وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٠٨] (…) - (وَحَدَّثَنِي اِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيد، حَدَّثَنَا رَبَاحُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ كِرَاءِ الأَرْض، وَعَنْ بَيْعِهَا السِّنِينَ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتى يَطِيبَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرام الْكَوْسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ) الْحَنفيّ، أبو عليّ البصريّ صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٩) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٤٠/ ١٤٥١.
٣ - (رَبَاحُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفِ) بن أبي سارة المكيّ، صدوقٌ له أوهامٌ [٧] (بخ م دس) تقدم في "الحج" ١/ ٢٨٠٢.
والباقيان ذُكرا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريّ - ﵄ - أنه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ) أي: أُجرتها، والمراد: الكراء الذي يؤدّي إلى النزاع؛ لجهالته،
[ ٢٧ / ٢٠٤ ]
أو لاشتماله على شرط فاسد، على ما سيأتي البحث عنه مستوفًى في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
(وَ) نهى - ﷺ - أيضًا (عَنْ بَيْعِهَا) أي: بيع الأرض (السِّنِينَ) المراد منه بيع ما تحمله شجرة مخصوصة من الثمر إلى مدّة سنة، فأكثر، وبيع السنين هو المعاومة، كما سبق في الباب الماضي، وإنما نُهي عنه؛ لكونه غررًا؛ لأنه بيع ما لم يخلقه الله بعدُ (^١). (وَ) نهى - ﷺ - أيضًا (عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ) أي: حتى يصلح للأكل، وهو بمعنى ما تقدّم: "حتى يبدو صلاحه".
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف - ﵀ -، وسيأتي تمام البحث فيه في الحديث الثالث - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٠٩] (…) - (وَحَدَّثَني أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ زيدٍ - عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاق، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مَطَرٌ الْوَرَّاقُ) بن طَهْمان السلميّ مولاهم، أبو رجاء الْخراسانيّ، نزيل البصرة، صدوقٌ كثير الخطإ، وحديثه عن عطاء ضعيف [٦] (ت ١٢٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣.
[فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف لمطر، مع أنه متكلّم فيه، ولا سيّما في عطاء؟
[قلت]: إنما أخرج له متابعةً، فلا يضرّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و"أبو الربيع" هو: سليمان بن داود العتكي الزهرانيّ، و"أبو كامل" هو: فضيل بن حسين الْجَحْدريّ.
_________________
(١) راجع: "جامع الأصول" لابن الأثير ١/ ٤٨١.
[ ٢٧ / ٢٠٥ ]
والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، وقد مضى شرحه، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩١٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ - لَقَبُهُ عَارِمٌ، وَهُوَ أَبُو النُّعْمَانِ السَّدُوسِي - حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُون، حَدَّثَنَا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، فَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا فَلْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَدُ بْنُ الْفَضْلِ) لَقَبُهُ عَارِمٌ، أبُو النُّعْمَانِ السُّدُوسِيُّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ تغيّر بآخره، من صغار [٩] (ت ٣ أو ١٢٤) (ع) تقدم في "الحج" ٢٨/ ٣٠١٣.
[تنبيه]: قوله: الَقَبُهُ عَارِمٌ) معنى العارم الشَّرِس الشِّرِّير، وهو من الأضداد، فإن محمد بن الفضل رجل صالح، بعيد من الشرّ، قال ابن الصلاح في "معرفة علوم الحديث": كان عارم عبدًا صالحًا بعيدًا من الحرام. انتهى.
٢ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٦] (ت ١٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، وشرح الحديث يأتي بعده.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩١١] (…) - (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِقْلٌ - يَعْني ابْنَ زِيَادٍ - عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: كَانَ لِرِجَالٍ (^١) فُضُولُ أَرَضِينَ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ كَانَتْ لَهُ فَضْلُ أَرْضٍ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ").
_________________
(١) وفي نسخة: "لرجل".
[ ٢٧ / ٢٠٦ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن أبي زُهير الْقَنْطريّ، أبو صالح البغداديّ، ثقةٌ (^١) [١٠] (ت ٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٤.
٢ - (هِقْلُ بْنُ زِيادٍ) السَّكْسكيّ الدمشقيّ، نزيل بيروت، قيل: هِقْلٌ لقبٌ، واسمه محمد، أو عبد الله، وكان كاتب الأوزاعيّ، ثقة متقن [٩] (ت ١٧٩) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٤/ ١٠٩٩.
٣ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمر الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ إمام مشهور [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ عَطَاءٍ) وفي رواية ابن ماجه: عن الأوزاعيّ، حدّثني عطاء، سمعت جابرًا (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - أنه (قَالَ: كَانَ لِرِجَالٍ) وفي بعض النسخ: "لرجل" بالإفراد (فُضُولُ أَرَضِينَ) "فُضُول" بضمّ الفاء: جمع فَضْل، كفَلْس وفُلُوس، والفضل بمعنى الزائد، يقال: خذ الفضل؛ أي: الزيادة، وقوله: "أرضين" - بفتحتين: جمع أرض بسكون الراء؛ أي: أراض فاضلة عن قدر ما يحتاجون إليه للزراعة، وقوله: (مِنْ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) بيان لـ "رجال"، وفي رواية للبخاريّ: "كانوا يزرعونها بالثلث، والربع، والنصف"، وللنسائيّ: "كان لأناس فُضُول أرَضين، يُكرونها بالنصف، والثلت، والربع" (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ) شرطيّة (كَانَتْ لَهُ فَضْلُ أَرْضٍ) أي: أرض زائدة على حاجته (فَلْيَزْرَعْهَا) بفتح حرف المضارعة، من باب فتح، ثلاثيًّا؛ أي: ليقم بزراعتها بنفسه (أَوْ لِيَمْنَحْهَا) بفتح النون، وكسرها؛ أي: ليجعلها مَنِيحة؛ أي: عطيّة، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الْمِنْحة بالكسر في الأصل: الشاة، أو الناقة يُعطيها صاحبها رجلًا يشرب لبنها، ثمّ يردّها إذا انقطعِ اللبن، ثم كَثُر استعماله حتى أُطلق على كلّ عطاء، ومنحته مَنْحًا، من باب نفعَ، وضَرَب: أعطيته، والاسم
_________________
(١) هذا أولى من قوله في "التقريب": صدوق، فتنبّه.
[ ٢٧ / ٢٠٧ ]
الْمَنِيحة. انتهى (^١). (أَخَاهُ) المراد به المسلم، وإن كان أجنبيًّا عنه، كما قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقال - ﷺ -: "المسلم أخو المسلم … " الحديث (فَإِنْ أَبَى) أي: امتنع من زراعتها بنفسه؛ لعجزه، أو غير ذلك، وقيل: معناه: فإن أبي أخوه أن يقبل العارية.
وفي رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء الآتية: "فإن لم يستطع أن يزرعها، وعجز عنها، فليمنحها أخاه المسلم، ولا يؤاجرها إيّاه" (فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ") أي: فلا يمنحها، ولا يُكريها.
وقد استُشكِل هذا بأن في إمساكها بغير زراعة تضييعًا لمنفعتها، فيكون من إضاعة المال، وقد ثبت النهي عنها.
وأجيب بحمل النهي عن إضاعة عين المال، أو منفعة لا تُخْلَف؛ لأن الأرض إذا تُرِكت بغير زرع لم تتعطل منفعتها، فإنها قد تُنبت من الكلإ، والحطب، والحشيش ما ينفع في الرعي وغيره، وعلى تقدير أن لا يحصل ذلك، فقد يكون تأخير الزرع عن الأرض إصلاحًا لها، فتُخلف في السنة التي تليها ما لعله فات في سنة الترك، وهذا كله إن حُمِل النهي عن الكراء على عمومه، فأما لو حُمل الكراء على ما كان مالوفًا لهم من الكراء بجزء مما يخرج منها، ولا سيما إذا كان غير معلوم، فلا يستلزم ذلك تعطيل الانتفاع بها في الزراعة، بل يُكريها بالذهب، أو الفضة، كما تقرر ذلك، قاله في "الفتح" (^٢).
[تنبيه]: قد توسّع المصنّف - ﵀ - في هذا الباب بجمع أحاديث المزارعة، فأجاد، وأفاد، فذكر: حديث جابر - ﵁ -: "نَهَى رسول الله - ﷺ - عن كراء الارض، وعن بيعها السنين، وعن بيع الثمر حتى يطيب"، وفي رواية: "نهى عن كراء الأرض لا، وفي رواية: لامن كانت له أرض، فليَزرَعها، فإن لم يزرعها، فليُزرِعها أخاه"، وفي رواية: "من كانت له فضل أرض فليزرعها، أو ليَمنحها أخاه، فإن أبي فليُمسك أرضه"، وفي رواية: "نهى رسول الله - ﷺ - أن يؤخذ للأرض أجرٌ، أو حظّ"، وفي رواية: "من كانت له أرض فليَزرعها، فإن
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٨٠.
(٢) "الفتح" ٦/ ١٤٤.
[ ٢٧ / ٢٠٨ ]
لم يستطع أن يزرعها، وعجز عنها فليمنحها أخاه المسلم، ولا يؤاجرها إياه"، وفي رواية: "من كانت له أرض فلْيَزرَعها، أو لِيُزْرِعها أخاه، ولا يُكْرِها"، وفي رواية: "نَهَى عن المخابرة"، وفي رواية: "من كان له فضل أرض، فلْيَزْرعها، أو ليُزرعها أخاه، ولا تبيعوها"، وفسّره الراوي بالكراء، وفي رواية: "من كانت له أرض فلْيَزَرعها، أو فلْيُحْرِثها أخاه، وإلا فليدَعْها"، وفي رواية: "كنا في زمان رسول الله - ﷺ - نأخذ الأرض بالثلث، والربع بالماذيانات، فقام رسول الله - ﷺ - في ذلك، فقال: من كانت له أرض فليَزْرعها، فإن لم يَزْرَعها فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها"، وفي رواية: "من كانت له أرض فليهبها، أو ليُعِرها"، وفي رواية: "نَهَى رسول الله - ﷺ - عن بيع الأرض البيضاء سنتين، أو ثلاثًا"، وفي رواية: "نهى عن بيع السنين"، وفي رواية: "من كانت له أرض، فليَزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليُمسك أرضه"، وفي رواية: "سمع رسول الله - ﷺ - ينهَى عن المزابنة، والحقول، وفسّره جابر بكراء الأرض"، ومثله من رواية أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، وفي رواية ابن عمر: "كنا نَكري أرضنا، ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خَدِيج"، وفي رواية عنه: "كنا لا نرى الْخَبْر بأسًا، حتى كان عام أول، فزعم رافع؛ أن نبيّ الله - ﷺ - نَهَى عنه"، وفي رواية عن نافع؛ أن ابن عمر كان يُكري مزارعه على عهد النبيّ - ﷺ -، وفي إمارة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وصدرًا من خلافة معاوية، ثم بلغه آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يُحَدِّث فيها بنهي عن النبيّ - ﷺ -، فدخل عليه، وأنا معه، فسأله، فقال: "كان رسول الله - ﷺ - ينهى عن كراء المزارع، فتركها ابن عمر"، وفي رواية، عن حنظلة بن قيس، قال: "سألت رافع بن خَدِيج عن كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبيّ - ﷺ - بما على الماذيانات، وأَقْبال الجداول، وأشياء من الزرع، فيَهْلِك هذا، وَيسْلَم هذا، وَيسْلَم هذا، وَيهْلِك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زَجَر عنه، فأما شيء معلوم، مضمون، فلا بأس به".
وفي رواية: "كنا نُكْرِي الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربما أَخْرَجت هذه، ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، وأما الورِق فلم ينهنا".
