مسألتان تتعلّقان بهذه الترجمة:
(المسألة الأولى): في تعريف اللعان لغة، وشرعًا، وأصل اشتقاقه:
(اعلم): أن "اللعان" - بكسر اللام - مصدر لاعن، كالملاعنة، كما قال ابن مالك - ﵀ - في "لاميّته":
لِفَاعَلَ اجْعَلْ فِعَالًا أَوْ مُفَاعَلَةً … وِفِعْلَةٌ عَنْهُمَا قَدْ نَابَ فَاحْتُمِلَا
قال الفيّوميّ - ﵀ -: لاعن الرجل زوجته: قذفها بالفجور. وقال ابن دريد: كلمة إسلاميّة في لغة فصيحة. انتهى.
وقال في "الفتح": هو مأخوذ من اللعن؛ لأن الملاعن يقول: "لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين".
واختير لفظ اللعن، دون الغضب في التسمية؛ لأنه قول الرجل، وهو الذي بُدئ به في الآية، وهو أيضًا يُبدأ به، وله أن يرجع عنه، فيسقط عن المرأة بغير عكس.
وقيل: سُمّي لعانًا؛ لأن اللعن الطردُ والإبعاد، وهو مشتركٌ بينهما، وإنما خُصّت المرأة بلفظ الغضب؛ لعظم الذنب بالنسبة إليها؛ لأن الرجل إذا كان كاذبًا لم يصل ذنبه إلى أكثر من القذف، وإن كانت هي كاذبةً، فذنبها أعظم؛ لما فيه من تلويث الفراش، والتعرّض لإلحاق من ليس من الزوج به، فتنتشر المحرميّة، وتَثْبُتُ الولاية، والميراث لمن لا يستحقّهما.
واللعان، والالتعان، والملاعنة بمعنًى. ويقال: تلاعنا، والتعنا، ولاعن الحاكم بينهما، والرجل ملاعن، والمرأة ملاعنةٌ؛ لوقوعه غالبًا من الجانبين.
وأجمعوا على مشروعيّة اللعان، وعلى أنه لا يجوز مع عدم التحقّق،
[ ٢٦ / ٣٤١ ]
واختُلف في وجوبه على الزوج، لكن لو تحقّق أن الولد ليس منه قَوِيَ الوجوب. انتهى (^١).
وقال البدر العينيّ - ﵀ -: ويقال: تلاعنا، والتعنا، ولاعن الحاكم بينهما، والرجل ملاعِنٌ، والمرأة ملاعنة، وسمّي به؛ لما فيه من لَعْن نفسه في الخامسة، وهي من تسمية الكلّ باسم البعض، كالصلاة تُسمّى ركوعًا وسُجودًا.
ومعناه الشرعيّ: شهادات مؤكّدات بالأيمان مقرونة باللعن.
وقال الشافعيّ: هي أيمان مؤكّدات بلفظ الشهادة، فيُشترط أهليّة اليمين عنده، فيجري بين المسلم وامرأته الكافرة، وبين الكافر والكافرة، وبين العبد وامرأته، وبه قال مالكٌ، وأحمد. وعندنا - يعني الحنفيّة - يُشترط أهليّة الشهادة، فلا يَجري إلا بين المسلمين الحرّين العاقلين البالغين، غير محدودين في قذف.
قال: وجُوّز اللعان؛ لحفظ الأنساب، ودفع المعَرَّة عن الأزواج، وأجمع العلماء على صحّته. انتهى المقصود منه (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في سبب نزول آية اللعان:
قال في "الفتح": وقد اختلف الأئمة في هذا الموضع: فمنهم من رجّح أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجّح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم من جمع بينهما بأن أوّل من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر أيضًا، فنزلت في شأنهما معًا في وقت واحد، وقد جنح النوويّ إلى هذا، وسبقه الخطيب، فقال: لعلّهما اتفق كونهما جاءآ في وقت واحد، ويؤيّد التعدّد أن القائل في قصّة هلال: سعد بن عبادة، كما أخرجه أبو داود، والطبريّ من طريق عبّاد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عبّاس مثل رواية هشام بن حسّان بزيادة في أوله: "لَمّا نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، قال سعد بن عبادة: لو رأيت لكاعًا قد تفخّذها رجل، لم يكن لي أن أُهيجه حتى آتي أربعة شهداء، ما كنت لآتي بهم حتى يَفرُغ من حاجته، قال: فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أميّة … " الحديث.
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٥٦.
(٢) "عمدة القاري" ١٥/ ٣٢٩ - ٣٣٠.
[ ٢٦ / ٣٤٢ ]
وعند الطبريّ من طريق أيوب، عن عكرمة، مرسلًا فيه نحوه، وزاد: "فلم يلبثوا أن جاء ابن عمّ له، فرمى امرأته … " الحديث.
والقائل في قصّة عويمر: عاصم بن عديّ، كما في حديث سهل بن سعد في هذا الباب. وأخرج الطبريّ من طريق الشعبيّ مرسلًا، قال: "لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية، قال عاصم بن عديّ: إن أنا رأيت، فتكلّمت، جُلِدتُ، وإن سكتّ سكتّ على غيظ … " الحديث، ولا مانع أن تتعدّد القصص، ويتّحد النزول.
وروى البزّار من طريق زيد بن يُثيع، عن حذيفة - ﵁ -، قال: "قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر: لو رأيت مع أم رُومان رجلًا ما كنت فاعلًا به؟ قال: كنت فاعلًا به شرًّا، قال: فأنت يا عمر؟ قال: أقول: لعن الله الأبعد، قال:
فنزلت".
ويحتمل أن النزول سبق بسبب هلال، فلما جاء عويمر، ولم يكن علم بما وقع لهلال أعلمه النبيّ - ﷺ - بالحكم، ولهذا قال في قصّة هلال: "فنزل جبريل"، وفي قصّة عويمر: "قد أنزل الله فيك"، فيؤوّل قوله: "قد أنزل الله فيك"؛ أي: وفيمن كان مثلك، وبهذا أجاب ابن الصبّاغ في "الشامل"، قال: نزلت الآية في هلال، وأما قوله لعويمر: "قد نزل فيك وفي صاحبتك"، فمعناه ما نزل في قصّة هلال.
ويؤيّده أن في حديث أنس عند أبي يعلى قال: "أول لعان كان في الإسلام أن شريك بن سَحْماء قذفه هلال بن أميّة بامرأته … " الحديث.
وجنح القرطبيّ إلى تجويز نزول الآية مرّتين، قال: وهذه الاحتمالات، وإن بعُدت أولى من تغليط الرواة الحفّاظ.
وقد أنكر جماعة ذِكْرَ هلال فيمن لاعن، قال القرطبيّ: أنكره أبو عبد الله بن أبي صفرة، أخو المهلّب، وقال: هو خطأ، والصحيح أنه عويمر، وسبقه إلى نحو ذلك الطبريّ.
وقال ابن العربيّ: قال الناس: هو وَهَمٌ من هشام بن حسّان، وعليه دار حديث ابن عبّاس، وأنس بذلك.
وقال عياضٌ في "المشارق": كذا جاء من رواية هشام بن حسّان، ولم
[ ٢٦ / ٣٤٣ ]
يقله غيره، وإنما القصّة لعويمر العجلانيّ، قال: ولكن وقع في "المدوّنة" في حديث العجلانيّ ذِكْرُ شريك. وقال النوويّ في "مبهماته": اختلفوا في الملاعن على ثلاثة أقوال: عويمر العجلانيّ، وهلال بن أُميّة، وعاصم بن عديّ، ثم نقل عن الواحديّ أن أظهر هذه الأقوال أنه عويمر.
قال الحافظ: وكلام الجميع مُتعقَّبٌ، أما قول ابن أبي صفرة، فدعوى مجرّدة، وكيف يجزم بخطأ حديث ثابت في "الصحيحين" مع إمكان الجمع؛ وما نسبه إلى الطبريّ لم أره في كلامه.
وأما قول ابن العربيّ: إن ذِكْرَ هلال دار على هشام بن حسّان، وكذا جزم عياض بأنه لم يقله غيره، فمردود؛ لأن هشام بن حسّان لم ينفرد به، فقد رواه عبّاد بن منصور، كما قدّمته، وكذا جزم جرير بن حازم، عن أيوب، أخرجه الطبريّ، وابن مردويه، موصولًا، قال: "لَمّا قذف هلال بن أميّة امرأته".
وأما قول النوويّ تبعًا للواحديّ، وجنوحه إلى الترجيح فمرجوح؛ لأن الجمع مع إمكانه أولى من الترجيح، ثم قوله: "وقيل: عاصم بن عديّ" فيه نظر؛ لأنه ليس لعاصم فيه قصّة أنه الذي لاعن امرأته، وإنما الذي وقع من عاصم نظير الذي وقع من سعد بن عبادة.
ولمّا روى ابن عبد البرّ في "التمهيد" طريق جرير بن حازم تعقّبه بأن قال: قد رواه القاسم بن محمد، عن ابن عبّاس كما رواه الناس، وهذا يوهم أن القاسم سمّى الملاعن عويمرًا، والذي في "الصحيح": "فأتاه رجلٌ من قومه"؛ أي: من قوم عاصم، وللنسائيّ من هذا الوجه: "لاعن بين العجلانيّ وامرأته"، والعجلانيّ هو عمير. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - في "تفسير سورة النور" (^١).
وقال في "كتاب الطلاق" بعد الإشارة إلى ما تقدّم: وظهر لي الآن احتمال أن يكون عاصم سال قبل النزول، ثم جاء هلال بعده، فنزلت عند سؤاله، فجاء عويمرٌ في المرّة الثانية التي قال فيها: "إن الذي سألتك عنه، قد ابتليت به"، فَوَجَدَ الآيةَ نزلت في شان هلال، فأعلمه - ﷺ - بأنها نزلت فيه، يعني
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٣٨٢ - ٣٨٤.
[ ٢٦ / ٣٤٤ ]
أنها نزلت في كلّ من وقع له ذلك؛ لأن ذلك لا يختصّ بهلال، وكذا يجاب على سياق حديث ابن مسعود - ﵁ -: يَحْتَمِل أنه لما شَرَع يدعو بعد توجّه العجلانيّ جاء هلال، فذكر قصّته، فنزلت، فجاء عويمرٌ، فقال: قد نزل فيك، وفي صاحبتك. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الجمع الذي سلكه الحافظ - ﵀ - جمع حسن جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٣٨] (١٤٩٢) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ عُويمِرًا الْعَجْلَانِيَّ، جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْأنصَارِيّ، فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ يَا عَاصِمُ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَسَلْ لِي عَنْ ذَلِكَ يَا عَاصِمُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَسَائِلَ، وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِه، جَاءَهُ عُويمِرٌ، فَقَالَ: يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ عَاصِمٌ لِعُويمِرٍ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلَتُهُ عَنْهَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللهِ لَا أَنْتَهِي، حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَأَقْبَلَ عُويمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَسَطَ النَّاس، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ، فَتَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "قَدْ نَزَلَ فِيكَ، وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا"، قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاس، عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا فَرَغَا، قَالَ عُويمِرٌ؛ كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا، فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٧٤ - ١٧٥.
[ ٢٦ / ٣٤٥ ]
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام المشهور، تقدّم قبل بابين.
٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ الساعديّ، أبو العبّاس المدنيّ، الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵂ -، مات سنة (٨٨) أو بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
لطائف هذا الامشاد:
١ - (منها): أنه من رُباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٣٨) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، وهو من المعمّرين، وآخر من مات بالمدينة على بعض الأقوال، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) في رواية الشافعيّ، عن مالك: "حدّثني ابن شهاب" (أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ) - ﵄ - (السَّاعِدِيَّ) منسوب إلى ساعدة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة، قاله في "اللباب" (^١). (أَخْبَرَهُ) أي: ابنَ شهاب (أَنَّ عُويمِرًا الْعَجْلَانِيَّ) في رواية القعنبيّ، عن مالك: "عويمر بن أشقر"، وكذا أخرجه أبو داود، وأبو عوانة، من طريق عياض بن عبد الله الْفِهْريّ، عن الزهريّ، ووقع في "الاستيعاب": عويمر بن أبيض، وعند الخطيب في "المبهمات": عويمر بن الحارث، وهذا هو المعتمد، فإن الطبري نسبه في "تهذيب الآثار"، فقال: هو عويمر بن الحارث بن زيد بن الجدّ بن عَجْلان، فلعل أباه كان يلقب أشقر، أو أبيض، وفي الصحابة ابن أشقر آخر،
_________________
(١) "اللباب في تهذيب الأنساب" ١/ ٤٢٢.
[ ٢٦ / ٣٤٦ ]
وهو مازنيّ، أخرج له ابن ماجه، واتفقت الروايات عن ابن شهاب على أنه في مسند سهل، إلا ما أخرجه النسائيّ، من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة، وإبراهيم بن سعد، كلاهما عن الزهريّ، فقال فيه: عن سهل، عن عاصم بن عديّ، قال: كان عويمر رجلًا من بني العجلان، فقال - أي: عاصم - فذكر الحديث، والمحفوظ الأول، وسيأتي عن سهل أنه حضر القصة.
وفي رواية سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، قال: قال سهل بن سعد: شَهِدت المتلاعنين، وأنا ابن خمس عشرة سنةً.
ووقع في نسخة أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهريّ، عن سهل بن سعد، قال: تُوُفّي رسول الله - ﷺ -، وأنا ابن خمس عشرة سنة، فهذا يدلّ على أن قصة اللعان، كانت في السنة الأخيرة، من زمان النبيّ - ﷺ -، لكن جزم الطبريّ، وأبو حاتم، وابن حبان بأن اللعان كان في شعبان سنة تسع، وجزم به غير واحد من المتأخرين.
ووقع في حديث عبد الله بن جعفر عند الدارقطني أن قصة اللعان كانت بمنصرف النبيّ - ﷺ - من تبوك، وهو قريب من قول الطبريّ، ومن وافقه، لكن في إسناده الواقديّ، فلا بد من تأويل أحد القولين، فإن أمكن، وإلا فطريق شعيب أصحّ.
ومما يوهن رواية الواقديّ ما اتفق عليه أهل السير أن التوجه إلى تبوك كان في رجب، وما ثبت في "الصحيحين" أن هلال بن أمية أحد الثلاثة الذين تِيب عليهم، وفي قصته أن امرأته استأذنت له النبيّ - ﷺ - أن تخدمه، فأَذِن لها بشرط أن لا يَقْرَبها، فقالت: إنه لا حِرَاك به، وفيه أن ذلك كان بعد أن مضى لهم أربعون يومًا، فكيف تقع قصة اللعان في الشهر الذي انصرفوا فيه من تبوك، ويقع لهلال مع كونه فيما ذُكر من الشغل بنفسه، وهجران الناس له، وغير ذلك؟
وقد ثبت في حديث ابن عباس أن آية اللعان نزلت في حقّه، وكذا عند مسلم من حديث أنس أنه أول من لاعن في الإسلام.
ووقع في رواية عباد بن منصور، في حديث ابن عباس، عند أبي داود، وأحمد: "حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فوجد
[ ٢٦ / ٣٤٧ ]
عند أهله رجلًا … " الحديث، فهذا يدلّ على أن قصة اللعان تأخرت عن قصة تبوك، والذي يظهر أن القصة كانت متأخرةً، ولعلها كانت في شعبان سنة عشر، لا تسع، وكانت الوفاة النبوية في شهر ربيع الأول، سنة إحدى عشرة باتفاق، فيلتئم حينئذ مع حديث سهل بن سعد.
ووقع عند مسلم، من حديث ابن مسعود: "كنا ليلة جمعة في المسجد، إذ جاء رجل من الأنصار"، فذكر القصة في اللعان باختصار، فعيَّن اليوم، لكن لم يعيِّن الشهر، ولا السنة. انتهى (^١).
(جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الأنصَارِيِّ) أي: ابن الجدّ بن العجلان العجلانيّ، وهو ابن عمّ والد عويمر، وفي رواية الأوزاعيّ، عن الزهريّ: "وكان عاصم سيد بني عجلان"، والْجَدّ - بفتح الجيم، وتشديد الدال - والعجلان - بفتح المهملة، وسكون الجيم - هو ابن حارثة بن ضُبيعة، من بني بَلِيّ بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة، وكان العجلان حالف بني عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، من الأنصار، في الجاهلية، وسكن المدينة، فدخلوا في الأنصار.
وقد ذكر ابن الكلبيّ أن امرأة عويمر، هي بنت عاصم المذكور، وأن اسمها خولة.
وقال ابن منده في "كتاب الصحابة": خولة بنت عاصم التي قذفها زوجها، فلاعن النبيّ - ﷺ - بينهما، لها ذِكْر، ولا تُعرف لها رواية، وتبعه أبو نعيم، ولم يذكرا سلفهما في ذلك، وكأنه ابن الكلبيّ، وذكر مقاتل بن سليمان، فيما حكاه القرطبيّ أنها خولة بنت قيس.
