وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٣٣] (١٤٣٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ (^١) إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، قَالَ:
_________________
(١) وفي نسخة: "لو أنّ أحدكم".
[ ٢٥ / ٤٥٤ ]
بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّب الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السَّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٥ - (سَالِمُ) بن أبي الجعد، واسمه رافع الغَطَفاني الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ يرسل كثيرًا [٣] (ت ٧ أو ٩٨) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الحيض" ٨/ ٧٢٨.
٦ - (كُرَيْبُ) بن أبي مسلم الهاشميّ مولى ابن عبّاس، أبو رِشْدين المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) تقدم في "الحيض" ٢/ ٦٨٨.
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر - ﵄ -، تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان، قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة الأخذ والأداء منه ومنهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: سالم، عن كريب، وهو من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة، وقال في "الفتح": وفي الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق واحد، أولهم منصور. انتهى، وقد تقدّم أنه لم يثبت له لقاء أحد من الصحابة، وإن كان في عصرهم، فليس تابعيًّا على الراجح، ولذا جعلته من الطبقة السادسة، فتنبّه.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى.
[ ٢٥ / ٤٥٥ ]
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ) وفي بعض النسخ: "لو أن أحدكم" (إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِىَ أَهْلَهُ) أي إن أراد أن يجامعها، فالإتيان كناية عن الجماع، قيل: وهذه الرواية مفسّرة للرواية الأخرى بلفظ: "لو أن أحدهم إذا أتى أهله"، وفي رواية للبخاري: "أما لو أن أحدهم يقول حين يأتي أهله"، وعند الإسماعيليّ: "أما إن أحدكم لو يقول حين يجامع أهله"، قال في "الفتح": وهو ظاهر في أن القول يكون مع الفعل، لكن يمكن حمله على المجاز، وعنده في رواية رَوْح بن القاسم، عن منصور: "لو أن أحدهم إذا جامع امرأته ذكر الله".
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: لكن يمكن حمله على المجاز: أراد به تأويل قوله: "حين يُجامع أهله" بأن المراد إرادة مجامعة أهله، بدليل رواية المصنّف هذه بلفظ: "إذا أرد أن يأتي أهله"، لكن الذي يظهر أنه لا داعي لهذا الحمل، فما المانع من أن يقوله قبل الشروع، وبعد الشروع؟، فتأمل، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أَهْلَهُ) المراد زوجته، وفي "العباب": الأهل أهل الرجل، وأهل الدار، وكذلك الأهلة، والجمع الأَهْلات، وأَهَلاتٌ (^١)، وأهلون، وكذلك الأهالي، زادوا فيه الياء، على غير قياس، كما جمعوا ليلًا على ليالي، وقد جاء في الشعر آهَالٍ، مثالُ فَرْخ وأَفْراخ، وزَنْد وأَزْناد. انتهى (^٢).
(قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا) من جَنَّب الشيءَ يُجَنِّب تجنيبًا: إذا أبعده منه، ومنه الجنب؛ لأنه بعيد عن ذكر الله تعالى، وأجنب تباعد، وأجنبته الشيءَ مثل جَنّبته، وقرأ في الشواذّ: (وَأَجْنِبْني وبَنِيَّ) بقطع الهمزة، وقال الزمخشريّ: فيه ثلاث لغات: جَنَبْتُه الشرّ - أي ثلاثيًّا، من باب قَعَد - وجَنَّبه - أي بالتشديد - وأجنبه، وقال في "اللسان": يقال: جَنَبْتُهُ الشّرّ، وأجنبته، وجَنّبته، بمعنى واحد (^٣)، قاله الفرّاء، والزجّاج. انتهى (^٤).
_________________
(١) أي بفتح الهمزة، والهاء، كما في "القاموس".
(٢) "عمدة القاري" ٢/ ٢٦٧.
(٣) أي نحّيته عنه، وأبعدته.
(٤) "لسان العرب" ١/ ٢٧٨.
[ ٢٥ / ٤٥٦ ]
وفي رواية للبخاريّ: "اللهمّ جنّبني" بالإفراد (الشَّيْطَانَ) وزنه فَيْعالٌ، إذا كان من شَطَنَ، وفَعْلانُ، إذا كان من شاط، وقال الزمخشريّ: وقد جعل سيبويه نون الشيطان في موضع من كتابه أصلية، وفي آخر زائدة، والدليل على أصالتها قولهم: تشيطن، واشتقاقه من شَطَن: إذا بَعُد؛ لبعده من الصلاح والخير، أو من شاط: إذا بطل، إذا جُعِلت نونه زائدة (^١).