[ ٢٧ / ٢٠٩ ]
وفي رواية عن عبد الله بن مَعْقِل - بالعين المهملة، والقاف - قال: زعم ثابت - يعني ابن الضحاك - أن رسول الله - ﷺ - نَهَى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة، وقال: لا بأس به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [١٨/ ٣٩٠٨ و٣٩٠٩ و٣٩١٠ و٣٩١١ و٣٩١٢ و٣٩١٣ و٣٩١٤ و٣٩١٥ و٣٩١٦ و٣٩١٧ و٣٩١٨ و٣٩١٩ و٣٩٢٠ و٣٩٢١ و٣٩٢٢ و٣٩٢٣] (١٥٣٦)، و(البخاريّ) في "الحرث والمزارعة" (٢٣٤٠) و"الهبة" (٢٦٣٢)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٣٨٩)، و(النسائيّ) في "المزارعة" (٧/ ٣٦ و٣٧) و"الكبرى" (٣/ ٩٠ و٩٣ و٩٥ و١٠٠ و١٠١ و١٠٢ و١٠٣ و١٠٤ و١٠٦)، و(ابن ماجه) في "الرهون" (٢٤٥٤)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٩٦٥)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٣٦٩) وفي "مسنده" (١/ ٧٦)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٣٤ و٢/ ١١ و٣/ ٤٦٣ و٤٦٥ و٤/ ١٤٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥١٤٨ و٥١٨٨)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٤٣٠٩) و"الأوسط" (٦/ ١٩٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٣٢٠)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٢٠٣٥)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٣/ ٣٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ١٣٠) و"الصغرى" (٥/ ٤٢٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (^١):
١ - (منها): بيان النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع، وسيأتي اختلاف العلماء في المراد بالنهي المذكور في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): جواز حراثة الأرض، وزراعتها؛ بل ورد فيه من الفضل ما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" من حديث أنس بن مالك - ﵁ -، قال: قال
_________________
(١) المراد فوائد أحاديث الباب كلها، كما أوردته في التنبيه الماضي، فتنبّه.
[ ٢٧ / ٢١٠ ]
رسول الله - ﷺ -: "ما من مسلم، يَغرِس غَرْسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة، إلا كان له به صدقة".
وأما الحديث الوارد في الذمّ وهو ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من حديث أبي أمامة الباهليّ - ﵁ -، قال - ورأى سِكَّة، وشيئًا من آلة الحرث - فقال: سمعت النبيّ - ﷺ -، يقول: "لا يدخل هذا بيتَ قوم، إلا أدخله الله الذُّلُّ"، وفي رواية أبي نعيم في "المستخرج": "إلا أدخلوا على أنفسهم ذُلًّا، لا يَخرُج عنهم إلى يوم القيامة".
فمحمول على ما إذا شغله ذلك عن الجهاد في سبيل الله تعالى، والقيام بالواجبات، ولذلك قال الإمام البخاريّ - ﵀ - في ترجمته لهذا الحديث - بعد ذكر "باب فضل الزرع والغرس" - ما نصّه: "باب ما يُحذَر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحدّ الذي أُمر به". انتهى.
٣ - (ومنها): الحثّ على الإحسان بمنح الأرض لمن يحتاج إلى زراعتها، وقد عَمِل بهذا الصحابة - ﵃ -، كما ترجم البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه" بقوله: "باب ما كان من أصحاب النبيّ - ﷺ - يُواسي بعضهم بعضًا في الزراعة والثمر"، ثم أورد حديث رافع بن خّديج - ﵁ - من طريق أبي النجاشيّ، عن رافع، عن عمه ظهير بن رافع - ﵁ - الآتي قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): حرص الشارع على الحثّ على التراحم، والتعاطف، وعدم طلب المقابل على الإحسان، والترغيب إلى ما فيه جلب المودّة والمحبّة، والترهيب عمّا يورث الشحناء، والبغضاء، والحقد، والحسد؛ فإن هذا هو سبب النهي عن المزارعة، كما بُيّن ذلك في بعض طرق حديث رافع - ﵁ -، كما سيأتي للمصنّف عن حنظلة بن قيس الأنصاري، قال: سألت رافع بن خديج، عن كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبيّ - ﷺ -، على الْمَاذْيَانَات، وأَقْبَال الجداول، وأشياء من الزرع، فيَهْلِك هذا، ويَسلَم هذا، وَيَسْلَم هذا، ويهلك هذا، فلم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم، مضمون، فلا بأس به.
٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من كمال إيمانهم، وتقديمهم أمر الشارع على هوى أنفسهم، وثقتهم بأن كلّ الخير مضمون فيما أمر الله - ﷾ - به،
[ ٢٧ / ٢١١ ]
لا فيما يبدو لهم، ويظنون الخيريّة فيه، فقد قال هذا الصحابيّ الجليل - ﵁ -: "نهانا رسول الله - ﷺ - عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله، ورسوله - ﷺ - أنفع لنا"، فبيّن أن النفع الظاهر للنفس لا يُعتمد عليه، بل الاعتماد على ما شرعه الله تعالى، فإن الخير كله مضمون فيه، وهذا هو واجب كلّ مسلم إذا سمع نهي الشارع أن يقول: سمعًا وطاعةً لله - ﷾ - ولرسوله - ﷺ -، ويعتقد أن الخير كلّه في ذلك، وإن كان يظهر له بادئ ذي بدء أنَّ ما نَهَى عنه كان نافعًا له، ورافقًا به، فإن الله - ﷾ - أعلم بمصالح عباده منهم لأنفسهم، كما قال - ﷿ -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم المزارعة:
قال النوويّ - ﵀ -: اختَلَف العلماء في كراء الأرض، فقال طاوس، والحسن البصريّ: لا يجوز بكلّ حال، سواء أكراها بطعام، أو ذهب، أو فضة، أو بجزء من زرعها؛ لإطلاق حديث النهيّ عن كراء الأرض.
وقال الشافعيّ، وأبو حنيفة، وكثيرون: تجوز إجارتها بالذهب والفضة، وبالطعام والثياب، وسائر الأشياء، سواء كان من جنس ما يُزرَع فيها أم من غيره، ولكن لا تجوز إجارتها بجزء ما يَخرُج منها؛ كالثلث، والربع، وهي المخابرة، ولا يجوز أيضًا أن يشترط له زرع قطعة معينة.
وقال ربيعة: يجوز بالذهب والفضة فقط.
وقال مالك: يجوز بالذهب والفضة وغيرهما، إلا الطعام.
وقال أحمد، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وجماعة من المالكية، وآخرون: تجوز إجارتها بالذهب والفضة، وتجوز المزارعة بالثلث والربع وغيرهما، وبهذا قال ابن شُريح (^١)، وابن خزيمة، والخطابيّ، وغيرهم من محققي الشافعيّة، وهو الراجح المختار، وسنوضحه في باب المساقاة - إن شاء الله تعالى -.
_________________
(١) هكذا النسخة، والظاهر أنه مصحّف من ابن سُريج، بالسين المهملة، والجيم، فليُحرّر.
[ ٢٧ / ٢١٢ ]
فأما طاوس والحسن، فقد ذكرنا حجتهما، وأما الشافعيّ، وموافقوه، فاعتمدوا بصريح رواية رافع بن خَدِيج، وثابت بن الضحاك السابقين، في جواز الإجارة بالذهب والفضة، ونحوهما، وتأولوا أحاديث النهي تأويلين:
[أحدهما]: حملها على إجارتها بما على الماذيانات، أو بزرع قطعة معينة، أو بالثلث والربع، ونحو ذلك، كما فسّره الرواة في هذه الأحاديث التي ذكرناها.
[والثاني]: حملها على كراهة التنزيه، والإرشاد إلى إعارتها، كما نَهَى عن بيع الغرر نَهي تنزيه (^١)، بل يتواهبونه، ونحو ذلك، وهذان التأويلان لا بُدّ منهما، أو من أحدهما للجمع بين الأحاديث، وقد أشار إلى هذا التأويل الثاني البخاريّ وغيره، ومعناه عن ابن عباس - ﵄ -. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^٢).
وقال ابن قُدامة - ﵀ -: المزارعة جائزة في قول كثير من أهل العلم، قال البخاريّ: قال أبو جعفر: ما بالمدينة أهل بيت إلا ويزرعون على الثلث والربع، وزارع عليّ، وسعد، وابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم، وعروة، وآل أبي بكر، وآل عليّ، وابن سيرين. وممن رأى ذلك سعيد بن المسيّب، وطاوش، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهريّ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وابنه، وأبو يوسف، ومحمد، وروي ذلك عن معاذ، والحسن، وعبد الرحمن بن يزيد، قال البخاريّ: وعامَل عمر الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده، فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر، فلهم كذا.
وكرهها عكرمة، ومجاهد، والنخعيّ، وأبو حنيفة. ورُوي عن ابن عبّاس الأمران جميعًا.
وأجازها الشافعيّ في الأرض بين النخيل، إذا كان بياض الأرض أقلّ، فإن كان أكثر فعلى وجهين، ومنعها في الأرض البيضاء؛ لما رَوَى رافع بن
_________________
(١) قوله في بيع الغرر: "نهي تنزيه" فيه نظر، بل الصواب أنه نهي تحريم، كما مضى في محلّه، فتنبّه.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٩٨ - ١٩٩.
[ ٢٧ / ٢١٣ ]
خديج - ﵁ -، قال: كنّا نُخابر على عهد رسول الله - ﷺ -، فذكر أن بعض عمومته أتاه، فقال: نَهَى رسول الله - ﷺ - أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله، ورسوله كرر أنفع لنا، قلنا: ما ذاك؟ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من كانت له أرضٌ، فليَزرَعها، ولا يُكريها بثلث، ولا بربع، ولا بطعام مسمّى"، وعن ابن عمر - ﵄ - قال: ما كنّا نرى بالمزارعة بأسًا حتى سمعت رافع بن خَديج يقول: نَهَى رسول الله - ﷺ - عنها. وقال جابر - ﵁ -: نَهَى رسول الله - ﷺ - عن المخابرة.
وهذه كلها أحاديث صحاح متّفقٌ عليها، والمخابرة: المزارعة، واشتقاقها من الْخَبَار، وهي الأرض الليّنة، والْخَبير: الأَكّار، وقيل: المخابرة: معاملة أهل خيبر، وقد جاء حديث جابر - ﵁ - مفسّرًا، فروى البخاريّ بإسناده عن جابر - ﵁ - قال: كانوا يزرعونها بالثلث، والربع، والنصف، فقال النبيّ - ﷺ -: "من كانت له أرضٌ، فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن لم يفعل، فليُمسك أرضه". ورُوي تفسيرها عن زيد بن ثابت - ﵁ -، فقد رَوَى أبو داود بإسناده عن زيد - ﵁ - قال: نَهَى رسول الله - ﷺ - عن المخابرة، قلت: وما المخابرة؟ قال: أن يأخذ الأرض بنصف، أو ثلث، أو ربع.
واحتجّ الأولون بما روى ابن عمر - ﵄ -، قال: إن رسول الله - ﷺ - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرُج منها، من زرع، أو ثمر. متفق عليه، وقد رُوي ذلك عن ابن عبّاس، وجابر بن عبد الله - ﵃ -.
وقال أبو جعفر (^١): عامَل رسول الله - ﷺ - أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر، ثم عمر، وعثمان، وعليّ - ﵃ -، ثم أهلوهم إلى اليوم، يُعطُون الثلث، والربع، وهذا أمر صحيحٌ، مشهور، عَمِل به رسول الله - ﷺ - حتى مات، ثم خلفاؤه الراشدون حتى ماتوا، ثم أهلوهم من بعده.
فرَوَى البخاريّ عن ابن عمر أن النبيّ - ﷺ - عامل أهل خيبر بشطر ما يخرُجُ منها، من زرع، أو ثمرٍ، فكان يُعطي أزواجه مائة وسق، ثمانون وسقًا تمرًا، وعشرون وسقًا شعيرًا، فَقَسَم عمر - ﵁ - خيبر، فخيَّر أزواج النبيّ - ﷺ - أن يَقطع لهن من الأرض والماء، أو يُمضي لهنّ الأوسق، فمنهنّ من اختار الأرض،
_________________
(١) الظاهر أنه ابن جرير الطبريّ، والله تعالى أعلم.
[ ٢٧ / ٢١٤ ]
ومنهنّ من اختار الأوسق، فكانت عائشة - ﵂ - اختارت الأرض.
