وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٢٦] (١٤٣٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَت امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزّبِيرِ، وإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟، لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ،
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٥٥ - ١٥٦.
[ ٢٥ / ٤٣٠ ]
وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ"، قَالَتْ، وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ، وَخَالِدٌ بِالْبَابِ، يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَنَادَى: يَا أَبَا بَكْرٍ! ألَا تَسْمَعُ هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب.
٢ - (عُرْوَةُ) بن الزبير، تقدّم قريبًا.
٣ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدّمت أيضًا قريبًا.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُمَاسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة الأخذ، والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول كوفيّ، والثاني بغدادي، وسفيان، فمكيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عروة من الفقهاء السبعة، وعائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - أنها (قَالَتْ: جَاءَت امْرَأَةُ رِفَاعَةَ) - بكسر الراء - وهو رفاعة بن سَمَوْأل - بفتح المهملة، والميم، وسكون الواو، بعدها همزة، ثم لام (^١) - الْقُرَظيّ - بالقاف، والظاء المعجمة - من بني قُريظة، قال وليّ الدين: وقيل: هو ابن رفاعة، وهو أحد العشرة الذين نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ الآية [القصص: ٥١]، كما رواه الطبرانيّ في "معجمه"، وابن مردويه في
_________________
(١) ضبط وليّ الدين - ﵀ - في "طرح التثريب" (٧/ ٩٤) اسم أبيه "السَّمْوَال" بفتح السين المهملة، وإسكان الميم، فليُحَرَّر.
[ ٢٥ / ٤٣١ ]
"تفسيره" من حديث رفاعة بإسناد صحيح. انتهى (^١).
وامرأته سمّاها مالك في روايته من حديث عبد الرحمن بن الزّبِير، كما أخرجه ابن وهب، والطبرانيّ، والدارقطنيّ في "الغرائب" موصولًا، وهو في "الموطّإ" مرسلٌ: تَميمة بنت وهب، وهي بمثنّاة، واختُلف هل هي بفتحها، أو بالتصغير؟ والثاني أرجح، ووقع مجزومًا به في النكاح لسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، وقيل: اسمها سُهيمة - بسين مصغرًا - أخرجه أبو نُعيم، وكأنه تصحيف. وعند ابن منده: أميمة بألف، أخرجه من طريق أبي صالح، عن ابن عبّاس، وسمّى أباها الحارث، وهي واحدة اختلف في التلفّظ باسمها، والراجح الأول، قاله في "الفتح" (^٢).
وقال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: وامرأته تميمة بنت وهب، كما رواه مالك في "الموطإ" من رواية ابن وهب، عنه، عن المسور بن رفاعة، عن الزّبِير بن عبد الرحمن بن الزّبِير، عن أبيه: "أنّ رفاعة طلّق امرأته ثلاثًا على عهد رسول الله - ﷺ -، فتزوّجها عبد الرحمن بن الزّبير، فاعتُرض عنها، فلم يَستطع أن يمسّها، فطلّقها، ولم يمسّها، فأراد رفاعة أن ينكحها، وهو زوجها الذي كان طلّقها قبل عبد الرحمن، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ -، فنهاه عن تزويجها، وقال: لا يحلّ لك حتى تذوق العسيلة".
هكذا أسنده ابن وهب، عن مالك في روايته، ومن طريقه رواه البيهقيّ في "سننه"، وابن عبد البرّ في "التمهيد"، ورواه يحيى بن يحيى، وأكثر رواة "الموطّإ" عن مالك مرسلًا، لم يقولوا: "عن أبيه"، قال ابن عبد البرّ: وابنُ وهب من أجلّ من روى عن مالك هذا الشأن، وأثبتهم فيه، قال: فالحديث مسندٌ متّصلٌ صحيح، وتابع ابن وهب على روايته عن مالك متّصلًا إبراهيم بن طهمان، رواه النسائيّ في "مسند مالك"، وعُبيد الله بن عبد المجيد الحنفيّ، قال: وذكره أيضًا سحنون، عن ابن وهب، وابن القاسم، وعليّ بن زياد، كلهم عن مالك، وفيه: "عن أبيه" (^٣).
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٧/ ٩٤ - ٩٥.
(٢) "الفتح" ١٢/ ١٩٧.
(٣) راجع: "التمهيد" ١٣/ ٢٢٠ - ٢٢١.
[ ٢٥ / ٤٣٢ ]
قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": وكذا رواه القعنبيّ عن مالك متّصلًا، رواه الطبرانيّ في "معجمه الكبير" عن عبد العزيز، عن القعنبيّ. انتهى.
قال وليّ الدين: وهذا الذي ذكرته من أنها تميمة بنت وهب، هو الذي ذكره ابن بشكوال في "مبهماته"، وقال ابن طاهر في "مبهماته": هي أميمة بنت الحارث، كما روي عن ابن عبّاس، وقيل: تميمة بنت أبي عُبيد القرظيّة، روي عن قتادة، وفي حديث عائشة: "تميمة بنت وهب". انتهى (^١).
(إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلَاقِي) أي طلّقني ثلاثًا، وفي الرواية التالية: "إنها كانت تحت رفاعة، فطلّقها آخر ثلاث تطليقات"، ومعنى: "بَتَّ": قَطَع، يقال: بتّ الرجل طلاق امرأته، وأبتّها بالألف: إذا قطعها عن الرجعة، قال الفيّوميّ - ﵀ -: بَتَّهُ بَتًّا، من باب ضرب، وقتل: قطعه، وبتّ الرجل طلاق امرأته، فهي مبتوتةٌ، والأصلُ مبتوتٌ طلاقها، وطلّقها طَلْقةً بَتَّةً، وبَتَّها بَتَّةً: إذا قطعها عن الرجعة، وأبتّ طلاقها بالألف لغةٌ، قال الأزهريّ: ويُستعمل الثلاثيّ والرباعيّ لازمين، ومتعدّيين، فيقال: بتّ طلاقَهَا، وأبتّ، وطلاقٌ باتٌّ، ومُبِتٌّ، وقال ابن فارس: يقال لما لا رجعة فيه: لا أفعله بَتَّةً. انتهى (^٢).
قال الشيخ ابن دقيق العيد - ﵀ - في "شرح العمدة": تطليقه إياها بالبتات من حيث اللفظ يَحْتَمِل أن يكون بإرسال الطلقات الثلاث، ويَحْتَمِل أن يكون بإيقاع آخر طلقة، ويَحْتَمِل أن يكون بإحدى الكنايات التي تُحمَل على البينونة عند جماعة من الفقهاء، وليس في اللفظ عموم، ولا إشعار بأحد هذه المعاني، وإنما يؤخذ ذلك من أحاديث أخر، تبيّن المراد، ومن احتجّ على شيء من هذه الاحتمالات بالحديث، فلم يُصب؛ لأنه إنما دلّ على مطلق البتّ، والدّالّ على المطلق لا يدلّ على أحد قيديه بعينه (^٣).
