدُ اللهِ يُنَزِّلُهُ عَلَى الْعُرْسِ) يعني أن عبيد الله بن عمر كان يتأول الأمر بإجابة الدعوة على دعوة وليمة العرس فقط، وهذا رأيه، وسيأتي بعدُ أنه - ﷺ - قال: "إذا دَعَى أحدكم أخاه، فليُجب، عُرسًا كان، أو نحوه"، وقوله: "من دُعي إلى عُرس أو نحوه، فليُجب"، وما ثبت عنه - ﷺ - لا يعارض بالرأي، ولقد أحسن من قال، وأجاد في المقال [من الوافر]:
إِذَا جَالَتْ خُيُولُ النَّصِّ يَوْمًا … تُجَارِي فِي مَيَادِينِ الْكِفَاحِ
غَدَتْ شُبَهُ الْقِيَاسِيِّينَ صَرْعَى … تَطِيرُ رُؤُوسُهُنَّ مَعَ الرِّيَاحِ
[تنبيه]: "الْعُرْسُ" - بضم العين المهملة، وبإسكان الراء، وضمها، لغتان مشهورتان، وهي مؤنثة، وفيها لغة بالتذكير، قال في "المحكم": وهي مِهْنَةُ
_________________
(١) حديث حسّنه بعضهم، وتكلّم فيه بعضهم، لكن يشهد له الحديث المتّفق عليه: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده، وولده، والناس أجمعين"، فتنبّه.
[ ٢٥ / ٤٠٦ ]
البناء، والإملاك، وقيل: طعامه خاصّةً. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، إلا كلام خالد، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥١١] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى وَلِيمَةِ عُرْسٍ فَلْيُجِبْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (إِلَى وَليمَةِ عُرْسٍ) قال النوويّ - ﵀ -: قد يَحتجّ به من يخص وجوب الإجابة بوليمة العُرْس، ويتعلق الآخرون بالروايات المطلقة، وبقوله - ﷺ - في الرواية التي بعد هذه: "إذا دَعَى أحدكم أخاه فليجب، عُرْسًا كان أو نحوه"، ويحملون هذا على الغالب، أو نحوه من التأويل. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التأويل متعيّن، لا بُدّ منه، ومما يُعيّنه قوله في الحديث الآخر: "عُرْسًا كان، أو نحوه"، فتبصّر.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥١٢] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ (ع) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "ائْتُوا الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ").
_________________
(١) "طرح التثريب" ٧/ ٧٧.
(٢) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٣٤.
[ ٢٥ / ٤٠٧ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم تقدّموا في الباب، والباب الماضي، إلا "أيّوب"، وهو السَّخْتيانيّ، فتقدّم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٣٠٥، و"أبو الربيع" هو: سليمان بن داود الزهرانيّ الْعَتَكيّ، و"أبو كامل" هو: فُضيل بن حسين الْجَحْدريّ، و"حمّادٌ" هو: ابن زيد.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥١٣] (. . .) - (وَحدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ عَن النَّبِيِّ - ﷺ -: "إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُجِبْ، عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا في الباب، والباب الماضي.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥١٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ دُعِيَ إِلَى عُرْسٍ (^١)، أَوْ نَحْوِهِ فَلْيُجِبْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرَام الْكَوْسج، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
_________________
(١) وفي نسخة: "إلى وليمة عُرس".
[ ٢٥ / ٤٠٨ ]
٢ - (عِيسَى بْنُ الْمُنْذِرِ) السّلميّ، أبو موسى الْحِمْصيّ، مقبول [١٠] من أفراد المصنّف، له عنده حديثان فقط، هذا برقم [٣٥١٤]، وتقدّم له حديث آخر في أواخر "كتاب الحجّ" برقم [٩١/ ٣٣٧٧].
٣ - (بَقِيَّةُ) بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعيّ، أبو يُحْمِد الحمصيّ، صدوقٌ كثير التدليس عن الضعفاء [٨] (ت ١٩٧) وله (٨٧) سنةً (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٩.
٤ - (الزُّبَيْدِيُّ) محمد بن الوليد بن عامر، أبو الْهُذيل الْحِمصيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار أصحاب الزهريّ [٧] (ت ٦ أو ٧ أو ١٤٨) (خ م د س ق) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٠/ ١١٧٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (إِلَى عُرْسٍ) وفي بعض النسخ: "إلى وليمة عُرْسٍ".
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥١٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "ائْتُوا الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْبَاهِلِيُّ) الساميّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (ع) تقدم في "الجمعة" ٦/ ١٩٧٢.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) الأمويّ، تقدّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: ("ائْتُوا الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ") قال وليّ الدين - ﵀ -: "الدَّعْوَة" هنا
[ ٢٥ / ٤٠٩ ]
بفتح الدال، وأما دِعْوة النسب، فبكسرها، هذا قول جمهور العرب، قال النوويّ في "شرح مسلم": وعكسه تيم الرِّباب، بكسر الراء، فقالوا: الطعام بالكسر، والنسب بالفتح، وتعقّبه وليّ الدين، فقال: إنما حَكَى ذلك صاحبا "الصحاح"، و"المحكم" عن عديّ الرِّباب، لا عن تيم الرِّباب، وذكر قطرب في "مثلثه" أن دعوة الطعام بضم الدال، قال النوويّ: وغلّطوه فيه. انتهى (^١).
والحديث من أفراد المصنّف أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥١٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَجِيبُوا هَذهِ الدَّعْوَةَ إِذَا دُعِيتُمْ لَهَا"، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَأْتِي الدَّعْوَةَ فِي الْعُرْسِ، وَغَيْرِ الْعُرْسِ، وَيَأْتِيهَا وَهُوَ صَائِمٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال، تقدّم قبل بابين.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور المصِّيصيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قال: كان عبد الله) أي ابن عمر - ﵄ -، والقائل هو نافع.