ومثل هذا لا يجوز أن يُنسَخ؛ لأن النسخ إنما يكون في حياة رسول الله - ﷺ -، فأما شيءٌ عَمِل به إلى أن مات، ثم عَمِل به خلفاؤه بعده، وأجمعت الصحابة - ﵃ -، وعَمِلوا به، ولم يُخالف فيه منهم أحد، فكيف يجوز نسخه؟ ومتى كان نسخه؟ فإن كان نُسخ في حياة رسول الله - ﷺ -، فكيف عُمل به بعد نسخه؟ وكيف خَفِي نسخه؟ فلم يبلغ خلفاءه، مع اشتهار قصّة خيبر، وعَمَلهم فيها؟ فأين كان رواي النسخ حتى لم يذكروه، ولم يخبرهم به؟
فأما ما احتجّ به المانعون، فالجواب عن حديث رافع بن خديج - ﵁ - من أربعة أوجه:
[أحدها]: أنه قد فُسّر المنهيّ عنه في حديثه بما لا يُختَلَفُ في فساده، فإنه قال: كنّا أكثر الأنصار حَقْلًا، فكنّا نُكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربّما أخرجت هذه، ولم تُخرج هذه، فنهانا عن ذلك، فأما بالذهب والورق، فلم ينهنا. متّفقٌ عليه. وفي لفظ: فأما بشيء معلوم، مضمون، فلا بأس. وهذا خارجٌ عن محلّ الخلاف، فلا دليل فيه عليه، ولا تعارض بين الحديثين.
[الثاني]: أن خبره ورد في الكراء بثلث، أو ربع، والنزاع في المزارعة، ولم يدلّ حديثه عليها أصلًا، وحديثه الذي في المزارعة يُحمَل على الكراء أيضًا؛ لأن القصّة واحدةٌ، رُويت بألفاظ مختلفة، فيجب تفسير أحد اللفظين بما يوافق الآخر.
[الثالث]: أن أحاديث رافع - ﵁ - مضطربة جدًّا، مختلفة اختلافًا كثيرًا، يوجب ترك العمل بها لو انفردت، فكيف يُقدّم على مثل حديثنا؟ قال الإمام أحمد: حديث رافع ألوان. وقال أيضًا: حديث رافع ضُرُوبٌ. وقال ابن المنذر: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدلّ على أن النهي كان لذلك، منها: الذي ذكرناه، ومنها: خَمْسٌ أخرى، وقد أنكره فقيهان من فقهاء الصحابة: زيد بن ثابت، وابن عبّاس - ﵃ -، قال زيد بن ثابت: أنا أعلم بذلك منه، وإنما سمع النبيّ - ﷺ - رجلين قد اقتتلا، فقال: "إن كان هذا شأنكم، فلا تُكروا المزارع". رواه أبو داود، والأثرم.
[ ٢٧ / ٢١٥ ]
وروى البخاريّ، عن عمرو بن دينار، قال: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة، فإنهم يزعمون أن النبيّ - ﷺ - نهى عنها، قال: إن أعلمهم - يعني ابن عبّاس - أخبرني أن النبيّ - ﷺ - لم يَنْهَ عنها، ولكن قال: "أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ عليها خَراجًا معلومًا".
ثم إن أحاديث رافع - ﵁ - منها ما يُخالف الإجماع، وهو النهي عن كراء المزارع على الإطلاق، ومنها ما لا يُختَلَف في فساده، كما بيّنّاه، وتارة يُحدّث عن بعض عمومته، وتارة عن سماعه، وتارة عن ظُهير بن رافع - ﵁ -، وإذا كانت أخبار رافع هكذا، وجب اطّراحها، واستعمال الأخبار الواردة في شأن خيبر الجارية مجرى التواتر التي لا اختلاف فيها، وبها عمل الخلفاء الراشدون، وغيرهم، فلا معنى لتركها بمثل هذه الأحاديث الواهية.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "الأحاديث الواهية" فيه نظر لا يخفى، فكيف تكون واهية، وقد أخرجها الشيخان في "صحيحيهما"، واعتمدا عليها؛ بل الصواب أنها صحيحة، ويجب تأويلها بما لا يتنافَى مع حديث شأن خيبر، وذلك هو التأويل الأول في كلام ابن قُدامة، وغير ذلك مما سنبيّنه - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم.
قال: [الجواب الرابع]: أنه لو قُدّر صحّة خبر رافع (^١)، وامتنع تأويله، وتعذّر الجمع، لوجب حمله على أنه منسوخ؛ لأنه لا بدّ من نسخ أحد الخبرين، ويستحيل القول بنسخ حديث خيبر؛ لكونه معمولًا به من جهة النبيّ - ﷺ - إلى حين موته، ثم من بعده إلى عصر التابعين، فمتى كان نسخه؟
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: دعوى النسخ هنا غير صحيحة؛ لأن النسخ لا يُصار إليه إلا عند تعذّر العمل بالنصّين، وهنا لا يتعذّر، بل يُحْمَل على أحد المحامل التي ذكرها هو أو غيره، كما فعل هو هنا في حديث جابر، وزيد بن ثابت - ﵄ - حيث قال:
_________________
(١) هذه عبارة سخيفة، كيف يقال: لو قُدْر إلخ مع كونه هو الواقع حقيقةً، لا تقديرًا؟ فقد أخرجه الشيخان في "صحيحيهما"، واعتدّاه، فيا للعجب لمثل هذا!!! إن هذا لهو العجب العجاب!!!.
[ ٢٧ / ٢١٦ ]
وأما حديث جابر - ﵁ - في النهي عن المخابرة، فيجب حمله على أحد الوجوه التي حُمل عليها خبر رافع، فإنه قد روى حديث خيبر أيضًا، فيجب الجمع بين حديثيه مهما أمكن، ثم لو حُمل على المزارعة لكان منسوخًا بقصّة خيبر؛ لاستحالة نسخها، كما ذكرنا، وكذلك القول في حديث زيد بن ثابت - ﵁ -.
قال: فإن قال أصحاب الشافعيّ: تُحمَل أحاديثكم على الأرض التي بين النخيل، وأحاديث النهي على الأرض البيضاء؛ جمعًا بينهما.
قلنا: هذا بعيدٌ لوجوه خمسة:
[أحدها]: أنه يبعُدُ أن تكون بلدةٌ كبيرةٌ يأتي منها أربعون ألف وسق، ليس فيها أرض بيضاء، ويبعد أن يكون قد عامَلهم على بعض الأرض دون بعض، فينقل الرواة كلهم القصّة على العموم من غير تفصيل، مع الحاجة إليه.
[الثاني]: أن ما يذكرونه من التأويل لا دليل عليه، وما ذكرناه دلّ عليه بعض الروايات، وفسّره الراوي له بما ذكرناه، وليس معهم سوى الجمع بين الأحاديث، والجمع بينهما بحمل بعضها على ما فسّره راويه به أولى من التحكّم بما لا دليل عليه.
[الثالث]: أن قولهم يُفضي إلى تقييد كلّ واحد من الحديثين، وما ذكرناه حمل لأحدهما وحده.
[الرابع]: أن فيما ذكرناه موافقةَ عمل الخلفاء الراشدين، وأهليهم، وفقهاء الصحابة، وهم أعلم بحديث رسول الله - ﷺ -، وسنّته، ومعانيها، وهو أولى من قول من خالفهم.
[الخامس]: أن ما ذهبنا إليه مُجمَعٌ عليه، فإن أبا جعفر (^١) روى ذلك عن أهل كلّ بيت بالمدينة، وعن الخلفاء الأربعة، وأهليهم، وفقهاء الصحابة، واستمرار ذلك، وهذا مما لا يجوز خفاؤه، ولم يُنكره من الصحابة منكِر، فكان إجماعًا، وما رُوي في مخالفته، فقد بيّنّا فساده، فيكون هذا إجماعًا من الصحابة - ﵃ -، لا يسوغ لأحد خلافه.
_________________
(١) تقدّم أن الظاهر أنه الطبري، والله أعلم.
[ ٢٧ / ٢١٧ ]
والقياس يقتضيه، فإن الأرض عينٌ تُنمّى بالعمل فيها، فجازت المعاملة عليها ببعض نمائها؛ كالأثمان في المضاربة، والنخل في المساقاة، أو نقول: أرضٌ، فجازت المزارعة عليها؛ كالأرض بين النخيل، ولأن الحاجة داعيةٌ إلى المزارعة؛ لأن أصحاب الأرض قد لا يقدرون على زرعها، والعمل عليها، والأكَرَةُ يحتاجون إلى الزرع، ولا أَرْضَ لهم، فاقتضت حكمة الشرع جواز المزارعة، كما قلنا في المضاربة، والمساقاة، بل الحاجة ههنا آكد؛ لأن الحاجة إلى الزرع آكد منها إلى غيره؛ لكونه مُقتاتًا، ولكون الأرض لا يُنتفع بها إلا بالعمل عليها، بخلاف المال، ويدلّ على ذلك قول راوي حديثهم: نهانا رسول الله - ﷺ - عن أمر كان لنا نافعًا، والشارع لا ينهى عن المنافع، وإنما ينهى عن المضارّ والمفاسد، فدلّ على غلط الراوي في النهي عنه، وحصول المنفعة فيما ظنّه منهيًّا عنه. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ -.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن قُدامة - ﵀ - تحقيق نفيسٌ، غير محاولته تضعيف حديث رافع بن خديج - ﵁ -، فإنه غير مقبول، فإن الحديث صحيح، وقد اتفق الشيخان على تخريجه، والجمع بينه وبين حديث قصّة خيبر ممكنٌ، كما سبق في كلامه هو، فكيف يضعّفه؟
والحقّ أن الحديث صحيح، وأنه لا يعارض الحديث المذكور، كما قاله الحذّاق العارفون بعلل الأحاديث، وفقهها، فمن تأمّله، وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض، وحمل مُجمَلها على مفسّرها، ومطلقها على مقيّدها على أن الذي نَهَى عنه النبيّ - ﷺ - في حديثه كان أمرًا بيّن الفساد، وهي: المزارعة الظالمة الجائرة، فإنه - ﵁ - قال: "كنا نُكري الأرض على أن لنا هذه، ولهم هذه، فربّما أخرجت هذه، ولم تخرج هذه"، وفي لفظ: "كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله - ﷺ - بما على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء من الزرع"، وقال أيضًا: "ولم يكن لهم كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، وأما بشيء معلوم، مضمون، فلا بأس"، فهذا، وما أشبهه من حديثه من أبين ما فيه، وأصحّه، وأصرح ما فسّر به ما أجمله، أو أطلقه، أو اختصره في سائر رواياته، فالواجب أن تُحْمَلَ تلك المجملاتُ على المفسّر المبيّن، المتّفق عليه لفظًا، وحكمًا.
[ ٢٧ / ٢١٨ ]
قال الإمام ابن المنذر - ﵀ -: قد جاءت الأخبار عن رافع بعلل تدلّ على أن النهي كان لتلك العلل.
وقال الإمام الليث بن سعد - ﵀ -: الذي نَهَى عنه رسول الله - ﷺ - أمر إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال والحرام عَلِمَ أنه لا يجوز.
وأيضًا فقد وقع في حديث جابر - ﵁ - نحو ما وقع في حديث رافع، لكن الجواب هو الجواب المذكور، فقد وقع في بعض طرقه: "أنهم كانوا يختصون بأشياء من الزرع من القِصْرِيّ، ومن كذا، ومن كذا، فقال - ﷺ -: من كان له أرض، فليَزْرَعها، أو ليمنعها أخاه"، فهذا مفسّر مبين ذُكر فيه سبب النهي، وأُطلق في غيره من الألفاظ، فينصرف مطلقها إلى هذا المقيّد المبيّن، وأن المراد بالنهي هو هذا النوع.
وقال الإمام البيهقيّ - ﵀ - في "السنن الكبرى": "باب من أباح المزارعة بجزء معلوم مشاع، وحمل النهي عنها على التنزيه، أو على ما لو تضمّن العقد شرطًا فاسدًا"، ثم أورد الأحاديث، وأورد إنكار ابن عبّاس، وزيد بن ثابت - ﵃ - على رافع بن خَدِيج، حيث قال ابن عبّاس - ﵄ -: "إن رسول الله - ﷺ - لم يُحرّم المزارعة، ولكن أمر أن يرفُق الناس بعضهم من بعض".
وقال زيد بن ثابت - ﵁ -: يغفر الله لرافع بن خَدِيج، أنا والله كنت أعلم بالحديث منه، إنما أتى رجلان من الأنصار إلى رسول الله - ﷺ -، قد اقْتَتَلا، فقال: "إن كان هذا شأنَكم، فلا تُكروا المزارع"، فسمع قوله: "لا تُكروا المزارع".