قال وليّ الدين - ﵀ -: اعتبر الشيخ لفظ الرواية التي شرحها، وهذه الرواية
_________________
(١) "طرح التثريب" ٧/ ٩٥.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٣٥.
(٣) "إحكام الأحكام" ٤/ ٢٠٠ - ٢٠١.
[ ٢٥ / ٤٣٣ ]
التي هنا صريحة في الاحتمال الثاني، فإن لفظها "آخر ثلاث تطليقات"، فدلّ على أنه لم يجمعها لها دفعةً واحدةً، واعتبر ابن عبد البرّ لفظ الرواية التي سقناها من "الموطّإ"، فاستدلّ به على جواز جمع الطلاقات الثلاث، ثم قال: ويَحْتَمِل أن يكون طلاقه ذلك آخر ثلاث طلقات، ولكن الظاهر لا يُخرَج عنه إلا ببيان. انتهى.
قال وليّ الدّين: وقد عرفت أن هذا الاحتمال هو صريح لفظ الرواية التي نحن في شرحها.
واعتبر القرطبيّ لفظة: "فبتّ طلاقها"، وقال: ظاهره أنه قال لها: أنت طالقٌ البتّة، فيكون حجةً لمالك على أن البتّةَ محمولةٌ على الثلاث في المدخول بها، ويَحتمل أن يريد به آخر ثلاث تطليقات، كما جاء في الرواية الأخرى: "أن رجلًا طلّق امرأته ثلاثًا"، وجاز أن يُعبّر عنها بالبتَات؛ لأن الثلاث قطعت جميع الْعُلَق، والطلاق. انتهى (^١).
قال وليّ الدين: وكلّ ذلك ذهول عن قوله في هذه الرواية: "فطلّقها آخر
ثلاث تطليقات". انتهى.
وقال الحافظ في "الفتح" - بعد ما ذكر نحو ما ذكره القرطبيّ عن مالك، من أن البتّة محمولة على ثلاث تطليقات - ما نصّه: وهو عَجَبٌ ممن استدلّ به، فإن البتّ بمعنى القطع، والمراد به قطع العصمة، وهو أعمّ من أن يكون بالثلاث مجموعةً، أو بوقوع الثالثة التي هي آخر ثلاث تطليقات، وقد جاء في رواية البخاريّ في "اللباس" مصرّحًا به أنه طلّقها آخر ثلاث تطليقات، فبطل الاحتجاج به. انتهى (^٢).
(فتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ) قال النوويّ - ﵀ -: بفتح الزاي، وكسر الموحّدة بلا خلاف، وهو الزَّبير بن باطاء، ويقال: باطياء، وكان عبد الرحمن صحابيًّا، والزَّبِيرُ قُتل يهوديًّا في غزوة بني قُريظة.
وهذا الذي ذكرنا من أن عبد الرحمن بن الزَّبِير بن باطاء القرظيّ هو الذي تزوّج امرأة رفاعة القُرظيّ هو الذي ذكره أبو عمر بن عبد البرّ، والمحقّقون،
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٣٤.
(٢) "الفتح" ١٠/ ٥٨٧.
[ ٢٥ / ٤٣٤ ]
وقال ابن منده، وأبو نعيم الأصفهانيّ في كتابيهما في "معرفة الصحابة": إنما هو عبد الرحمن بن الزبير بن زيد بن أُميّة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن أوس، والصواب الأول. انتهى (^١).
قال وليّ الدين - ﵀ -: وأما ابنه الزبير بن عبد الرحمن، فقيل: هو كجدّه بالفتح، وصححه ابن عبد البرّ، وحكاه عن رواية يحيى بن يحيى، وابن وهبٍ، وابن القاسم، والقعنبيّ، وغيرهم، وحَكَى الاختلاف فيه في رواية يحيى بن بكير، والذي يقتضيه كلام البخاريّ، والدارقطنيّ، وابن ماكولا أنه بالضمّ كالجدّ (^٢)، وصحّحه الذهبيّ. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": واتفقت الروايات كلّها عن هشام بن عروة أن الزوج الأول رِفَاعة، والثاني عبد الرحمن، وكذا قال عبد الوهّاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة في "كتاب النكاح" له، عن قتادة أن تَميمة بنت أبي عُبيد القرظيّة كانت تحت رفاعة، فطلّقها، فخَلَفَ عليها عبدُ الرحمن بن الزَّبِير، وتسميته لأبيها لا تنافي رواية مالك، فلعلّ اسمه وهب، وكنيته أبو عبيد.
إلا ما وقع عند ابن إسحاق في "المغازي" من رواية سلمة بن الفضل عنه، وتفرّد به عنه، عن هشام، عن أبيه، قال: كانت امرأة من قُريظة، يقال لها: تميمة تحت عبد الرحمن بن الزَّبير، فطلّقها، فتزوّجها رفاعة، ثم فارقها، فأرادت أن ترجع إلى عبد الرحمن بن الزَّبِير، وهو مع إرساله مقلوب، والمحفوظ ما اتفق عليه الجماعة عن هشام. انتهى.
(وَإِنَّ مَا مَعَهُ) أي وإن الذي معه، تعني ذَكَرَهُ الذي يجامعها به (مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ) وفي الرواية التالية: "وإنه والله مَا مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ الْهُدْبَةِ"، و"الْهُدْبةُ" - بضمّ الهاء، وسكون الدال المهملة، بعدها موحّدةٌ مفتوحةٌ - هو طرَفُ الثوب الذي لم يُنسَج، مأخوذ من هُدْب العين (^٤)، وهو شَعْر الْجَفْن، وأرادت أن ذَكَرَهُ يُشبه
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٢.
(٢) هكذا نسخة: "الطرح" بلفظ "كالجدّ"، وهو غلط بلا شكّ، فإن جدّه بالفتح بلا خلاف، ولعلّ الصواب بخلاف الجدّ، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(٣) "طرح التثريب" ٧/ ٩٦.
(٤) جمعه أهداب، مثلُ قُفْل وأقفال.
[ ٢٥ / ٤٣٥ ]
الهُدْبة في الاسترخاء، وعدم الانتشار، قاله في "الفتح" (^١).
وقال وليّ الدين: "الْهُدْبةُ" - بضم الهاء، وإسكان الدال، بعدها باء موحّدة - هي طرف الثوب الذي لم يُنسَج، وهو ما يبقى بعد قطع الثوب من السِّداء، شُبّه بهُدْب العين، وهو شعر جَفْنها، ثم يَحْتَمِل أن يكون تشبيه الذَّكَر بالهدبة لصغره، ويَحْتَمِل أن يكون لاسترخائه، وعدم انتشاره (^٢).