(وَجَنِّب الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا) أي من الولد، وفي حديث أبي أمامة عند الطبرانيّ: "جنّبني، وجنّب ما رزقتني من الشيطان الرجيم" (فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ) وفي رواية للبخاريّ: "ثم قُدِّر بينهما ولدٌ، أو قُضِي ولد"، قال في "الفتح": كذا بالشكّ، وفي رواية سفيان بن عيينة، عن منصور: "فإن قَضَى الله بينهما ولدًا"، ومثله في رواية إسرائيل، وفي رواية شعبة: "فإن كان بينهما ولدٌ"، وفي رواية همام: "فَرُزقا ولدًا". انتهى (^٢).
وقوله: (فِي ذَلِكَ) أي ذلك الإتيان، يعني أن امرأته حَمَلت من ذلك الجماع الذي قال فيه هذا الذكر (لَمْ يَضُرَّهُ) قال في "العمدة": يجوز ضم الراء، وفتحها، ويقال: الضم أفصح، قال: يجوز في مثل هذه المادة ثلاثة أوجه: الضم؛ لأجل ضمّه ما قبلها، والفتح؛ لأنه أخف الحركات، وفكّ الإدغام، كما عُلِم في موضعه، فافهم. انتهى (^٣).
(شَيْطَانٌ أَبَدًا") قال في "العمدة": أي لم يضر الشيطان الولد، يعني لا يكون له عليه سلطان ببركة اسمه، بل يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥]، ويقال: يَحْتَمِل أن يؤخذ قوله: "لم يضره" عامًّا، فيدخل تحته الضرر الدينيّ، ويَحْتَمِل أن يؤخذ خاصًّا بالنسبة إلى الضرر البدنيّ، بمعنى أن الشيطان لا يتخبطه، ولا يداخله بما يضر عقله وبدنه، وهو الأقرب، وإن كان التخصيص خلاف الأصل؛ لأنا إذا حملناه على العموم اقتضى أن يكون الولد معصومًا عن المعاصي، وقد لا يتفق ذلك، ولا بُدّ من وقوع ما أخبر به النبيّ - ﷺ -، أما إذا
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٢/ ٢٦٧.
(٢) "الفتح" ١١/ ٥١٦.
(٣) "عمدة القاري" ٢/ ٢٦٧.
[ ٢٥ / ٤٥٧ ]
حَمَلناه على الضرر في العقل والبدن، فلا يمتنع، وقال القاضي عياض: قيل: المراد أنه لا يصرعه الشيطان، وقيل: لا يطعن فيه عند ولادته، بخلاف غيره، قال: ولم نَحْمِله على العموم في جميع الضرر؛ لوجود الوسوسة، والإغراء، يعني الحمل على فعل المعاصي، وقال الداوديّ: "لم يضره" بأن يفتنه بالكفر. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "لم يضرّه شيطان" كذا بالتنكير، وفي رواية شعبة عند مسلم وأحمد: "لم يُسَلَّط عليه الشيطان، أو لم يضره الشيطان"، وكذا هو عند البخاريّ في "بدء الخلق" بلفظ: "الشيطان"، واللام للعهد المذكور في لفظ الدعاء، ولأحمد عن عبد العزيز العَمِّيّ، عن منصور: "لم يضرّ ذلك الولد الشيطان أبدًا"، وفي مرسل الحسن، عن عبد الرزاق: "إذا أتى الرجل أهله، فليقل: بسم الله، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، ولا تجعل للشيطان نصيبًا فيما رزقتنا، فكان يُرْجَى إن حملت أن يكون ولدًا صالِحًا".
واختُلِف في الضرر المنفيّ بعد الاتفاق على ما نَقَلَ عياض على عدم الحمل على العموم في أنواع الضرر، وإن كان ظاهرًا في الحمل على عموم الأحوال، من صيغة النفي، مع التأبيد، وكان سبب ذلك ما أخرجه البخاريّ في "بدء الخلق": "أن كل بني آدم يطعُن الشيطان في بطنه حين يولد إلا من استثني" (^٢)، فإن في هذا الطعن نوع ضرر في الجملة، مع أن ذلك سبب صراخه.
ثم اختلفوا، فقيل: المعنى لم يُسَلَّط عليه، من أجل بركة التسمية، بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾،
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢/ ٢٦٩.