قال البيهقيّ - ﵀ -: زيد بن ثابت، وابن عبّاس - ﵄ - كأنهما أنكرا - والله أعلم - إطلاق النهي عن كراء المزارع، وعَنَى ابن عبّاس بما لم يُنه عنه من ذلك: كراءها بالذهب والفضّة، وبما لا غرر فيه، وقد قيّد بعض الرواة عن رافع الأنواع التي وقع النهي عنها، وبيّن علّة النهي، وهي ما يُخشى على الزرع من الهلاك، وذلك غرر في العوض، يوجب فساد العقد، قال: وقد روينا عن زيد بن ثابت ما يوافق رواية رافع بن خَديج وغيره، فدلّ أن ما أنكره غير ما أثبته، والله أعلم.
قال: ومن العلماء من حمل أخبار النهي على ما لو وقعت بشروط
[ ٢٧ / ٢١٩ ]
فاسدة، نحو شرط الجداول، والماذْيَانات، وهي الأنهار، وهي ما كان يشترط على الزارع أن يزرعه على هذه الأنهار خاصّة لربّ المال، ونحو شرط القصارة، وهي ما بقي من الحبّ في السنبل بعدما يداس، ويقال: القِصْرِيّ، ونحو شرط ما يسقي الربيع، وهو النهر الصغير، فكانت هذه، وما أشبهها شروطًا شرطها ربّ المال لنفسه خاصّةً، سوى الشرط على النصف، والربع، والثلث، فيرى أن نهي النبيّ - ﷺ - عن المزارعة إنما كان لهذه الشروط؛ لأنها مجهولة، فإذا كانت الحصص معلومةً، نحو النصف، والثلث، والربع، وكانت الشروط الفاسدة معدومةً، كانت المزارعة جائزة، وإلى هذه ذهب أحمد بن حنبل، وأبو عُبيد، ومحمد بن إسحاق بن خُزيمة، وغيرهم من أهل الحديث، وإليه ذهب أبو يوسف، ومحمد بن الحسن من أصحاب الرأي - رحمهم الله تعالى - والأحاديث التي مضت في معاملة النبيّ - ﷺ - أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر، أو زرع دليلٌ لهم في هذه المسألة.
وقال أيضًا: ومن ذهب إلى هذا زعم أن الأخبار التي ورد النهي فيها عن كرائها بالنصف، أو الئلث، أو الربع إنما هو لِمَا كانوا يُلحقون به من الشروط الفاسدة، فقصّر بعض الرواة بذكرها، وقد ذكرها بعضهم، والنهي يتعلّق بها دون غيرها. انتهى المقصود من كلام البيهقيّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد أجاد البيهقي - ﵀ -، وأفاد في كلامه المذكور.
والحاصل أن المزارعة جائزة، إلا ما كان فيها العوض مجهولًا، أو دخلت فيه الشروط الفاسدة، على ما فُصّل آنفًا.
فبهذا تتفق السنن المأثورة عن رسول الله - ﷺ -، وتتاكف، ويزول عنها الاضطراب المتوهّم، والاختلاف الذي يظهر في بادئ الرأي، ويظهر أن لكلّ منها وجهًا صحيحًا، ومَرَدًّا مَلِيحًا، وأن ما نَهَى عنه النبيّ - ﷺ - غير ما أباحه وفعله، وفعله أيضًا خلفاؤه الراشدون، وصحابته الأكرمون - ﵃ -، وهذا هو
_________________
(١) راجع: "السنن الكبرى" للبيهقيّ ٦/ ١٣٣ - ١٣٦.
[ ٢٧ / ٢٢٠ ]
الواجب، والواقع في نفس الأمر، ولله الحمد، والمنّة، وله الفضل والنعمة،
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩١٢] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، أَخْبَرَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَخْنَس، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُؤْخَذَ لِلأَرْضِ (^١) أَجْرٌ، أَوْ حَظٌّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٤٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ الرَّازِيُّ) نزيل بغداد، أبو يعلى، ثقةٌ فقيهٌ سنّيٌّ، طُلب للقضاء، فامتنع، أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب [١٠] (٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٣.
٣ - (خَالِدُ) بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
٤ - (الشَّيْبَانِيُّ) سليمان بن أبي سُليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٩.
٥ - (بُكَيْرُ بْنُ الأَخْنَسِ) السَّدُوسيّ، ويقال: الليثيّ، ثقةٌ [٤] (خ م د س ق) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ١/ ١٥٧٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (أَنْ يُؤْخَذَ لِلأَرضِ) وفي نسخة: "على الأرض".
وقوله: (أَجْرٌ، أَوْ حَظٌّ) الظاهر أن "أو" هنا للشكّ من الواوي، والمراد بالحظّ هو الكراء.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) وفي نسخة: "على الأرض".
[ ٢٧ / ٢٢١ ]
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩١٣] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِك، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَزْرَعَهَا، وَعَجَزَ عَنْهَا فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، وَلَا يُؤَاجِرْهَا إِيَّاهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل بابين.
٢ - (أبوه) عبد الله بن نُمير، تقدّم قريبًا.
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقة [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَلْيَزْرَعْهَا) بفتح حرفْ المضارعة؛ أي: يزرعها بنفسه، لا بأجير يستأجره لزراعتها. وقوله: (وَلَا يُؤَاجِرْهَا إِيَّاهُ) أي: لا يُعط أخاه تلك الأرض بأجرة، وهذا النهي كما تقدّم محمول على التنزيه، إن كان بالثلث والربع، أو بأجرة معلومة، وإن كان بشروط فاسدة، كان يستثني صاحب الأرض بعض ما يخرج منها لنفسه، أو يدفعه بما على الماذيانات، أو السواقي، فعلى التحريم؛ لاشتماله على شروط فاسدة، مضرّة بأحد الجانبين.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩١٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: سَأَلَ سُلَيْمَان بْنُ مُوسَى عَطَاء، فَقَالَ: أَحَدَّثَكَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكْرِهَا"؟ قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) وله بضع و(٩٠) سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
[ ٢٧ / ٢٢٢ ]
٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ، أبو عبد الله، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ٤ أو ١٦٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى) الأمويّ مولاهم الدمشقيّ الأشدق، صدوقٌ فقيهٌ في حديثه بعض لين، وخُولط قبل موته بقليل [٥] (م ٤) (^١) تقدّم في "المقدّمة" ٥/ ٢٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَلَا يُكْرِهَا) بضمّ حرف المضارعة؛ أي: لا يأخذ عليها كراء؛ أي: أجرة.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩١٥] (…) - (حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ؛ أَن النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبله، غير عمرو، فتقدّم قريبًا، و"سفيان" هو: ابن عيينة، و"عمرو" هو: ابن دينار.
وقوله: (نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَةِ) أي: المزارعة، وقد تقدّم أن جابرًا - ﵁ - فسّر المخابرة بأنها الأرض البيضاء يدفعها الرجل إلى الرجل، فيُنفق فيها، ثم يأخذ من الثمر.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعتات المصنف - ﵀ -، وهو (٢٦٠) من رباعيّات الكتاب.
_________________
(١) [تنبيه]: سليمان بن موسى هذا لم يدخله أصحاب البرامج في رجال مسلم، وذلك تقليدًا منهم لصاحب "تهذيب الكمال" حيث نصّعلى أن مسلمًا أخرج له في "المقدّمة" فقط، وتبعه الحافظ في "التهذيب"، و"التقريب"، وهذا وهم، كما ترى فقد أخرج له هنا، وكنت قلّدتهما في ذلك في "شرح المقدّمة"، لكن تبيّن الصواب خلاف ذلك، فتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
[ ٢٧ / ٢٢٣ ]
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩١٦] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِر، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيد، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: إِن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ أَرْضٍ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ، وَلَا تَبِيعُوهَا"، فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ: مَا قَوْلُهُ: وَلَا تَبِيعُوهَا (^١)، يَعْنِي الْكِرَاءَ؟ قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيُزْرِعْهَا أَخَاهُ) الأول بفتح حرف المضارعة، من الزرع؛ أي: ليزرعها بنفسه، والثاني بضمها، من الإزراع؛ أي: ليجعلها مزرعة لأخيه، والمراد أنه يُعيره إياها بلا عوض، وهو معنى الرواية الأخرى: "فليَمنحها أخاه".
وقوله: (فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ … إلخ) القائل هو سَليم بن حيّان، وسعيد هو: ابن مِيناء.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩١٧] (…) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْر، عَنْ جَابِر، قَالَ: كنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَنُصِيبُ مِنَ الْقِصْرِيّ، وَمِنْ كَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ فَلْيُحْرِثْهَا أَخَاهُ، وَإِلَّا فَلْيَدَعْهَا").
_________________
(١) وفي نسخة: "فقلت لسعيد: ما ولا تبيعوها؟ ".
[ ٢٧ / ٢٢٤ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وقد تقدّم نفسه قبل أربعة أبواب، و"أحمد بن يونس" هو: أحمد بن عبد الله بن يونس، نُسب لجدّه، و"زهير" هو: ابن معاوية بن حُدَيج.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٦١) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (كُنَّا نُخَابِرُ) أي: نزارع.
وقوله: (فَنُصِيبُ مِنَ الْقِصْرِيِّ) قال النوويّ - ﵀ -: هو بقاف مكسورة، ثم صاد مهملة ساكنة، ثم راء مكسورة، ثم ياء مشدّدة، على وزن الْقِبْطِيّ، هكذا ضبطناه، وكذا ضبطه الجمهور، وهو المشهور، قال القاضي: هكذا رويناه عن أكثرهم، وعن الطبريّ: بفتح القاف والراء، مقصور، وعن ابن الخزايرّ: بضم القاف مقصور، قال: والصواب الأول، وهو ما بَقِي من الْحَبّ في السنبل بعد الدِّيَاس، ويقال له: القُصَارة بضم القاف، وهذا الاسم أشهر من الْقِصْرِيّ. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: "الْقِصْريّ" - بكسر القاف، وسكون الصاد المهملة - هي الرواية الصحيحة، وهو ما يبقى من الحبوب في سُنبله بعد الدوس، وهي لغة شاميّةٌ، قاله ابن دُريد، وقد قيّده بعضهم بفتح القاف مقصورًا، وبعضهم بضمّها مقصورًا. انتهى (^٢).
وقال المجد - ﵀ -: الْقِصْرَى، بالكسر، والْقَصَرُ، والْقَصَرَةُ محرّكتين، والْقُصْرَى، كبُشْرَى: ما يبقى في الْمُنْخُل بعد الانتخال، أو يَخْرُج من القتّ بعد الدَّوْسة الأولى، أو الْقِشْرة العليا من الحبّة. انتهى (^٣).
والمراد من قوله: "فنُصيب من الْقِصْريّ، ومن كذا" على ما فسّره الزمخشري في "الفائق" أن ربّ الأرض كان يشترط على المزارع أن يزرع له خاصّةً ما تسقيه الجداول والربيع، وأن تكون له القصارة، فنُهي عن ذلك (^٤).
ومما يؤيّد هذا التفسير ما أخرجه ابن ماجه في "سننه"، وأحمد في
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٩٩ - ٢٠١.
(٢) "المفهم" ٤/ ٤١٠.
(٣) "القاموس المحيط" ٢/ ١١٨.
(٤) "الفائق" ٢/ ٣٥٢.
[ ٢٧ / ٢٢٥ ]
"مسنده"، وصححه ابن حبّان عن أسيد بن ظُهير، عن رافع بن خديج - ﵁ - قال: كان أحدنا إذا استغنى عن أرضه أعطاها بالثلث، والربع، والنصف، واشترط ثلاث جداول والقُصارة، وما سقى الربيع، وما يسقي الربيع، وكان العيش إذ ذاك شديدًا، وكان يعمل فيها بالحديد، وبما شاء الله، ويصيب منها منفعةً، فأتانا رافع بن خَدِيج، فقال: إن رسول الله - ﷺ - نهاكم عن أمر كان لكم نافعًا، وطاعة الله، وطاعة رسوله أنفع لكم، إن رسول الله - ﷺ - ينهاكم عن الْحَقْل ويقول: "من استغنى عن أرضه، فليمنحها أخاه، أو ليَدَعْ" (^١).
فالمراد من إصابة الْقِصريّ اشتراط القُصارة، ومن قوله: "من كذا" اشتراط الجداول، والربيع (^٢)، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أَوْ فَلْيُحْرِثْهَا أَخَاهُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإحراث، وهو بمعنى قوله: "فليُزرعها".