قال الحافظ - ﵀ -: ويؤيّد ما فهمه ابن عمر - ﵄ - من الحديث أنه يشمل العرس وغيره: ما أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله بن عُمر العُمَريّ، عن نافع، بلفظ: "إذا دُعي أحدكم إلى وليمة عُرس فليجب"،
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٧/ ٧٧.
[ ٢٥ / ٤١٠ ]
وأخرجه مسلم، وأبو داود من طريق أيوب، عن نافع، بلفظ: "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب، عُرْسًا كان أو نحوه"، ولمسلم من طريق الزُّبَيديّ، عن نافع، بلفظ: "من دُعي إلى عُرس، أو نحوه، فليجب".
قال: وقد أخذ بظاهر الحديث بعض الشافعية، فقال: بوجوب الإجابة إلى الدعوة مطلقًا، عُرسًا كان أو غيره بشرطه، ونقله ابن عبد البرّ عن عبيد الله بن الحسن العنبريّ، قاضي البصرة، وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين، ويَعْكُر عليه ما نقلناه عن عثمان بن أبي العاص، وهو من مشاهير الصحابة أنه قال في وليمة الختان: "لم يكن يدعى لها"، لكن يمكن الانفصال عنه بأن ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دَعَوْا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يعكُر على قول ابن حزم ما ذكره عن عثمان بن أبي العاص؛ لأن ابن حزم لم ينف ثبوته عن الصحابة، وإنما قال: قول جمهورهم، فكيف يُعترض عليه؟ وقد سبق تمام البحث في هذا قريبًا، فتبصّر.
وقوله: (وَيَأْتِيهَا وَهُوَ صَائِمٌ) ولأبي عوانة من وجه آخر عن نافع: "وكان ابن عمر يجيب صائمًا ومُفطِرًا"، ووقع عند أبي داود، من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، في آخر الحديث المرفوع: "فإن كان مفطرًا، فليَطعم، وإن كان صائمًا فليَدْع"، ويأتي للمصنّف من حديث أبي هريرة - ﵁ -: "فإن كان صائمًا فليصلّ"، ووقع في رواية هشام بن حسّان في آخره: "والصلاة الدعاء"، قال الحافظ - ﵀ -: وهو من تفسير هشام راويه، ويؤيده الرواية الأخرى.
قال: وحمله بعض الشراح على ظاهره، فقال: إن كان صائمًا فليشتغل بالصلاة؛ ليحصل له فضلها، ويَحصُل لأهل المنزل والحاضرين بركتها.
وفيه نظر؛ لعموم قوله: "لا صلاة بحضرة طعام"، لكن يمكن تخصيصه بغير الصائم، قال: وفي حديث أُبَيّ بن كعب: "لَمّا حضر الوليمة، وهو صائم أثنى ودعا"، وعند أبي عوانة من طريق عمر بن محمد، عن نافع: "كان ابن عمر إذا دُعي أجاب، فإن كان مفطرًا أكل، وإن كان صائمًا دعا لهم، وبَرَّك، ثم انصرف".
[ ٢٥ / ٤١١ ]
قال: وفي الحضور فوائد أخرى، كالتبرك بالمدعوّ (^١)، والتجمّل به، والانتفاع بإشارته، والصيانة عما لا يحصل له الصيانة لو لم يحضر، وفي الإخلال بالإجابة تفويت ذلك، ولا يخفى ما يقع للداعي من ذلك من التشويش.
قال: وعُرِف من قوله: "فليدع لهم" حصول المقصود من الإجابة بذلك، وأن المدعوّ لا يجب عليه الأكل، وهل يستحب له أن يفطر، إن كان صومه تطوعًا؟ قال أكثر الشافعية، وبعض الحنابلة: إن كان يشقّ على صاحب الدعوة صومه، فالأفضل الفطر، وإلا فالصوم، وأطلق الروياني، وابن الفراء استحباب الفطر، وهذا على رأي من يجوِّز الخروج من صوم النفل، وأما من يوجبه فلا يجوز عنده الفطر، كما في صوم الفرض، ويبعد إطلاق استحباب الفطر مع وجود الخلاف، ولا سيما إن كان وقت الإفطار قد قَرُب.
ويؤخذ من فعل ابن عمر أن الصوم ليس عذرًا في ترك الإجابة، ولا سيما مع ورود الأمر للصائم بالحضور، والدعاء، نعم لو اعتذر به المدعوّ، فقَبِل الداعي عذره؛ لكونه يشقّ عليه أن لا يأكل إذا حضر، أو لغير ذلك، كان ذلك عذرًا له في التأخر.
وفي حديث جابر - ﵁ - الآتي: "إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طَعِم، وإن شاء ترك"، فيؤخذ منه أن المفطر ولو حضر لا يجب عليه الأكل، وهو أصح الوجهين عند الشافعية.
وقال ابن الحاجب في "مختصره": ووجوب أكل المفطر مُحْتَمِلٌ، وصرح الحنابلة بعدم الوجوب، واختار النوويّ الوجوب، وبه قال أهل الظاهر، والحجة لهم قوله في إحدى روايات ابن عمر عند مسلم: "فإن كان مفطرًا فليَطعم"، قال النوويّ: وتُحْمَل رواية جابر على من كان صائمًا، ويؤيده رواية ابن ماجه فيه بلفظ: "من دُعي إلى طعام، وهو صائم فليجب، فإن شاء طَعِم، وإن شاء ترك"، ويتعيّن حمله على من كان صائمًا نفلًا، ويكون فيه حجة لمن استحب له أن يخرج من صيامه لذلك، ويؤيده ما
_________________
(١) أي بدعائه، وذكره لله تعالى.