وذكر ابن مردويه أنها بنت أخي عاصم، فأخرج من طريق الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ أن عاصم بن عديّ، لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] قال: يا رسول الله أين لأحدنا أربعة شهداء؟ فابتُلي به في بنت أخيه، وفي سنده مع إرساله ضعف.
وأخرج ابن أبي حاتم في "التفسير" عن مقاتل بن حيّان، قال: "لما سأل
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٦٩ - ١٧٠.
[ ٢٦ / ٣٤٨ ]
عاصم عن ذلك، ابتُلي به في أهل بيته، فأتاه ابن عمه تحته ابنة عمه، رماها بابن عمة المرأة، والزوج، والحليل، ثلاثتهم بنو عم عاصم"، وعن ابن مردويه في مرسل ابن أبي ليلى المذكور؛ أن الرجل الذي رَمَى عويمر امرأته به هو شَريك بن سَحْماء، وهو يشهد لصحة هذه الرواية؛ لأنه ابن عم عويمر، وكذا في مرسل مقاتل بن حيّان عند أبي حاتم، فقال الزوج لعاصم: يا ابن عم أُقسم بالله، لقد رأيت شَريك بن سَحْماء على بطنها، وإنها لحبلى، وما قربتها منذ أربعة أشهر.
وفي حديث عبد الله بن جعفر، عند الدارقطنيّ لاعن بين عويمر العجلانيّ، وامرأته، فأنكر حملها الذي في بطنها، وقال: هو لابن سَحْماء، ولا يمتنع أن يُتَّهَم شريك بن سحماء بالمرأتين معًا.
وأما قول ابن الصباغ في "الشامل" أن المزني ذكر في "المختصر" أن العجلانيّ قذف زوجته بشريك بن سحماء، وهو سهو في النقل، وإنما القاذف بشريك: هلال بن أمية، فكأنه لم يعرف مستند المزنيّ في ذلك، وإذا جاء الخبر من طُرُق متعددة، فإن بعضها يَعْضد بعضًا، والجمع ممكن، فيتعيّن المضير إليه، فهو أولى من التغليط، ذكره في "الفتح" (^١).
(فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني عن حكم رجل (يَا عَاصِمُ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا) كذا اقتصر على قوله: "مع"، فاستعمل الكناية، فإن مراده معية خاصّة، ومراده أن يكون وجده عند الرؤية (أَيَقْتُلُهُ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار (^٢). (فَتَقْتُلُونَهُ) أي: قصاصًا؛ لتقدم علمه بحكم القصاص؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، لكنه يطرقه احتمالُ أن يُخَصّ من ذلك ما يقع بالسبب الذي لا يقدر على الصبر عليه غالِبًا، من الغيرة التي في طبع البشر، ولأجل هذا قال: "أم كيف يفعل؟ ".
وقد ثبت في "الصحيحين" استشكال سعد بن عبادة مثل ذلك، وقوله: "لو رأيته لضربته بالسيف غير مُصفح"، وقول النبيّ - ﷺ - لهلال بن أميّة: "أربعة شهداء، وإلا فحدّ في ظهرك"، وذلك كلّه قبل أن ينزل اللعان.
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٧٠ - ١٧١.
(٢) "عمدة القاري" ١٧/ ٣٢٨.
[ ٢٦ / ٣٤٩ ]
وقد اختلف العلماء فيمن وجد مع امرأته رجلًا، فقتله، هل يُقتل به، أم لا؟ وسيأتي بيان ذلك في المسألة السابعة - إن شاء الله تعالى -.
(أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟) يَحْتَمِل أن تكون "أم" متّصلة، والتقدير: أم يصبر على ما به من المضض؟ ويَحْتَمِل أن تكون منقطعة بمعنى الإضراب؛ أي: بل هناك حكم آخر لا يعرفه، ويريد أن يطّلع عليه، فلذلك قال: "سَلْ لي يا عاصم"، وإنما خصّ عاصمًا بذلك لما تقدّم من أنه كان كبير قومه، وصهره على ابنته، أو ابن أخيه، ولعله كان اطّلع على مخايل ما سأل عنه، لكن لم يتحقّقه، فلذلك لم يُفصح به، أو اطّلع حقيقة، لكن خَشِي إذا صرّح به من العقوبة التي تضمّنها من رمي المحصنة بغير بينة، أشار إلى ذلك ابن العربيّ. قال: ويَحْتَمِل أن يكون لم يقع له شيء من ذلك، لكن اتَّفَق أنه وقع في نفسه إرادة الاطّلاع على الحكم، فابتُلي به، كما يُقال: البلاء موكّلٌ بالمنطق، ومن ثمّ قال: إن الذي سألتك عنه قد ابتُليت به.
وسيأتي في حديث ابن عمر - ﵄ - الآتي بعد هذا في قصّة العجلانيّ: "فقال: أرأيت إن وجد رجلٌ مع امرأته رجلًا، فإن تكفم به تكلّم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك؟ ".
وفي حديث ابن مسعود - ﵁ - عنده أيضًا: "إن تكلّم جلدتموه، أو قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ"، وهذه أتمّ الروايات في هذا المعنى.
(فَسَلْ) أصله "اسأل"، فنُقلت حركة الهمزة إلى السين، بعد حذفها للتخفيف، واستُغني عن همزة الوصل، فحُذفت، فصار "سَلْ"، على وزن "فَلْ" (لِي عَنْ ذَلِكَ يَا عَاصمُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَسَائِلَ، وَعَابَهَا، حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) "كَبُرَ" بفتح الكاف، وضمّ الموحّدة؛ أي: عظُم، وزنًا ومعنًى، وسببه أن الحامل لعاصم على السؤال غيره، فاختصّ هو بالإنكار عليه، ولهذا قال لعويمر لَمّا رجع، فاستفهمه عن الجواب: لم تأتني بخير.
وسبب كراهته - ﷺ - السؤال ما قاله الشافعيّ - ﵀ -: كانت المسائل فيما لم يَنزل فيه حكم زمن نزول الوحي ممنوعةً؛ لئلا ينزل الوحي بالتحريم فيما لم يكن قبل ذلك مُحَرَّمًا، فيحرم، ويشهد له الحديث المخرَّج في "الصحيح":
[ ٢٦ / ٣٥٠ ]
"أعظم الناس جُرْمًا من سأل عن شيء لم يُحَرَّم، فحُرِّم من أجل مسألته".
وقال النوويّ - ﵀ -: المراد كراهة المسائل التي لا يُحتاج إليها، لا سيما ما كان فيه هَتْك ستر مسلم، أو إشاعة فاحشة، أو شناعة عليه، وليس المراد المسائل المحتاج إليها إذا وقعت، فقد كان المسلمون يسألون عن النوازل، فيجيبهم - ﷺ - بغير كراهة، فلما كان في سؤال عاصم شناعة، ويترتب عليه تسليط اليهود والمنافقين على أعراض المسلمين، كره مسألته، وربما كان في المسألة تضييق، وكان - ﷺ - يحب التيسير على أمته، وشواهد ذلك في الأحاديث كثيرة، وفي حديث جابر: "ما نزلت آية اللعان إلا لكثرة السؤال"، أخرجه الخطيب في "المبهمات"، من طريق مُجالد، عن عامر، عنه (^١).
(فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِه، جَاءَهُ عُويمِرٌ، فَقَالَ: يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ عَاصِمٌ لِعُويمِرٍ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ) وقوله: (قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْمَسْأَلَةَ الَّتي سَأَلْتُهُ عَنْهَا) جملة تعليليّة لكونه لمَ يأته بخير (قَالَ عُويمِرٌ: وَاللهِ لَا أَنْتَهِي) أي: لا أرجع عن السؤال، ولا أتركه، ولو نُهيت عنه، زاد ابن أبي ذئب في روايته عن ابن شهاب، في هذا الحديث كما عند البخاريّ في "الاعتصام": "فأنزل الله القرآن خلف عاصم"؛ أي: بعد أن رجع من عند رسول الله - ﷺ -، وفي رواية ابن جريج: "فانزل الله في شأنه ما ذُكر في القرآن من أمر الملاعنة"، وفي رواية إبراهيم بن سعد: "فأتاه، فوجده قد أنزل الله عليه".
(حَتَّى أَسْأَلَهُ) - ﷺ - (عَنْهَا) أي: عن هذه المسألة (فَأَقْبَلَ عُويمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) بالنصب على المفعوليّة (وَسَطَ النَّاسِ) بفتح السين، وبسكونها، قاله في "الفتح" (^٢).
وقال المجد - ﵀ -: وَسَطُ الشيء مُحَرَّكةً: ما بين طرفيه، كأوسطه، فإذا سُكّنت كانت ظرفًا، أو هما فيما هو مُصْمَتٌ، كالْحَلْقة، فإذا كانت أجزاؤه متباينةً فبالإسكان فقط، أو كلُّ موضع صَلَحَ فيه "بين" فهو بالتسكين، وإلا فبالتحريك. انتهى (^٣).
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٧٣.
(٢) "الفتح" ١٢/ ١٧٣ - ١٧٤.
(٣) "القاموس المحيط" ٢/ ٣٩١.
[ ٢٦ / ٣٥١ ]
[فائدة مهمّة]: كتب المحقّق المرتضى - ﵀ - في "شرح القاموس" بحثًا نفيسًا في ضبط "الوَسْطِ"، أحببت إيراده، وإن كان طويلًا؛ لنفاسته، قال - ﵀ -:
وللشيخ أبي محمد بن بَرّيّ - ﵀ - هنا كلام مفيدٌ لا يُستَغْنَى عن إيراده كلِّه؛ لحسنه، قال: اعلم أن الوسط بالتحريك اسم لِمَا بين طرفي الشيء، وهو منه، كقولك: قبضت وَسَطَ الحبل، وكسرت وَسَط الرمح، وجلست وَسَط الدار، ومنه المثل: "يَرْتَقِي وَسَطًا، وَيَرْبِضُ حَجْرَةً"؛ أي: يَرتعي أوسط المرعى، وخياره، ما دام القوم في خير، فإذا أصابهم شرٌّ اعتزلهم، ورَبَضَ حَجْرَة أي: ناحيةً منعزلًا عنهم، وجاء الوَسَط محركًا أوسطه على وزان نقيضه في المعنى، وهو الطَّرَف؛ لأن نقيض الشيء يتنزل منزلة نظيره في كثير من الأوزان، نحو جَوْعَان، وشَبْعَان، وطَوِيل، وقَصِير، قال: ومما جاء على وزان نظيره قولهم: الَحَرْدُ؛ لأنه على وزان القَصْد، والْحَرَدُ؛ لأنه على وزان نظيره، وهو الغَضَب، يقال: حَرَدَ يَحْرِدُ حَرْدًا، كما يقال: قَصَدَ يَقْصِدُ قَصْدًا، ويقال: حَرِدَ يَحْرَد حَرَدًا، كما يقال: غَضِبَ يَغْضَبُ غَضَبًا، وقالوا: الْعَجْم؛ لأنه على وزان الْعَضِّ، وقالوا: الْعَجَم، لِحَبِّ الزبيب وغيره؛ لأنه وزان النَّوَى، وقالوا: الْخِصْبُ، والْجَدْبُ؛ لأن وزانهما الْعِلم، والْجَهْل؛ لأن العلم يُحْيِي الناس، كما يحييهم الْخِصْب، والجهل يُهْلِكهم كما يهلكهم الْجَدْب، وقالوا: الْمَنْسِرُ؛ لأنه على وزان الْمَنْكِب، وقالوا: الْمِنْسَرُ؛ لأنه على وزان الْمِخْلَب، وقالوا: أدليت الدلو: إذا أرسلتها في البئر، ودَلَوتها: إذا جَذَبتها، فجاء أدلى على مثال أرسل، ودَلا على مثال جَذَبَ، قال: فبهذا تعلم صحة قول من فَرّق بين الضَّرِّ، والضُّرّ، ولم يجعلهما بمعنًى، فقال: الضَّرّ بإزاء النَّفْع الذي هو نقيضه، والضُّرّ بإزاء السُّقْم الذي هو نظيره في المعنى، وقالوا: فَاد يَفِيد جاء على وزان مَاسَ يَمِيس: إذا تبختر، وقالوا: فَاد يَفُود، على وزان نظيره، وهو مات يموت، والنَّفَاقُ في السوق، جاء على وزن الْكَسَاد، والنِّفَاق في الرجل، جاء على وزان الْخِدَاع، قال: وهذا النحو في كلامهم كثيرٌ جدًّا.
قال: واعلم أن الوَسَطَ قد يأتي صفةً، وإن كان أصله أن يكون اسْمًا من جهة أن أوسط الشيء أفضله، وخياره، كوَسطُ المرعى خيرٌ من طرفيه، وكوسطُ
[ ٢٦ / ٣٥٢ ]
الدابة للركوب خير من طرفيها؛ لتمكّن الراكب، ومنه الحديث: "خيار الأمور أوساطها" (^١)، وقول الراجز:
إِذَا رَكِبْتُ فَاجْعَلَانِي وَسَطَا
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: عَدْلًا، فهذا تفسير الوَسَط، وحقيقة معناه، وأنه اسم لما بين طرفي الشيء، وهو منه.
قال ابن بَرّيّ: وأما الوَسْط بسكون السين، فهو ظرفٌ، لا اسمٌ جاء على وزان نظيره في المعنى، وهو "بَيْنَ"، تقول: جلست وَسْطَ القوم؛ أي: بينهم، ومنه قول أبي الأخزر الْحِمّانيّ [من الرجز]:
سَلُّومُ لَوْ أَصْبَحْتِ وَسْطَ الأَعْجَمِ
أي: بين الأعجم، وقال آخر [من الرجز]:
أَكْذَبُ مِنْ فَاخِتَةٍ … تَقُولُ وَسْطَ الْكَرَبِ
وَالطَّلْعُ لَمْ يَبْدُ لَهَا … هَذَا أَوَانُ الرُّطَبِ
وقال سَوّار بن الْمُضَرِّب [من البسيط]:
إنِّي كَأَنِّي أَرَى مَنْ لَا حَيَاءَ لَهَ … وَلَا أَمَانَةَ وَسْطَ النَّاسِ عُرْيَانَا
وفي الحديث: "حتى أتى رسولَ الله - ﷺ - وسط الناس" (^٢) أي: بينهم.
ولما كانت "بَيْنَ" ظرفًا كانت "وَسْطَ" ظرفًا، ولهذا جاءت ساكنة الأوسط؛ لتكون على وزانها، ولما كانت "بَيْن" لا تكون بعضًا لما يضاف إليها، بخلاف الوَسَط الذي هو بعضُ ما يضاف إليه، كذلك وَسْطُ لا تكون بعضُ ما تضاف إليه، ألا ترى أن وَسَط الدار منها، ووسْط القوم غيرهم؟ ومن ذلك قولهم: وَسَطُ رأسه صُلْبٌ؛ لأن وَسَط الرأس بعضُها، وتقول: وَسْطَ رأسه دُهْنٌ، فتنصب وَسْطَ على الظرف، وليس هو بعض الرأس، فقد حصل لك الفرق بينهما من جهة المعنى، ومن جهة اللفظ.
أما من جهة المعنى، فإنها تلزم الظرفية، وليست باسم متمكن يصحّ رفعه، ونصبه، على أن يكون فاعلًا، ومفعولًا، وغير ذلك، بخلاف الْوَسَطِ.
_________________
(١) حديث ضعيف.
(٢) هذا من الحديث الذي نشرحه الآن.
[ ٢٦ / ٣٥٣ ]
وأما من جهة اللفظ، فإنه لا يكون من الشيء الذي يضاف إليه، بخلاف الْوَسَط أيضًا.
فإن قلت: قد ينتصب الْوَسَط على الظرف، كما ينتصب الْوَسْطُ، كقولهم: جلست وَسَطَ الدار، وهو يَرتعي وَسَطًا، ومنه ما جاء في الحديث؛ أنه كان يَقِف في الجنازة على المرأة وَسَطها.
فالجواب: أن نصب الْوَسَط على الظرف، إنما جاء على جهة الاتساع، والخروج عن الأصل، على حدّ ما جاء الطريقَ، ونحوه، وذلك مثل قوله:
كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ
وليس نصبه على الظرف على معنى "بَيْنَ"، كما كان ذلك في "وَسْطَ"، ألا ترى أن وَسْطًا لازم للظرفية، وليس كذلك وَسَطٌ، بل اللازم له الاسمية في الأكثر والأعم، وليس انتصابه على الظرف، وإن كان قليلًا في الكلام، على حدّ انتصاب الَوَسْط في كونه بمعنى "بَيْنَ"، فافهم ذلك.
قال: واعلم أنه متى دخل على وسْط حرف الوعاء، خرج عن الظرفية، ورجعوا فيه إلى وَسَط، ويكون بمعنى وَسَط، كقولك: جلست في وَسْط القوم، وفي وَسَط رأسه دُهْنٌ، والمعنى فيه مع تحرّكه، كمعناه مع سكونه، إذا قلت: جلستُ وَسْطَ القوم، ووَسْطَ رأسه دُهن، ألا ترى أن وَسْط القوم بمعنى وَسَط القوم، إلا أن وَسْطًا يلزم الظرفية، ولا يكون إلا اسْمًا، فاستعير له إذا خرج عن الظرفية الوَسْط على جهة النيابة عنه، وهو في غير هذا مخالف لمعناه.