وقوله: (وَاِلا) "إلّا" هي "إن" الشرطيّة، أُدغمت في "لا" النافية، وفعل الشرط محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه، وإن لم يُحرثها.
وقوله: (فَلْيَدَعْهَا) أي: فيترك أرضه، يعني لا يؤاجرها أخاه.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكياب قال:
[٣٩١٨] (…) - (حَدَّثَنِي أبُو الطَاهِر، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ - قَالَ ابْنُ عِيسَى: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ - حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ؛ أَنَّ أَبَا الزبَيْرِ الْمَكي حَدَّثَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - نَأْخُدُ الأَرْضَ بِالثُّلُث، أَوِ الرُّبُعِ بِالْمَاذِيَانَات، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجه ٢/ ٨٢٢، وأحمد ٤/ ٤٦٤، وابن حبان في "صحيحه" ١١/ ٦٠٦.
(٢) راجع: "تكملة فتح الملهم" ١/ ٤٥٣.
[ ٢٧ / ٢٢٦ ]
فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، فَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا فَلْيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَمْنَحْهَا أَخَاهُ فَلْيُمْسِكْهَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ المعروف بابن التستريّ، صدوق، تُكُلم في بعض سماعاته، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤.
٢ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) أبو عبّاد، أو أبو سعد المدنيّ، صدوقٌ له أوهام، ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧] (ت ١٦٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٣.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، وقبل بابين، و"أبو الطاهر" هو: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح، و"ابن وهب" هو: عبد الله.
وقوله: (نَأْخُذُ الأَرْضَ بِالثُّلُث، أَوِ الرُّبُعِ) يعني أنهم كانوا يأخذون الأرض من صاحبها مزارعةً على أن يعطوه ثلث ما يخرج منها، أو ربعه، ويشترط هو أيضًا لنفسه ما يخرج على الماذيانات، وهو شرط فاسد، ولذا نُهُوا عنه.
وقوله: (بِالْمَاذِيَانَاتِ) قال النوويّ - ﵀ -: هي بذال معجمة مكسورة، ثم ياء مثناه تحتُ، ثم ألف، ثم نون، ثم ألف، ثم مثناة فوقُ - هذا هو المشهور، وحَكَى القاضي عن بعض الرواة فتح الذال في غير "صحيح مسلم"، وهي مسايل المياه، وقيل: ما يَنْبُت على حافتي مَسِيل الماء، وقيل: ما يَنْبُت حول السواقي، وهي لفظة مُعَرَّبة ليست عربية. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: الماذيانات معروفة بكسر الذال، وقد تُفتح، وليست عربيّةً، ولكنها سواديّةٌ، وهي مسايل الماء، والمراد بها هنا ما يَنبُت على شطوط الجداول، ومسايل الماء، وهو من باب تسمية الشيء باسم غيره إذا كان مجاورًا له، أو كان منه سبب. انتهى (^٢).
وقال صاحب "التكملة": وقد ذكر جابر - ﵁ - في هذا الحديث الثلث، والربع مع الماذيانات، فلعل أصحاب الأرضين كانوا يشترطون لأنفسهم ثلث
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٩٨.
(٢) "المفهم" ٤/ ٤٠٨.
[ ٢٧ / ٢٢٧ ]
جميع الخارج، أو ربعه بالإضافة إلى ما خرج بالماذيانات، ويَحْتَمل أن يكونوا يشترطون ثلث ما خرج بالماذيانات، أو ربعه، والكلّ فاسد؛ لما فيه من الغرر، والله أعلم. انتهى (^١).
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنف - ﵀ -، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩١٩] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَهَبْهَا، أَوْ لِيُعِرْهَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَمَّادِ) بن أبي زياد الشيبانيّ مولاهم البصريّ، خَتَنُ أبي عوانة، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢١٥) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٢.
٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٤ - (سُلَيْمَانَ) بن مِهْران الأعمش، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءة، ورعٌ، لكنه يدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٥ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ الإسكاف، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
و"جابر" - ﵁ - ذُكر قبله.
وقوله: (مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَهَبْهَا، أوْ لِيُعِرْهَا) الظاهر أن "أو" هنا للتنويع؛ أي: إن شاء يجعلها لأخيه هبةَ، يُملّكه رقبتها، وإن شاء يجعلها عارية تُردّ إليه.
ويَحْتَمل أن تكون للشكّ من الراوي في أيّ اللفظتين قال.
_________________
(١) راجع: "تكملة فتح الملهم" ١/ ٤٥٤.
[ ٢٧ / ٢٢٨ ]
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٢٠] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَاعِر، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوَّاب، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزيقٍ، عَنِ الأَعْمَشِ بِهَدَا الْإِسْنَاد، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ فَلْيُزْرِعْهَا رَجُلًا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو الْجَوَّابِ) - بفتح الجيم، وتشديد الواو - الأحوص بن جَوّاب الضبيّ الكوفيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢١١) (م دت س) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٤٨.
٢ - (عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ) - بتقديم الراء مصغّرًا - الضبيّ، أو التميميّ، أبو الأحوص الكوفيّ، ثقة [٧] (^١) (١٥٩) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٤٨.
والباقيان ذكرا في الباب.
[تنبيه]: رواية عمّار بن رُزيق، عن الأعمش هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" (٣/ ٣٢٢) فقال:
(٥١٥٩) - حدّثنا محمد بن إسحاق الصغاني، قثنا أبو الجوّاب، قثنا عمّار بن رُزَيق، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من كانت له أرض، فليَزْرَعها، أو لِيُزْرعها رجلًا". انتهى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٢١] (…) - (وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - أَن بُكَيْرًا حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَهُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْض، قَالَ بُكَيْرٌ: وَحَدَّثَني نَافِعٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: كُنَّا نُكْرِي أَرْضَنَا، ثُمَّ تَرَكْنَا ذَلِكَ حِينَ سَمِعْنَا حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ).
_________________
(١) جعله في "التقريب" من الثامنة، وقال: لا بأس به، والذي يظهر لي أنه من السابعة، وهو ثقة. راجع ترجمته في: "التهذيب"، والله تعالى أعلم.
[ ٢٧ / ٢٢٩ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيَلِيُّ) أبو جعفر نزيل مصر، ثقة فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقية [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٣ - (بُكَيْرُ) بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) الماجشون التيميّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٦) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ٥٥٥.
٥ - (النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ) الأنصاريّ الزرَقيّ، أبو سلمة المدنيّ، ثقةٌ [٤] (خ م ت س ق) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٤.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ) المراد به المزارعة، وهي المخابرة.
وقوله: (قَالَ بُكَيْرٌ … الخ) موصول بالسند السابق، وليس معلّقًا، فتنبّه.
وقوله: (نُكْرِي أرْضَنَا) بضمّ حرف المضارعة، من الإكراء بالمدّ، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الكِراء بالمدّ: الأجرة، وأكريته الدار وغيرها إكراءً، فاكتراها بمعنى: آجرتها، فاستأجرها. انتهى (^١).
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٢٢] (…) - (وَحَدثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب.
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٥٣٢.
[ ٢٧ / ٢٣٠ ]
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنف - ﵀ -، وهو (٢٦٢) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (عَنْ بَيْعِ الأَرْضِ الْبَيْضَاءِ) هي: التي لا غرس فيها، ولا زرع.
وقوله: (سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) معناه أن يبيع ثمر نخلة، أو نخلات بأعيانها سنتين، أو ثلاثًا، وإنما نُهي عنه؛ لأنه باع شيئًا لا وجود له حال العقد.
والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٢٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَج، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ سِنِينَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨.
٢ - (عَمْرٌو افَّماقِدُ) ابن محمد بن بُكير البغداديّ، نزيل الرّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٣ - (حُمَيْدٌ الأَعْرَجُ) ابن قيس القارئ المكيّ، ثقة [٦] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الحج" ١٠/ ٢٨٨١.
٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ عَتِيقٍ) ويقال: ابن عتيك - بالكاف - وهو وَهْمٌ، المدنيّ، صدوقٌ [٤].
رَوَى عن جابر بن عبد الله، وابن الزبير، وعبد الله بن بابيه، وطلق بن حبيب.
ورَوَى عنه حميد بن قيس الأعرج، وزياد بن سعد، وابن جريج، وزياد بن إسماعيل.
[ ٢٧ / ٢٣١ ]
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال البخاريّ: لا يصحّ حديثه (^١)، وقال ابن عبد البرّ: لا يحتجّ بما تفرد به، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (١٥٣٦)، وحديث (١٥٥٤): "أمر بوضع الجوائح"، وحديث (٢٦٧٠): "هلك المتنطّعون، قالها ثلاثًا".
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ) المراد به بيع ثمر النخلة، أو النخلات لمدة سنين معيّنة، كما أشار إليه في رواية ابن أبي شيبة بلفظ: "عن بيع الثمر سنين".
والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٢٤] (١٥٤٤) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ) تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو تَوْبَةَ) الربيع بن نافع الْحَلَبيّ، نزيل طَرَسوس، ثقة حجة عابد [١٠] (ت ٢٤١) (خ م د س ق) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢.
٣ - (مُعَاوِيَةُ) بن سلّام بن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حِمْصَ، ثقةٌ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣٠٩.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل، أبو نصر البصريّ، ثمّ
_________________
(١) الظاهر أن هذا الكلام قاله البخاريّ: بعد إيراد حديث معيّن، وليس تضعيفًا لجميع أحاديثه، فليُتأمل.
[ ٢٧ / ٢٣٢ ]
اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (ت ١٣٢) أو قبل ذلك (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةُ فقيهٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٦ - (أبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤، وشرح الحديث تقدّم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا أخرجه المصنّف، وذكره البخاريّ تعليقًا، فقال: وقال الربيع بن نافع أبو توبة: حدثنا معاوية … إلخ.
[تنبيه]: اختُلف في إسناد هذا الحديث على يحيى بن أبي كثير، وكذا على شيخه أبي سلمة، وقد أطنب النسائيّ في جمع طرقه فراجعه (^١) تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٣٩٢٤] (١٥٤٤)، و(البخاريّ) في "الحرث والمزارعة" (٢٣٤١) تعليقًا، و(النسائيّ) في "المزارعة" (٧/ ١٣٨)، و(ابن ماجه) في "الرهون" (٢/ ٨٢٠)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٢٥] (١٥٣٦) - (وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ، حَدثَنَا أَبُو تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ؛ أن يَزِيدَ بْنَ نُعَيْمٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَنْهَى عَنِ الْمُزَابَنَة، وَالْحُقُول، فَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: الْمُزَابَنَةُ الثَّمَرُ بِالتَّمْر، وَالْحُقُولُ كِرَاءُ الأَرْضِ).
قال الجامع عفا الله عنه: كان الأولى تقديم حديث جابر - ﵁ - هذا قبل حديث أبي هريرة - ﵁ -؛ لما لا يخفى من الترتيب، فتأمل.
_________________
(١) راجع: "المجتبى" ٧/ ٣٨ - ٣٩، وراجع شرحي عليه: "ذخيرة العقبى" ٣١/ ١٣٧ - ١٤٣.
[ ٢٧ / ٢٣٣ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَزِيدَ بْنَ نُعَيْمِ) بن هَزّال الأسلميّ الحجازيّ، ثقةٌ (^١) [٥].
رَوَى عن أبيه، وجدّه، ويقال: مرسل، وجابر، ويقال: لم يسمع منه، وسعيد بن المسيِّب.
وروى عنه زيد بن أسلم، وهو من أقرانه، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو أكبر منه، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، ويحيى بن أبي كثير، وهشام بن سعد، وعكرمة بن عمار.
ذكره ابن حبان في "الثقات".
قوله: "وجابر، ويقال: لم يسمع منه" هكذا قال الحافظ المزّيّ في "التهذيب"، وفي "تحفة الأشراف"، وتعقّبه الحافظ في "التهذيب"، فقال: حديثه عن جابر متصلٌ، ووقع التصريح به عند مسلم - يعني في هذا الحديث - وقال البخاريّ: سمع جابرًا. انتهى (^٢).