[ ٢٥ / ٤١٢ ]
أخرجه الطيالسيّ، والطبرانيّ في "الأوسط" عن أبي سعيد، قال: دعا رجل إلى طعام، فقال رجل: إني صائم، فقال النبيّ - ﷺ -: "دعاكم أخوكم، وتكلّف لكم، أفطر، وصم يومًا مكانه، إن شئت" (^١)، في إسناده راو ضعيف، لكنه توبع، والله أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) أخرجه البيهقيّ - ﵀ - في "الكبرى" ٤/ ٢٧٩ فقال:
(٢) - أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن قتادة الأنصاريّ، أنبأ أبو حاتم بن أبي الفضل الهرويّ، ثنا محمد بن عبد الرحمن الساميّ، أنبأ إسماعيل بن أبي أويس، ثنا أبو أويس، عن محمد بن المنكدر، عن أبي سعيد الخدريّ، أنه قال: صنعت لرسول الله - ﷺ - طعامًا، فأتاني هو وأصحابه، فلما وُضع الطعام قال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله - ﷺ -: "دعاكم أخوكم، وتكلّف لكم - ثم قال له -: أفطر، وصم مكانه يومًا، إن شئت"، قال البيهقيّ، وروي ذلك بإسناد آخر عن أبي سعيد الخدريّ قد أخرجناه في "الخلافيات". انتهى. وأخرجه الطبرانيّ في "المعجم الأوسط" ٣/ ٣٠٦ فقال:
(٣) - حدّثنا بكر، قال: نا عبد الله بن يوسف، قال: نا عطّاف بن خالد المخزوميّ، قال: نا حماد بن أبي حُميد، قال: حدّثني محمد بن المنكدر، عن أبي سعيد الخدريّ، أنه صنع لرسول الله - ﷺ - وأصحابه طعامًا، فدعاهم، فلما دخلوا وَضَع الطعامَ، فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله - ﷺ -: "دعاكم أخوكم، وتكلّف لكم، ثم تقول: إني صائم، أَفْطِر، ثم صُمْ يومًا مكانه، إن شئت"، لا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به حماد، وهو محمد بن أبي حميد، أهل المدينة يقولون: حماد بن أبي حميد. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لا يروى إلا بهذا الإسناد، تفرّد به حمّاد"، فيه نظر لا يخفى؛ لأنه تابعه أبو أويس، كما سبق في رواية البيهقيّ، فتبصّر. وقال الحافظ الهيثميّ - ﵀ - في "مجمع الزوائد" ٤/ ٥٣: رواه الطبرانيّ في "الأوسط"، وفيه حماد بن أبي حميد، وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات. انتهى. قال الجامع: قد عرفت أنه تابعه أبو أويس، فيكون الحديث حسنًا، كما أشار إليه في "الفتح"، والله تعالى أعلم.
[ ٢٥ / ٤١٣ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥١٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا دُعِيتُمْ (^١) إِلَى كُرَاعٍ فَأَجِيبُوا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن عبد الله التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ١٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، نزيل عَسْقلان، ثقةٌ [٦] توفي ما قبل (١٥٠) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٣١/ ٢٣٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (إِذَا دُعِيتُمْ) وفي نسخة: "إن دُعيتم".
وقوله: (إِلَى كُرَاعٍ فَأَجِيبُوا) قال الفيّوميّ - ﵀ -: "الْكُرَاع"، وزانُ غُراب، من الغنم، والبقر بمنزلة الوَظِيف من الفرس، وهو مُسْتَدَقّ الساعد، والكُراع: أنثى، والجمع أَكْرُعٌ، مثل أَفْلُسٍ، ثم تجمع الأكرع على أكارع، قال الأزهريّ: الأكارع للدابة: قوائمها، ويقال للسَّفِلَة من الناس: أكارعٌ؛ تشبيهًا بأكارع الدوابّ؛ لأنها أسافل، وأكارع الأرض: أطرافها، والواحد أيضًا كُرَاعٌ، ومنه كُرَاع الْغَمِيم: أي طَرَفه، والكراع: الأنف السائل من الْحَرَّة، وقال ابن فارس: الكراع من الدوابّ ما دون الكعب، ومن الإنسان ما دون الركبة، وقيل لجماعة الخيل خاصّةً: كُرَاعٌ. انتهى (^٢).
وقال النوويّ - ﵀ -: المراد به عند جماهير العلماء كُراع الشاة، وغَلَّطوا مَن حَمَله على كُراع الغميم، وهو موضع بين مكة والمدينة على مراحل من
_________________
(١) وفي نسخة: "إن دُعيتم".
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٣١.
[ ٢٥ / ٤١٤ ]
المدينة. انتهى (^١).
والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الإمام البخاريّ - ﵀ - في "كتاب النكاح" من "صحيحه": "باب من أجاب إلى كُراع":
(٥١٧٨) - حدّثنا عبدانُ، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: "لو دُعيتُ إلى كُراع لأجبت، ولو أُهدي إليّ كُراعٌ لقَبِلتُ".
قال في "الفتح": الْكُراع: بضم الكاف، وتخفيف الراء، وآخره عين مهملة: هو مُسْتَدَقّ الساق من الرِّجْل، ومن حَدّ الرسغ من اليد، وهو من البقر والغنم بمنزلة الوظيف من الفرس والبعير، وقيل: الكراع ما دون الكعب من الدواب، وقال ابن فارس: كراع كل شيء طرفه.