وفي رواية للبخاريّ من طريق أبي معاوية، عن هشام: "فتزوّجت زوجًا غيره، فلم يَصِلْ منها إلى شيء يريده"، وعند أبي عوانة من طريق الدراورديّ، عن هشام: "فنكحها عبد الرحمن بن الزَّبير، فاعتُرِضَ عنها"، وقوله: "فاعتُرِضَ" بضم المثناة، وآخره ضادٌ معجمةٌ، أي حصل له عارضٌ، حال بينه وبين إتيانها، إما من الجنّ، وإما من المرض.
وفي رواية للبخاريّ من طريق يحيى بن سعيد القطّان، عن هشام: "فَذَكَرتْ له أنه لا يأتيها"، وفي رواية من طريق أبي معاوية، عن هشام: "فلم يقربني إلا هَنَةً واحدةً، ولم يَصِل منّي إلى شيء"، و"الهنَة" - بفتح الهاء، وتخفيف النون -: المرّة الواحدة الحقيرة.
(فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية النسائيّ: "فضحك رسول الله - ﷺ -"، قال النوويّ: قال العلماء: إن التبسّم للتعجّب من جهرها، وتصريحها بهذا الذي تستحيي منه النساء في العادة، أو لرغبتها في زوجها الأول، وكراهة الثاني، والله أعلم. انتهى (^٣).
(فَقَالَ: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟) قال وليّ الدين - ﵀ -: هكذا رويناه بفتح التاء، وكسر الجيم. ويجوز أن يكون بضمّ التاء، وفتح الجيم، مبنيًّا للمفعول، وسببه أنه فَهِم عنها إرادة فراق عبد الرحمن، وإرادة أن يكون فراقها سببًا للرجوع إلى رفاعة، وكأنه قيل لها: إن هذا المقصود لا يحصل على تقدير أن يكون الأمر على ما ذكرت. انتهى (^٤).
وفي رواية للبخاريّ من طريق أيوب، عن عكرمة: أن رفاعة طلّق امرأته،
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٩٨.
(٢) "طرح التثريب" ٧/ ٩٧.
(٣) "شرح النوويّ" ١٠/ ٣ - ٤.
(٤) "طرح التثريب" ٧/ ٩٧.
[ ٢٥ / ٤٣٦ ]
فتزوّجها عبد الرحمن بن الزَّبِير القرظي، قالت عائشة: فجاءت، وعليها خمار أخضر، فشكت إليها - أي إلى عائشة من زوجها، وأرتها خُضْرةً بجلدها، فلما جاء رسول الله - ﷺ -، والنساء ينصر بعضهنّ بعضًا، قالت عائشة: ما رأيت ما يَلْقَى المؤمناتُ، لَجِلْدُها أشدُّ خضرةً من ثوبها، قال: وسمع زوجها أنها قد أتت رسولَ الله - ﷺ -، فجاء، ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله ما لي إليه من ذَنْب إلا أن ما معه، ليس بأغنى عنّي من هذه، وأخذت هدبة من ثوبها، فقال: كذبتْ والله يا رسول الله، إني لأنفضُها نَفْضَ الأديم، ولكنها ناشزةٌ، تريد رفاعة، قال: "فإن كان ذلك لم تحلّي له، أو لم تصلحي له حتى يذوق من عُسَيلتك"، قال: وأبصر معه ابنين له، فقال: "بنوك هؤلاء؟ " قال: نعم، قال: "هذا الذي تزعمين ما تزعُمين؟، فوالله لهم أشبه به من الغراب بالغراب".
قال في "الفتح": وكأن هذه المراجعة بينهما هي التي حملت خالد بن سعيد بن العاص على قوله الذي وقع في هذه الرواية.
قال - ﷺ -: ("لَا) أي لا ترجعين إلى رفاعة (حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ) أي عسيلة عبد الرحمن بن الزَّبِير (وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ") قال النوويّ - ﵀ -: هو بضمّ العين، وفتح السين، تصغير عَسَلَة، وهي كناية عن الجماع، شبّه لذّته بلذّة العسل، وحلاوته، قالوا: وأنّث العسيلة؛ لأن في العسل نعتين: التذكير والتأنيث، وقيل: أنّثها على إرادة النطفة، وهذا ضعيف؛ لأن الإنزال لا يُشترط. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ: وهذه استعارة لطيفة، فإنه شبّه لذّة الجماع بحلاوة العسل، أو سمّى الجماعَ عسَلًا؛ لأن العرب تُسمّي كلَّ ما تستحليه عَسَلًا، وأشار بالتصغير إلى تقليل القدر الذي لا بُدّ منه في حصول الاكتفاء به، قال العلماء: وهو تغييب الحَشَفَة؛ لأنه مظِنّةُ اللّذّة. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": كذا في الموضعين بالتصغير، واختُلف في توجيهه، فقيل: هي تصغير العسل؛ لأن العسل مؤنّث، جزم به القزّاز، ثم قال:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٢ - ٣.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٠٩ - ٤١٠.
[ ٢٥ / ٤٣٧ ]
وأحسب التذكير لغة، وقال الأزهريّ: يُذكّر، ويؤنّث، وقيل: لأن العرب إذا حقّرت الشيءَ أدخلت فيه هاء التأنيث، ومن ذلك قولهم: دُريهمات، فجمعوا الدرهم جمعَ المؤنّث عند إرادة التحقير، وقالوا أيضًا في تصغير هند: هُنيدة، وقيل: التأنيث باعتبار الوطأة إشارة إلى أنها تكفي في المقصود من تحليلها للزوج الأول، وقيل: المراد قطعة من العسل، والتصغير للتقليل إشارة إلى أن القدر القليل كافي في تحصيل الحلّ، قال الأزهريّ: الصواب أن معنى الْعُسَيلة حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج، وأنّث تشبيهًا بقطعة من عسل، وقال الداوديّ: صُغّرت لشدّة شبهها بالعسل، وقال أبو عبيد: العسيلة لذّة الجماع، والعرب تُسمّي كل شيء تستلذّه عَسَلًا.
وقال الجوهريّ: صُغّرت العَسَلة بالهاء؛ لأن الغالب في العسل التأنيث، قال: ويقال: إنما أنّث لأنه أريد به العسلة، وهي القطعة منه، كما يقال للقطعة من الذهب: ذَهَبَة. انتهى.