فتبيّن أن دعوى عدم سماعه من جابر غير مقبولة؛ فقد اتّفق الشيخان على ذلك، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَالْحُقُولُ كِرَاءُ الأَرْضِ) "الحُقول": جمع حَقْل، كفلس وفُلُوس، وفسّره هنا بكراء الأرض، وقد تقدّم أنه يُطلق على معان، وقال ابن الأثير - ﵀ -: الحقل: الْقَرَاح من الأرض، وهي الطيّبةُ التُّرْبة، الصالحةُ للزراعة، ومنه حَقَلَ يَحْقِل: إذا زرع، والمحاقل: مواضع الزراعة، كما أن المزارع مواضعها أيضًا، والمحاقلة: مفاعلة من ذلك. انتهى (^٣).
_________________
(١) فقوله في "التقريب": "مقبول" فيه نظر؛ فقد روى عنه جماعة، ووثقه ابن حبّان، وأخرج له مسلم، ولم يتكلّم فيه أحد بجرح، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(٢) "تهذيب التهذيب" ١١/ ٣٢٠.
(٣) "جامع الأصول" لابن الأثير ١١/ ٣٢.
[ ٢٧ / ٢٣٤ ]
وقال المجد - ﵀ -: "الْحَقْلُ": قَرَاحٌ طيّب، يُزرَع فيه، كالْحَقْلَة، ومنه: لا يُنبِتُ الْبَقْلةَ إلا الْحَقْلةُ، والزرعُ قد تشعَّبَ وَرَقُهُ، وظَهَرَ، وكَثُرَ، أو إذا استَجْمَع خُروج نباته، أو ما دام أخضر، وقد أحقل في الكلّ، والْمَحَاقل: الْمَزَارع، والْمُحاقلة: بيع الزرع قبل بُدُوّ صلاحه، أو بيعه في سنبله بالحنطة، أو المزارعة بالثلث، أو الربع، أو أقلّ، أو أكثر، أو اكتراء الأرض بالحنطة. انتهى (^١).
والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، وشرحه تقدّم مستوفًى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٢٦] (١٥٤٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ - عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْمُحَاقَلَة، وَالْمُزَابَنَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر بآخره [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبت [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
و"أبو هريرة - ﵁ - " ذُكر قبل حديث.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٢٧] (١٥٤٦) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ؛ أَن أَبَا سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩.
[ ٢٧ / ٢٣٥ ]
أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْمُزَابَنَة، وَالْمُحَاقَلَة، وَالْمُزَابَنَةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ في رُءُوسِ النَّخْل، وَالْمُحَاقَلَةُ كِرَاءُ الأَرْضِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل ثلاثة أبواب، وشرح الحديث تقدّم مستوفًى.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا متفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٣٩٢٧] (١٥٤٦)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢١٨٦)، و(النسائيّ) في "المزارعة" (٧/ ٣٩)، و(ابن ماجه) في "الرهون" (٢٤٥٥)، و(مالك) في "الموطّإ" (٢/ ٦٢٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٦ و٨ و٦٠ و٦٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٣٢١)، و(أبو يعلى) في (مسنده" (٢/ ٤٠٧)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر الإمام ابن عبد البرّ - ﵀ - في "التمهيد" بعد إيراد حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، ما نصّه: قد جاء في هذا الحديث مع جَوْدة إسناده تفسير المزابنة، والمحاقلة، وأقل أحواله إن لم يكن التفسير مرفوعًا فهو من قول أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، وقد أجمعوا أن مَن رَوَى شيئًا وعَلِمَ مخرجه سُلِّم له في تأويله؛ لأنه أعلم به، وقد جاء عن عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله - ﵃ - في تفسير المزابنة نحوُ ذلك.
ورَوى ابنُ جريج قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن النبيّ - ﷺ - نَهَى عن المزابنة، قال عبد الله بن عمر: والمزابنةُ أن يبيع الرجل ثمر حائطه بتمر كيلًا، إن كانت نخلًا، أو زبيبًا، إن كانت كرمًا، أو حنطةً، إن كانت زرعًا.
قال أبو عمر: هذا أبين شيء، وأوضحه في ذلك.
[ ٢٧ / ٢٣٦ ]
ورَوَى حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار؛ أن ابن عمر سئل عن رجل باع ثمر أرضه من رجل بمائة فَرَق يكيل له منها، فقال ابن عمر: نَهَى رسول الله - ﷺ - عن هذا، وهو المزابنة.
ورَوَى ابن عيينة، عن ابن جريح، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -، قال: نَهَى رسول الله - ﷺ - عن المخابرة، والمحاقلة، والمزابنة، وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، وألا يباع إلا بالدنانير والدراهم، إلا العرايا، قال سفيان: المخابرة كراء الأرض بالحنطة، والمزابنة بيع ما في رؤوس النخل بالتمر، والمحافلة بيع السنبل من الزرع بالحبّ الْمُصَفَّى.
قال: فهؤلاء ثلاثة من الصحابة قد فسروا المزابنة بما تراه، ولا مخالف لهم علمته، بل قد أجمع العلماء على أن ذلك مزابنة، وكذلك أجمعوا على أن كل ما لا يجوز إلا مِثلًا بمثل أنه لا يجوز منه كيلٌ بجِزَاف، ولا جِزاف بجزاف؛ لأن في ذلك جهلَ المساواة، ولا يؤمَن مع ذلك المفاضلة، ولم يختلفوا أن بيع الكرم بالزبيب، والرطب بالتمر المعلَّق في رؤوس النخل، والزرع بالحنطة مزابنة، إلا أن بعضهم قد سمى بيع الحنطة بالزرع محاقلةً أيضًا. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - (^١)، وهو بحثٌ مفيدٌ، والله تعالى أعلم.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٢٨] (١٥٤٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: كُنَّا لَا نَرَى بِالْخِبْرِ بَأْسًا، حَتَّى كَانَ عَامُ أَوَّلَ، فَزَعَمَ رَافِعٌ أَن نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و"أبو الربيع العتكيّ" هو: سليمان بن داود الزهرانيّ، و"عمرو" هو: ابن دينار.
_________________
(١) "التمهيد" ٢/ ٣١٣ - ٣١٤.
[ ٢٧ / ٢٣٧ ]
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٦٣) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (كُنَّا لَا نَرَى بِالْخِبْرِ بَأْسًا) "الْخِبْر" قال النوويّ - ﵀ -: ضبطناه بكسر الخاء، وفتحها، والكسر أفصح وأشهر، ولم يذكر الجوهريّ وآخرون من أهل اللغة غيره، وحكى القاضي عياض فيه الكسر والفتح والضمّ، ورجَّح الكسر، ثم الفتح، وهو بمعنى المخابرة. انتهى (^١).
وقوله: (حَتَّى كَانَ عَامُ أَوَّلَ) هكذا في النسخ مضبوطًا بضبط القلم برفع "عامُ"، وفتح "أولَ"، ووجهه أن "كان" هنا تامّة؛ أي: حتى جاء، و"عامُ" مرفوع على الفاعليّة، وهو مضاف إلى "أوّلَ"، وهو ممنوع من الصرف؛ للوصفيّة، ووزن الفعل.
ويَحْتَمِل أن تكون "كان" ناقصةً، واسمها مقدّرٌ؛ أي: حتى كان الزمن و"عامَ أول" منصوب على الخبريّة لها.
قال في "العمدة": قوله: "عام أول" بالصرف، وعدم الصرف؛ لأنه إما أفعل، أو فوعل، ويجوز بناؤه على الضم، وهذه الاضافة من إضافة الموصوف إلى صفته، وأصله عامًا أولَ. انتهى (^٢).
ومعنى "عامُ أولَ": قبل عامنا هذا، ووقع عند النسائيّ بلفظ: "عامَ الأولِ"، بتعريف الثاني.
قال في "القاموس"، و"شرحه": إذا جعلتَ "أوّلًا" (^٣) صفة منعته من
_________________
(١) شرح النوويّ" ١٠/ ٢٠١ - ٢٠٢.
(٢) "عمدة القاري" ١٣/ ٩٤.
(٣) وقد بسط في بيان اشتقاق لفظ "أوّل" وتصاريفه في "القاموس" و"شرحه"، أحببت إيراده؛ تكميلًا للفائدة، قال: والأول: ضد الآخر، وفي أصله أربعة أقوال: هل هو أوأل، على أفعل، أو فَوْعَلٌ، أو ووأل، بواوين، أو فَعْأل؟ وصحح أقوام أوأل؛ لجمعه على أوائل، وله ثلاثة استعمالات، أو أربعة، وفي "العُباب": أصله أوأل، على أفعل، مهموز الأوسط، قُلبت الهمزة واوًا، وأدغمت، يدلّ على ذلك قولهم: هذا أول منك، وجمعه: الأوائل، والأَوَالي أيضًا على القلب، وفي "التهذيب": قال بعض النحويين: أما قولهم: أوائل بالهمز، فاصله أواول، ولكن لما اكتنفت الألف واوان، ووَليت الأخيرةُ منهما الطرفَ، فضعفت، وكانت الكلمة =
[ ٢٧ / ٢٣٨ ]
الصرف، وإلا صرفته، تقول: لَقِيته عامًا أَوَّلَ، ممنوعًا من الصرف، قال ابن سِيدَهْ: أُجري مُجرى الاسم، فجاء بغير ألف ولام، ولقيته عامًا أَوَّلًا، مصروفًا، قال ابن السِّكِّيت: ولا تقل: عامَ الأَوَّل، وقال غيره: هو قليل. قال أبو زيد: يقال: لقِيتُهُ عامَ الأوّل، ويومَ الأوّل، بجرّ آخره، وهو كقولك: أتيتُ مسجدَ الجامع، قال الأزهريّ: وهذا من إضافة الشيء إلى نفسه، وحكاه ابن الأعرابيّ أيضًا، وتقول: ما رأيته مذْ عامٌ أوَّلُ، ومذ عامٌ أولَ، ترفعه على الوصف لعام، كأنه قال: أولُ من عامنا، وتنصبه على الظرف، كأنه قال: مذ عامٍ قبلَ عامنا، وإذا قلت: ابدأ به أوّلُ تضم على الغاية، كفعلته قبلُ، وفي "الصحاح": كقولك: افعله قبلُ، وقال ابن سيده: وأما قولهم: ابدأ بهذا أولُ، فإنما يريدون أولَ من كذا، ولكنه حُذِفَ؛ لكثرته في كلامهم، وبُنِي على الحركة؛ لأنه من المتمكن الذي جُعِل في موضع بمنزلة غير المتمكن، وإن أظهرتَ المحذوف، قلتَ: فعلته أولّ كلِّ شيء بالنصب، كما تقول: قبلَ فعلك، وتقول: ما رأيته مذ أمس، فإن لم تره يومًا قبل أمس، قلتَ: ما رأيته مذ أولَ من أمس، فإن لم تره مذ يومين قبل أمسِ قلت: ما رأيته مذ أولَ من أولَ من أمس، ولا تجاوز ذلك، كذا هو نص "الصحاح"، و"العُباب"
_________________
(١) = جمعًا، والجمع مستثقل، قُلبت الأخيرة منهما همزةً، وقلبوه، فقالوا: الأَوَالي، وفي "العباب"، و"الصحاح": وقال قوم: أصل الأوّل وَوْوْلٌ على فوعل، فقُلبت الواو الأولى همزةً، وإنما لم يُجمع على أوَاوِل؛ لاستثقالهم اجتماع واوين، بينهما ألف الجمع، وإن شئت قلت في جمعه: الأولون، قال أبو ذؤيب [من المتقارب]: أَدَانَ وَأَنْبَاهُ الأَوَّلُونَ … بِأنَّ الْمُدَانَ مَلِيٌّ وَفِيُّ وهي: الأولى، وقوله تعالى: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ قال الزجاج: قيل من لدن آدم إلى زمن نوح - ﵇ - وقيل: منذ زمن نوح إلى زمن إدريس - ﵇ - وقيل: منذ زمن عيسى إلى زمن محمد - صلى الله تعالى عليهما وسلم - قال: وهذا أجود الأقوال. انتهى. وجمع "أولى": أوَلٌ، كصُرَدٍ، مثل أخرى وأُخَر، وكذلك لجماعة الرجال من حيث التأنيث. انتهى. "القاموس" مع شرحه "تاج العروس" ٨/ ١٥٠ - ١٥١ بالاختصار.