وقد يُستَعمل الْوَسْط الذي هو ظرف اسْمًا، ويبقى على سكونه، كما استعملوا "بَيْنَ" اسمًا على حكمها ظرفًا، في نحو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، قال الْقَتَّال الْكِلابيّ [من الكامل]:
مِنْ وَسْطِ جَمْعِ بَنِي قُرَيْظٍ بَعْدَمَا … هَتَفَتْ رَبِيعَةُ يَا بَنِي خَوَّارِ
وقال عَدِيُّ بن زيد [من الخفيف]:
وَسْطُهُ كَالْيَرَاعِ أَوْ سَرُجِ الْمَجْـ … دَلِ حِينًا يَخْبُو وَحِينًا يَنِيرُ
انتهى كلام ابن بريّ.
[ ٢٦ / ٣٥٤ ]
وقال ابن الأثير في تفسير حديث: "الجالسُ وَسْط الحلقة ملعون" (^١)، ما نَصُّه: الوَسْط بالتسكين، يقال فيما كان متفرق الأجزاء، غير متصل؛ كالناس، والدوابّ، وغير ذلك، فإذا كان متصل الأجزاء؛ كالدار، والرأس، فهو بالفتح، وكلُّ ما يصلح فيه "بَيْنَ" فهو بالسكون، وما لا يصلح فيه "بَيْن"، فهو بالفتح، وقيل: كلٌّ منهما يقع موقع الآخر، قال: وكأنه الأشبه، قال: وإنما لُعِن الجالس وسط الحلقة؛ لأنه لا بدّ، وأن يستدبر بعض المحيطين به، فيؤذيهم، فيلعنونه، ويذمُّونه.
قال المرتضى - ﵀ -: وقديمًا كنت أسمع شيوخنا يقولون في الفرق بينهما كلامًا شاملًا لما ذكروه، وهو: الساكن متحرِّك، والمتحرِّك ساكنٌ، وما فصّلناه مُدرَجٌ تحت هذا الكامن، وقال الصَّفَديّ في "تاريخه": أنشدني الشيخ جمال الدين يوسف بن محمد الْعُقيليّ السُّرمَرّيّ لنفسه [من الخفيف]:
فَرْقُ مَا بَيْنَهُمْ وَسَطُ الشَّيْ … ءِ وَوَسْطٌ تَحْرِيكًا أَوْ تَسْكِينَا
مَوْضِعٌ صَالِح لِبَيْنَ فَسَكِّنْ … وَلفِي حَرِّكَنْ تَرَاهُ مُبِينَا
كَجَلَسْتُ وَسْطَ الْجَمَاعَةِ إِذْ هُمْ … وَسَطُ الدَّارِ كُلُّهُمْ جَالِسِينَا
والله أعلم، وبه نستعين. انتهى ما كتبه المرضى - ﵀ - في "شرح القاموس" (^٢)، وهو بحثٌ مفيد جدًّا، ولهذا نقلته بطوله، والله تعالى وليّ التوفيق.
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا؛ لقْتُلُهُ، فَتَقْتُلُونَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "قَدْ نَزَلَ فِيكَ، وَفي صَاحِبَتِكَ) ولفظ البخاريّ: "قد أنزل الله فيك، وفي صاحبتك"، قال الحافظ - ﵀ -: ظاهر هذا السياق أنه كان تقدّم منه إشارة إلى خصوص ما وقع له مع امرأته، فيترجّح أحد الاحتمالات التي أشار إليها ابن العربيّ.
لكن ظهر لي من بقية الطُّرُق أن في السياق اختصارًا، ويوضح ذلك ما وقع في حديث ابن عمر - ﵄ - في قصة الْعَجلانيّ بعد قوله: "إن تكلم تكلم بأمر
_________________
(١) حديث ضعيف، راجع: "الضعيفة" للشيخ الألبانيّ - ﵀ - ٢/ ٩٧.
(٢) راجع: "تاج العروس من جواهر القاموس" ٥/ ٢٣٩ - ٢٤٠.
[ ٢٦ / ٣٥٥ ]
عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك": "فسكت عنه النبيّ - ﷺ -، فلما كان بعد ذلك أتاه، فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتُليت به"، فدَلّ على أنه لم يذكر امرأته إلا بعد أن انصرف، ثم عاد.
ووقع في حديث ابن مسعود - ﵁ - أن الرجل لما قال: "وإن سكت سكت على غيظ"، قال النبيّ - ﷺ -: "اللهم افتح"، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان، وهذا ظاهره أن الآية نزلت عقب السؤال، لكن يَحْتَمِل أن يتخلل بين الدعاء والنزول زمن، بحيث يذهب عاصم، ويعود عويمر، وهذا كله ظاهر جدًّا في أن القصة نزلت بسبب عويمر، ويعارضه حديث ابن عباس - ﵄ - أن هلال بن أمية قذف امرأته بشَرِيك بن سَحْماء، فقال النبيّ - ﷺ -: "البينةَ، أو حَدّ في ظهرك"، فقال هلال: والذي بعثك بالحقّ إنني لصادق، ولَيُنزلنّ الله فِيّ ما يبرئ ظهري من الحدّ، فنزل جبريل، فأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] الحديث.
وفي رواية عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذا الحديث، عند أبي داود: "فقال هلال: وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرَجًا، قال: فبينا رسول الله - ﷺ - كذلك، إذ نزل عليه الوحي".
وفي حديث أنس الآتي عند مسلم: "أن هلال بن أمية قَذَف امرأته بشَريك بن سَحْماء، وكان أخا البراء بن مالك لأمه، وكان أوّل رجل لاعن في الإسلام"، فهذا يدلّ على أن الآية نزلت بسبب هلال، وقد تقدّم في المسألة الثانية المذكورة أول "كتاب اللعان" بيان اختلاف أهل العلم في ذلك.
والأحسن في كيفية الجمع بينهما؛ أن يقال: إن هلال بن أميّة سأل أوّلًا، ثم سأل عويمرٌ، فنزلت في شأنهما معًا.
ومال الحافظ إلى ترجيح أن يكون عاصم سأل قبل النزول، ثم جاء هلال بعده، فنزلت عند سؤاله، فجاء عويمر في المرة الثانية التي قال فيها: إن الذي سألتك عنه قد ابتُليت به، فوجد الآية نزلت في شأن هلال، فأعلمه - ﷺ - بأنها نزلت فيه، يعني أنها نزلت في كل من وقع له ذلك؛ لأن ذلك لا يختص بهلال، وكذا يجاب على سياق حديث ابن مسعود بأنه يَحْتَمِل أنه لَمَا شَرَع يدعو بعد توجه العجلانيّ جاء هلال، فذكر قصته، فنزلت، فجاء عويمر،
[ ٢٦ / ٣٥٦ ]
فقال: "قد نزل فيك، وفي صاحبتك" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا") يعني فذهَبَ فأتَى بها، واستُدِلّ به على أن اللعان يكون عند الحاكم، وبأمره، فلو تراضيا بمن يلاعن بينهما، فلاعن لم يصحّ؛ لأن في اللعان من التغليظ ما يقتضي أن يَختص به الْحُكّام، وفي حديث ابن عمر - ﵁ -: "فتلاهنّ عليه" أي: الآيات التي في سورة النور، ووعظه، وذَكَّره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: "لا، والذي بعثك بالحقّ ما كذبت عليها، ثم دعاها، فوعظها، وذكّرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قالت: والذي بعثك بالحقّ إنه لكاذب".
(قَالَ سَهْلٌ) - ﵁ -، وهو موصول بالسند المبدوء به (فَتَلَاعَنَا) فيه حذفٌ، تقديره: فذهب، فأَتَى بها، فسألها، فأنكرت، فأَمَر باللعان، فتلاعنا (وَأَنَا مَعَ النَّاس، عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) زاد ابن جريج: "في المسجد"، وزاد ابن إسحاق في روايته عن ابن شهاب في هذا الحديث: "بعد العصر"، أخرجه أحمد، وفي حديث عبد الله بن جعفر: "بعد العصر عند المنبر"، وسنده ضعيف.
واستدل بمجموع ذلك على أن اللعان يكون بحضرة الحكام، وبمجمع من الناس، وهو أحد أنواع التغليظ، ثانيها: الزمان، ثالثها: المكان، وهذا التغليظ مستحبّ، وقيل: واجب، قاله الحافظ - ﵀ -، وقال أيضًا:
[تنبيه]: لم أر في شيء من طرُق حديث سهل صفة تلاعنهما إلا ما في رواية الأوزاعيّ، فإنه قال: "فأمرهما بالملاعنة بما سَمَّى في كتابه"، وظاهره أنهما لم يزيدا على ما في الآية، وحديث ابن عمر عند مسلم صريح في ذلك، فإن فيه: "فبدأ بالرجل، فشَهِد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثَنَّى بالمرأة … " الحديث.
وحديثُ ابن مسعود نحوه، لكن زاد فيه: "فذهبت لتلتعن، فقال النبيّ - ﷺ -: مَهْ، فأَبَتْ، فالتعنت".
وفي حديث أنس - ﵁ - عند أبي يعلى، وأصله في مسلم: "فدعاه النبيّ - ﷺ -، فقال: أتشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا؟ فشهد
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٢/ ١٧٤ - ١٧٥.
[ ٢٦ / ٣٥٧ ]
بذلك أربعًا، ثم قال له في الخامسة: ولعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين، ففعل، ثم دعاها، فذكر نحوه، فلما كان في الخامسة: سكتت سكتةً، حتى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على القول".
وفي حديث ابن عباس - ﵄ - من طريق عاصم بن كُليب، عن أبيه، عنه، عند أبي داود، والنسائيّ، وابن أبي حاتم: "فدعا الرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فامَر به، فأُمسك على فيه، فوَعَظه، فقال: كلُّ شيء أهون عليك من لعنة الله، ثم أرسله، فقال: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وقال في المرأة نحو ذلك"، وهذه الطريق لم يُسَمَّ فيها الزوج، ولا الزوجة، بخلاف حديث أنس، فصرَّح فيه بأنها في قصة هلال بن أمية، فإن كانت القصّة واحدة، وقع الوهم في تسمية الملاعِن، كما جزم به غير واحد، فهذه زيادة من ثقة، فتُعتَمد، وإن كانت متعددة، فقد ثبت بعضها في قصة امرأة هلال. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - ببعض اختصار.
(فَلَمَّا فَرَغَا) زاد في رواية البخاريّ: "من تلاعنهما" (قَالَ عُويمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا) وفي رواية الأوزاعيّ: "إن حبستها فقد ظلمتها".
(فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَأمُرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية بن إسحاق: "ظلمتها إن أمسكتها، فهي الطلاق، فهي الطلاق"، قال في "الفتح": وقد تفرد بهذه الزيادة، ولم يتابع عليها، وكأنه رواه بالمعنى؛ لاعتقاده منع جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة، واستُدِلّ بقوله: "طلقها ثلاثًا" أن الفرقة بين المتلاعنين تتوقف على تطليق الرجل، كما نُقِل عن عثمان الْبَتّيّ.
وأجيب بقوله في حديث ابن عمر: فَرّق النبيّ - ﷺ - بين المتلاعنين، فإن حديث سهل، وحديث ابن عمر في قصة واحدة، وظاهر حديث ابن عمر أن الفرقة وقعت بتفريق النبيّ - ﷺ -.
وقد وقع في شرح مسلم للنوويّ - ﵀ - قوله: "كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها" هو كلام مستقلّ، وقوله: "فطلقها"؛ أي: ثم عَقَّبَ قوله ذلك بطلاقها، وذلك لأنه ظن أن اللعان لا يُحرِّمها عليه، فأراد تحريمها بالطلاق،
[ ٢٦ / ٣٥٨ ]
فقال: هي طالق ثلاثًا، فقال له النبيّ - ﷺ -: "لا سبيل لك عليها"؛ أي: لا مِلك لك عليها، فلا يقع طلاقك. انتهى.
قال الحافظ: وهو يوهم أن قوله: "لا سبيل لك عليها" وقع منه - ﷺ - عَقِب قول الملاعن: هي طالق ثلاثًا، وأنه موجود كذلك في حديث سهل بن سعد الذي شرحه، وليس كذلك، فإن قوله: "لا سبيل لك عليها" لم يقع في حديث سهل، وإنما وقع في حديث ابن عمر، عقب قوله: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها"، وفيه: "قال: يا رسول الله مالي … " الحديث، كذا في "الصحيحين".
وظهر من ذلك أن قوله: "لا سبيل لك عليها" إنما استَدَلَّ مَن استَدَلّ به من أصحابنا لوقوع الفرقة بنفس الطلاق، من عموم لفظه، لا من خصوص السياق، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - (^١).
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ - ﵀ -: (فَكَانَتْ سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ) زاد أبو داود، عن القعنبيّ، عن مالك: "فكانت تلك"، وهي إشارة إلى الفُرْقة، وفي رواية ابن جريج: "فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله - ﷺ - حين فرغا من التلاعن، ففارقها عند النبيّ - ﷺ -، فقال: ذلك تفريق بين كل متلاعنين"، كذا للمستملي، وللباقين: "فكان ذلك تفريقًا"، وللكشميهنيّ: "فصار"، بدل "فكان"، وأخرجه مسلم من طريق ابن جريج بلفظ: فقال النبيّ - ﷺ -: "ذلك التفريق بين كل متلاعنين"، وهو يؤيد رواية المستملي، ومن طريق يونس، عن ابن شهاب، قال بمثل حديث مالك، قال مسلم: لكن أدرج قوله: "وكان فراقه إياها بعدُ سنّة بين المتلاعنين"، وكذا ذكر الدارقطنيّ في "غرائب مالك" اختلاف الرواة على ابن شهاب، ثم على مالك في تعيين من قال: "فكان فراقها سنّةً"، هل هو من قول سهل، أو من قول ابن شهاب؟ وذكر ذلك الشافعيّ، وأشار إلى أن نسبته إلى ابن شهاب لا تمنع نسبته إلى سمهل، ويؤيده ما وقع عند أبي داود، من طريق عياض بن عبد الله الْفِهْريّ، عن ابن شهاب، عن سهل، قال: "فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله - ﷺ -، فأنفذه رسول الله - ﷺ -، وكان ما صنع عند
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٧٦ - ١٧٧.
[ ٢٦ / ٣٥٩ ]
رسول الله - ﷺ - سنّةً، قال سهل: حضرت هذا عند رسول الله - ﷺ -، فمضت السنّة بعدُ في المتلاعنين أن يفرّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا".
فقوله: "فمضت السنّة" ظاهر في أنه من تمام قول سهل، ويَحْتَمِل أنه من قول ابن شهاب، ويؤيده أن ابن جريج أورد قول ابن شهاب في ذلك بعد ذكر حديث سهل، فقال بعدَ قوله: "ذلك تفريق بين كل متلاعنين"، قال ابن جريج: قال ابن شهاب: "كانت السنّة بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين".
قال الحافظ - ﵀ -: ثم وجدت في نسخة الصغانيّ في آخر الحديث: قال أبو عبد الله (^١): قوله: "ذلك تفريق بين المتلاعنين" من قول الزهريّ، وليس من الحديث. انتهى، وهو خلافُ ظاهر سياق ابن جريج، فكأن البخاريّ رأى أنه مُدْرَجٌ، فَنَبَّهَ عليه. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧٣٨ و٣٧٣٩ و٣٧٤٠] (١٤٩٢)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٤٢٣) و"التفسير" (٤٧٤٥) و"الطلاق" (٥٣٠٩) و"الأحكام" (٧١٦٦) و"الاعتصام" (٧٣٠٤)، و(أبو داود) في "الطلاق" (٢٢٤٧ و٢٢٤٨ و٢٢٥١)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٦/ ١٧٠ و١٧١)، و(ابن ماجه) في "الطلاق" (٢٠٦٦)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ٤٥ و٤٦)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٢٤٤٥ و١٢٤٤٦ و١٢٤٤٧)، و(أحمد) في "مسند" (٥/ ٣٣٠ و٣٣١ و٣٣٤ و٣٣٧)، و(مالك) في "الموطإ" (١٢٠١)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٢٢٩)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٦٧٤ و٥٦٧٨ و٥٦٧٩ و٥٦٨٠ و٥٦٨١ و٥٦٨٢ و٥٦٨٤ و٥٦٨٥ و٥٦٨٦ و٥٦٨٧ و٥٦٨٨ و٥٦٨٩ و٥٦٩١ و٥٦٩٢)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٧٥٦
_________________
(١) هو الإمام البخاريّ - ﵀ -.
(٢) "الفتح" ١٢/ ١٧٧ رقم (٥٣٠٨).
[ ٢٦ / ٣٦٠ ]
و٤٢٨٥)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٣/ ١٠٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٣٩٩ و٤٠٠ و٤٠١)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣٦٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (^١):
١ - (منها): بيان بدء مشروعيّة اللعان.
