قال الجامع عفا الله عنه: مناسبة هذا الكتاب لكتاب النكاح واضحة.
(اعلم): أن "الطَّلاقُ" مصدر طَلَقَ بتخفيف اللام، واسم مصدر لطَلَّقَ بتشديدها، ومصدره التطليق.
وهو: لغةً: حلّ القيد، وشرعًا: حلّ عقد النكاح بلفظ الطلاق، ونحوه، وعرّفه النوويّ في "تهذيبه" بأنه تصرّفٌ مملوكٌ للزوج، يُحدثه بلا سبب، فيقطع النكاح (^١).
وقال المجد - ﵀ -: طَلَقَت المرأةُ من زوجها، كنصَرَ، وكَرُم طَلَاقًا: بانت، فهي طالقٌ، جمعها طُلَّقٌ، كرُكَّعٍ، وطالقةٌ، جمعها طوالق، وأطلقها، وطلّقها. انتهى (^٢).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: طلّق الرجل امرأته تطليقًا، فهو مُطَلِّقٌ، فإن كثر تطليقه للنساء، قيل: مِطْلِيقٌ، ومِطْلَاقٌ - بكسر الميم، وسكون الطاء المهملة - وطَلَقَتْ: هي تَطْلُقُ، من باب قَتَلَ، وفي لغة من باب قَرُبَ، فهي طالقٌ بغير هاء، قال الأزهريّ: وكلّهم يقولون: طالقٌ بغير هاءٍ، قال: وأما قول الأعشى [من الطويل]:
_________________
(١) راجع: "شرح الخطيب على مقدّمة أبي شجاع"، في فقه الشافعيّ، مع حاشيته "تحفة الحبيب" ٣/ ٤٨٧ - ٤٨٨.
(٢) "القاموس المحيط" ٣/ ٢٥٨.
[ ٢٦ / ٥ ]
أَيَا جَارَتَا بِينِي فَإِنَّكِ طَالِقَهْ … كَذَاكِ أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وَطَارِقَهْ
فقال الليث: أراد طالقةٌ غدًا، وإنما اجترأ عليه لأنه يقال: طَلَقَتْ، فَحَمَلَ النعتَ على الفعل.
وقال ابن فارس أيضًا: امرأةٌ طالقٌ، طَلَّقَها زوجها، وطالقةٌ غدًا، فصرّح بالفرق؛ لأن الصفة غير واقعة.
وقال ابن الأنباريّ: إذا كان النعت منفردًا به الأنثى دون الذّكر لم تدخله الهاء، نحو "طالق"، و"طامث"، و"حائض"؛ لأنه لا يَحتاج إلى فارق؛ لاختصاص الأنثى به.
وقال الجوهريّ: يقال: طالقٌ، وطالقةٌ، وأنشد بيت الأعشى.
وأُجيب عنه بجوابين: أحدهما ما تقدّم.
والثاني: أن الهاء لضرورة التصريع، على أنه معارَضٌ بما رواه ابن الأنباريّ، عن الأصمعيّ، قال: أنشد أعرابيٌّ من شِقِّ اليمامة البيتَ: "فَإِنَّكِ طَالِقٌ"، من غير تصريعٍ، فتسقط الحجّةُ به.
قال البصريّون: إنما حُذفت العلامة لأنه أُريد النسب، والمعنى: امرأةٌ ذات طلاق، وذات حيضٍ؛ أي: هي موصوفةٌ بذلك حقيقةً، ولم يُجروه على الفعل.
ويُحكَى عن سيبويه أن هذه نعوتٌ مذكّرةٌ وُصِف بهنّ الإناثُ، كما يُوصف المذكّرُ بالصفة المؤنّثةِ، نحو عَلّامةٍ، ونَسّابةٍ، وهو سماعيّ. انتهى كلام الفيّوميّ ببعض تصرّف (^١).