[ ٢٧ / ٢٣٩ ]
بالحرف. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إضافة عام إلى الأول من إضافة الشيء إلى نفسه، كما تقدّم في قول الأزهريّ، وهو ممنوع، فلا بدّ من تأويله، بتقدير مضاف؛ أي: عام الزمن الأول، كما يقدّر في مثل قولك: أتيت مسجد الجامع بالإضافة؛ أي: مسجد المكان الجامع، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" حيث قال:
وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٢٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ - عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهَذا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: فَتَرَكْنَاهُ مِنْ أَجْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ) أبو إسحاق التمّار البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) من أفراد المصنّف تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٢.
٢ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكر بعضهم في الباب، وبعضهم قبله، و"سفيان" الأول هو: ابن عيينة، والثاني هو: الثوريّ، و"أيوب" هو: السختيانيّ، و"إسحاق بن إبراهيم" هو: ابن راهويه.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) أي: كلّ هؤلاء الثلاثة: سفيان بن عيينة، وأيوب السختيانيّ، وسفيان الثوريّ رووه عن عمرو بن دينار.
_________________
(١) "القاموس" مع شرحه "تاج العروس" ٨/ ١٥٠ - ١٥١.
[ ٢٧ / ٢٤٠ ]
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار ساقها الحميديّ في "مسنده" (١/ ١٩٨) فقال:
(٤٠٥) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا عمرو بن دينار، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: كنا نخابر، ولا نرى بذلك بأسًا، حتى زعم رافع بن خديج؛ أن رسول الله - ﷺ - نَهَى عنه، فتركنا ذلك من أجل قوله. انتهى.
وأما رواية أيوب السَّخْتيانيّ، عن عمرو بن دينار، فساقها أبو عوانة في "مسنده" (٣/ ٣١٤) فقال:
(٥١٢٣) - حدّثنا الصغانيّ، قثنا زهير بن حرب، قثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أخبرنا أيوب، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: كنا لا نرى بالْخَبْر بأسًا، حتى زعم رافع بن خَدِيج عامَ أوّلَ أن رسول الله - ﷺ - نَهَى عنها. انتهى.
وأما رواية سفيان الثوريّ، عن عمرو بن دينار، فساقها النسائيّ في "المجتبى" (٧/ ٤٨) فقال:
(٣٩١٧) - أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك، قال: أنبأنا وكيع، قال: حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: كنا نخابر، ولا نرى بذلك بأسًا، حتى زعم رافع بن خَدِيج أن رسول الله - ﷺ - نَهَى عن المخابرة. انتهى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٣٠] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيل، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقَدْ مَنَعَنَا رَافِعْ نَفْعَ أَرْضِنَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الْخَلِيلِ) صالح بن أبي مريم الضُّبَعيّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (مُجَاهِدُ) بن جَبْر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ إمام في التفسير وغيره [٣] (ت ١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) وله (٨٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
[ ٢٧ / ٢٤١ ]
والباقون ذُكروا قبله، و"إسماعيل" هو: ابن عُليّة، و"أيوب" هو: السَّختيانيّ.
وقوله: (لَقَدْ مَنَعَنَا رَافِعٌ نَفْعَ أَرْضِنَا) هذا فيه دلالة على أن ابن عمر - ﵄ - لم يكن يعتقد النهي عن المزارعة على الإطلاق تشريعًا عامًّا، وإلا لنَسب المنع إلى الشريعة، وإنما يريد: أني تركت نفع أرضي لمجرد قول رافع على سبيل الاحتياط.
والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٣١] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَن ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَفِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْر، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، حَتَّى بَلَغَهُ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ؛ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يُحَدِّثُ فِيهَا بِنَهْيِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَدَخَلَ عَلَيْه، وَأَنَا مَعَهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارع، فَتَرَكَهَا ابْنُ عُمَرَ بَعْدُ، وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْهَا بَعْدُ قَالَ: زَعَمَ رَافِعُ ابْنُ خَدِيج أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ) بضم حرف المضارعة، من الإكراء؛ أي: يزارع فيها.
وقوله: (حَتَّى بَلَغَهُ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ) وفي رواية ابن ماجه: عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يُكري أرضه، فأتاه إنسان، فأخبره عن رافع، فذكره.
وقوله: (وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ) قال في "الفتح": وإنما لم يذكر ابن عمر خلافة عليّ - ﵃ -؛ لأنه لم يبايعه؛ لوقوع الاختلاف عليه، كما هو مشهور
[ ٢٧ / ٢٤٢ ]
في صحيح الأخبار، وكان رأى أنه لا يبايع لمن لم يجتمع عليه الناس، ولهذا لم يبايع أيضًا لابن الزبير، ولا لعبد الملك في حال اختلافهما، وبايع ليزيد بن معاوية، ثم لعبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، أو لعل في تلك المدة - أعني مدة خلافة عليّ - لم يؤاجر أرضه، فلم يذكرها لذلك. انتهى (^١).
وقال بعضهم: ثم هذا مما يدلّ على وجوب التأويل في حديث رافع؛ لأن من العجيب أن لا يعلم مثل ابن عمر حكم المزارعة طوال صحبته مع رسول الله - ﷺ -، والخلفاء الراشدين، مع اشتغاله بها، وشدّة تمسّكه بأحكام الشرع، وأن لا يعلم حرمته طوال هذه المدّة غير رافع بن خديج من الصحابة الكبار، فلو كانت المزارعة ممنوعة مطلقًا لعلمه هؤلاء بيقين، فظهر أن العموم الظاهر من أحاديث رافع محمول على خصوص بعض الواقعات التي كانوا يتعارفونها. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: أما تأويل عموم حديث رافع - ﵁ - فمما لا شكّ فيه، وأما وأن لا يعلمه غير رافع، فغير صحيح، فقد علمه غيره من الصحابة؛ كجابر بن عبد الله، وأبي هريرة - ﵁ -، ولذا قال في "الفتح": وقد استظهر البخاريّ لحديث رافع بحديث جابر، وأبي هريرة - ﵄ - رادًّا على من زعم أن حديث رافع فردٌ، وأنه مضطربٌ، وأشار إلى صحة الطريقين عنه، حيث رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وقد رَوَى عن عمه، عن النبيّ - ﷺ -، وأشار إلى أن روايته بغير واسطة مقتصرة على النهي عن كراء الأرض، وروايته عن عمه مُفَسِّرة للمراد، وهو ما بيّنه ابن عباس - ﵄ - في روايته، من إرادة الرفق والتفضُّل، وأن النهي عن ذلك ليس للتحريم. انتهى (^٣).
(حَتَّى بَلَغَهُ فِي آخِرِ خِلَافَه مُعَاوِيةَ) وكان آخر خلافة معاوية في سنة ستين من الهجرة، قاله في "الفتح" (^٤).
والحاصل أن حديث رافع - ﵁ - صحيح بالطريقين، وتأويله واضح، وهو
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ١٤٥ "كتاب الحرث والمزارعة" رقم (٢٣٤٣).
(٢) "تكملة فتح الملهم" ١/ ٤٥٧.
(٣) "الفتح" ٦/ ١٤٦.
(٤) ٦/ ١٤٥.
[ ٢٧ / ٢٤٣ ]
أن النهي محمول على ما إذا تضمّن شرطًا فاسدًا، كان يشترط المالك ما على الماذيانات، أو على السواقي، أو نحو ذلك، وأما إذا خلا عن ذلك فجائز، وإن كان الأولى أن يمنح الأرض بلا مقابل، كما قال في حديث ابن عبّاس - ﵄ -: "لأن يمنح الرجل أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليها أجرًا معلومًا"، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث رافع بن خَدِيج - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٣٩٣١ و٣٩٣٢ و٣٩٣٣ و٣٩٣٤ و٣٩٣٥ و٣٩٣٦ و٣٩٣٧] (…)، و(البخاريّ) في" الإجارات" (٢٢٨٥) و"الحرث والمزارعة" (٢٣٤٣)، و(النسائي) في "المزارعة" (٧/ ٤٦ و٤٧) و"الكبرى" (٣/ ١٠٢)، و(ابن ماجه) في "الرهون" (٢٤٥٣)، و(مالك) في "الموطّإ" (٢/ ٦١١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٦ و٦٤ و٣/ ٤٦٤ و٤٦٥ و٤/ ١٤٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٣١٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٤/ ٢٤٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ١٢٨ و١٢٩)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٣٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع، وَأَبُو كَامِل، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (ح) وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ في حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ: فَالَ: فتَرَكَهَا ابْنُ عُمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فكَانَ لَا يُكْرِيهَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية حماد بن زيد، عن أيوب ساقها أبو عوانة في "مسنده" (٣/ ٣١٦) فقال:
(٥١٣٣) - حدّثنا الصغانيّ، قثنا عارم، قثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر يُكري مزارعه على عهد النبيّ - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وصدرًا من إمارة معاوية، فأتاه رجل، فقال: إن رافع بن
[ ٢٧ / ٢٤٤ ]
خَدِيج يزعم أن رسول الله - ﷺ - نَهَى عن كراء المزارعة، فانطلق إلى رافع، وانطلقت معه، فسأله، فقال: ما الذي بلغني عنك، تذكر عن النبيّ - ﷺ - في كراء المزارعة؟ قال: نعم نَهَى رسول الله - ﷺ - عن كراء المزارعة، قال: فكان عبد الله بعد ذلك إذا سئل عن كراء المزارعة قال: زعم رافع بن خَدِيج أن النبيّ - ﷺ - نَهَى عنه. انتهى.
وأما رواية إسماعيل ابن عُليّة، عن أيوب، فقد ساقها الإمام أحمد في "مسنده" (٤/ ١٤٠) فقال:
(١٧٢٩٥) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: أنا أيوب، عن نافع؛ أن ابن عمر بلغه أن رافعًا يحدّث في ذلك بنهيٍ عن رسول الله - ﷺ -، فأتاه، وأنا معه، فسأله، فقال: نَهَى رسول الله - ﷺ - عن كراء المزارع، فتركها ابن عمر، فكان لا يكريها، فكان إذا سئل يقول؛ زعم ابن خَديج أن رسول الله - ﷺ - نَهَى عن كراء المزارع. انتهى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٣٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ اِلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، حَتَّى أتاهُ بِالْبَلَاط، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارعِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وقبل باب، و"ابن نُمير" هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، و"عبيد الله" هو: ابن عُمر الْعُمَريّ.
وقوله: (حَتَّى أَتَاهُ بِالْبَلَاطِ) بفتح الموحّدة: مكان معروف بالمدينة، مبَلَّط بالحجارة، وهو بقرب مسجد رسول الله - ﷺ -، قاله النوويّ - ﵀ - (^١).
وقال ابن الأثير - ﵀ -: "البلاط" ضرب من الحجارة تُفرش به الأرض، ثمّ سُمّي المكان بَلاطًا؛ اتساعًا، وهو موضع معروف بالمدينة، تكرّر ذكره في الحديث. انتهى (^٢).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
(٢) "النهاية" ١/ ١٥٢.
[ ٢٧ / ٢٤٥ ]
وقال ابن منظور - ﵀ -: "البَلاط" بالفتح: الحجارة المفروشة في الدار وغيرها، قال الشاعر [من الرجز]:
هَذَا مَقَامِي لَكِ حَتَّى تَنْضَحِي … رِيًّا وَتَجْتَازِي بَلَاطَ الأَبْطَحِ
وأنشد ابن بَزيّ لأبي داود الإياديّ [من الخفيف]:
وَلَقَدْ كَانَ ذَا كَتَائِبَ خُضْرٍ … وَبَلَاطِ يُشَادُ بِالآجُرُونِ
ويقال: دارٌ مُبَلَّطَةٌ بآجرّ، أو حجارة، ويقال: بَلَطْتُ الدار، فهي مَبْلُوطَةٌ: إذا فَرَشتها بآجرّ، أو حجارة. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٣٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، وَحَجَاجُ بْنُ الشَاعِر، قَالَا: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زيدٍ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ أَتَى رَافِعًا، فَذَكَرَ هَدَا الْحَدِيثَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الْكِنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فيه، ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، والذي قبله، و"ابن أبي خَلَف" هو: محمد بن أحمد بن أبي خَلَف، و"زيد" هو: ابن أبي أُنيسة.