٢ - (ومنها): مشروعيةُ الاستعداد للوقائع قبل وقوعها؛ ليُعلم أحكامها إذا وقعت.
٣ - (ومنها): الرجوع إلى من له الأمر.
٤ - (ومنها): إجراء الأمر على الظواهر، والله تعالى يتولّى السرائر.
٥ - (ومنها): كراهة المسائل التي يترتّب عليها هتك المسلم، أو التوصّل إلى أذيّته بأيّ سبب كان، وفي كلام الشافعيّ - ﵀ - إشارة إلى أن كراهة ذلك كانت خاصّة بزمنه - ﷺ - من أجل نزول الوحي؛ لئلّا تقع المسألة عن شيء مباح، فيقع التحريم بسبب المسألة، وقد ثبت في "الصحيح": "أعظم المسلمين جُرْمًا من سأل عن شيء لم يُحرّم، فحُرّم من أجل مسألته". وقد استمرّ جماعة من السلف على كراهة السؤال عما لم يقع، لكن عمل الأكثر على خلافه، فلا يُحصى ما فرّعه الفقهاء من المسائل قبل وقوعها.
٦ - (ومنها): أن العالم يُقصد في منزله، ولا يُنتظر به حتى يُصادفه في المسجد، أو الطريق.
٧ - (ومنها): مشروعيّة اللعان؛ لقول الله - ﷿ -: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ [النور].
٨ - (ومنها): أن اللعان يكون بحضرة الإمام، أو القاضي، وبمجمع من الناس.
_________________
(١) المراد فوائد حديث اللعان عمومًا، لا خصوص السياق المشروح الآن، بل الأحاديث المتعلّقة به، فقد أخرج المصنّف في الباب حديث سهل، وحديث ابن عمر، وحديث ابن عبّاس، وحديث أنس، وحديث أبي هريرة، وحديث المغيرة بن شعبة - ﵃ -.
[ ٢٦ / ٣٦١ ]
٩ - (ومنها): تغليظ اللعان، قال النوويّ - ﵀ -: يغلّظ اللعان بالزمان، والمكان، والجمع، فأما الزمان فبعد العصر، والمكان في أشرف موضع في ذلك البلد، والجمع طائفة من الناس، وأقلّهم أربعة، وهل هذه التغليظات واجبة، أم مستحبّة؟ فيه خلاف عندنا، والأصحّ الاستحباب. انتهى (^١).
١٠ - (ومنها): أن اللعان لا يكون إلا بين الزوجين؛ لأن الله تعالى خصّه بالأزواج، حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦].
١١ - (ومنها): سقوط الحدّ به عن الرجل.
٢! - (ومنها): أن شرط مشروعيّة اللعان عدم إقامة البيّنة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ٤]، فلو أقام الزوج الشهداء لا يجوز اللعان، بل يقام عليها الحدّ.
١٣ - (ومنها): أن شرط وجوب اللعان إنكار المرأة وجود الزنا منها، فلو أقرّت به لا يجوز اللعان، بل يقام عليها الحدّ المذكور.
١٤ - (ومنها): أن في حديث سعيد بن جبير الآتي ينبغي للعالم إذا سُئل عن واقعة، ولم يعلم حكمها، ورجا أن يجد فيها نصًّا أن لا يُبادر إلى الاجتهاد فيها.
١٥ - (ومنها): الرحلة في المسألة النازلة؛ لأن سعيد بن جُبير رحل من العراق إلى مكّة من أجل مسألة الملاعنة.
١٦ - (ومنها): إتيان العالم في منزله، ولو كان في قائلته، إذا عَرف الآتي أنه لا يشُقّ عليه.
١٧ - (ومنها): تعظيم العالم، ومخاطبته بكنيته؛ لقول سعيد لابن عمر - ﵄ -: يا أبا عبد الرحمن.
١٨ - (ومنها): التسبيح عند التعجّب؛ لقول ابن عمر: "نعم سبحان الله"، وفيه إشعار بسعة علم سعيد؛ لأن ابن عمر عجب من خفاء مثل هذا الحكم
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٣٦٠.
[ ٢٦ / ٣٦٢ ]
عليه، ويَحْتَمِل أن يكون تعجّبه لِعلمه بأن الحكم المذكور كان مشهورًا من قبلُ، فتعجّب كيف خفي على بعض الناس.
١٩ - (ومنها): بيان أوّليات الأشياء، والعناية بمعرفتها؛ لقول ابن عمر - ﵄ -: "أوّل من سأل عن ذلك فلان"، وقول أنس - ﵁ -: "أول لعان كان".
٢٠ - (ومنها): أن البلاء موكّلٌ بالمنطق، وأنه إن لم يقع بالناطق وقع بمن له به صلة.
٢١ - (ومنها): أن الحاكم يَرْدَع الخصم عن التمادي على الباطل بالموعظة، والتذكير، والتحذير، ويكرّر ذلك؛ ليكون أبلغ.
٢٢ - (ومنها): ارتكاب أخفّ المفسدتين بترك أثقلهما؛ لأن مفسدة الصبر على خلاف ما توجبه الغيرة مع قبحه وشدّته أسهل من الإقدام على القتل الذي يؤدّي إلى الاقتصاص من القاتل، وقد نَهَج له الشارع سبيلًا إلى الراحة منها، إما بالطلاق، وإما باللعان.
٢٣ - (ومنها): أن الاستفهام بـ "أرأيت" كان قديمًا.
٢٤ - (ومنها): أن خبر الواحد يُعمل به إذا كان ثقةً.
٢٥ - (ومنها): أنه يسنّ للحاكم وعظ المتلاعنين عند إرادة التلاعن، ويتأكّد عند الخامسة، ونقل ابن دقيق العيد عن الفقهاء أنهم خصّوه بالمرأة عند إرادة تلفّظها بالغضب، واستشكله بما في حديث ابن عمر، لكن قد صرّح جماعة من الشافعيّة وغيرهم باستحباب وعظهما معًا، وهذا هو الحقّ.
٢٦ - (ومنها): أن فيه ذكر الدليل مع بيان الحكم.
٢٧ - (ومنها): أن الصحابة - ﵃ - كانوا يسألون عن الحكم الذي لم ينزل فيه وحي.
٢٨ - (ومنها): أن للعالم إذا كره السؤال أن يَعيبه، ويُهَجّنه.
٢٩ - (ومنها): أن من لقي شيئًا من المكروه بسبب غيره له أن يعاتبه عليه.
٣٠ - (ومنها): أن المحتاج إلى معرفة الحكم لا يردّه كراهة العالم لِمَا سأل عنه، ولا غضبه عليه، ولا جفاؤه له، بل يُعاود ملاطفته إلى أن يقضي حاجته.
[ ٢٦ / ٣٦٣ ]
٣١ - (ومنها): أن السؤال عما يلزم من أمور الدين مشروع سرًّا وجهرًا، وأن لا عيب في ذلك على السائل، ولو كان مما يُستقبح.
٣٢ - (ومنها): أن فيه التحريض على التوبة، والعمل بالستر، وانحصار الحقّ في أحد الجانهين عند تعذّر الواسطة؛ لقوله: "إن أحدكما كاذب"، وأن الخصمين المتكاذبين لا يُعاقب واحد منهما، وإن أحاط العلم بكذب أحدهما لا بعينه.
٣٣ - (ومنها)؛ أن اللعان إذا وقع سقط حدّ القذف عن الملاعن للمرأة، وللذي رميت به؛ لأنه صرّح في بعض طرقه بتسمية المقذوف، ومع ذلك لم يُنقل أن القاذف حُدّ، قال الداوديّ: لم يقل به مالكٌ؛ لأنه لم يبلغه الحديث، ولو بلغه لقال به، وأجاب بعض من قال: يُحدّ من المالكيّة، والحنفيّة بأن المقذوف لم يطلب، وهو حقّه، فلذلك لم يُنقل أن القاذف حدّ؛ لأن الحدّ سقط من أصله باللعان، وذكر عياض أن بعض أصحابهم اعتذر عن ذلك بأن شريكًا كان يهوديًّا.
٣٤ - (ومنها): أن فيه ليس على الإمام أن يُعلم المقذوف بما وقع من قاذفه.
٣٥ - (ومنها): أن الحامل تلاعنُ قبل الوضع؛ لقوله في الحديث: "انظروا، فإن جاءت به إلخ"، كما في حديث سهل - ﵁ -، وفي حديث ابن عبّاس - ﵄ -، وفي حديث ابن مسعود - ﵁ -: فجاء - يعني الرجل - هو وامرأته، فتلاعنا، فقال النبيّ - ﷺ -: "لعلّها أن تجيء به أسود جَعْدًا، فجاءت به أسود، جعدًا"، وبه قال الجمهور؛ خلافًا لمن أبي ذلك من أهل الرأي، معتلًّا بان الحمل لا يُعلم لأنه قد يكون نفخة، وحجة الجمهور أن اللعان شُرع لدفع حدّ القذف عن الرجل، ودفع حدّ الرجم عن المرأة، فلا فرق بين أن تكون حاملًا، أو حائلًا، ولذلك يُشرع اللعان مع الآيسة، وقد اختُلف في الصغيرة، فالجمهور على أن الرجل إذا قذفها فله أن يلتعن لدفع حدّ القذف عنه دونها.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الجمهور هو الأظهر حجةً، والله تعالى أعلم.
[ ٢٦ / ٣٦٤ ]
٣٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن لا كفّارة في اليمين الغموس؛ لأنها لو وجبت لبيّنت في هذه القصّة.
وتُعقّب بأنه لم يتعيّن الحانث، وأُجيب بأنه لو كان واجبًا لبيّنه مجملًا بأن يقول مثلًا: فليُكفّر الحانث منكما عن يمينه، كما أرشد أحدهما إلى التوبة.
٣٧ - (ومنها): أن في قوله - ﷺ - لهلال بن أُميّة - ﵁ -: "أربعة شُهداء، وإلا فحدّ في ظهرك" دلالةً على أن القاذف لو عجز عن البيّنة، فطلب تحليف المقذوف لا يُجاب؛ لأن الحصر المذكور لم يتغيّر منه إلا زيادة مشروعيّة اللعان.
٣٨ - (ومنها): جواز ذكر الأوصاف المذمومة عند الضرورة الداعية إلى ذلك، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرّمة.
٣٩ - (ومنها): أن الحكم يتعلّق بالظاهر، وأمر السرائر موكول إلى الله ﷿.
٤٠ - (ومنها): ما قال ابن التين: وبه احتجّ الشافعيّ على قبول توبة الزنديق، وفيه نظر؛ لأن الحكم يتعلّق بالظاهر فيما لا يتعلّق فيه حكم الباطن، والزنديق قد علم باطنه بما تقدّم، فلا يقبل منه ظاهر ما يبديه بعد ذلك، قال الحافظ: كذا قال، وحجة الشافعيّ ظاهرة؛ لأنه - ﷺ - قد تحقّق أن أحدهما كاذب، وكان قادرًا على الاطلاع على عين الكاذب، لكن أخبر أن الحكم بظاهر الشرع يقتضي أنه لا ينقب عن البواطن، وقد لاحت القرائن بتعيين الكاذب في المتلاعنين، ومع ذلك فأجراهما على حكم الظاهر، ولم يُعاقب المرأة.
٤١ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن الحاكم لا يكتفي بالمظنّة، والإشارة في الحدود، إذا خالفت الحكم الظاهر، كيمين المدّعَى عليه، إذا أنكر، ولا بيّنة.
٤٢ - (ومنها): أن الشافعيّ ﵀ استدلّ به على إبطال الاستحسان؛ لقوله: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن".
٤٣ - (ومنها): أن الحاكم إذا بذل وسعه، واستوفى الشرائط لا ينقض حكمه إلا إن ظهر عليه إخلال شرط، أو تفريق في سبب.
٤٤ - (ومنها): أن اللعان يُشرع في كلّ امرأة دخل بها، أو لم يدخل،
[ ٢٦ / ٣٦٥ ]
ونقل فيه ابن المنذر الإجماع، وفي صداق غير المدخول بها خلاف للحنابلة، والمشهور أن لها نصف المهر؛ لأنها فُرقة منه، وبه قال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومالك، وفي رواية: لا صداق لها؛ لأن الفرقة حصلت بلعانهما جميعًا، فأشبه الفرقة بعيب في أحدهما.
٤٥ - (ومنها): أنه لو نكح فاسدًا، أو طلّق بائنًا، فولدت، فأراد نفي الولد، فله الملاعنة. وقال أبو حنيفة: يلحقه الولد، ولا نفي، ولا لعان؛ لأنها أجنبيّة، وكذا لو قذفها، ثم أبانها بثلاث فله اللعان، وقال أبو حنيفة: لا، وقد أخرج ابن أبي شيبة عن هُشيم، عن مغيرة، قال الشعبيّ: إذا طلّقها ثلاثًا، فوضعت، فانتفى منه، فله أن يلاعن، فقال له الحارث: إن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية [النور: ٦]، أفتراها زوجة؟ فقال الشعبيّ: إني لأستحيي من الله إذا رأيت الحقّ أن لا أرجع إليه، فلو التعن ثلاث مرّات فقط، فالتعنت المرأة مثله، ففرّق الحاكم بينهما لم تقع الفرقة عند الجمهور؛ لأن ظاهر القرآن أن الحدّ وجب عليهما، وأنه لا يندفع إلا بما ذُكر، فتعيّن الإتيان بجميعه، وقال أبو حنيفة: أخطأ السنّة، وتحصل الفرقة؛ لأنه أُتي بالأكثر، فتعلّق به الحكم، ومذهب الجمهور أصحّ.
٤٦ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الالتعان ينتفي به الحمل؛ خلافًا لأبي حنيفة، ورواية عن أحمد؛ لقوله - ﷺ -: "انظروا، فإن جاءت إلخ"، فإن الحديث ظاهر في أنها كانت حاملًا، وقد أُلحق الولد مع ذلك بأمه.
٤٧ - (ومنها): أن فيه جواز الحلف على ما يغلب على الظنّ، ويكون المستند التمسّك بالأصل، أو قوة الرجاء من الله تعالى عند تحقّق الصدق؛ لقول من سأله هلال: "والله ليجلدنّك"، ولقول هلال: "والله لا يضربني، وقد علم أني رأيت، حتى استفتيت".
٤٨ - (ومنها): أن اليمين التي يُعتدّ بها في الحكم ما يقع بعد إذن الحاكم؛ لأن هلالًا قال: "والله إني لصادق"، ثم لم يحتسب بها من كلمات اللعان الخمس.
٤٩ - (ومنها): أنه تمسّك به من قال لإلغاء حكم القافة، وتُعقّب بأن إلغاء حكم الشبه هنا إنما وقع حيث عارضه حكم الظاهر بالشرع، وإنما يُعتبر حكم
[ ٢٦ / ٣٦٦ ]
القافة حيث لا يوجد ظاهر يُتمسّك به، ويقع الاشتباه، فيرجع حينئذ إلى القافة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صفة الزوجين اللذين يصحّ منهما اللعان:
ذهبت طائفة إلى أن اللعان يصحّ من كلّ زوجين مكلّفين، مسلمين كانا، أو كافرين، أو عدلين، أو فاسقين، أو محدودين في قذف، أو كان أحدهما كذلك، وبهذا قال سعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار، والحسن، وربيعة، ومالك، وإسحاق، وأحمد في رواية.
وحجّتهم عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]؛ ولأن اللعان يمين، فلا يفتقر إلى سائر ما اشترطوه، كسائر الأيمان، ودليل أنه يمين قوله - ﷺ -: "لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن"، وأما تسميته شهادة؛ فلقوله في يمينه: أشهد بالله، فسمي ذلك شهادة، وإن كان يمينًا، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١].
وذهبت طائفة إلى أنه لا يصحّ اللعان إلا من زوجين مسلمين، عدلين، حزين، غير محدودين في قذف، روي هذا عن الزهريّ، والثوريّ، والأوزاعيّ، وحماد، وأصحاب الرأي. وعن مكحول: ليس بين المسلم والذّمّيّة لعان، وعن عطاء، والنخعيّ في المحدود في القذف: يُضرب الحدّ، ولا يُلاعن، وروي فيه حديث، ولا يثبت، كذلك قال الشافعيّ، والساجيّ؛ ولأن اللعان شهادة، بدليل قوله ﷿: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]، فاستثنى أنفسهم من الشهداء، وقال تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: ٦]، فلا يُقبل ممن ليس من أهل الشهادة (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأرجح عندي ما ذهب إليه الأولون؛ لقوّة دليله، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح" عند شرح حديث ابن عمر - ﵄ -: "أن رجلًا من الأنصار قذف امرأته، فأحلفهما النبيّ - ﷺ -، ثم فرّقهما"، ما نصّه: وقد تمسّك به من
_________________
(١) راجع: "المغني" لابن قدامة ﵀ ١١/ ١٢٤.