وقال ابن منظور - ﵀ -: طلاقُ المرأة: بينونتُها عن زوجها، وامرأةٌ طالقٌ من نسوةٍ طُلَّقٍ، وطالقةٌ من نسوة طَوَالِق، وطَلَّقَ الرجلُ امرأتَهُ، وطَلَقَتْ هي - بالفتح - تَطْلُقُ طَلَاقًا، وطَلُقَتْ - بالضم - والضمّ أكثر عند ثعلب، وأنكره الأخفش، طلاقًا، وأطلقها بَعْلُها، وطَلَّقَها، ورجلٌ مِطلاقٌ ومِطليقٌ وطِلِّيقٌ - بكسر أول الكلّ - وطُلَقَةٌ، كَهُمَزَةٍ: كثير التطليق للنساء. انتهى ببعض تصرّف (^٢).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٣٧٦.
(٢) "لسان العرب" ١٠/ ٢٢٦.
[ ٢٦ / ٦ ]
وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: "الطلاق" هو: حلّ العِصْمة المنعقِدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة، و"الفسخُ": هو إزالة ما يُتوهَّم انعقاده لموجِب يمنع العقدَ، وقد يُطلق الفسخ، ويُراد به الطلاق، على ما يأتي - إن شاء الله تعالى - انتهى (^١).
وقال النوويّ - ﵀ -: "الطلاق": مشتقّ من الإطلاق، وهو الإرسال، والترك، ومنه طَلَّقتُ البلاد: أي تركتها، ويقال: طَلَقَت المرأة، بفتح اللام، وضمّها، والفتح أفصح، تَطْلُق بضمّها فيهما. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": "الطّلاق" في اللغة حلّ الوثاق، مشتقّ من الإطلاق، وهو الإرسال والترك، وفلان طَلْقُ اليد؛ أي: كثير البذل.
وفي الشرع: حلُّ عُقْدة التزويج فقط، وهو موافقٌ لبعض أفراد مدلوله اللغويّ. قال إمام الحرمين: هو لفظٌ جاهليّ، ورد الشرع بتقريره.
وطلقت المرأة - بفتح الطاء، وضمّ اللام، وبفتحها أيضًا، وهو أفصح - وطُلِّقَتْ أيضًا بضمّ أوله، وكسر اللام الثقيلة، فإن خفّفت فهو خاصّ بالولادة، والمضارعُ فيهما بضمّ اللام، والمصدر في الولادة: طَلْقًا، ساكنة اللام، فهي طالقٌ فيهما. انتهى.
وقال الإمام ابن قدامة - ﵀ -: الطلاق مشروع، والأصل في مشروعيّته الكتاب، والسنّة، والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ الآية [الطلاق: ١].
وأما السنّة فما روى ابن عمر - ﵄ - أنه طلّق امرأته، وهي حائضٌ، فسأل عمرُ رسولَ الله - ﷺ - عن ذلك؟. . . الحديث الآتي في الباب التالي.
قال: في آي وأخبارٍ سوى هذين كثير.
وأجمع الناس على جواز الطلاق، والعبرة دالّة على جوازه؛ فإنه ربّما فَسَدت الحال بين الزوجين، فيصير بقاء النكاح مَفسدةً مَحْضَةً، وضررًا مجرّدًا بإلزام الزوج النفقةَ والسكنى، وحبس المرأة، مع سوء العشرة، والخصومة
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٢٤.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ٦٠.
[ ٢٦ / ٧ ]
الدائمة من غير فائدة، فاقتضى ذلك شرع ما يُزيلُ النكاح؛ لتزول المفسدةُ الحاصلة منه. انتهى كلام ابن قدامة - ﵀ - (^١).
[تنبيه]: قال في "الفتح": ثم الطلاق قد يكون حرامًا، أو مكروهًا، أو واجبًا، أو مندوبًا، أو جائزًا.
أما الأول: ففيما إذا كان بدعيًّا، وله صورٌ.
وأما الثاني: ففيما إذا وقع بغير سبب مع استقامة الحال.
وأما الثالث: ففي صور، منها الشقاق، إذا رأى الحكمان.
وأما الرابع: ففيما إذا كانت غير عفيفة.
وأما الخامس، فنفاه النوويّ، وصوّره غيره بما إذا كان لا يريدها، ولا تطيب نفسه أن يتحمّل مؤنتها من غير حصول الاستمتاع، فقد صرّح الإمام أن الطلاق في هذه الصورة لا يكره. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.