(٢) هو ما أخرجه البخاريّ في "بدء الخلق" من "صحيحه" عن أبي هريرة - ﵁ - قال النبيّ - ﷺ -: "كلُّ بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه، حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب". وأخرجه مسلم في "الفضائل" بلفظ: "ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهلّ صارخًا من نخسة الشيطان، إلا ابن مريم، وأمّه".
[ ٢٥ / ٤٥٨ ]
ويؤيده مرسل الحسن المذكور، وقيل: المراد لم يطعُن في بطنه، وهو بعيدٌ، لمنابذته ظاهر الحديث المتقدم، وليس تخصيصه بأولى من تخصيص هذا، وقيل: المراد لم يَصْرَعه، وقيل: لم يضرّه في بدنه.
وقال ابن دقيق العيد: يَحْتَمِل أن لا يضرّه في دينه أيضًا، ولكن يُبعده انتفاء العصمة.
وتُعُقِّب بأن اختصاص مَن خُصّ بالعصمة بطريق الوجوب، لا بطريق الجواز، فلا مانع أن يوجد من لا يصدر منه معصية عمدًا، وإن لم يكن ذلك واجبًا له.
وقال الداوديّ: معنى "لم يضرّه" أي لم يَفْتنه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته منه عن المعصية، وقيل: لم يضرّه بمشاركة أبيه في جماع أمه، كما جاء عن مجاهد أن الذي يجامع، ولا يسمي يَلْتَفّ الشيطان على إحليله، فيجامع معه.
ولعل هذا أقرب الأجوبة، ويتأيد الحمل على الأول بأن الكثير ممن يَعرف هذا الفضل العظيم يَذْهَل عنه عند إرادة المواقعة، والقليل الذي قد يستحضره ويفعله، لا يقع معه الحمل، فإذا كان ذلك نادرًا لم يبعد.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن أَوْلى الأجوبة هو الأول، وهو أنه لا يسلّط عليه الشيطان، بل يكون من جملة عباد الله المحفوظين الذين قال تعالى في حقّهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٣٥٣٣ و٣٥٣٤] (١٤٣٤)، و(البخاريّ) في "الوضوء" (١٤١)، و"بدء الخلق" (٣٢٧١ و٣٢٨٣)، و"النكاح" (٥١٦٥ و٦٣٨٨ و٧٣٩٦)، و(أبو داود) في (٢١٦١)، و(الترمذيّ) في (١٠٩٢)، و(النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٢٦٦ و٢٦٩)، و(ابن ماجه) في (١٦١٩)،
[ ٢٥ / ٤٥٩ ]
و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦/ ١٩٤)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١/ ٢٣٩)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٦ و٢٢٠ و٢٤٣ و٢٨٣ و٢٨٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٨٢ - ٨٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٠٩)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٧/ ٢٩٤)، و"الكبير" (٨/ ٢٠٨ و١١/ ٤٢٢)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٢٣٠)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ١٣٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ١٤٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التسمية والدعاء المذكور، والمحافظة على ذلك حتى في حالة الملاذّ، كالوقاع، وقد ترجم عليه الإمام البخاريّ - ﵀ - في "كتاب الطهارة".
٢ - (ومنها): أن فيه الاعتصام بذكر الله تعالى، ودعائه من الشيطان، والتبرك باسمه، والاستعاذة به من جميع الأسواء.
٣ - (ومنها): أن فيه الاستشعارَ بأنه تعالى هو الميسِّر لذلك العمل الذي يستعيذ عليه، والمعين عليه.
٤ - (ومنها): أن فيه الحثّ على المحافظة على تسميته تعالى، ودعائه في كل حال لم يَنْهَ الشرع عنه، حتى في حال ملاذّ الإنسان.
وقال ابن بطال - ﵀ -: فيه الحثّ على ذكر الله في كل وقت، على طهارة وغيرها، ورَدُّ قول من قال: لا يذكر الله تعالى إلا وهو طاهر، ومَن كَرِه ذِكْرَ الله تعالى على حالتين: على الخلاء، وعلى الوقاع، رُوي عن ابن عمر - ﵄ - أنه كان لا يذكر الله إلا وهو طاهر، ورُوي مثله عن أبي العالية، والحسن، وروي عن ابن عباس - ﵄ - أنه كَرِه أن يذكر الله تعالى على حالين: على الخلاء، والرجل يواقع أهله، وهو قول عطاء، ومجاهد، وقال مجاهد: يجتنب المَلَك الإنسان عند جماعه، وعند غائطه، قال ابن بطال: وهذا الحديث خلاف قولهم. انتهى (^١).