قال: وتقدّم في "الهبة" من طريق شعبة، عن الأعمش، بلفظ: "ذِراع، أو كراع" بالتخيير، والذراع أفضل من الكراع، وفي المثل: أنفق العبد كُراعًا، وطَلَب ذراعًا، وقد زعم بعض الشراح، وكذا وقع للغزاليّ أن المراد بالكراع في هذا الحديث المكان المعروف بكراع الغميم - بفتح المعجمة - وهو موضع بين مكة والمدينة، وزعم أنه أَطلق ذلك على سبيل المبالغة في الإجابة، ولو بَعُد المكان، لكن المبالغة في الإجابة مع حقارة الشيء أوضح في المراد، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن المراد بالكراع هنا كراع الشاة.
قال: وأغرب الغزالي في "الإحياء" فذكر الحديث بلفظ: "ولو دُعيت إلى كراع الغميم"، ولا أصل لهذه الزيادة.
وقد أخرج الترمذيّ من حديث أنس - ﵁ -، وصححه مرفوعًا: "لو أُهدي إليّ كراع لقبلت، ولو دعيت لمثله لأجبت".
وأخرج الطبراني من حديث أم حكيم بنت واح، أنها قالت: يا رسول الله أتكره الهدية؟ فقال: "ما أقبح ردّ الهدية؟. . ." فذكر الحديث، ويستفاد سببه من هذه الرواية.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٣٥.
[ ٢٥ / ٤١٥ ]
وفي الحديث دليل على حسن خلقه - ﷺ -، وتواضعه، وجبره لقلوب الناس، وعلى قبول الهدية، وإجابة من يدعو الرجلَ إلى منزله، ولو عَلِم أن الذي يدعوه إليه شيء قليل.
قال المهلَّب: لا يبعث على الدعوة إلى الطعام إلا صدق المحبة، وسرور الداعي بأكل المدعوّ من طعامه، والتحبب إليه بالمؤاكلة، وتوكيد الذمام معه بها، فلذلك حَضّ - ﷺ - على الإجابة، ولو نَزَر المدعوّ إليه، وفيه الحض على المواصلة، والتحابّ والتآلف، وإجابة الدعوة لِمَا قَلّ، أو كثر، وقبول الهدية كذلك. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥١٨] (١٤٣٠) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ"، وَلَمْ يَذْكُر ابْنُ الْمُثَنَّى إِلَى "طَعَامٍ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ، عارف بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قريبًا.
٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ) بن عبد الله - ﵄ -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا دُعِيَ)
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٥٤٤ - ٥٤٦ "كتاب النكاح" رقم (٥١٧٨).
[ ٢٥ / ٤١٦ ]
بالبناء للمجهول، ونائب فاعله قوله: (أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ) المراد: طعام الوليمة (فَلْيُجِبْ، فَإنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ") قال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: استُدِلَّ بهذا الحديث على أنه لا يجب على المفطر الأكل، وهو أصح الوجهين عند الشافعية، وبه قال الحنابلة، والوجه الثاني لأصحابنا أنه يجب الأكل، واختاره النوويّ في "تصحيح التنبيه"، وصححه في "شرح مسلم"، في "الصيام"، وبه قال أهل الظاهر، ومنهم ابن حزم، وتوقف المالكية في ذلك، وعبارة ابن الحاجب في "مختصره": ووجوب أكل المفطر مُحْتَمِلٌ، وتمسك الذين أوجبوا بقوله في رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: "فإن كان مفطرًا فلْيَطْعَم"، وكذا في حديث أبي هريرة: "فإن كان صائمًا فليصلّ، وإن كان مفطرًا فليَطعم"، وهو في "صحيح مسلم"، وحَمَلوا الأمر على الوجوب، وأجابوا عن حديث جابر هذا بأجوبة:
[أحدها]: قال ابن حزم: لم يذكر فيه أبو الزبير أنه سمعه من جابر (^١)، ولا هو من رواية الليث عنه، فإنه أعلم له على ما سمعه منه، وليس هذا الحديث مما أعلم له عليه، فبطل الاحتجاج به.
[ثانيها]: قال ابن حزم أيضًا: ثم لو صح لكان الخبر الذي فيه إيجاب الأكل زائدًا على هذا، وزيادة العدل لا يَحِلّ تركها.
وتعقّبه وليّ الدين، فقال: ليس هذا صريحًا في إيجاب الأكل، فإن صيغة الأمر تَرِد للاستحباب، وأما التخيير الذي في حديث جابر، فإنه صريح في عدم الوجوب، فالأخذ به، وتأويل الأمر متعيّن، والله أعلم.
[ثالثها]: قال النوويّ: من أوجب الأكل تأوّل تلك الرواية على من كان صائمًا.
وأشار الحافظ العراقيّ إلى تأييد هذا التأويل بأن ابن ماجه، رَوَى حديث جابر هذا في الصوم، من نسخته، من رواية ابن جريج، عن أبي الزبير عنه، بلفظ: "مَن دُعِي إلى طعام، وهو صائم فليجب، فإن شاء طَعِمَ، وإن شاء
_________________
(١) سيأتي أنه صرّح بالسماع في رواية الطحاويّ في "مشكل الآثار"، فزال الطعن به، والحمد لله.
[ ٢٥ / ٤١٧ ]
تَرَكَ"، والروايات يُفَسِّر بعضها بعضًا، وقد أخرج مسلم في "صحيحه" رواية ابن جريج هذه، ولم يسق لفظها، بل قال: إنها مثل الأولى، وقد عرفت زيادة هذه الفائدة فيها، قال وليّ الدين: وهذا الجواب أقوى هذه الأجوبة.
قال الجامع عفا الله عنه: رواية ابن جريج، عن أبي الزبير ظاهر قول المصنّف - ﵀ - إنها مثل الأولى يدلّ على أنها ليس فيها قوله: "وهو صائم"، وقد وقع كذلك عند الطحاويّ في "مشكل الآثار"، كما سيأتي نقل نصّه قريبًا، فتأمل.
والحاصل أن تأويل الحديث بحمله على الصائم أرجح؛ جمعًا بين الروايات، والله تعالى أعلم.