[تنبيه]: رواية الحكم عن نافع هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" (٣/ ٣١٧) فقال:
(٥١٣٥) - حدّثنا محمد بن عليّ بن ميمون الرقّيّ، قثنا عبد الله بن جعفر (ح) وحدّثنا الصغاني، قثنا على بن معبد، قالا: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الحكم، عن نافع، عن ابن عمر، قال نافع: أتى عبد الله رافعًا، فقال له عبد الله: أنت سمعت نبيّ الله - ﷺ - نَهَى عن ذلك؟ قال: نعم، كل ذلك يقول ابن عمر عن مزارعة وكرائها، فيقول رافع: نعم، فقال ابن عمر: ما كنا نَرَى بها بأسًا لولا ما ذَكَر. انتهى، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "لسان العرب" ٧/ ٢٦٤.
[ ٢٧ / ٢٤٦ ]
[٣٩٣٥] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدثَنَا حُسَيْن - يَعْنِي ابْنَ حَسَنِ بْنِ يَسَارٍ - حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَن ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْجُرُ الأَرْضَ (^١)، قَالَ: فَنبِّئَ حَدِيثًا عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - قَالَ - فَانْطَلَقَ بِي مَعَهُ إِلَيْهِ - قَالَ - فَذَكَرَ عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِه، ذَكَرَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْض، قَالَ: فَتَرَكَهُ ابْنُ عُمَرَ، فَلَمْ يَأْجُرْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حُسَيْنُ بْنُ حَسَنِ بْنِ يَسَارٍ) أبو عبد الله البصريّ، يقال: إنه من آل مالك بن يسار، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٨) (خ م س) تقدم في "الحج" ٦٢/ ٣٢٠١.
٢ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كَانَ يَأْجُرُ الأَرْضَ) أي: يُزارع فيها، وفي بعض النسخ: "يؤاجر"، قال الفيّوميّ - ﵀ -: أَجَرَهُ الله أَجْرًا، من باب قَتَل، ومن باب ضَرَب لغة بني كعب، وآجَرَه بالمدّ لغة ثالثة: إذا أثابه، وأَجَرْتُ الدارَ، والعبدَ باللغات الثلاث، قال الزمخشريّ: وآجَرْتُ الدارَ على أفعلتُ، فأنا مؤجِرٌ، ولا يقال: مُؤَاجِرٌ، فهو خطأ، ويقال: آجَرْتُهُ مُؤَاجَرَةً، مثلُ عاملته معاملةً، وعاقدته معاقدةً، ولأن ما كان من فَاعَل في معنى المعاملة؛ كالمشاركة، والمزارعة، إنما يتعدى لمفعول واحد، ومُؤَاجَرَةُ الأجير من ذلك، فَآجَرْتُ الدارَ، والعبدَ، من أفعل، لا من فاعل، ومنهم من يقول: آجَرْتُ الدارَ على فاعل، فيقول: آجَرْتُهُ مُؤَاجَرَةً، واقتصر الأزهريّ على آجَرْتُهُ، فهو مُؤجَرٌ، وقال الأخفش: ومن العرب من يقول: آجَرْتُهُ، فهو مُوجَرٌ، في تقدير: أفعلْتُ، فهو مُفْعَل، وبعضهم يقول: فهو مُؤَاجَرٌ، في تقدير: فاعلته، ويتعدى إلى مفعولين، فيقال: آجَرْتُ زيدًا الدارَ، وآجَرْتُ الدارَ زيدًا على القلب، مثلُ أعطيت زيدًا درهمًا، وأعطيت درهمًا زيدًا، ويقال: آجَرْتُ من زيدٍ الدارَ؛ للتوكيد (^٢)، كما يقال: بعت زيدًا
_________________
(١) وفي نسخة: "كان يؤاجر الأرض".
(٢) أي زيدت "من" لأجل التوكيد.
[ ٢٧ / ٢٤٧ ]
الدارَ، وبعتُ من زيد الدارَ، والأُجْرَةُ: الكراء، والجمع أُجَرٌ، مثل غرْفة وغُرَف، وربما جُمعت أُجُرَات، بضم الجيم، وفتحها، ويُستعمل الأَجْرُ بمعنى الإِجَارَة، وبمعنى الأُجْرَة، وجمعه أُجُورٌ، مثل فَلْس وفُلُوس، وأعطيته إِجَارَتَهُ بكسر الهمزة؛ أي: أُجْرَتَهُ، وبعضهم يقول: أُجَارَتَه، بضم الهمزة؛ لأنها هي العُمالة، فتضمها، كما تضمها، واسْتَأْجَرْتُ العبدَ: اتخذته أَجِيرًا، ويكون الأجِيرُ بمعنى فاعل، مثلُ نَدِيم، وجَلِيس، وجمعه أُجَرَاء، مثلُ شَرِيف وشُرَفاء. انتهى (^١).
[تنبيه]: وقع في شرح النوويّ - ﵀ -، ما نصّه: قوله: (عن نافع؛ أن ابن عمر كان يأخذ الأرض، فنُبِّيء حديثًا عن رافع بن خَديج) فذكروا في آخره: "فتركه ابن عمر، ولم يأخذه"، هكذا هو في كثير من النسخ "يأخذ" بالخاء والذال، من الأخذ، وفي كثير منها: "يَأْجُرُ" بالجيم المضمومة، والراء، في الموضعين، قال القاضي، وصاحب "المطالع": هذا هو المعروف لجمهور رواة "صحيح مسلم"، قال صاحب "المطالع": والأول تصحيف، وفي بعض النسخ: "يؤاجر"، وهذا صحيح. انتهى (^٢).
وقوله: (فَنُبِّئَ حَدِيثًا عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: أخبره مخبر بحديث عن رافع - ﵁ -، وفي الرواية الآتية: "كان يُكري أرضيه، حتى بلغه أن رافع بن خديج الأنصاريّ كان ينهى عن كراء الأرض … "، وفي رواية ابن ماجه عن نافع، عن ابن عمر: "أنه كان يُكري أرضه، فأتاه إنسان، فأخبره عن رافع … ".
وقوله: (فَذَكَرَ عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِهِ) وفي الرواية الآتية بعد حديث: "سمعت عَمَّيَّ - بالتثنية - وكانا شهدا بدرًا … "، اسم أحدهما ظُهير بن رافع، والثاني: مُظْهِر، وقيل: مُهَير، وسيأتي تمام البحث فيه هناك - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: "العمومة": جمع العَمّ، قال في "القاموس"، و"شرحه": الْعَمّ: أخو الأب، جمعه أعمامٌ، وعُمُومٌ، وعُمُومةٌ، قال سيبويه: أدخلوا فيه الهاء؛ لتحقيق التأنيث، ونظيره الفُحولة، والْبُعُولة، وأَعُمٌّ، وجمع جمعه: أَعْمُمُون،
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٥٠٦.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ٢٠٣.
[ ٢٧ / ٢٤٨ ]
وهي عَمّةٌ، والمصدر: الْعُمومة، بالضمّ، كالأبوّة، والْخُؤُولة. انتهى (^١).
وقوله: (ذَكَرَ فِيهِ عَنِ النَّبِيُّ - ﷺ -) فاعل "ذَكَرَ" ضمير بعض عمومته، وضمير "فيه" يعود إيجار الأرض، بمعنى المزارعة؛ أي: ذكر في شأن إيجار الأرض.
والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٣٦] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ: فَحَدَّثَهُ عَنْ بَعْضِ عُمُومَتِه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابد [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: رواية يزيد بن هارون، عن ابن عون هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده (٣/ ٣١٧) فقال:
(٥١٣٨) - حدّثنا الدقيقيّ، وعمار بن رَجاء، قالا: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنبا ابن عون، عن نافع؛ أن ابن عمر كان يأخذ كراء الأرض، فبلغه عن رافع بن خَديج حديثٌ، فأخذ بيدي، فانطلقت إلى رافع بن خديج، فحدّثه عن بعض عمومته؛ أن رسول الله - ﷺ - نَهَى عن كراء الأرض، فتركه ابن عمر بعدُ. انتهى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٣٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُكْرِي أَرَضِيه، حَتَّى بَلَغَهُ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ الأنصَارِيَّ كَانَ يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْض، فَلَقِيَهُ عَبْدُ الله، فَقَالَ: يَا ابْنَ خَدِيجٍ، مَاذَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي كِرَاءِ الأَرْضِ؟ قَالَ رَافِعُ بْنُ
_________________
(١) "القاموس" مع شرحه "تاج العروس" ٨/ ٤٠٩.
[ ٢٧ / ٢٤٩ ]
خَدِيجٍ لِعَبْدِ الله: سَمِعْتُ عَمَّيَّ - وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْرًا - يُحَدِّثَانِ أَهْلَ الدَّارِ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ. قَالَ عَبْدُ الله: لَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُول الله - ﷺ - أَن الأَرْضَ تُكْرَى، ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللهِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَحْدَثَ في ذَلِكَ شَيْئًا، لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ، فتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ) الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م دس) تقدم في "الإيمان"٢٦/ ٢١١.
٢ - (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصري؛ ثقةٌ نبيل فقية، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م دس) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
والباقون تقدّموا قبل ثلاثة أبواب، و"رافع" ذُكر في السند الماضي.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَاب؛ أنهُ قَالَ: أخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ الله؛ أَن عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ) بن الخظاب - ﵄ - (كَانَ يُكْرِي أَرَضِيهِ) قال النوويّ ﵀: كذا في بعض النسخ: "أَرَضِيهِ" بفتح الراء، وكسر الضاد، على الجمع، وفي بعضها: "أَرْضَهُ" على الأفراد، وكلاهما صحيح. انتهى (^١). (حَتَّى بَلَغَهُ أَن رَافِعَ بْنَ خَدِيج الأنصَارِيَّ كَانَ يَنْهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْضِ) أي: آخذا من النبي - ﷺ -.
[تنبيه]: لم يصرّح سالم في هذه الرواية سماعه من رافع، وقد صرّح بذلك في رواية النسائيّ في "الكبرى"، فقد أخرجه من طريق مالك، عن الزهريّ؛ أن سالم بن عبد الله أخبره، وسأله عن كراء المزارع، فقال: أخبرنا رافع بن خَدِيج أن عمّيه، وكانا شهدا بدرًا أخبراه أن رسول الله - ﷺ - نَهَى عن كراء المزارع، فترك عبد الله كراءها، وكان يُكريها قبل ذلك.
(فَلَقِيَهُ عَبْدُ الله) بن عمر - ﵄ - (فَقَالَ: يَا ابْنَ خَدِيج، مَاذَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُول اللهِ - ﷺ - فِي كِرَاءِ الأَرْضِ؟ قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ لِعَبْدِ اللهِ) بن عمر جوابًا
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٢٠٣.
[ ٢٧ / ٢٥٠ ]
عن سؤاله (سَمِعْتُ عَمَّيَّ) بصيغة التثنية، أحدهما ظُهير بن رافع، كما يأتي في رواية أبي النجاشيّ، والآخر قال الكاباذيّ: لم أقف على اسمه، وذَكَر غيره أن اسمه مُظَهَّر - بضمّ الميم، وفتح الظاء، وتشديد الهاء المكسورة، وضبطه عبد الغنيّ، وابن ماكولا، هكذا زعم بعض من صنّف في المبهمات. قال الحافظ: ورأيت في "الصحابة" لأبي القاسم البغويّ، ولأبي عليّ بن السكن من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار، عن رافع بن خديج: "أن بعض عمومته"، قال سعيد: زعم قتادة أن اسمه مُهَيْر، فذكر الحديث، فهذا أولى أن يُعتمد، وهو بوزن أخيه ظُهير، كلاهما بالتصغير. انتهى (^١).
وقوله: (وَكَانَا قَدْ شَهِدَا بَدْرًا) أنكر هذا الدمياطي، وقال: إنما شَهِدا أُحُدًا، واعتَمَد على ابن سعد في ذلك، قال الحافظ: ومن أثبت شهودهما أثبتُ ممن نفاه. انتهى (^٢).
(يُحَدِّثَانِ أَهْلَ الدَّارِ) أي: أهل القرية (أَن رَسُولَ الله - ﷺ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ الأَرْض، قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُول اللهِ - ﷺ - أَن الأَرْضَ تُكْرَى، ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ الله أَنْ يَكُونَ رَسُولُ الله - ﷺ - أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا) أي: من النهي (لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ، فتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ)؛ أي: تورّعًا، واحتياطًا.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.