٥ - (ومنها): أنّ فيه إشارةً إلى ملازمة الشيطان لابن آدم من حين خروجه
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٢/ ٢٦٩.
[ ٢٥ / ٤٦٠ ]
من ظهر أبيه إلى رحم أمه، إلى حين موته - أعاذنا الله منه - فهو يجري من ابن آدم مجرى الدم، وعلى خيشومه إذا نام، وعلى قلبه إذا استيقظ، فإذا غَفَل وسوس، وإذا ذَكَر الله خَنَسَ، ويضرب على قافية رأسه إذا نام ثلاث عُقَد: "عليك ليل طويل"، وتَنْحَلُّ بالذِّكر، والوضوء، والصلاة، فينبغي للعبد أن يكون دائم المراقبة له، ومحاربته بذكر الله تعالى، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ الآية [فاطر: ٦]، وقال ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٢ - ٦٥]، فهو عدوّ لدود، يستطيع إغواء العبد في أيّ وقت أراد، إلا أن الله أقوى وأقدر منه، قد وعد عباده المتوكّلين عليه، والمعتصمين بذكره أن يكفيهم شرّه، فليس له عليهم سلطان، فينبغي للعبد أن يكون دائم التوجّه إلى الله - ﷿ -، وملازم ذكره، والله تعالى أعلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٣٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ ابْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَن الثَّوْرِيِّ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ، بِمَعْنَى حَدِيثِ جَرِيرٍ، غَيْرَ أَنَّ شُعْبَةَ لَيسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكرُ "بِاسْمِ اللهِ"، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَن الثَّوْرِيِّ: "بِاسْمِ اللهِ"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ: قَالَ مَنْصُورٌ: أُرَاهُ قَالَ: "بِاسْمِ اللهِ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببُندار، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُندر، تقدّم قبل بابين.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام المشهور، تقدّم قبل بابين.
[ ٢٥ / ٤٦١ ]
٤ - (الثَّوْرِيُّ) سفيان بن سعيد، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
وقوله: (جَمِيعًا عَن الثَّوْرِيِّ) يعني أن كلًّا من عبد الله بن نُمير، وعبد الرزّاق روى عن سفيان الثوريّ.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورٍ) الضمير لشعبة، والثوريّ، يعني أن كلًّا من شعبة، والثوريّ روى هذا الحديث عن منصور بن المعتمر.
[تنبيه]: رواية شعبة، عن منصور هذه ساقها البخاريّ، فقال:
حدّثنا آدمُ، حدّثنا شُعْبَةُ، حدّثنا مَنْصُورٌ، عن سَالِمِ بن أبي الْجَعْدِ، عن كُرَيْبٍ، عن ابن عَبَّاسٍ قال: قال النبيّ - ﷺ -: "لو أَنَّ أَحَدَكُمْ إذا أتى أَهْلَهُ قال: جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ، وَجَنِّب الشَّيْطَانَ ما رَزَقْتَنِي، فَإِنْ كان بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لم يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ، ولم يُسَلَّطْ عليه". انتهى.
ورواية سفيان الثوريّ، عن منصور ساقها أبو عوانة في "مسنده" (٣/ ٨٢) فقال:
(٤٢٨١) - أخبرني أبو سلمة الفقيه، قثنا (^١) عبد الملك الذماريّ عن سفيان (ح) وحثنا (^٢) الغزيّ، قثنا الفِرْيابيّ، قثنا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لو أن أحدهم قال حين يأتي أهله - قال سفيان: قال منصور: أراه قال: - بسم الله، اللهم جنّبني الشيطان، وجنّب الشيطان ما رزقتنا، فيولد بينهما وَلَد لم يضرّه الشيطان أبدًا". انتهى.
ورواية عبد الرزّاق، عن الثوريّ، ساقها عبد بن حميد - ﵀ - في "مسنده" (١/ ٢٣٠) فقال:
(٦٨٩) - أخبرنا عبد الرزاق، أنا الثوريّ، عن منصور (^٣) عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنّبني الشيطان، وجنّب
_________________
(١) هو مختصر من "قال: حدّثنا"، فتنبّه.
(٢) مختصر من "حدّثنا".
(٣) وقع في النسخة: "منظور" بالظاء، وهو غلط بلا شكّ، فتنبّه.
[ ٢٥ / ٤٦٢ ]
الشيطان ما رزقتنا، فقُضي بينهما ولد، لم يضرّه الشيطان أبدًا". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.