[ ٢٦ / ٣٦٧ ]
قال: إن اللعان يمين، وهو قول مالك، والشافعيّ، والجمهور، وقال أبو حنيفة: اللعان شهادة، وهو وجه للشافعيّة، وقيل: شهادة فيها شائبة اليمين، وقيل: بالعكس، ومن ثمّ قال بعض العلماء: ليس بيمين، ولا شهادة.
وانبنى على الخلاف أن اللعان يُشرع بين كلّ زوجين مسلمين، أو كافرين، حرّين، أو عبدين، عدلين، أو فاسقين؛ بناءً على أنه يمين، فمن صحّ يمينه صحّ لعانه، وقيل: لا يصحّ اللعان إلا من زوجين حرّين مسلمين؛ لأن اللعان شهادة، ولا يصحّ من محدود في قذف، وهذا الحديث حجة للأولين؛ لتسوية الراوي بين لاعَنَ، وحلف، ويؤيّده أن اليمين: ما دلّ على حثّ، أو منع، أو تحقيق خبر، وهو هنا كذلك، ويدلّ عليه قوله - ﷺ - في بعض طرق حديث ابن عباس - ﵄ -: "فقال له: احلف بالله الذي لا إله إلا هو إني لصادق، يقول ذلك أربع مرّات"، أخرجه الحاكم، والبيهقيّ، من رواية جرير بن حازم، عن أيوب، عن عكرمة، عنه. وقوله - ﷺ -: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن".
واعتلّ بعض الحنفيّة بأنها لو كانت يمينًا لما تكرّرت، وأجيب بأنها خرجت عن القياس تغليظًا لحرمة الفرج، كما خرجت القسامة لحرمة الأنفس، وبأنها لو كانت شهادة لم تكرر أيضًا.
قال الحافظ ﵀: والذي تحرّر لي أنها من حيث الجزم بنفي الكذب، وإثبات الصدق يمين، لكن أطلق عليها شهادة لاشتراط أن لا يُكتفَى في ذلك بالظنّ، بل لا بدّ من وجود علم كلّ منهما بالأمرين علمًا يصحّ معه أن يشهد به، ويؤيّد كونها يمينًا أن الشخص لو قال: أشهد بالله لقد كان كذا لعُدّ حالفًا، وقد قال القفّال في "محاسن الشريعة": كررت أيمان اللعان؛ لأنها أقيمت مقام أربع شهود في غيره ليقام عليها الحدّ، ومن ثمّ سمّيت شهادات. انتهى كلام الحافظ ﵀ (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط تفريق الحاكم بين المتلاعنين:
ذهبت جماعة إلى أن الفُرقة لا تحصل إلا بتفريق الحاكم بينهما، وبه قال
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٢/ ١٩٣ - ١٩٦.
[ ٢٦ / ٣٦٨ ]
أبو حنيفة، والثوريّ، وأحمد؛ لقول ابن عبّاس - ﵄ - في حديثه: ففرّق رسول الله - ﷺ - بينهما، وفي حديث عويمر - ﵁ -، قال: "كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله - ﷺ - "، وهذا يقتضي إمكان إمساكها، وأنه وقع طلاقه، ولو كانت الفرقة وقعت قبل ذلك، لما وقع طلاقه، ولا أمكنه إمساكها، ولأن سبب هذه الفرقة يَقِفُ على الحاكم، فالفرقة المتعلّقة به لا تقع إلا بحكم الحاكم، كفرقة الْعُنّة.
وذهبت طائفة إلى أن الفرقة تحصل بمجرّد التعانهما، وبه قال مالكٌ، وأبو عبيد، وأبو ثور، وداود، وزفر، وابن المنذر، وروي ذلك عن ابن عبّاس؛ لِمَا روي عن عمر - ﵁ - أنه قال: "المتلاعنان يُفرّق بينهما، ولا يجتمعان أبدًا"، رواه سعيد بن منصور، ولأنه معنى يقتضي التحريم المؤيّد، فلم يقف على حكم الحاكم كالرضاع، ولأن الفرقة لو لم تحصل إلا بتفريق الحاكم، لساغ ترك التفريق إذا كرهاه؛ كالتفريق للعيب، وللإعسار، وَلَوَجب أن الحاكم إذا لم يُفرّق بينهما أن يبقى النكاح مستمرًّا، وقول النبيّ - ﷺ -: "لا سبيل لك عليها" يدلّ على هذا، وتفريقه بينهما بمعنى إعلامه لهما بحصول الفرقة، وعلى كلتا الروايتين لا تحصل الفرقة قبل تمام اللعان منهما.
وقال الشافعيّ ﵀: تحصل الفرقة بقول الزوج وحده، وإن لم تلتعن المرأة؛ لأنها فرقة حاصلة بالقول، فتحصل بقول الزوج وحده، كالطلاق، قال ابن قدامة: ولا نعلم أحدًا وافق الشافعيّ على هذا القول، وحُكي عن الْبَتّيّ أنه لا يتعلّق باللعان فرقةٌ؛ لِمَا روي أن العجلانيّ لَمّا لاعن امرأته طلّقها ثلاثًا، فأنفذه رسول الله - ﷺ -، ولو وقعت الفرقة لَمَا نفذ طلاقه.
قال ابن قدامة: وكلا القولين لا يصحّ؛ لأن النبيّ - ﷺ - فرّق بين المتلاعنين، رواه عبد الله بن عمر، وسهل بن سعد، وأخرجهما مسلم، وقال سهل بن سعد: "فكانت سنّة لمن كان بعدهما أن يفرّق بين المتلاعنين"، وقال عمر - ﵁ -: "المتلاعنان يُفرّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا"، وأما القول الآخر فلا يصحّ؛ لأن الشرع إنما ورد بالتفريق بين المتلاعنين، ولا يكونان متلاعنين بلعان أحدهما، وإنما فرّق النبيّ - ﷺ - بينهما بعد تمام اللعان منهما، فالقول بوقوع الفرقة قبله تحكّمٌ، يخالف مدلول السنّة، وفعل النبيّ - ﷺ -. انتهى
[ ٢٦ / ٣٦٩ ]
المقصود من كلام ابن قدامة ﵀ (^١).
وقال في "الفتح": ذهب مالكٌ، والشافعيّ، ومن تبعهما إلى أن الفرقة تقع بنفس اللعان، قال مالك، وغالب أصحابه: بعد فراغ المرأة، وقال الشافعيّ، وأتباعه، وسحنون من المالكيّة: بعد فراغ الزوج، واعتلّ بأن التعان المرأة إنما شُرع لدفع الحدّ عنها، بخلاف الرجل، فإنه يزيد على ذلك في حقّه نفي النسب، ولحاق الولد، وزوال الفراش.
وتظهر فائدة الخلاف في التوارث لو مات أحدهما عقب فراغ الرجل، وفيما إذا علّق طلاق امرأة بفراق أخرى، ثم لاعن الأخرى، وقال الثوريّ، وأبو حنيفة، وأتباعهما: لا تقع الفرقة حتى يوقعها عليهما الحاكم، واحتجّوا بظاهر ما وقع في أحاديث اللعان، وعن أحمد روايتان، وذهب عثمان البتّيّ إلى أنه لا تقع الفرقة حتى يوقعها الزوج، واعتلّ بأن الفرقة لم تذكر في القرآن، ولأن ظاهر الأحاديث أن الزوج هو الذي طلّق ابتداءً، ويقال: إن عثمان تفرّد بذلك، لكن نقل الطبريّ عن أبي الشعثاء جابر بن زيد البصريّ، أحد أصحاب ابن عبّاس - ﵄ -، من فقهاء التابعين نحوه، ومقابله قول أبي عبيد: إن الفرقة بين الزوجين تقع بنفس القذف، ولو لم يقع اللعان، وكأنه مفرَّعٌ على وجوب اللعان على من تحقّق ذلك من المرأة، فإذا أخلّ به عوقب بالفرقة، تغليظًا عليه. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أنه لا يحتاج إلى حكم الحاكم، بل تقع الفرقة بنفس اللعان، وأنه لا بدّ من تمام لعانهما، فلا تقع قبله؛ عملًا بظاهر الأحاديث، وأما تفريق النبيّ - ﷺ - بينهما، فالظاهر أنه أعلمهما بذلك، وأنهما لا يجتمعان بعد ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في فرقة اللعان، هل هي فسخٌ، أم طلاق؟:
ذهبت طائفة إلى أن الفرقة فسخٌ، وبه قال الشافعيّ، وأحمد رحمهما الله
_________________
(١) راجع: "المغني" ١١/ ١٤٤ - ١٤٦.
(٢) "الفتح" ١٢/ ١٦٨ - ١٦٩.
[ ٢٦ / ٣٧٠ ]
تعالى؛ لأنها فرقة توجب تحريمًا مؤبّدًا، فكانت فسخًا، كفرقة الرضاع، ولأن اللعان ليس بصريح في الطلاق، ولا نوى به الطلاق، فلم يكن طلاقًا، كسائر ما ينفسخ به النكاح.
وقال أبو حنيفة ﵀: هي طلاقٌ؛ لأنها فرقة من جهة الزوج، تخصّ النكاح، فكانت طلاقًا، كالفرقة بقوله: أنت طالقٌ، ذكره ابن قدامة ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المذهب الأول هو الأظهر عندي؛ لظهور حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن وجد مع امرأته رجلًا، فتحقق الأمر، فقتله، هل يُقتل به أم لا؟:
ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز له الإقدام على قتله، فإن قتله يُقتصّ منه، إلا أن يأتي ببيّنة الزنا، أو على المقتول بالاعتراف، أو يعترف به ورثته، فلا يُقتل القاتل به بشرط أن يكون المقتول محصنًا، وقيل: بل يُقتل به؛ لأنه ليس له أن يُقيم الحدّ بغير إذن الإمام، وقال بعض السلف: بل لا يُقتل أصلًا، ويُعزّر فيما فعله، إذا ظهرت أمارات صدقه، وشرط أحمد، وإسحاق، ومن تبعهما أن يأتي بشاهدين أنه قتله بسبب ذلك، ووافقهم ابن القاسم، وابن حبيب من المالكيّة، لكن زاد أن يكون المقتول قد أحصن، أفاده في "الفتح" (^٢).
وقال في موضع آخر: قال الجمهور: عليه الْقَوَد، وقال أحمد، وإسحاق: إن أقام بينة أنه وجده مع امرأته هَدَر دمه، وقال الشافعيّ: يَسَعُهُ فيما بينه وبين الله قتل الرجل، إن كان ثَيِّبًا، وعَلِم أنه نال منها ما يوجب الغسل، ولكن لا يسقط عنه القَوَد في ظاهر الحكم، وقد أخرج عبد الرزاق بسند صحيح إلى هانئ بن حِزَام أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، فقتلهما، فكَتَب عمر كتابًا في العلانية أن يُقِيدوه به، وكتابًا في السرّ أن يعطوه الدية، وقال ابن المنذر: جاءت الأخبار عن عمر في ذلك مختلفةً، وعامّة أسانيدها منقطعة، وقد ثبت عن علي أنه سئل عن رجل قتل رجلًا وجده مع امرأته، فقال: إن لم يأت بأربعة شهداء، وإلا فليغط بِرُمّته، قال الشافعيّ: وبهذا نأخد، ولا نعلم
_________________
(١) "المغني" ١١/ ١٤٧.
(٢) "الفتح" ١١/ ١٧٢.
[ ٢٦ / ٣٧١ ]
لعليّ مخالفًا في ذلك. انتهى (^١).
وقال في "المفهم": وكونه - ﷺ - لم ينكر على السائل قوله: أيقتله؟ تقرير منه على ذلك، ويلزم منه إن قتله لم يكن فيه قصاص، ولا غيره، وقد عضده قول سعد - ﵁ -: لو رأيته ضربته بالسيف، ولم ينكر عليه، بل صوّبه بقوله: "تعجبون من غيرة سعد؟ "، متّفق عليه، ولهذا قال أحمد، وإسحاق: يُهدر دمه إذا جاء القاتل بشاهدين. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله أحمد، وإسحاق - رحمهما الله تعالى - عندي أرجح؛ لظاهر حديث سعد، وعويمر - ﵄ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف: ﵀ أوَّل الكتاب قال:
[٣٧٣٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، أن عُوَيْمِرًا الْأَنْصَارِيَّ مِنْ بَنِي الْعَجْلَان، أتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَأَدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: وَكَانَ فِرَاقُهُ إِيَّاهَا بَعْدُ سُنَّةً فِي الْمُتَلَاعِنَيْن، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ حَامِلًا، فَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَى أُمِّه، ثُمَّ جَرَت السُّنَّةُ أَنَّهُ يَرِثُهَا، وَتَرِثُ مِنْهُ، مَا فَرَضَ اللهُ لَهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم تقدّموا في الباب، وقبله.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل "ساق" ضمير يونس.
وقوله: (فَكَانَتْ حَامِلًا، فَكَانَ ابْنُهَا يُدْعَى إِلَى أُمِّهِ إلخ) قال النوويّ ﵀: فيه جواز لعان الحامل، وأنه إذا لاعنها، ونفى عنه نَسَب الحمل انتفى عنه، وأنه يثبت نسبه من الأم، ويرثها، وترث منه ما فرض الله للأم، وهو الثلث، إن لم يكن للميت ولد، ولا ولد ابن، ولا اثنان من الإخوة أو الأخوات، وإن
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ٦٩٣ "كتاب الحدود" رقم (٦٨٤٦).
(٢) "المفهم" ٤/ ٢٩٠ - ٢٩١.
[ ٢٦ / ٣٧٢ ]
كان شيء من ذلك، فلها السدس، وقد أجمع العلماء على جريان التوارث بينه وبين أمه، وبينه وبين أصحاب الفروض من جهة أمه، وهم إخوته وأخواته من أمه، وجدّاته من أمه، ثم إذا دفع إلى أمه فرضها، أو إلى أصحاب الفروض، وبقي شيء فهو موالي أمه، إن كان عليها ولاء، ولم يكن عليه هو، ولا بمباشرة إعتاقه، فإن لم يكن لها موال، فهو لبيت المال، هذا تفصيل مذهب الشافعيّ، وبه قال الزهريّ، وما لك، وأبو ثور، وقال الحكم، وحماد: ترثه ورثة أمه، وقال آخرون: عصبة أمه، رُوي هذا عن عليّ، وابن مسعود، وعطاء، وأحمد بن حنبل، قال أحمد: فإن انفردت الأم أخذت جميع ماله بالعصوبة، وقال أبو حنيفة: إذا انفردت أخذت الجميع، لكن الثلث بالفرض، والباقي بالردّ على قاعدة مذهبه في إثبات الردّ، والله أعلم. انتهى (^١).
[تنبيه]: رواية يونس، عن ابن شهاب هذه ساقها الرويانيّ ﵀ في "مسنده" ٢/ ٢٢١ فقال:
(١٠٧٩) - نا أحمد بن عبد الرحمن، نا عبد الله بن وهب، حدّثني يونس، عن الزهريّ، أخبرني سهل بن سعد أنّ عُويمرًا الأنصاريّ، ثم من بني العجلان، أتى عاصم بن عديّ، فقال له: يا عاصم أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فيقتلونه، أم كيف يفعل؟ سَلْ لي يا عاصم رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فكره رسول الله - ﷺ - المسائل وعابها، حتى كَبُر على عاصم مما سمع من رسول الله - ﷺ -، فلما رجع عاصم إلى أهله جاء عويمرٌ، فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله - ﷺ -؟ قال عاصم لعويمر: لم تأتني بخير، قد كَرِه رسول الله - ﷺ - التي سألته عنها وعابها، قال عويمر: والله ما أنتهي حتى أسأله، فأتى عويمر، حتى سأل رسول الله - ﷺ - وسط الناس، فقال: يا رسول الله أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، فقتله، أيقتلونه (^٢)؟ أم كيف يفعل؟ قال رسول الله - ﷺ -: "قد أُنزل فيك وفي صاحبتك، فاذهب فائت بها"، ونزل القرآن، قال سهل: فتلاعنا، وأنا مع الناس عند رسول الله - ﷺ -، فلما فرغا من
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٢٣ - ١٢٤.
(٢) هكذا النسخة: "أيقتلونه" بالياء، ولعله بالتاء، فليُحرّر.
[ ٢٦ / ٣٧٣ ]
تلاعنهما، قال: يا رسول الله كذبت عليها، إن أنا أمسكتها، فطلقها ثلاثًا، قبل أن يأمره رسول الله - ﷺ -، وكان فراقه إياها يعد (^١) سنّةً في المتلاعنين، قال سهل: وكانت حاملًا، فأنكر الرجل حملها، فكان ابنه (^٢) يدعى إلى أمه، ثم جرت السنة أنه يرثها، وترثه ما فرض الله لها. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٤٠] (. . .) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَن الْمُتَلَاعِنَيْن، وَعَن السُّنَّةِ فِيهِمَا، عَنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أَخِي بَني سَاعِدَةَ أَنّ رَجُلًا مِن الْأَنْصَار، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِه، وَزَادَ فِيهِ: فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِد، وَأنَا شَاهِدٌ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: فَطَلَقَهَا ثَلَاثًا، قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَفَارَقَهَا عِنْدَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "ذَاكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم تقدّموا في الباب، وقبل باب.