وقيل: معنى الْعُسَيلة: النطفة. وهذا يوافق قول الحسن البصريّ القائل باشتراط حصول الإنزال في صحّة التحليل، وخالف بذلك جمهور العلماء، فإنهم جعلوا الشرط إدخال الحشفة في الفرج فقط، وهو الحقّ، فقد جاء تفسير العُسَيْلة بالجماع مرفوعًا، أخرجه الإمام أحمد في "مسنده"، ولفظه:
حدثنا مروان، قال: أخبرنا أبو عبد الملك المكي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة، أن النبيّ - ﷺ - قال: "الْعُسَيلة هي الجماع".
ورجال هذا الإسناد رجال الصحيح، غير: أبي عبد الملك، وهو إسماعيل بن عبد الملك بن الصُّفير، قال ابن معين في رواية: ليس به بأس، وقال البخاريّ، وابن عديّ: يُكتب حديثه، وتكلّم فيه غيرهم، وقال في "التقريب": صدوق، كثير الوهم. انتهى.
وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
و(قَالَتْ) عائشة - ﵂ - (وَأَبُو بَكْرٍ) الصدّيق - ﵁ -، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٨/ ١٣٣. (عِنْدَهُ) أي جالس عند النبيّ - ﷺ -، والجملة في محلّ نصب على الحال (وَخَالِدٌ) أي ابن سعيد بن العاص بن أميّة بن عبد شمس الأمويّ، أبو سعيد، أمه أم خالد بنت حُباب الثقفيّة، من السابقين الأولين، قيل: كان رابعًا، أو
[ ٢٥ / ٤٣٨ ]
خامسًا، وكان سبب إسلامه رؤيا رآها أنه على شِعْب نار، فأراد أبوه أن يَرميه فيها، فإذا النبيّ - ﷺ - قد أخذ بحُجْزته، فأصبح، فأَتَى أبا بكر، فقال: اتَّبِعْ محمدًا، فإنه رسول الله، فجاء، فأسلم، فبلغ أباه، فعاقبه، ومنعه القُوتَ، ومنع إخوته من كلامه، فتغيب، حتى خرج بعد ذلك إلى الحبشة، فكان ممن هاجر إلى أرض الحبشة، ووُلد له هناك بنته أم خالد، قيل: استُشْهِد خالد يوم مَرْج الصُّفْر، وقيل: يوم أجنادين، وقد اختَلَف أهل التاريخ أيُّهما كان قبلُ، والله أعلم، ذكره في "الإصابة" (^١).
وليس له في الكتب الستّة رواية، وإنما له ذكرٌ فقط.
و(بِالْبَابِ) أي ببابه - ﷺ - (يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ) أي في الدخول، وفي الرواية التالية: "وخالد بن سعيد بن العاص جالسٌ بباب الْحُجْرة، لم يُؤذن له" (فَنَادَى يَا أَبَا بَكْرٍ: ألَا تَسْمَعُ هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ) "ما" موصولة بدل من اسم الإشارة (عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟) وفي الرواية التالية: "فطفق خالذ يُنادي أبا بكر: ألا تزجُر هذه عما تجهر به عند رسول الله - ﷺ -"؟.
كَرِه - ﵁ - جهرها بما هو خليق بالإخفاء، ولا سيّما من النساء أمامه - ﷺ -.
قال في "الفتح": وفيه ما كان الصحابة - ﵃ - عليه من سلوك الأدب بحضرة النبيّ - ﷺ -، وإنكارهم على من خالف ذلك بفعله، أو قوله؛ لقول خالد بن سعيد لأبي بكر الصدّيق - ﵄ -، وهو جالس: "ألا تنهى هذه؟ "، وإنما قال خالد ذلك لأنه كان خارج الحجرة، فاحتَمَل عنده أن يكون هناك ما يمنعه من مباشرة نهيها بنفسه، فأمر به أبا بكر؛ لكونه جالسًا عند النبيّ - ﷺ -، مشاهدًا لصورة الحال، ولذلك لما رأى أبو بكر النبيّ - ﷺ - يتبسّم عند مقالتها لم يزجرها، وتبسّمه - ﷺ - كان تعجّبًا منها، إما لتصريحها بما يستحيي النساء من التصريح به غالبًا، وإما لضعف عقل النساء؛ لكون الحامل لها على ذلك شدّة بغضها في الزوج الثاني، ومحبّتها في الرجوع إلى الزوج الأول، ويستفاد منه جواز وقوع ذلك. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧.
(٢) "الفتح" ١٢/ ١٩٩ - ٢٠٠.
[ ٢٥ / ٤٣٩ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٣٥٢٦ و٣٥٢٧ و٣٥٢٨ و٣٥٢٩ و٣٥٣٠ و٣٥٣١ و٣٥٣٢] (١٤٣٣)، و(البخاريّ) في "الشهادات" (٢٦٣٩) و"الطلاق" (٥٢٦٠ و٥٢٦٥ و٥٣١٧) و"اللباس" (٥٧٩٢ و٥٨٢٥) و"الأدب" (٦٠٨٤)، و(أبو داود) في "الطلاق" (٢٣٠٩)، و(الترمذيّ) في "النكاح" (١١١٨)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٦/ ٩٣ و١٤٦ و١٤٨) و"الكبرى" (٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٩٣٢)، و(مالك) في "الموطّأ" (١١٢٧)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٢٣٥ و٢٩٤)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦/ ٣٤٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٥٤١)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١/ ١١١)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٤ و٣٧ و٢٢٦)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٢٦٧ و٢٢٦٨)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٢١٠ و٢١٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٩١ و٩٢ و٩٣ و١٥٥ و١٥٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٤٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٣٣٣ و٣٧٣ و٣٧٤) و"المعرفة" (٥/ ٤٦٨ و٥١٤ و٥١٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما تحلّ به المطلّقة ثلاثًا من النكاح، وذلك أنه لا بدّ من جماع الزوج الثاني لها.
٢ - (ومنها): أنه يدلّ على أن وطء الزوج الثاني لا يكون محلِّلًا ارتجاع الزوج للمرأة إلا إن كان حال وطئه منتشرًا ذَكَرُه، فلو كان أشلّ، أو كان هو عِنِّينًا، أو طفلًا لم يكف على أصحّ قولي العلماء، وهو الأصحّ عند الشافعيّة أيضًا، قاله في "الفتح" (^١).
٣ - (ومنها): أن الجمهور استدلّوا به على أن تغييب الحشفة في قُبُلها كافٍ في ذلك، من غير إنزال المنيّ، وشذّ الحسن البصريّ، فَشَرَطَ الإنزال،
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٩٨ - ١٩٩.
[ ٢٥ / ٤٤٠ ]
وجعله حقيقة العسيلة، قال الجمهور: بدخول الذَّكَر تحصل اللذّة، والعسيلة (^١).