قال وليّ الدين: قال أصحابنا: وإذا قلنا بوجوب الأكل، فيحصل ذلك ولو بلقمة، ولا تلزمه الزيادة؛ لأنه يسمى أكلًا، ولهذا لو حلف لا يأكل حَنِث بلقمة، ولأنه قد يتخيل صاحب الطعام أن امتناعه بشبهة يعتقدها في الطعام، فإذا أكل لقمة زال ذلك التخيل، وحَكَى المازريّ وجهًا أن الأكل فرض كفاية. انتهى (^١).
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُر ابْنُ الْمُثَنَّى إِلَى "طَعَامٍ") أشار به إلى اختلاف شيخيه: محمد بن المثنّى، ومحمد بن نمير، فابن نُمير قال: "إذا دُعي أحدكم إلى طعام"، وابن المثنّى، لم يقل ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
[تنبيه]: تقدّم عن ابن حزم: أنه طعن في هذه الرواية بأن أبا الزبير لم يصرّح بالسماع عن جابر - ﵁ -، وهو معروف بالتدليس، إلا إذا روى عنه الليث بن سعد، فإنه لم يرو عنه إلا ما سمعه عن جابر - ﵁ -، وهذه الرواية ليست منه، ففي صحّتها نظرٌ، إلا أن المصنّف - ﵀ - إمامٌ معتمد، يعلم تدليس
_________________
(١) "طرح التثريب" ٧/ ٧٩ - ٨١.
[ ٢٥ / ٤١٨ ]
أبي الزبير، فلولا أنه اطّلع على تصريحه بالسماع، لَمَا أخرجه هنا، والله تعالى أعلم.
ثم وجدت - ولله الحمد والمنّة - تصريح أبي الزبير بالسماع عن جابر - ﵁ - عند الطحاويّ في "شرح مشكل الآثار"، كما سيأتي نقل نصّه في الحديث التالي، فزال بهذا تهمة التدليس، وصحّ الحديث، فلله الحمد أولًا وآخرًا.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٣٥١٨ و٣٥١٩] (١٤٣٠)، و(أبو داود) في "الأطعمة" (٣٧٤٠)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٤٠)، و(ابن ماجه) في "الصيام" (١٧٥١)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٩٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٦٠ - ٦١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٠٧)، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ٣٢٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٣٠٣)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٤/ ١٤٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٦٤) و"الصغرى" (٦/ ٢٥٨) و"المعرفة" (٥/ ٤٠٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣١٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥١٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ).
١ - (أَبُو عَاصِمٍ) الضحّاك بن مَخْلَد النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية ابن جُريج، عن أبي الزبير هذه ساقها الطحاويّ - ﵀ - في كتابه "شرح مشكل الآثار" (٨/ ٢٨) فقال:
حدّثنا يَزِيدُ، قال: ثنا أبو عَاصِمٍ، قال: ثنا ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبرني أبو الزُّبَيْرِ، سمع جَابِرًا يقول: سَمِعْت النبيّ - ﷺ - يقول: "إذَا دَعَا أَحَدَكُمْ أَخُوهُ لِطَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٢٥ / ٤١٩ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٢٠] (١٤٣١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَن ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ تغيّر حفظه في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
٣ - (هِشَامُ) بن حسّان الأزديّ الْقُرْدُوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (ابْنُ سِيرِينَ) هو: محمد الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ) فعلٌ ونائب فاعله (فَلْيُجِبْ، فَإنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ) قال النوويّ - ﵀ -: اختلفوا في معنى "فَلْيُصَلِّ" قال الجمهور: معناه: فليدعُ لأهل الطعام بالمغفرة والبركة، ونحو ذلك، وأصل الصلاة في اللغة الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، وقيل: المراد: الصلاة الشرعية بالركوع والسجود، أي يشتغل بالصلاة؛ ليحصل له فضلها، ولتبرّك أهل المكان والحاضرين. انتهى (^١).
وقال وليّ الدين - ﵀ -: قوله: "فليصلّ" معناه: الدعاء لا الصلاة الشرعية المعهودة، والمراد: الدعاء لأهل الطعام بالمغفرة والبركة، ونحو ذلك، وأصل الصلاة في اللغة الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٣٦.
[ ٢٥ / ٤٢٠ ]
صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وأبعد من قال: إن المراد هنا الصلاة الشرعية بالركوع والسجود، أي يشتغل بالصلاة؛ ليحصل له فضلها، وتحصل البركة لأهل المنزل والحاضرين، وقد يُحْمَل اللفظ على معنييه، ويقال: يأتي بالأمرين: الصلاة الشرعية، والدعاء؛ لأن الدعاء في الصلاة، وعقبها أقرب إلى الإجابة. انتهى (^١).
(وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ") قال النوويّ - ﵀ -: اختلف العلماء في هذا الأمر، والأصح في مذهبنا أنه لا يجب الأكل في وليمة العرس، ولا في غيرها، فمن أوجبه اعتمد هذه الرواية، وتأوّل رواية جابر السابقة على من كان صائمًا، ومن لم يوجبه اعتمد التصريح بالتخيير في حديث جابر، وحمل الأمر في هذه الرواية على الندب. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم في شرح حديث جابر - ﵁ - ترجيح القول بحمل الأمر هنا على الندب، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٣٥٢٠] (١٤٣١)، و(أبو داود) في "الصوم" (٢٤٦٠ و٢٤٦١)، و(الترمذيّ) في "الصوم" (٧٨٠ و٧٨١)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٤٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٦٤)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٠١٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٧٩ و٥٠٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٣٠٦)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٤/ ١٤٨ - ١٤٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٠٧)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٤٢٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٦٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٨١٥ و١٨١٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٧/ ٧٩.
(٢) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٣٦.