قوله: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأنْصَارِ) تقدّم أنه عويمر العجلانيّ.
وقوله: (وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِقصَّتِهِ) فاعل "ذَكَر" ضمير ابن جُريج.
وقوله: (فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ) قال القرطبيّ: ﵀: فيه بيان أن سنّة اللعان كونه في المسجد، ولم يُختَلف في ذلك، إلا ما روي عن عبد الملك أنه يكون في المسجد، أو عند الإمام، وفيه أنه يكون بحضرة الإمام، والقياس، والإجماع على أنه لا يكون إلا بسلطان. انتهى (^٣).
_________________
(١) هكذا النسخة: "يعدّ" بالياء من العدّ، والظاهر أنه مصحّف من "بعد" بالباء الموحّدة، كما هو في "صحيح مسلم"، فليُحرّر.
(٢) هكذا النسخة، والظاهر "ابنها"، كما في "صحيح مسلم"، فليُحرّر.
(٣) "المفهم" ٤/ ٢٩٢.
[ ٢٦ / ٣٧٤ ]
وقوله: ("ذَاكُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ") قال النوويّ ﵀: معناه عند مالك، والشافعيّ، والجمهور بيان أن الفُرقة تحصل بنفس اللعان بين كل متلاعنين، وقيل: معناه تحريمها على التأبيد، كما قال جمهور العلماء، قال القاضي عياض: واتفق علماء الأمصار على أن مجرد قذفه لزوجته لا يحرمها عليه، إلا أبا عبيد، فقال: تصير محرَّمةً عليه بنفس القذف، بغير لعان. انتهى (^١).
[تنبيه]: رواية ابن جريج، عن ابن شهاب هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٥٣٠٩) - حدّثنا يحيى (^٢)، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني ابن شهاب، عن الملاعنة، وعن السنّة فيها، عن حديث سهل بن سعد، أخي بني ساعدة أن رجلًا من الأنصار جاء إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله، أم كيف يفعل؟ فأنزل الله في شأنه ما ذُكر في القرآن، من أَمْر المتلاعنين، فقال النبيّ - ﷺ -: "قد قضى الله فيك، وفي امرأتك"، قال: فتلاعنا في المسجد، وأنا شاهد، فلما فرغا قال: كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا، قبل أن يأمره رسول الله - ﷺ - حين فرغا من التلاعن، ففارقها عند النبيّ - ﷺ -، فكان ذلك تفريقًا بين كل متلاعنين.
قال ابن جريج: قال ابن شهاب: فكانت السنّة بعدهما أن يُفَرَّق بين المتلاعنين، وكانت حاملًا، وكان ابنها يُدْعَى لأمه، قال: ثم جرت السنّة في ميراثها أنها ترثه، ويرث منها ما فَرَضَ الله له.
قال ابن جريج: عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد الساعديّ في هذا الحديث: إن النبيّ - ﷺ - قال: "إن جاءت به أحمر قصيرًا، كأنه وَحَرَةٌ، فلا أراها إلا قد صدقت، وكذب عليها، وإن جاءت به أسود، أعين، ذا أَلْيتين، فلا أراه إلا قد صدق عليها"، فجاءت به على المكروه من ذلك. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٢٣.
(٢) هو ابن يحيى التميميّ النيسابوريّ ﵀.
[ ٢٦ / ٣٧٥ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوَّل الكتاب قال:
[٣٧٤١] (١٤٩٣) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سُئِلْتُ عَن الْمُتَلَاعِنَيْن، فِي إِمْرَةِ مُصْعَبٍ، أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: فَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ، فَمَضَيْتُ إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَةَ، فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ: اسْتَأْذِنْ لِي، قَالَ: إِنَّهُ قَائِلٌ، فَسَمِعَ صَوْتِي، قَالَ: ابْنُ جُبَيْرٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ادْخُلْ، فَوَاللهِ مَا جَاءَ بِكَ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا حَاجَةٌ، فَدَخَلْتُ، فَإذَا هُوَ مُفْتَرِشٌ بَرْذَعَةً، مُتَوَسِّدٌ وِسَادَةً، حَشْوُهَا لِيفٌ، قُلْتُ: أَبا عَبْدِ الرَّحْمَن، الْمُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ نَعَمْ، إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَل عَنْ ذَلِكَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ أَنْ لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا امْرَأتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ (^١)، قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلتُكَ عَنْهُ، قَدْ ابْتُلِيتُ بِه، فَأَنْزَلَ اللهُ هَؤُلَاءِ الآياتِ فِي "سُورَةِ النُّورِ": ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، فَتَلَاهُنَّ عَلَيْه، وَوَعَظَهُ، وَذَكَّرَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَة، قَالَ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا، فَوَعَظَهَا، وَذَكَّرَهَا، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَة، قَالَتْ: لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرًّجُل، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنَّى بِالْمَرْأَة، فَشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِالله، إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
_________________
(١) وفي نسخة: "عن مثل ذلك".
[ ٢٦ / ٣٧٦ ]
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) تقدّم قريبًا.
٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) مَيْسرة الْعَرزميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ الوالبيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩.
٦ - (ابْنُ عُمَرَ) - ﵄ -، تقدّم قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنه (قَالَ: سُئِلْتُ) بالبناء للمفعول (عَن الْمُتَلَاعِنَيْنِ) أي: عن حكمهما (فِي إِمْرَةِ) بكسر الهمزة، وسكون الميم: اسم من الإمارة (مُصْعَبِ) بن الزبير بن العوّام القرشيّ الأسديّ، أمير العراقين، أبو عيسى، وأبو عبد الله، لا رواية له، كان فارسًا شجاعًا جميلًا وَسِيمًا أحارب المختار، وقتله، وكان سفّاكًا للدماء، سار لحربه عبد الملك بن مروان، وكان يسمى من سخائه آنية النحل، قال إسماعيل بن أبي خالد: ما رأيت أميرًا قط أحسن من مصعب، ورَوَى عمر بن أبي زائدة أن الشعبيّ قال: ما رأيت أميرًا قط على منبر أحسن من مصعب، قال المدائنيّ: كان يُحسد على الجمال.
قُتِل مصعب يوم نصف جمادى الأولى، سنة اثنتين وسبعين، وله أربعون سنة، ذكره الذهبيّ في "السير" (^١).
(أَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟) بالبناء للمفعول (قَالَ) سعيد (فَمَا دَريتُ مَا أقُولُ، فَمَضَيْتُ إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (بِمَكَّةَ) الظاهر أنه منزله الذي نزله لما جاء مكة للحج، أو العمرة؛ لأنه من سكان المدينة، والظاهر أن سعيدًا سافر من الكوفة إلى مكة ليسأل ابن عمر - ﵄ - عن هذه المسألة التي لم يدر جوابها حين سئل.
وفي رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد، قال: "كنّا بالكوفة نختلف في الملاعنة، يقول بعضنا: يفرّق بينهما، ويقول بعضنا: لا يفرّق". ويؤخذ منه أن الخلاف في ذلك كان قديمًا، وقد استمرّ عثمان البتّيّ
_________________
(١) راجع: "سير أعلام النبلاء" ٤/ ١٤٠ - ١٤٣.
[ ٢٦ / ٣٧٧ ]
من فقهاء البصرة على أن اللعان لا يقتضي الفرقة، كما تقدّم نقله عنه، وكأنه لم يبلغه حديث ابن عمر، قاله في "الفتح" (^١).
(فَقُلْتُ لِلْغُلَامِ) لا يُعرف اسمه (^٢). (اسْتَأْذِنْ لِي، قَالَ: إِنَّهُ قَائِلٌ) من القيلولة، يقال: قال يَقِيل قَيْلًا، وقَيْلُولةً: نام نصف النهار، والقائلة: وقت القيلولة، وقد تُطلق على القيلولة (^٣). (فَسَمِعَ صَوْتِي، قَالَ: ابْنُ جُبَيْرٍ؟) برفع "ابن"، وهو بتقدير الاستفهام، أي: قال ابن عمر: أأنت ابن جبير؟ (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: ادْخُلْ، فَوَاللهِ مَا جَاءَ بِكَ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا حَاجَةٌ) فيه أنه لا يُشقّ على العالم، ومن يُحتاج إليه في أوقات راحتهم، وأن المحتاج إليه إذا عَلِم من القرائن أن الآتي إليه في وقت راحته إنما جاء لضرورة عَرَضت له، لا ينبغي أن يضجر له، بل يواجهه ببشاشة (^٤). (فَدَخَلْتُ، فَإِذَا هُوَ مُفْتَرِشٌ) "إذا" هي الْفُجائيّة، أي: ففاجأني افتراشه (بَرْذَعَةً) بفتح الموحّدة، وسكون الراء، فذال معجمة، ويقال: بالدال المهملة: الْحِلْسُ يُلْقَى تحت الرحل، أفاده المجد (^٥)، وفيه زَهادة ابن عمر - ﵄ - (مُتَوَسِّدٌ وِسَادَةً) بكسر الواو: الْمِخَدّة، وجمعها وَسادات، ووسائد، والوساد بغير هاء: كل ما يُتوسّد به، من قُماش، وتُراب، وغير ذلك، وجمعها وُسُدٌ، مثلُ كتاب وكُتُب، ويقال: الوسائد لغة في الوسادة، قاله الفيّوميّ (^٦). (حَشْوُهَما) بفتح، فسكون؛ أي: ما جُعل فيها، ومُلئت به (لِيفٌ) بكسر اللام؛ أي: لحاء شجر (قُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن عمر - ﵄ -، وهو بتقدير حرف النداء، كما قال الحريريّ ﵀ في "مُلحته":
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءَ … كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي"
وقال ابن مالك ﵀ في "خلاصته":
وَغَيْرُ مَنْدُوبٍ وَمُضْمَرٍ وَمَا … جَا مُسْتَغَاثًا قَدْ يُعَرَّى فَاعْلَمَا
وَذَاكَ فِي اسْمِ الْجِنْسِ وَالْمُشَارِ لَهْ … قَلَّ وَمَنْ يَمْنَعْهُ فَانْصُرْ عَاذِلَهْ
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٨٤.
(٢) راجع: "تنبيه المعلم" ص ٢٥٤.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٥٢١.
(٤) راجع: "تكملة فتح الملهم" ١/ ٢٤٥ - ٢٤١.
(٥) "القاموس المحيط" ٣/ ٤.
(٦) "المصباح المنير" ٢/ ٦٥٨.
[ ٢٦ / ٣٧٨ ]
(الْمُتَلَاعِنَانِ) مبتدأ خبره جملة قوله: (أَيُفَرَّقُ) بالبناء للمفعول (بَيْنَهُمَا؟) وفي رواية عزرة، عن سعيد بن جبير: قال: "لم يفرّق المصعب - يعني ابن الزبير - بين المتلاعنين، فذكرت ذلك لابن عمر، فقال: فرّق رسول الله - ﷺ - بين أخوي بني العجلان".
(قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ نَعَمْ) أي: يُفرّق بينهما، إنما سبّح تعجبًا من خفاء هذا الحكم المشهور على سعيد (إِنَّ أَوَّلَ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ) قال القرطبيّ ﵀: هو - والله أعلم - عويمر العجلانيّ المتقدّم الذكر. انتهى (^١). (قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ أَن لَوْ وَجَدَ أَحَدُنَا) "أنْ" بفتح الهمزة هي المخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، أي: أنه، وإلى هذا أشار في "الخلاصة":
وَإِنْ تُخَفَّفْ "أَنَّ" فَاسْمُهَا اسْكَنْ … وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ "أَنْ"
وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَا … وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا
فَالأَحْسَنُ الْفَصْلُ بِـ "قَدْ" أَوْ نَفْيٍ أوْ … تَنْفِيسِ أوْ "لَوْ" وَقَلِيلٌ ذِكْرُ "لَو"
(امْرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ) يعني الزنا (كَيْفَ يَصْنَعُ؟ إِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ) أي: لما فيه من الفضيحة (وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ) وفي نسخة: "عن مثل ذلك"؛ أي: على أمر عظيم؛ أي: لما فيه من الْمَضَض (^٢)، والغيظ (قَالَ) ابن عمر - ﵄ - (فَسَكَتَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمْ يُجِبْهُ) أي: لما ينتظره من الوحي، ففي حديث ابن مسعود - ﵁ - الآتي: "لَمّا سأل الرجل النبيّ - ﷺ - عن ذلك، قال - ﷺ -: "اللهم افتح"، وجعل يدعو، فنزلت آية اللعان" (فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُ) ذلك الرجل (فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ، قَدْ ابْتُلِيتُ بِهِ) هذا يدلّ على أن سؤاله الأول ليس عن شيء واقع حقيقة، وإنما هو شيء ارتاب فيه، فحمله شدّة غيرته على أن يسأل، فوقع له ذلك حقيقة، ابتلاءً، كما يقال: البلاء موكّل بالمنطق (^٣).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "قد ابْتُليتُ به" ظاهر هذا أنه خطاب من السائل للنبيّ - ﷺ - لَمّا لم يُجبه، فأخبره بوقوع ذلك له؛ ليُحقّق عنده أنه مضطرّ
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٩٥.
(٢) محرّكة: وجَع المصيبة.
(٣) هذا من كلام الناس، وروي مرفوعًا، ولا يصحّ.
[ ٢٦ / ٣٧٩ ]
إلى المسألة، فَيُجيبه، كما فَعَل النبيّ - ﷺ -، وقد جاء من حديث ابن عبّاس - ﵄ - قال: ذكر التلاعن عند رسول الله - ﷺ -، فقال عاصم بن عديّ في ذلك قولًا، ثم انصرف، فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه وَجد مع امرأته رجلًا، فقال عاصم: ما ابتُليت بهذا إلا لقولي، فذهب به إلى رسول الله - ﷺ -، وذكر الحديث، وهذا نصّ في أنّ المبتلَى به عاصم من جهة أنه امتُحن بوقوع ذلك برجل من قومه، فعَظُم عليه ذلك، وشَقّ عليه، حتى تكلّف سؤال النبيّ - ﷺ - عن تلك المسألة القبيحة، ورأى أن ذلك كالعقوبة له؛ لما تكلّم في اللعان قبل وقوعه، وأما ابتلاء السائل الذي سأل النبيّ - ﷺ -، فإنما هو أن وَجَد الرجل مع امرأته، فهو ابتلاء آخر، غير ابتلاء عاصم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله صه: عندي أنه لا مانع من كون ابتلاء السائل من نوع ابتلاء عاصم، كما أسلفت تقريره، فتأمله، والله تعالى أعلم.
(فَأَنْزَلَ اللهُ هَؤلَاءِ الْآيَاتِ فِي "سُورَةِ النُّورِ": ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾) أي: يقذفون زوجاتهم بالزنا، زاد في رواية النسائيّ: حتى بلغ ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾ (فَتَلَاهُنَّ عَلَيْهِ) أي: تلا النبيّ - ﷺ - هؤلاء الآيات (وَوَعَظَهُ، وَذَكَّرَة) وفي رواية النسائيّ: "فبدأ بالرجل، فوعظه، وذكّره"، قال القرطبيّ: هذا الوعظ والتذكير كان منه - ﷺ - قبل اللعان، وينبغي أن يُتّخذ سنّة في وعظ المتلاعنين قبل الشروع في اللعان، ولذلك قال الطبريّ: إنه يجب على الإمام أن يعظ كلّ من يحلّفه، وذهب الشافعيّ إلى أنه يعظ كلّ واحد بعد تمام الرابعة، وقبل الخامسة؛ تمسّكًا بحديث ابن عبّاس - ﵄ - في لعان هلال بن أمية - ﵁ - أنه - ﷺ - وعظهما عند الخامسة. انتهى (^٢).
(وَأَخْبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا) هو حدّ القذف في حقّه (أَهْوَن مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ) أي: من نار جهنّم - أعاذنا الله منها - (قَالَ) الرجل (لَا) أي: لا أتراجع مما قلته؛ لأنه حقّ، وصدقٌ، كما أوضحه بقوله: (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا كَذَبْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ دَعَاهَا) أي: المرأة (فَوَعَظَهَا، وَذَكَرَهَا، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا) هو الرجم في حقّها حيث كانت محصنةً (أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ) قال
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٩٥.
(٢) "المفهم" ٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦.
[ ٢٦ / ٣٨٠ ]
النوويّ ﵀: فيه أن الإمام يعظ المتلاعنين، ويُخوّفهما من وبال اليمين الكاذبة، وأن الصبر على عذاب الدنيا، وهو الحدّ أهون من عذاب الآخرة. انتهى (^١).