٤ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: إنه يستفاد من الحديث على قول الجمهور أن الحكم يتعلّق بأقلّ ما ينطلق عليه الاسم، خلافًا لمن قال: لا بدّ من حصول جميعه، وفي قوله: "حتى تذوقي عسيلته إلخ" إشعارٌ بإمكان ذلك، لكن قولها: "ليس معه إلا مثلُ هذه الهدبة" ظاهرٌ في تعذّر الجماع المشترَط.
فأجاب الكرمانيّ بأن مرادها بالهدبة التشبيه بها في الدقّة والرقّة، لا في الرخاوة، وعدم الحركة.
قال الحافظ: واستُبعِد ما قال، وسياق الخبر يُعطي بأنها شكت منه عدم الانتشار، ولا يمنع من ذلك قوله - ﷺ -: "حتى تذوقي"؛ لأنه علّقه على الإمكان، وهو جائز الوقوع، فكأنه قال: اصبري حتى يتأتّى منه ذلك، وإن تفارقا، فلا بدّ لها عند إرادة الرجوع إلى رفاعة من زوج آخر، يحصل لها منه ذلك.
٥ - (ومنها): أنه استُدلّ بإطلاق وجود الذوق منهما على اشتراط علم الزوجين به، حتى لو وطئها نائمةً، أو مغمًى عليها لم يكف، ولو أنزل هو، وبالغ ابن المنذر، فنقله عن جميع الفقهاء.
وتُعُقّب بأن فيه خلافًا.
وقال القرطبيّ: فيه حجةٌ لأحد القولين في أنه لو وطئها نائمةً، أو مُغمًى عليها لم تحل لمطلّقها؛ لأنها لم تذق العسيلة؛ إذ لم تُدركها، وجزم ابن القاسم بأن وطء المجنون يُحلِّل، وخالفه أشهب، قاله في "الفتح" (^٢).
٦ - (ومنها): ما قاله ابن عبد البرّ - ﵀ -: في قوله: "تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ " دليلٌ على أن إرادة المرأة الرجوع إلى زوجها لا يضرّ العاقد عليها، وأنها ليست بذلك في معنى التحليل المستحقّ صاحبه اللعن.
٧ - (ومنها): أنه استُدلّ به على جواز رجوعها لزوجها الأول إذا حصل الجماع من الثاني، لكن شَرَطَ المالكيّة، ونُقل عن عثمان، وزيد بن ثابت أن لا يكون في ذلك مخادعةٌ من الزوج الثاني، ولا إرادة تحليلها للأول، وقال
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٣.
(٢) "الفتح" ١٢/ ٢٠٢.
[ ٢٥ / ٤٤١ ]
الأكثر: إن شُرط ذلك في العقد فسد، وإلا فلا (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط وطء الزوج الثاني للمطلّقة ثلاثًا:
ذهب الجمهور من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم إلى أن المطلّقة ثلاثًا لا تحلّ لمطلّقها حتى تنكح زوجًا غيره، ويطأها، ثم يفارقها، وتنقضي عدّتها، فأما مجرّد عقده عليها، فلا يُبيحها للأول.
وخالف في ذلك سعيد بن المسيّب، فقال: إذا عقد الثاني عليها، ثم فارقها، حلّت للأوّل، ولا يُشترط وطء الثاني؛ لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٠]، والنكاح حقيقة في العقد على الصحيح.
وأجاب الجمهور بأن هذا الحديث مخصّص لعموم الآية، ومبيّنٌ للمراد بها، قال النوويّ: قال العلماء: ولعلّ سعيدًا لم يبلغه هذا الحديث، قال القاضي عياض: لم يقل أحد بقول سعيد في هذا إلا طائفةٌ من الخوارج.
وقال في "الفتح": قال جمهور العلماء: ذوق العُسيلة كناية عن المجامعة، وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة، وزاد الحسن البصريّ: حصول الإنزال، وهذا الشرط انفرد به عن الجماعة، قاله ابن المنذر، وآخرون، وقال ابن بطّال: شذّ الحسن في هذا، وخالفه سائر الفقهاء، وقالوا: يكفي من ذلك ما يوجب الحدّ، ويحصّن الشخص، ويوجب كمال الصداق، ويُفسد الحجّ والصوم، وهو في التشديد يقابل قول سعيد بن المسيّب في الرخصة.
ويردّ قول الحسن أن الإنزال لو كان شرطًا لكان كافيًا، وليس كذلك؛ لأن كلًّا منهما إذا كان بعيد العهد بالجماع مثلًا أنزل قبل تمام الإيلاج، وإذا أنزل كلّ منهما قبل تمام الإيلاج لم يذق عسيلة صاحبه، لا إن فُسّرت العسيلة بالإمناء، ولا بلذّة الجماع.
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحلّ للأوّل، إلا
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٢٠٢.
[ ٢٥ / ٤٤٢ ]
سعيد بن المسيّب، ثم ساق بسنده الصحيح عنه، قال: يقول الناس: لا تحلّ للأول حتى يُجامعها الثاني، وأنا أقول: إذا تزوّجها تزويجًا صحيحًا، لا يريد بذلك إحلالها للأول، فلا بأس أن يتزوّجها الأول، وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وفيه تعقّب على من استبعد صحته عن سعيد، قال ابن المنذر: وهذا القول لا نعلم أحدًا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، ولعلّه لم يبلغه الحديث، فأخذ بظاهر القرآن.
قال الحافظ: سياق كلامه يُشعر بذلك.
وفيه دلالة على ضعف الخبر الوارد في ذلك، وهو ما أخرجه النسائيّ (٣٤١٥) من رواية شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين، عن سالم بن عبد الله، عن سعيد بن المسيّب، عن ابن عمر، رفعه في الرجل تكون له المرأة، فيُطلّقها، ثم يتزوّجها آخر، فيُطلّقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلى الأول، فقال: "لا، حتى تذوق العسيلة"، وقد أخرجه النسائيّ أيضًا (٣٤١٦) من رواية سفيان الثوريّ، عن علقمة بن مرثد، فقال: عن رزين بن سليمان الأحمريّ، عن ابن عمر نحوه، قال النسائيّ: هذا أولى بالصواب، وإنما قال ذلك؛ لأن الثوريّ أتقن، وأحفظ من شعبة، وروايته أولى بالصواب من وجهين:
[أحدهما]: أن شيخ علقمة شيخهما هو رزين بن سليمان، كما قال الثوريّ، لا سالم بن رزين، كما قال شعبة، فقد رواه جماعة عن علقمة كذلك، منهم: غيلان بن جامع، أحد الثقات.
[ثانيهما]: أن الحديث لو كان عند سعيد بن المسيّب، عن ابن عمر، مرفوعًا ما نسبه إلى مقالة الناس الذين خالفهم.