[ ٢٥ / ٤٢١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٢١] (١٤٣٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى إِلَيْهِ الْأَغْنِيَاءُ (^١)، وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ، فَمَنْ لَمْ يَأتِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز المدنيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "بِئْسَ الطعَامُ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ) وفي الرواية الآتية: "شر الطعام طعام الوليمة"، قال في "الفتح": وهذا رواية الأكثر، وكذا في بقية الطرق.
[تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ -: ذكر هذا الحديث مسلم موقوفًا على أبي هريرة - ﵁ -، ومرفوعًا إلى رسول الله - ﷺ -، وقد سبق أن الحديث إذا رُوي موقوفًا، ومرفوعًا، حُكِم برفعه على المذهب الصحيح؛ لأنها زيادة ثقة. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": أول هذا الحديث موقوف ولكن آخره يقتضي رفعه، ذكر ذلك ابن بطال (^٣) قال: ومثله حديث أبي الشعثاء أن أبا هريرة أبصر رجلًا خارجًا من المسجد بعد الأذان، فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم، قال: ومثل هذا لا يكون رأيًا، ولهذا أدخله الأئمة في مسانيدهم. انتهى.
وذكر ابن عبد البر أن جُلّ رُواة مالك لم يصرّحوا برفعه، وقال فيه رَوْح بن القاسم، عن مالك بسنده: قال رسول الله - ﷺ -. انتهى، وكذا أخرجه
_________________
(١) وفي نسخة: "يُدعى له الأغنياء".
(٢) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٣٧.
(٣) "شرح ابن بطّال" ٧/ ٢٨٩.
[ ٢٥ / ٤٢٢ ]
الدارقطنيّ في "غرائب مالك" من طريق إسماعيل بن مسلمة بن قعنب، عن مالك، وقد أخرجه مسلم من رواية معمر، وسفيان بن عيينة، عن الزهريّ، شيخ مالك، كما قال مالك، ومن رواية أبي الزناد، عن الأعرج كذلك.
والأعرج شيخ الزهريّ فيه هو عبد الرحمن، كما وقع في رواية سفيان، قال: سألت الزهريّ، فقال: حدّثني عبد الرحمن الأعرج، أنه سمع أبا هريرة، فذكره.
ولسفيان فيه شيخ آخر بإسناد آخر إلى أبي هريرة، صَرَّح فيه برفعه إلى النبيّ - ﷺ - أخرجه مسلم أيضًا، من طريق سفيان، سمعت زياد بن سعد يقول: سمعت ثابتًا الأعرج يُحَدِّث عن أبي هريرة، أن النبيّ - ﷺ - قال، فذكر نحوه.
وكذا أخرجه أبو الشيخ من طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، مرفوعًا صريحًا، وأخرج له شاهدًا من حديث ابن عمر كذلك. انتهى (^١).
(يُدْعَى إِلَيْهِ الْأَغْنِيَاءُ) وفي نسخة: "يُدْعَى له الأغنياء"، والجملة في موضع الحال من "طعام الوليمة" (وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ) ولفظ البخاريّ: "يُدْعَى لها الأغنياء، ويُترك الفقراء"، وفي رواية ثابت الأعرج الآتية: "يُمنَعُها من يأتيها، ويُدْعَى إليها من يأباها".
والمعنى: أنها إنما تكون شرّ الطعام إذا كانت بهذه الصفة، ولهذا قال ابن مسعود - ﵁ -: "إذا خُصّ الغنيّ، وتُرِك الفقير أمرنا أن لا نجيب".
فلو دعا الداعي عامًّا لم يكن طعامه شرّ الطعام، وفي رواية الطبرانيّ من حديث ابن عباس - ﵄ -: "بئس الطعام طعام الوليمة، يُدْعَى إليه الشَّبْعَانُ، ويُحْبَس عنه الْجِيعان".
وقال النوويّ - ﵀ -: معنى هذا الحديث الإخبار بما يقع من الناس بعده - ﷺ - من مراعاة الأغنياء في الولائم، ونحوها، وتخصيصهم بالدعوة، وإيثارهم بطيب الطعام، ورفع مجالسهم، وتقديمهم، وغير ذلك مما هو الغالب في الولائم، والله المستعان. انتهى (^٢).
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٥٤٣.
(٢) "شرح النوويّ" ٩/ ٢٣٧.
[ ٢٥ / ٤٢٣ ]
وقال ابن بطال (^١): وإذا مَيَّز الداعي بين الأغنياء والفقراء، فأطعم كُلًّا على حِدَةٍ، لم يكن به بأس، وقد فعله ابن عمر.
وقال البيضاويّ: "مِنْ" مُقَدَّرةٌ، أي من شرّ الطعام، فإن من الطعام ما يكون شرًّا منه، ونظيره: شرُّ الناس مَن أكل وحده، أي من شرّهم، وإنما سماه شرًّا؛ لِمَا ذَكَر عقبه، فإنه الغالب فيها، فكأنه قال: شرُّ الطعام التي من شأنها هذا، فاللفظ وإن أُطلق، فالمراد به التقييد بما ذُكر عقبه، وكيف يريد به الإطلاق، وقد أَمَر باتّخاذ الوليمة، وإجابة الداعي إليها، ورَتّب العصيان على تركها؟، ولذلك قيل بوجوب الإجابة. انتهى.
وقال الطيبيّ: التعريف في "الوليمة" للعهد الخارجيّ، وكان من عادتهم مراعاة الأغنياء فيها، وتخصيصهم بالدعوة، وتطييب الطعام لهم، ورفع مجالسهم، وتقديمهم، وغير ذلك، مما هو الغالب في الولائم.
قال: وقوله: (يُدْعَى إلخ) استئنافُ بيانٍ لكونها شرّ الطعام، وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير "من"؛ لأن الرياء شرك خفيّ. انتهى (^٢).
(فَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ) قال في "الفتح": الذي يظهر أن اللام في "الدعوة" للعهد من "الوليمة" المذكورة أوَّلًا، وقد تقدم أن "الوليمة" إذا أُطلقت حُمِلت على طعام العرس، بخلاف سائر الولائم، فإنها تُقَيّد. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "أن اللام للعهد" فيه نظرٌ؛ لأنه قد تقدّم أن الأرجح حمل الدعوة على ما يعمّ وليمة العرس، وغيرها؛ لصريح قوله - ﷺ -: "من دُعي إلى عرس، أو نحوه، فليجب"، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وفي رواية البخاريّ: "ومن ترك الدّعوة. . . إلخ"، قال الطيبيّ - ﵀ -: وقوله: "ومن ترك إلخ" حالٌ، والعامل "يُدْعَى"، أي يُدْعَى الأغنياء، والحال أن الإجابة واجبة، فيُجيب المدعُوّ، فيكون دعاؤه سببًا لأكل المدعوّ شرَّ الطعام. انتهى (^٣).
_________________
(١) "شرح ابن بطّال" ٧/ ٢٨٩.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٣١٧.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٣١٧.
[ ٢٥ / ٤٢٤ ]
قال الحافظ: ويشهد له ما ذكره ابن بطال أن ابن حبيب، رَوَى عن أبي هريرة، أنه كان يقول: "أنتم العاصون في الدعوة، تَدْعُون من لا يأتي، وتَدَعُون من يأتي"، يعني بالأول الأغنياء، وبالثاني الفقراء. انتهى (^١).
(فَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ) وفي رواية ثابت الأعرج الآتية: "ومن لم يُجب الدعوة"، وفي رواية البخاريّ: "ومن ترك الدعوة"، أي ترك إجابة الدعوة (فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ") هذا دليل وجوب الإجابة؛ لأن العصيان لا يُطْلَق إلا على ترك الواجب، ووقع في رواية لابن عمر، عند أبي عوانة: "مَن دُعِي إلى وليمة، فلم يأتها، فقد عصى الله ورسوله"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية) في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٣٥٢١ و٣٥٢٢ و٣٥٢٣ و٣٥٢٤ و٣٥٢٥] (١٤٣٢)، و(البخاريّ) في "النكاح" (٥١٧٧)، و(أبو داود) في "الأطعمة" (٣٧٤٢)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٤١)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٩١٣)، و(مالك) في "الموطّإ" (٢/ ٥٤٦)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٩٦٦٢)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٣٠٤)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١١٧٠ و١١٧١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٠ و٢٤١ و٢٦٧)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ١٠٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٣٠٤ و٥٣٠٦)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٤/ ١٤٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٦٢ و٦٣ و٦٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٠٧ - ١٠٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٢٩٥ و١١/ ١٢٣)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (١/ ١٧٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٦١ و٢٦٢) و"الصغرى" (٦/ ٢٥٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣١٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٥٤٤.
[ ٢٥ / ٤٢٥ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٢٢]- (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ هَذَا الْحَدِيثُ: "شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْأَغْنِيَاءِ"، فَضَحِكَ، فَقَالَ: لَيْسَ هُوَ شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْأَغْنِيَاءِ، قَالَ سُفْيَانُ: وَكَانَ أَبِي غَنِيًّا، فَأَفْزَعَنِي هَذَا الْحَدِيثُ حِينَ سَمِعْتُ بِهِ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ الزُّهْرِيَّ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: "شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ"، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْأَغْنِيَاءِ) معناه أن سفيان سمع هذا الحديث بهذا اللفظ الذي يقضي بكون طعام الأغنياء شرّ الطعام، فأفزعه ذلك؛ لأن أباه كان غنيًّا، فسأل عنه الزهريّ، فضحك الزهريّ؛ لكونه حفظ الحديث غلطًا، فقال له: ليس لفظ الحديث هكذا، وإنما هو: "شر الطعام طعام الوليمة، يُدعى لها الأغنياء، ويُترك الفقراء"، فأفاده صواب الرواية، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ هذه ساقها أبو نعيم - ﵀ - في "مستخرجه" (٤/ ١٠٨) فقال:
(٣٣٥٠) - حدّثنا أبو عليّ محمد بن أحمد بن الحسن، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميديّ (ح) وثنا فاروق، ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميديّ (ح) وثنا فاروق، ثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا الرّمَاديّ (ح) وثنا محمد بن أحمد، ثنا أحمد بن يحيى الحلوانيّ، ثنا محمد بن الصباح (ح) وثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا إسحاق بن أحمد الخزاعيّ، ثنا ابن أبي عمر، قالوا: ثنا سفيان، قال: سألت الزهريّ، كيف هذا الحديث: "شرُّ الطعام طعام الأغنياء"؟ فتبسَّم، وقال: ليس
[ ٢٥ / ٤٢٦ ]
هكذا، أخبرني عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، أنه سمع أبا هريرة يقول: "شر الطعام طعام الوليمة، يُدعَى إليها الأغنياء، ويُترَك المساكين، ومن لم يجب الدعوة، فقد عصى الله ورسوله"، لفظ الرّمَاديّ، ولم يذكر الحميديّ الكلام، وذكر ابن أبي عمر الكلام، وقال: كان سفيان ربما رفعه، وربما لم يذكر النبيّ - ﷺ - إلا بآخره. انتهى.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٢٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ (ح) وَعَن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ"، نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
[تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، والأعرج كلاهما عن أبي هريرة هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده" (٣/ ٦٣) فقال:
(٤٢٠٤) - حدّثنا محمد بن مهل الصنعانيّ، قثنا (^١) عبد الرزاق، قال: أنبا معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، والأعرج، عن أبي هريرة، قال: "شرّ الطعام طعام الوليمة، يُدْعَى عليها الغنيّ، ويُترك المسكين، وهي حقّ، ومن تركها فقد عصى الله ورسوله". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) مختصرة من "قال: حدّثنا"، فتنبّه.