(قَالَتْ: لَا) أي: لا أتراجع عما قلته (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ) - ﷺ - في اللعان (بِالرَّجُلِ) فيه أن الابتداء في اللعان يكون بالزوج؛ لأن الله تعالى بدأ به؛ ولأنه يُسقط عن نفسه حدّ قذفها، وينفي النسب إن كان، ونقل القاضي وغيره إجماع المسلمين على الابتداء بالزوج، ثم قال الشافعيّ، وطائفة: لو لاعنت المرأة قبله لم يصحّ لعانها، وصححه أبو حنيفة، وطائفة. قاله النوويّ (^٢). (فَشَهِدَ) بكسر الهاء، من باب عَلِم يعلم (أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ) بنصب "أربع" على المفعوليّة (بِاللهِ) متعلّق بـ "شهادات".
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "فشهِد أربِع شهادات"؛ أي: حلف أربع أيمان، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: ٦]؛ أي: يحلف أربع أيمان، والعرب تقول: أشهد بالله؛ أي: أحلف، وكما قال شاعرهم:
فَأَشْهَدُ عِنْدَ اللهِ أَنِّي أُحِبُّهَا … فَهَذَا لَهَا عِنْدِي فَمَا عِنْدَهَا لِيَا
وهذا مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة: هي شهادات محقّقة من المتلاعنين على أنفسهما، وانبنى على هذا الخلاف في لعان الفاسقَين، والعبدَين، فعند الجمهور يصحّ، وعند أبي حنيفة لا يصحّ، وربّما استُدلّ لأبي حنيفة بما رواه أبو عمرو من حديث عمرو بن شعيب مرفوعًا: "لا لعان بين مملوكين، ولا كافرين"، وبما رواه الدارقطنيّ من هذا المعنى، ولا يصحّ منها كلِّها شيء عند المحدّثين.
واختلفوا في الألفاظ التي يقولها المتلاعنان، وأولى ذلك كلّه ما دلّ عليه كتاب الله تعالى، وهو أن يقول: أشهد بالله لقد زنيت، أو لقد رأيتها تزني، أو أن هذا الحمل ليس منّي، أو هذا الولد، أربع مرّات، ثم يُخمّس، فيقول:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٢٥.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٢٥.
[ ٢٦ / ٣٨١ ]
لعنةُ الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم تقوم هي، فتقول: أشهد بالله لقد كذَب عليّ فيما رماني به، أو أن الحمل منه، أو هذا الولد ولده، ثم تُخمّس بأن تقول؛ غَضَبُ الله عليها إن كان من الصادقين.
قال: وقد زاد بعض علمائنا في اليمين: بالله الذي لا إله إلا هو، ومشهور مذهبنا أنه إن لاعنها على رؤية الزنا نصّ على ذلك، كما ينصّه شهود الزنا، فيقول: كالْمِرْوَد في الْمُكْحُلة، وكلّ ذلك منهما، وهما قائمان. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^١).
(إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ) بالنصب عطفًا على "أربعَ"؛ أي: وشهد الخامسة، ويَحتمل الرفع، على أنه مبتدأ خبره قوله: (أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) هذه ألفاظ اللعان، وهي مُجمعِ عليها، قاله النوويّ ﵀ (^٢). (ثُمَّ ثَنَّى) بتشديد النون؛ أي: أمر ثانيًا (بِالْمَرْأَة، فشَهِدَتْ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِالله، إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةُ) يَحتمل النصب، والرفع على التوجيه المذكور (أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) قال النسفيّ ﵀: إنما جُعل الغضب في جانبها؛ لأن النساء يَستعملن اللعن كثيرًا، كما ورد به الحديث، فربما يجترئن على الإقدام؛ لكثرة جَرْي اللعن علي ألسنتهنّ، وسقوط وقوعه عن قلوبهنّ، فذُكر الغضب في جانبهنّ؛ ليكون رادعًا لهنّ. انتهى (^٣).
(ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا) بتشديد الراء، من التفريق، قال السنديّ ﵀: وفيه أنه لا بدّ من تفريق الحاكم، أو الزوج بعد اللعان، ولا يكفي اللعان في التفريق، ومن لا يقول به يرى أن معناه أظهر أن اللعان مفرّق بينهما. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدّم تحقيق الخلاف في ذلك مستوفًى، وأن الراجح عدم اشتراط التفريق، بل يقع بالفراغ من التعانهما، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٢٥.
(٣) "تفسير النسفي" ٣/ ١٣٦.
[ ٢٦ / ٣٨٢ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧٤١ و٣٧٤٢ و٣٧٤٣ و٣٧٤٤ و٣٧٤٥ و٣٧٤٦] (١٤٩٣)، و(البخاريّ) في "التفسير" (٤٧٤٨) و"الطلاق" (٥٣١٢ و٥٣١٥) و"الفرائض" (٦٧٤٨)، و(أبو داود) في "الطلاق " (٢٢٥٧ و٢٢٥٨ و٢٢٥٩)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٦/ ١٧٧) و"الكبرى" (٦/ ٤١٥)، و(الترمذيّ) في "الطلاق" (١٢٠٢)، و(ابن ماجه) في "الطلاق" (٢٠٦٩)، و(مالك) في "الموطّإ" (١٢٠٢)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ٤٩)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٦٧١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١١ و١٩ و٤٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٢٣١ و٢٢٣٢)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٧٥٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٢٨٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٠٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤٠٤ و٤٠٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في كيفيّة اللعان، وألفاظه:
قال العلامة ابن قُدامة ﵀: أما ألفاظه فهي خمسة في حقّ كلّ واحد منهما، وصفته أن الإمام يبدأ بالزوج، فيقيمه، ويقول له: قل أربع مرّات: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا، ويُشير إليها، إن كانت حاضرة، ولا يحتاج مع الحضور، والإشارة إلى نسبة وتسمية، كما لا يحتاج إلى ذلك في سائر العقود، وإن كانت غائبةً أسماها، ونسبها، فقال: امرأتي فلانة بنت فلان، ويرفع في نسبها حتى تنتفي المشاركة بينها وبين غيرها. فإذا شهد أربع مرّات، وقفه الحاكم، وقال له: اتّق الله، فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وكلّ شيء أهون من لعنة الله، ويأمر رجلًا، فيضع يده على فيه، حتى لا يبادر بالخامسة قبل الموعظة، ثم يأمر الرجل، فيرسل يده عن فيه، فإن رآه يمضي في ذلك، قال له: قل: وأن لعنة الله عليّ، إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنى.
ثم يأمر المرأة بالقيام، ويقول لها: قولي: أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنى، وتشير إليه، وإن كان غائبًا أسمته، ونسبته،
[ ٢٦ / ٣٨٣ ]
فإذا كرّرت ذلك أربع مرّات، وقفها، ووعظها كما ذكرنا في حقّ الزوج، ويأمر امرأة، فتضع يدها على فيها، فإن رآها تمضي على ذلك، قال لها: قولي: وأن غضب الله عليّ، إن كان زوجي هذا من الصادقين فيما رماني به من الزنى.
قال: وعدد هذه الألفاظ الخمسة شرط في اللعان، فإن أخلّ بواحدة منها لم يصحّ. انتهى كلام ابن قدامة ﵀ باختصار.
وسئل الإمام أحمد ﵀ كيف يلاعن؟ فقال: على ما كتاب الله تعالى، ثم ذكر نحو ما تقدّم.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: واختلفوا في الألفاظ التي يقولها المتلاعنان، وأولى ذلك كلّه ما دلّ عليه كتاب الله تعالى، ثم ذكر نحو ما تقدّم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن ما دلّ عليه نصّ كتاب الله تعالى من ألفاظ اللعان، هو المتّبع، ولا حاجة إلى الاختلاف في الزيادة والنقص، إلا إذا ثبت في الأحاديث ما يدلّ على الزيادة، مثل التوقيف ووضع اليد في الخامسة، وقوله: إنها موجبة، ونحو ذلك، فيُعمل بالزيادة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٤٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: سُئِلْتُ عَن الْمُتَلَاعِنَيْن، زَمَنَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْر، فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقُولُ، فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللهِ ابْنَ عُمَرَ، فَقُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ؛ أيفَرَّقُ بَيْنَهُمَا؟ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
[ ٢٦ / ٣٨٤ ]
والباقون ذكروا قبله.
وقوله: (زمَنَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ) أي: وقت كونه أميرًا على الكوفة.
وقوله: (ثمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير عيسى بن يونس.
[تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، عن عبد الملك بن أبي سليمان هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٤٣] (. . .) - (وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ -: "حِسَابُكمَا عَلَى الله، أَحَدُكمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا"، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَالِي، قَالَ: "لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا، فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا"، قَالَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبتٌ [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
وقوله: (حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ) يعني لا سبيل في الدنيا إلى معرفة الصادق، وعقاب الكاذب منكما، وإنما يحاسبكم الله تعالى في الآخرة، وفيه أن الخصمين المتكاذبين لا يعاقب واحد منهما، وإن علمنا كذب أحدهما على الإبهام، قاله النوويّ (^١)، وفيه أن البيّنتين إذا تعارضتا تساقطتا،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٢٦.
[ ٢٦ / ٣٨٥ ]
حكاه الخطّابيّ (^١).
وقوله: (أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ) قال القاضي عياض ﵀: ظاهره أنه قال هذا الكلام بعد فراغهما من اللعان، والمراد بيان أنه يلزم الكاذب التوبة، قال: وقال الداوديّ: إنما قاله قبل اللعان؛ تحذيرًا لهما منه، قال: والأول أظهر، وأولى بسياق الكلام، قال: وفيه ردّ على من قال من النحاة: إن لفظة "أَحَدٍ" لا تُستعمل إلا في النفي، وعلى من قال منهم: لا تُستعمل إلا في الوصف، ولا تقع موقع "واحد"، وقد وقعت في هذا الحديث في غير نفي، ولا وصف، ووقعت موقع "واحد"، وقد أجازه المبرد، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦]. انتهى (^٢).
(لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا) أي: لا يبقى بينكما نكاح بعد اللعان، أو المراد أنه لا تَسَلُّط لك عليها، فلا تصدّق أنت في اتهامها من غير بيّنة، ولا تُحدّ هي للزنا بمجرّد قولك، أو المراد.
وقال القرطبيّ ﵀: فيه دليل لمالك، ولمن قال بقوله في تأبيد التحريم، فإن ظاهره النفي العامّ، وقد ذكر الدارقطنيّ زيادة في حديث سهل بعد قوله: "ففرّق رسول الله - ﷺ - بينهما"، وقال: "لا يجتمعان أبدًا"، وقال أبو داود عن سهل: مضت سنّة المتلاعنين أن يفرّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا، قال مالك: وهي السنّة التي لا اختلاف فيها عندنا. انتهى (^٣).
(قَالَ: يَا رَسُولَ الله، مَالِي) أي: أطلب مالي الذي أعطيتها صداقًا (قَالَ) - ﷺ - ("لَا مَالَ لَكَ) أي: ليس لك أن تستردّ منها مهرها الذي أعطيتها؛ لأنك قد استوفيته بدخولك عليها، وتمكينها لك من نفسها، ثم أوضح - ﷺ - ذلك بتقسيمِ مستوعِبٍ، فقال: (إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا) أي: فيما ادّعيته عليها من الزنا (فهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا) أي: فقد استوفيت حقّك منها قبل ذلك (وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا، فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا") أي: من مطالبتها؛ لئلا تجمع عليها الظلم في عرضها، ومطالبتها بمال قبضته منك قبضًا صحيحًا.
_________________
(١) راجع: "تكملة فتح الملهم" ١/ ٢٤٣.
(٢) "إكمال المعلم" ٥/ ٨٦.
(٣) "المفهم" ٤/ ٢٩٨.
[ ٢٦ / ٣٨٦ ]
ويُستفاد منه أن الملاعِنة لو أكذبت نفسها بعد اللعان، وأقرّت بالزنا وجب عليها الحدّ، لكن لا يسقط مهرها، كذا في "الفتح".
ثم إن الإجماع قد انعقد بحكم حديث الباب على أن الملاعنة المدخول بها تستحقّ جميع الصداق، والخلاف في غير المدخول بها، فالجمهور على أن لها النصف كغيرها من المطلّقات قبل الدخول، وقال أبو الزناد، والْحَكَم، وحماد: بل جميعه، وقال الزهريّ: لا شيء لها أصلًا، ورُوي عن مالك نحوه، كذا في "عمدة القاري" (^١).
وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ) هو ابن حرب، شيخه الثالث (فِي رِوَايَتِهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو) هو ابن دينار (سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) غرض المصنّف بهذا بيان الاختلاف بين شيوخه في صيغ الأداء، فقد صرّح زهير بسماع عمرو من سعيد، وسعيد من ابن عمر - ﵄ -.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٤٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثنا حَمَّاد، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَّقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَان، وَقَالَ: "اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم ذُكروا في السند الماضي، والباب الماضي.
وقوله: (فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ) يعني فهل للكاذب منكما أن يتوب إلى الله تعالى؟ وفيه استحباب عرض التوبة على المذنب، وفي "صحيح البخاريّ" أنه - ﷺ - قال ذلك ثلاث مرّات.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى الكلام عليه فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) راجع: "تكملة فتح الملهم" ١/ ٢٤٤.
[ ٢٦ / ٣٨٧ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٤٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَن اللِّعَان، فَذَكَرَ عَن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، و"سفيان" هو: ابن عُيينة، و"أيوب" هو: السَّختيانيّ.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن أيوب هذه ساقها الحميديّ في "مسنده" ٢/ ٢٩٦ فقال:
(٦٧٢) - حدثنا الحميديّ (^١)، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أيوب السَّخْتيانيّ؛ أنه سمع سعيد بن جبير يقول: سألت ابن عمر، فقلت: يا أبا عبد الرحمن رجل لاعن امرأته، فقال لي ابن عمر - ﵄ - يده هكذا بإصبعه السبابة والوسطى: فرّق رسول الله - ﷺ - بين أخوي بن عجلان، وقال: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ "، قال سفيان: وكان أيوب حدّثناه أوّلًا في مجلس عمرو، ثم حدّث عمرو بحديثه هذا، فقال له أيوب: أنت يا أبا محمد أحسن له حديثًا مني. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٤٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَارٍ، وَاللَّفْظُ لِلْمِسْمَعِيِّ، وَابْنِ الْمُثَنَّى، قَالُوا: حَدَّثنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَني أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمْ يُفَرِّق الْمُصْعَبُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْن، قَالَ سَعِيدٌ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: فَرَّقَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ أَخَوَيْ بَني الْعَجْلَانِ).
_________________
(١) هذا قول الراوي عن الحميديّ.
[ ٢٦ / ٣٨٨ ]
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو محمد بن بشّار بُندار، تقدّم قريبًا.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، صدوقٌ ربّما وَهِم [٩] (٢٠٠) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (أَبُوهُ) هشام الدستوائيّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٤] (١١٧) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٥ - (عَزْرَةُ) بن عبد الرحمن بن زُرارة الْخُزَاعيّ الكوفيّ الأعور، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن عائشة أم المؤمنين، مرسل، وعن أبي الشعثاء، والحسن الْعُرَنيّ، وحُميد بن عبد الرحمن الْحِمْيريّ، وسعيد بن جبير، والشعبيّ، وغيرهم.
ورَوى عنه سليمان التيميّ، وقتادة، وداود بن أبي هِنْد، وخالد الْحَذّاء، وعاصم الأحول، وعبد الكريم الجزريّ، وورقاء بن إياس.
قال عليّ بن المدينيّ: قلت ليحيى بن سعيد: من يعرف عزرة صاحب قتادة؟ فقال يحيى: بلى والله إني أعرف، وقال صالح بن أحمد، عن أبيه: عزرة روى عنه قتادة، وداود، وسليمان، وخالد، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: عزرة الذي يروي عنه قتادة ثقةٌ، وقال ابن البراء، عن ابن المدينيّ: عزرة بن عبد الرحمن روى عنه قتادة، والتيميّ، وعبد الكريم الجزريّ، ثقةٌ، ولم يسمع من البراء، وذكره ابن حبان في الطبقة الثالثة من الثقات، ولم يصفه بأنه أعور، وذكر في هذه الطبقة عزرة بن دينار الأعور، روى عن المكيين، روى عنه التيميّ، وداود بن أبي هند، والله أعلم (^١).
_________________
(١) قال في "تهذيب التهذيب": وأما الحديث الذي رَوَى أبو داود، وابن ماجه، من طريق عبدة بن سليمان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قصة شُبْرُمة، فوقع عندهما عزرة غير منسوب، وجزم البيهقيّ بأنه عزرة بن يحيى، ونَقَل عن أبي عليّ النيسابوري أنه قال: =
[ ٢٦ / ٣٨٩ ]
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ (^١).
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، و"أبو غسّان الْمِسْمَعيّ " هو: مالك بن عبد الواحد.
وقوله: (لَمْ يُفَرِّق الْمُصْعَبُ) بن الزبير بن العوّام، أمير الكوفة.
وقوله: (بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي الْعَجْلَانِ) أي: بين رجل وامرأة من بني العجلان، وتسميتهما أخوين تغليب للذكر على الأنثى، والمراد بهما عويمر، وزوجته.