ويؤخذ من كلام ابن المنذر أن نقل أبي جعفر النحّاس في "معاني القرآن"، وتبعه عبد الوهّاب المالكيّ في "شرح الرسالة" القول بذلك عن سعيد بن جبير وَهَمٌ، وأعجب منه أن أبا حبان (^١) جزم به عن السعيدين: سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، ولا يُعرف له سندٌ عن سعيد بن جبير في
_________________
(١) هكذا نسخة "الفتح": "حبان" بالباء الموحّدة، فليُحرّر.
[ ٢٥ / ٤٤٣ ]
شيء من المصنّفات، وكفى قول ابن المنذر حجةً في ذلك، وحكى ابن الجوزيّ عن داود أنه وافق سعيد بن المسيّب. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن جمهور العلماء على أن المطلّقة ثلاثًا لا تحلّ لزوجها الأول إلا بعد نكاح صحيح، ويُجامعها الزوج الثاني، وإن لم يُنزل، ثم يطلّقها، فتنقضي عدّتها، وهذا هو الحقّ الموافق لظاهر حديث عائشة - ﵂ - المذكور في الباب، فما نُقل عن سعيد بن المسيّب من الاكتفاء بالعقد المجرّد عن الجماع، وكذا عن الحسن البصريّ من اشتراط الإنزال، فمما لا يُلتفت إليه؛ لمخالفته ما صحّ عن رسول الله - ﷺ -، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اتفقوا على أنه إذا كان الجماع في نكاح فاسد لم يحلّل، وشذّ الْحَكَمُ، فقال: يكفي، وأن من تزوّج أمة، ثم بتّ طلاقها، ثم مَلَكها لم يحلّ له أن يطأها حتى تتزوّج غيره، وقال ابن عبّاس، وبعض أصحابه، والحسن البصريّ: تحلّ له بمِلك اليمين.
واختلفوا فيما إذا وطئها حائضًا، أو بعد أن طهرت قبل أن تطهّر، أو أحدهما صائم، أو محرم.
وقال ابن حزم: أخذ الحنفيّة بالشرط الذي في هذا الحديث عن عائشة، وهو زائد على ظاهر القرآن، ولم يأخذوا بحديثها في اشتراط خمس رضعات؛ لأنه زائد على ما في القرآن، فليزمهم الأخذ به، أو ترك حديث الباب.
وأجابوا بأن النكاح عندهم حقيقة في الوطء، فالحديث موافق لظاهر القرآن.
ونقل ابن العربيّ عن بعضهم أنه أورد على حديث الباب ما ملخصّه: أنه يلزم من القول به إما الزيادة بخبر الواحد على ما في القرآن، فيستلزم نسخ القرآن بالسنّة التي لم تتواتر، أو حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين مع ما فيه من الإلباس.
والجواب عن الأول: أن الشرط إذا كان من مقتضيات اللفظ لم تكن إضافته نسخًا، ولا زيادة، وعن الثاني: أن النكاح في الآية أضيف إليها، وهي
[ ٢٥ / ٤٤٤ ]
لا تتولى العقد بمجرّدها، فتعيّن أن المراد به في حقّها الوطء، ومن شرطه اتفاقًا أن يكون وطأً مباحًا، فيحتاج إلى سبق العقد.
ويمكن أن يقال: لما كان اللفظ محتملًا للمعنيين بيّنت السنّة أنه لا بدّ من حصولهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أنه استُدلّ بحديث الباب على أن المرأة لا حقّ لها في الجماع؛ لأن هذه المرأة شكت زوجها أنه لا يطؤها، وأن ذَكَره لا ينتشر، وأنه ليس معه ما يغني عنها، ولم يفسخ النبيّ - ﷺ - نكاحها بذلك، ومن ثمّ قال إبراهيم بن إسماعيل بن عليّة، وداود بن عليّ: لا يفسخ بالْعُنّة، ولا يُضرب لِلْعِنِّين أجل.
وقال ابن المنذر: اختلفوا في المرأة تطالب الرجل بالجماع، فقال الأكثر: إن وطئها بعد أن دخل بها مرّة واحدةً لم يؤجّل أجل العنّين، وهو قول الأوزاعيّ، والثوريّ، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعيّ، وإسحاق، وقال أبو ثور: إن ترك جماعها لعلّة أُجّل سنة، وإن كان لغير علّة فلا تأجيل.
وقال القاضي عياض: اتفق كافّة العلماء على أن للمرأة حقًّا في الجماع، فيثبت لها الخيار إذا تزوّجت المجبوب، والممسوح، جاهلةً بهما، ويُضرَب للعنّين أجلٌ سنة؛ لاحتمال زوال ما به.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي نقله عياض - ﵀ - عن كافّة العلماء من أن للمرأة حقًّا في الجماع هو الحقّ؛ لأن الله تعالى أوجب على الزوج المعاشرة بالمعروف، وهو من المعروف، وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقد عُلِم الحقّ للرجل على امرأته أن يُجامعها، فكذلك لها ذلك، والله تعالى أعلم.
قال في "الفتح": وأما استدلال داود ومن يقول بقوله بقصّة امرأة رفاعة، فلا حجة فيها؛ لأن في بعض طرقه أن الزوج الثاني كان أيضًا طلّقها، كما وقع عند مسلم صريحًا من طريق القاسم، عن عائشة - ﵂ -، قالت: "طلّق رجلٌ امرأته ثلاثًا، فتزوّجها رجلٌ آخر، فطلّقها قبل أن يدخل بها، فأراد زوجها الأول أن يتزوّجها، فسُئل النبيّ - ﷺ - عن ذلك؟ فقال: لا. . ." الحديث، وأصله عند البخاريّ في أوائل "الطلاق"، ووقع في حديث الزهريّ، عن عروة عند
[ ٢٥ / ٤٤٥ ]
البخاريّ في "اللباس" في آخر الحديث بعد قوله: "حتى تذوقي عُسيلته، ويذوق عُسيلتك"، قال: ففارقته بعد، زاد ابن جريج عن الزهريّ في هذا الحديث: "أنها جاءت بعد ذلك إلى النبيّ - ﷺ -، فقالت: إنه - يعني زوجها الثاني - مسّها، فمنعها أن ترجع إلى زوجها الأول"، وصرّح مقاتل بن حيّان في تفسيره، مرسلًا: "قالت: يا رسول الله إنه كان مسّني، فقال: كذبت بقولك الأول، فلن أُصدّقك في الآخر، وأنها أتت أبا بكر، ثم عمر، فمنعاها".
وكذا وقعت هذه الزيادة الأخيرة في رواية ابن جريج المذكورة، أخرجها عبد الرزاق، عنه.