[ ٢٥ / ٤٢٧ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٢٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَن الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان المدنيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبل حديث، والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -.
[تنبيه]: رواية أبي الزناد، عن الأعرج هذه لم أجد من ساقها تامّة، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٢٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ زِيَادَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا الْأَعْرَجَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قال: "شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِب الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زِيادُ بْنُ سَعْدٍ) الخراسانيّ، ثم المكيّ، ثم اليمنيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (ثَابِتٌ الْأَعْرَجُ) هو: ثابت بن عياض الأحنف الأعرج العدويّ مولاهم (^١)، ثقةٌ [٣] (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا) يعني الفقراء؛ لأن حاجتهم إلى الأكل تدعوهم
_________________
(١) قال النوويّ - ﵀ - في "شرحه" ٩/ ٢٣٧: هو ثابت بن عياض الأعرج الأحنف القرشيّ العدويّ مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وقيل: مولى عمر بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وقيل: اسمه ثابت بن الأحنف بن عياض، والله أعلم، انتهى.
[ ٢٥ / ٤٢٨ ]
إلى الإتيان، والغنيّ يأبى؛ لعدم حاجته إلى الأكل، وربما أتى، ولم يأكل (^١).
والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -.
[تنبيه]: زاد أبو عوانة في "مسنده" (٣/ ٦٤) بعد إخراج الحديث من طريق الحميديّ، عن سفيان بن عيينة ما نصّه: قال الحميديّ: ثنا سفيان، ثنا زياد، قال: قلت لثابت الأعرج: من أين سمعت من أبي هريرة؟ فقال: كان مَوَالِيَّ يبعثوني يوم الجمعة آخذُ لهم مكانًا عند المنبر، فكان أبو هريرة يجيء قبل الصلاة، فيُحَدِّث الناس، فكنت أسمع، فقال أحمد بن حنبل: ما أرى بحديثه بأسً (^٢) يعني ثابتً، وهو ابن عياض، ويحدّث عنه عبيد الله، ومالك، وزياد. انتهى.
[تنبيهٌ آخر]: قال القرطبيّ - ﵀ -: أكثرُ الرواة والأئمة على رواية هذا الحديث موقوفًا على أبي هريرة، وقد انفرد برفعه زياد بن سعد، عن الأعرج (^٣)، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "شرُّ الطَّعام. . ." وذكره، وهو ثقة إمام، وأيضًا فمن وقفه ذكر فيه ما يدلُّ: على أنه مرفوع؛ وذلك أنه قال فيه: "ومن لم يجب الدَّعوة فقد عصى الله ورسوله"، وظاهر هذا: الرفعُ؛ لأنَّ الرَّاوي لا يقول مثل هذا من قِبَل نفسه، وقد بيّن في سياق الحديث أنَّ الجهة التي يكون فيها طعام الوليمة شرُّ الطعام: إنما هي ترك الأَوْلى، وذلك أن الفقير هو المحتاج للطعام؛ الذي إن دُعي سارعَ وبادرَ، ومع ذلك فلا يُدْعَى، والغنيُّ غير محتاج، ولذلك قد لا يجيب، أو تثقل عليه الإجابة، ومع ذلك فهو يدعى، فكان العكس أولى، وهو: أن يُدعى الفقير، ويُترك الغنيّ، ولا يُفهم من هذا القول - أعني: الحديث -: تحريم ذلك الفعل؛ لأنه لا يقول أحد بتحريم إجابة الدعاء للوليمة فيما علمته؛ وإنما هذا مثل قوله - ﷺ -: "شرُّ صفوف الرِّجال آخرها، وخيرها أولها، وشرُّ صفوف النساء أولها، وخيرها
_________________
(١) "شرح الأبيّ" ٤/ ٥٦.
(٢) كذا هو في النسخة، وهو منصوب، لكنه كُتب بصورتي المرفوع والمجرور، وهو لغة ربيعة، ومثله قوله بعده: "يعني ثابت"، فتنبّه.
(٣) أراد ثابتًا الأعرج، لا عبد الرحمن الأعرج، كما في الروايات السابقة، فتنبّه.
[ ٢٥ / ٤٢٩ ]
آخرها"، فإنَّه لم يقل أحد: إن صلاة الرجل في آخر صف حرام، ولا صلاة النساء في أول صف حرام، وإنَّما ذلك من باب ترك الأولى، كما قد يقال عليه: مكروه، وإن لم يكن مطلوب الترك، على ما يُعْرَف في الأصول، فإذًا الشرُّ المذكور هنا: قلَّةُ الثواب والأجر، والخير: كثرة الثواب والأجر، ولذلك كره العلماء اختصاص الأغنياء بالدَّعوة.
ثم اختلفوا فيمن فعل ذلك: هل تجاب دعوته أم لا؟ فقال ابن مسعود - ﵁ -: لا تجاب، ونحوه يحيى بنُ حبيب من أصحابنا، وظاهر كلام أبي هريرة وجوب الإجابة، ودعا ابن عمر في وليمةٍ الأغنياء والفقراء، فأجلس الفقراء على حِدَة؛ وقال: ها هنا، لا تفسدوا عليهم ثيابهم، فإنا سنطعمكم مما يأكلون.
ومقصود هذا الحديث: الحضُّ على دعوة الفقراء، والضعفاء، ولا تُقصر الدعوة على الأغنياء، كما يفعل مَنْ لا مبالاة عنده بالفقراء من أهل الدنيا، والله أعلم. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