ووقع عند مالك في "الموطّإ" عن الْمِسْوَر بن رفاعة، عن الزَّبِير بن عبد الرحمن بن الزَّبير، زاد خارج "الموطّإ" فيما رواه ابن وهب عنه، وتابعه إبراهيم بن طهمان، عن مالك عند الدارقطنيّ في "الغرائب"، عن أبيه: "أن رفاعة طلّق امرأته تميمة بنت وهب ثلاثًا، فنكحها عبد الرحمن، فاعتُرِضَ عنها، فلم يستطع أن يمسّها، ففارقها، فأراد رفاعة أن يتزوّجها. . ." الحديث.
ووقع عند مسلم من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - سُئل عن المرأة يتزوّجها الرجل، فيُطلّقها، فتتزوّج رجلًا، فيُطلّقها قبل أن يدخل بها، أتحلّ لزوجها الأول؟ قال: "لا، حتى يذوق عسيلتها".
وأخرج الطبريّ، وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة - ﵁ - نحوه، والطبريّ أيضًا، والبيهقيّ من حديث أنس - ﵁ - كذلك، وكذا وقع في رواية حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "أن عمرو بن حزم طلّق الْغُميصاء، فنكحها رجلٌ، فطلّقها قبل أن يمسّها، فسألت النبيّ - ﷺ -؟، فقال: لا، حتى يذوق الآخر عسيلتها، وتذوق عسيلته"، وأخرجه الطبرانيّ، ورواته ثقات.
قال الحافظ: فإن كان حماد بن سلمة حفظه، فهو حديث آخر لعائشة في قصّة أخرى، غير قصّة امرأة رفاعة، وله شاهد من حديث عُبيد الله - بالتصغير - ابن عباس، عند النسائيّ، كما سيأتي في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٢٥ / ٤٤٦ ]
(المسألة السابعة): أنه قد وقع لغير امرأة رفاعة قريبٌ مما وقع لها، فقد أخرج النسائيّ (٣٤١٤) من طريق سليمان بن يسار، عن عُبَيد الله بن عباس - أي ابن عبد المطّلب -: "أن الْغُميصاء، أو الرميصاء، أتت النبيّ - ﷺ - تشكو من زوجها أنه لا يَصِلُ إليها، فلم يلبث أن جاء، فقال: إنها كاذبةٌ، ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال: ليس ذلك لها حتى تذوق عسيلته"، ورجاله ثقات، لكن اختُلِف فيه على سليمان بن يسار.
قال الحافظ: ووقع عند شيخنا - يعني الحافظ العراقيّ - في "شرح الترمذيّ": "عبد الله بن عباس"، مكبّرًا، وتعقّب على ابن عساكر، والْمِزّيّ أنهما لم يذكرا هذا الحديث في "الأطراف"، ولا تعقّب عليهما، فإنهما ذكراه في مسند عبيد الله - بالتصغير - وهو الصواب.
وقد اختُلف في سماعه من النبيّ - ﷺ -، إلا أنه وُلد في عصره، فذُكر لذلك في الصحابة.
واسم زوج الغميصاء هذه عمرو بن حزم، أخرجه الطبرانيّ، وأبو مسلم الكجيّ، وأبو نُعيم في الصحابة من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن عمرو بن حزم طلّق الغميصاء، فتزوّجها رجلٌ قبل أن يمسّها (^١)، فأرادت أن ترجع إلى زوجها الأول. . . الحديث. قال الحافظ: ولم أعرف اسم زوجها الثاني.
ووقعت لامرأة ثالثة قصّة أخرى أيضًا مع رفاعة رجلٍ آخر غير الأول، والزوج الثاني عبد الرحمن بن الزَّبِير أيضًا، أخرجه مقاتل بن حيّان في "تفسيره"، ومن طريقه ابن شاهين في "الصحابة"، ثم أبو موسى في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ قال: "نزلت في عائشة بنت عبد الرحمن بن عقيل النضريّة، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك، وهو ابن عمها، فطلّقها بائنًا، فتزوّجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبِير، ثم طلّقها، فأتت
_________________
(١) كذا نسخة: "الفتح"، والظاهر أن فيه سقطًا، والأصل: "فتزوّجها رجلٌ، فطلّقها قبل أن يمسّها"، فليُحرّر.
[ ٢٥ / ٤٤٧ ]
النبيّ - ﷺ -، فقالت: إنه طلّقني قبل أن يمسّني، أفأرجع إلى ابن عمّي، زوجي الأول؟ قال: لا" الحديث.
قال الحافظ: وهذا الحديث إن كان محفوظًا، فالواضح من سياقه أنها قصّة أخرى، وأنّ كلًّا من رفاعة القُرظيّ، ورفاعة النضريّ وقع له مع زوجة له طلاقٌ، فتزوّج كلًّا منهما عبدُ الرحمن بن الزَّبِير، فطلّقها قبل أن يمسّها، فالحكم في قصّتهما متّحدٌ مع تغاير الأشخاص.
وبهذا يتبيّن خطأ من وحّد بينهما، ظنًّا منه أن رفاعة بن سَمَوْأَل هو رفاعة بن وهب، فقال: اختُلف في امرأة رفاعة على خمسة أقوال، فذكر الاختلاف في النطق بتميمة، وضمّ إليها عائشة، والتحقيق ما تقدّم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: جزمه في تخطئة من وحّد بينهما فيه نظر لا يخفى؛ إذ هو مُحْتَمِلٌ، كما أبداه هو بعد ورقتين، حيث قال ما نصّه: وقد قدّمتُ أنه وقع لكل من رفاعة بن سموأل، ورفاعة بن وهب أنه طلّق امرأته، وأن كلًّا منهما تزوّجها عبد الرحمن بن الزَّبير، وأن كلًّا منهما شَكَتْ أنه ليس معه إلا مثلُ الهدبة، فلعلّ إحدى المرأتين شكته قبل أن يفارقها، والأخرى بعد أن يفارقها.
ويَحْتمل أن تكون القصّة واحدةً، ووقع الوهم من بعض الرواة في التسمية، أو في النسبة، وتكون المرأة شَكَت مرّتين من قبل المفارقة، ومن بعدها، والله أعلم انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الأخير عندي هو الأقرب، والله تعالى أعلم.
ووقع أيضًا لأبي رُكانة قصّة أخرى، فقد أخرج أبو داود، من حديث ابن عباس - ﵄ - قال: طلّق عبد يزيد، أبو رُكانة أم رُكانة، ونكح امرأة من مُزينة، فجاءت إلى النبيّ - ﷺ -، فقالت: ما يُغني عنّي إلا كما تُغني هذه الشعرة - لشعرة أخذتها من رأسها - ففرِّق بيني وبينه، قال: فقال النبيّ - ﷺ - لعبد يزيد: "طلّقها، وراجع أمّ ركانة، ففعل"، وهو حديث ضعيف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٢٥ / ٤٤٨ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٢٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لِحَرْمَلَةَ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، فَبَتَّ طَلَاقَهَا، فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، فَجَاءَت النَّبِيَّ - ﷺ - (^١)، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، وَإِنَّهُ وَاللهِ مَا مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ الْهُدْبَةِ، وَأَخَذَتْ بِهُدْبَةٍ مِنْ جِلْبَابِهَا، قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ضَاحِكًا، فَقَالَ: "لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ"، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ بِبَابِ الْحُجْرَةِ، لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، قَالَ: فَطَفِقَ خَالِدٌ يُنَادِي أَبَا بَكْرٍ: أَلَا تَزْجُرُ هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
وقولها: (إِنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ رِفَاعَةَ) فيه التفات من التكلّم إلى الغيبة، وقولها: "فتزوجت" رجوع إلى التكلّم.
وقولها: (مِنْ جِلْبَابِهَا) واحد الجلابيب، وهو كساء تستتر المرأة به إذا خرجت من بيتها.
_________________
(١) وفي نسخة: "فجاءت إلى النبيّ - ﷺ -".
[ ٢٥ / ٤٤٩ ]
وقولها: (فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. . . إلخ) ظاهر هذه الرواية أن هذا من قول عروة، فيكون مرسلًا، لكن الظاهر من سياق الروايات أنه أخذ عن عائشة - ﵂ -، فيكون هو حاكيًا عنها، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: فيه دليلٌ على أن مثل هذا إذا صدر من مدّعية لا يُنكر عليها، ولا توبّخ بسببه، فإنه في معرض المطالبة بالحقوق، ويدلّ على صحّته أن أبا بكر - ﵁ - لم يُنكره، وإن كان خالد قد حرّكه للإنكار، وحضّه عليه. انتهى (^١).
وقوله: (عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ) أي ترفع صوتها، وفي غير كتاب مسلم: "تُهْجِر به"، من الْهُجْر، وهو الْفُحْش من القول (^٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٢٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ، فَجَاءَت النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
[تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها إسحاق بن راهويه في "مسنده" (٢/ ٢١٠) فقال:
(٧١٦) - أخبرنا عبد الرزاق، نا معمرٌ، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: جاءت امرأة رفاعة الْقُرَظيّ إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: إن
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٣٥.
(٢) "المفهم" ٤/ ٢٣٥.
[ ٢٥ / ٤٥٠ ]
رفاعة طلقها آخر ثلاث تطليقات، قالت: فتزوجت بعده عبدَ الرحمن بن الزَّبِير، وما معه إلا مثل هذه الْهُدْبة، وإنه طلّقني، فأبتّ طلاقي، فتبسم رسول الله - ﷺ -، وقال لها: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟، لا، حتى تذوقي عُسيلته، ويذوق عُسيلتك"، قالت: وأبو بكر جالس عند رسول الله - ﷺ -، وخالد بن سعيد بن العاص جالس بباب الْحُجْرة، لم يؤذن له، فَفَطِنَ، فنادى أبا بكر، فقال: يا أبا بكر ألا تزجر هذه عما تجهر به عند رسول الله - ﷺ -؟ انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٢٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ عَن الْمَرْأَةِ يَتَزَوَّجُهَا الرَّجُلُ، فَيُطَلِّقُهَا، فَتَتَزَوَّجُ رَجُلًا، فَيُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، أَتَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ؟ قَالَ: "لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا").
رجال هذا الإسناد:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) أبو كُريب، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (هِشَامُ) بن عروة، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وهو مختصر من قصّة امرأة رفاعة القرظيّ الماضي، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديثين، ويَحْتَمل أن تكون قصّة أخرى، كما أشار إليه في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٢/ ٤٠.
[ ٢٥ / ٤٥١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٣٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد بن فُضيل بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية محمد بن فُضيل، عن هشام هذه ساقها البيهقيّ - ﵀ - في "الكبرى" (٧/ ٣٧٤) فقال:
(١٤٩٧٠) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الوليد الفقيه، أنا الحسن بن سفيان، نا أبو بكر بن أبي شيبة، نا ابن فُضيل، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - ﵂ - أنها سئلت عن الرجل يتزوج المرأة، فيطلّقها ثلاثًا، فقالت: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تحل للأول حتى يذوق الآخر عُسيلتها، وتذوق عُسيلته". انتهى.
وأما رواية أبي معاوية، عن هشام، فقد ساقها البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه"، فقال:
(٥٢٦٥) - حدّثنا محمد (^١)، حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: طَلَّق رجلٌ أمرأته، فتزوجت زوجًا غيره، فطَلّقها، وكانت معه مثل الْهُدْبة، فلم تَصِل منه إلى شيء تريده، فلم يلبث أن طلّقها، فاتت النبيّ - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي طلقني، وإني تزوجت زوجًا غيره، فدخل بي، ولم يكن معه إلا مثل الهدبة، فلم يَقْرَبني إلا هَنَةً واحدةً (^٢)،
_________________
(١) هو محمد بن سلام، كما قاله في "عمدة القاري" ٢٠/ ٢٤١.
(٢) أي لم يطأني إلا مرّةً واحدةً.
[ ٢٥ / ٤٥٢ ]
لم يصل مني إلى شيء، فَأَحِلُّ لزوجي الأول؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "لا تحلِّين لزوجك الأول، حتى يذوق الآخر عُسيلتك، وتذوقي عسيلته". انتهى.
وأما رواية محمد بن فُضيل، عن هشام، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٣١] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: "لَا، حَتَّى يَذُوقَ الْآخِرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الْأَوَّلُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصِلِ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) الْعُمريّ المدنيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ) هو رفاعة القرظيّ، ويَحْتَمِل أن تكون هذه قصّة أخرى، كما أشار إليه في "الفتح" (^١).
وقوله: (ثَلَاثًا) أي آخر تطليقات ثلاث، كما تقدّم بيانه.
وقوله: (فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ) هو عبد الرحمن بن الزَّبِير، ويَحْتَمِل أن يكون غيره، كما أشرت إليه آنفًا.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٤٠.
[ ٢٥ / ٤٥٣ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٣٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ، جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي حَدِيثِ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، عَنْ عَائِشَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب، وفي الباب الماضي.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطّان، عن عبيد الله، ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(٥٢٦١) - حدّثني محمد بن بشار، حدّثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: حدّثني القاسم بن محمد، عن عائشة، أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجت، فطَلَّق، فسئل النبيّ - ﷺ - أَتَحِلُّ للأول؟ قال: "لا، حتى يذوق عسيلتها، كما ذاق الأول". انتهى.
وأما رواية عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