والحديث متّفقٌ عليه، وهو مختصر من حديث ابن عمر - ﵄ - الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٤٧] (١٤٩٤) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثنَا مَالِكٌ (ح) وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ نَافِعٌ، عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأتهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَهُمَا، وَألْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) الخراسانيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ مصنّف [١٠] (ت ٢٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، و"نافعٌ" هو: مولى ابن عمر.
_________________
(١) = روى قتادة أيضًا عن عزرة بن ثابت، وعن عزرة بن عبد الرحمن، وعن هذا، فقتادة قد روى عن ثلاثة، كل منهم اسمه عزرة، فقول النسائي في "التمييز": عزرة الذي روى عنه قتادة ليس بذاك القويّ، لم يتعين في عزرة بن تميم، كما ساقه فيه المؤلف - يعني المزّيّ في "تحفته" - فليُتفطَّن لذلك، قلت: وعزرة بن يحيى لم أر له ذكرًا في "تاريخ البخاريّ". انتهى. "تهذيب التهذيب" ٧/ ١٧٣.
(٢) كنت كتبت في شرح النسائيّ ترجمة عزرة بن ثابت، والآن يميل قلبي إلى أنه عزرة بن عبد الرحمن، والله تعالى أعلم.
[ ٢٦ / ٣٩٠ ]
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف ﵀، وهو (٢٣٩) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إلخ) وفي رواية البخاريّ: "أن النبيّ - ﷺ - لاعن بين رجل وامرأته، فانتفى من ولدها، ففرّق بينهما، وألحق الولد بالمرأة".
وقوله: "فانتفى إلخ" قال الطيبيّ: الفاء سببيّة؛ أي: الملاعنة سبب الانتفاء، قال الحافظ: فإن أراد أن الملاعنة سبب ثبوت الانتفاء، فجيّد، وإن أراد أن الملاعنة سبب وجود الانتفاء، فليس كذلك، فإنه إن لم يتعرّض لنفي الولد في الملاعنة لم ينتف، والحديث في "الموطّإ" بلفظ: "وانتفى" بالواو، لا بالفاء، وذكر ابن عبد البرّ أن بعض الرواة عن مالك ذكره بلفظ: "وانتقل" يعني بقاف بدل الفاء، ولام آخره، وكأنه تصحيف، وإن كان محفوظًا، فمعناه قريبٌ من الأوّل، وعند البخاري في "التفسير" من وجه آخر عن نافع بلفظ: "أن رجلًا رمى امرأته، وانتفى من ولدها، فأمرهما النبيّ - ﷺ -، فتلاعنا"، فوضح أن الانتفاء سبب الملاعنة، لا العكس.
واستُدِلَّ بهذا الحديث على مشروعيّة اللعان لنفي الولد، وعن أحمد ينتفي الولد بمجرّد اللعان، ولو لم يتعرّض الرجل لذكره في اللعان، وفيه نظر؛ لأنه لو استلحقه لحقه، وإنما يؤثر لعان الرجل دفع حدّ القذف عنه، وثبوت زنا المرأة، ثم يرتفع عنها الحدّ بالتعانها. وقال الشافعيّ: إن نفى الولد في الملاعنة انتفى، وإن لم يتعرّض له، فله أن يعيد اللعان لانتفائه، ولا إعادة على المرأة، وإن أمكنه الرفع إلى الحاكم، فأخّر بغير عذر حتى ولدت، لم يكن له أن ينفيه كما في الشفعة.
واستدلّ به على أنه لا يُشترط في نفي الحمل تصريحُ الرجل بأنها ولدت من زنا، ولا أنه استبرأها بحيضة، وعن المالكيّة يُشترط ذلك، واحتجّ بعض من خالفهم بأنه نفى الحمل عنه من غير أن يتعرّض لذلك، بخلاف اللعان الناشئ عن قذفها.
واحتجّ الشافعيّ بأن الحامل قد تحيض، فلا معنى لاشتراط الاستبراء، قال ابن العربيّ: ليس عن هذا جواب مقنع.
[ ٢٦ / ٣٩١ ]
وقوله: (رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ) قال صاحب "التنبيه": الظاهر أنه عُويمر. انتهى (^١).
وقوله: (وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ) ولفظ البخاريّ: "ففرّق بينهما، وألحق الولد بالمرأة"، قال الدارقطنيّ: تفرّد مالكٌ بهذه الزيادة، قال ابن عبد البرّ: ذكروا أن مالكًا تفرّد بهذه اللفظة في حديث ابن عمر، وقد جاءت من أوجه أخرى في حديث سهل بن سعد، كما تقدّم من رواية يونس، عن الزهريّ، عند أبي داود بلفظ: "ثم خرجت حاملًا، فكان الولد إلى أمه،. ومن رواية الأوزاعيّ، عن الزهريّ: "وكان الولد يُدعى إلى أمه".
ومعنى قوله: "وألحق الولد بأمه"؛ أي: صيّره لها وحدها، ونفاه عن الزوج، فلا توارث بينهما، وأما أمّه فترث منه ما فرض الله لها، كما وقع صريحًا ففي حديث سهل بن سعد: "وكان ابنها يُدعَى لأمه، ثم جرت السنّة في ميراثها أنها ترثه، ويرث منها ما فرض الله لها".
وقيل: معنى إلحاقه بأمه أنه صيّرها له أبًا وأمّا، فترث جميع ماله، إذا لم يكن له وارث آخر من ولد ونحوه، وهو قول ابن مسعود، وواثلة بن الأسقع، وطائفة، ورواية عن أحمد. وروي أيضًا عن ابن القاسم، وعنه: معناه أن عصبة أمه تصير عصبة له، وهو قول عليّ، وابن عمر، وعطاء، والمشهور عن أحمد، وقيل: ترثه أمه وإخوته منها بالفرض والردّ، وهو قول أبي عبيد، ومحمد بن الحسن، ورواية عن أحمد، قال: فإن لم يرثه ذو فرض بحال، فعصبته عصبة أمه.
واستُدلّ به على أن الولد المنفيّ باللعان لو كان بنتًا حلّ للملاعن نكاحها، وهو وجه شاذّ لبعض الشافعيّة، والأصحّ كقول الجمهور أنها تحرم؛ لأنها ربيبته في الجملة.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "تنبيه المعلم" (ص ٢٥٤).
[ ٢٦ / ٣٩٢ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٤٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَاعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَامْرَأَتِه، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أُسامة، تقدّم قريبًا.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر الْعُمَريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَامْرَأَتِهِ) الظاهر أن الرجل هو عُويمر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٤٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ الله، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) أبو قُدامة السرخسيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية يحيى القطّان، عن نافع هذه ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(٥٠٠٨) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى، عن عبيد الله، أخبرني نافع، عن ابن عمر قال: لاعن النبيّ - ﷺ - بين رجل وامرأة من الأنصار، وفرّق بينهما. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥٠] (١٤٩٥) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَن الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: إِنَّا لَيْلَةَ
[ ٢٦ / ٣٩٣ ]
الْجُمُعَةِ (^١) فِي الْمَسْجِد، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَار، فَقَالَ: لَوْ أَن رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، وَاللهِ لَأَسْأَلَنَّ عَنْهُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَد، أَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَتَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ، أَوْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، أَوْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ افْتَحْ"، وَجَعَلَ يَدْعُو، فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦]، هَذِهِ الْآيَاتُ، فَابْتُلِيَ بِهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْنِ النَّاس، فَجَاءَ هُوَ، وَامْرَأَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَتَلَاعَنَا، فَشَهِدَ الرَّجُلُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِالله، إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ثُمَّ لَعَنَ الْخَامِسَةَ؛ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، فَذَهَبَتْ لِتَلْعَنَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَهْ"، فَأَبَتْ، فَلَعَنَتْ، فَلَمَّا أَدْبَرَا، قَالَ: "لَعَلَّهَا أَنْ تَجِيءَ بِهِ أَسْوَدَ، جَعْدًا"، فَجَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) ذُكر في الباب.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م دس ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهوية المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الرَّيّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهران الكوفيّ، ثقةُ حافظٌ، عارفٌ بالقراءة، وَرع، لكنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٦ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ كثير الإرسال [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
_________________
(١) وفي نسخة: "إنا لليلة الجمعة".
[ ٢٦ / ٣٩٤ ]
٧ - (عَلْقَمَةُ) بن قيس بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٢] مات بعد الستّين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٨ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود الصحابيّ الشهير - ﵁ -، مات سنة (٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
[تنبيه]: زاد ابن حبّان في آخر هذا الحديث ما نصّه: قال إسحاق - يعني ابن راهويه -: قال يحيى بن معين: قلت لجرير: لم يرو هذا عن الأعمش أحدٌ غيرك، قال: لكنّي سمعته منه. انتهى (^١).
وقوله: (إِنَّا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ) وفي نسخة: "لليلة الجمعة" بزيادة لام التأكيد على "ليلة"، وفي رواية أبي داود: "إنا لليلة جمعة"، بزيادة لام التأكيد أيضًا، وحذف أداة التعريف من "الجمعة"، وفي رواية المحاربيّ عند أحمد: "بينا نحن في المسجد ليلة الجمعة"، وفي رواية أبي عوانة عنده: "كنا جُلوسًا عشيّة الجمعة في المسجد".
وقوله: (فِي الْمَسْجِدِ) يعني المسجد النبويّ، قال ابن حبان في "صحيحه": "قال: كنّا مع النبيّ - ﷺ - في مسجد المدينة ذاتَ ليلة".
وقوله: (إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ) قال صاحب "التنبيه": الظاهر أنه عُويمر الْعَجلانيّ (^٢)، واستظهر بعضهم كونه هلال بن أميّة؛ لأن سياق هذا الحديث يناسب سياق قصّة هلال؛ فإن قوله - ﷺ -: "اللَّهم افتح" إنما رُوي في قصّة هلال، ولم يُرو في قصّة عويمر مثله، وإنما قال له - ﷺ -: "قد نزل فيك وفي صاحبتك إلخ"، كما سبق في حديث سهل بن سعد - ﵄ -، ثم زاد أحمد من طريق أبي عوانة في آخر الحديث: "قال: فكان الرجل أوّل من ابتُلِي به"، وهذا عين ما ذكروه في قصّة هلال، كما سيأتي في حديث ابن عبّاس - ﵄ -. انتهى (^٣).
وقوله: (فَقَالَ: "اللَّهُمَّ افْتَحْ") القائل هو النبيّ - ﷺ -، قال الخطّابيّ ﵀:
_________________
(١) "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" ١٠/ ١١٢ - ١١٣.
(٢) راجع: "تنبيه المعلم" (ص ٢٥٤).
(٣) راجع: "تكملة فتح الملهم" ١/ ٢٤٧.
[ ٢٦ / ٣٩٥ ]
معنى "افتح": احكُم، أو بَيِّن الحكم فيه، والفتّاح: الحاكم، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦]، ووقع في رواية أحمد بلفظ: "اللهمّ احكم" (^١).
وقوله: ("مَهْ") كلمة كَفّ وزَجْرٍ، يعني انتهي عما ترينه من اللعان، واعترفي بالحقّ، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وكأنّ النبيّ - ﷺ - غلب على ظنّه كذبها، ولذلك قال في آخر الحديث: "لعلها أن تجيء به أسود جعدًا"، يعني على خلاف شَبَه صاحب الفراش، فجاءت به كما وصف - ﷺ -، وقد ورد في قصّة هلال بن أميّة في حديث ابن عبّاس - ﵄ - عند البخاريّ وغيره: أن المرأة تلكّأت بعد ذلك، ونَكَصَتْ، حتى ظنّ الصحابة - ﵃ - أنها سترجع، ولكنها قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، وقال رسول الله - ﷺ - في آخره: "لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن".
وقوله: (جَعْدًا) قال في "النهاية": الْجَعْد في صفات الرجال يكون مدحًا وذَمًّا، فالمدح معناه أن يكون شديد الأَسْر والْخَلْق، أو يكون جَعْد الشعر، وهو ضد السَّبْط؛ لأن السُّبُوطة أكثرها في شعور المعجم، وأما الذمّ فهو القصير المتردِّدُ الخلق، وقد يُطْلَق على البخيل أيضًا، يقال: رجل جَعْدُ اليدين، ويُجمَع على الْجِعَاد. انتهى (^٢).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧٥٠ و٣٧٥١] (١٤٩٥)، و(أبو داود) في "الطلاق" (٢٢٥٣)، و(ابن ماجه) في "الطلاق" (٢٠٦٨)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٢١ - ٤٢٢)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (١٨/ ٨٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٢٨١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٠٧)، و(البيهقيّ) في
_________________
(١) راجع: "المسند" ١/ ٤٢٢.
(٢) "النهاية في غريب الأثر" ١/ ٢٧٥.
[ ٢٦ / ٣٩٦ ]
"الكبرى" (٧/ ٤٠٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٣٧٥١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، جَمِيعًا عَن الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية عيسى بن يونس، عن الأعمش، ساقها الطحاويّ ﵀ في "شرح مشكل الآثار" ١٣/ ١٢٨ فقال:
(٥١٣٨) - حدّثنا يزيد بن سنان، قال: حدّثنا حكيم بن سيف، قال: حدّثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال ابن مسعود: قام رجل في مسجد رسول الله - ﷺ - ليلة الجمعة، فقال: أرأيتم إن وَجَد رجل مع امرأته رجلًا، فإن هو قتله قتلتموه، وإن هو تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظٍ شديدٍ؟ اللهم احكُم، فأُنزلت آية اللعان، قال عبد الله: فابتُلِي به، وكان رجلًا من الأنصار، جاء إلى رسول الله - ﷺ -، فلاعن امرأته، فلما أَخَذت امرأته لتلتعن، قال لها رسول الله - ﷺ -: "مَهْ"، فلما أدبرت، قال لها رسول الله - ﷺ -: "لعلها أن تجيء به أسود جعدًا"، فجاءت به أسود جعدًا. انتهى.
ورواية عبدة بن سليمان، عن الأعمش، ساقها ابن ماجه ﵀ في "سننه" ١/ ٦٦٩ فقال:
(٢٠٦٨) - حدّثنا أبو بكر بن خلّاد الباهليّ، وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب، قالا: ثنا عبدة بن سليمان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة،
[ ٢٦ / ٣٩٧ ]
عن عبد الله، قال: كنّا في المسجد ليلةَ الجمعة، فقال رجل: لو أن رجلًا وَجَدَ مع امرأته رجلًا، فقتله قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، والله لأذكرنّ ذلك للنبيّ - ﷺ -، فذَكَره للنبيّ - ﷺ -، فأنزل الله آيات اللعان، ثم جاء الرجل بعد ذلك يقذف امرأته، فلاعن النبيّ - ﷺ - بينهما، وقال: "عَسَى أن تجيء به أسود (^١) "، فجاءت به أسود جعدًا. انتهى.
(٤٧٠٣) - حدّثنا الصغانيّ، قثنا (^٢) محمد بن عبد الله بن نُمير، قثنا عبدة بن سليمان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: كنّا في المسجد ليلة الجمعة، فقال رجل: لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا، فقتله قتلتموه، فإن تكلم جلدتموه، لأذكرنّ ذلك لرسول الله - ﷺ -، فذَكَر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فأنزل الله آيات اللعان، ثم جاء الرجل، فقذف امرأته، فلاعن النبيّ - ﷺ - بينهما، وقال: "لعله أن تجيء به أسود أجعدًا (^٣) "، قال: فجاءت به أسود أجعدًا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥٢] (١٤٩٦) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَذَثنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَأَنَا أُرَى أَنَّ عِنْدَهُ مِنْهُ عِلْمًا، فَقَالَ: إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ، قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، وَكَانَ أَخَا الْبَرَاءِ بْنِ مَالك لِأُمِّه، وَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ لَاعَنَ في الْإِسْلَام، قَالَ: فَلَاعَنَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ، سَبِطًا، قَضِيءَ الْعَيْنَيْن، فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ، جَعْدًا، حَمْشَ السَّاقَيْن، فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ"، قَالَ: فَأُنْبِئْتُ أنهَا جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ، جَعْدًا، حَمْشَ السَّاقَيْنِ).
_________________
(١) زاد في "مصنّف ابن أبي شيبة": "جَعْدًا".
(٢) مختصرة من "قال: حدّثنا".
(٣) هكذا النسخة: "أجعدًا" في الموضعين، وهو خطأ، والصواب "جَعْدًا" ووقع على الصواب في "مصنّف ابن أبي شيبة"، و"سنن ابن ماجه"، وغيرهما، فتنبّه.
[ ٢٦ / ٣٩٨ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) ذُكر قبل حديثين.
٢ - (عبد الأعلى): هو ابن عبد الأعلى الشاميّ البصريّ ثقةٌ [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
٣ - (هِشَامُ بن حَسّان) القُرْدُوسيّ البصريّ، ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (محمد بن سيرين) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقة ثبت فقيه عابدٌ [٣] (ت ١١٠) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨.
٥ - (أنس بن مالك) بن النضر الأنصاريّ الصحابيّ الشهير، مات - ﷺ - سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ) بن سيرين ﵀ أنه (قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) - ﵁ - هكذا أخرج المصنّف ﵀ هذا الحديث من رواية هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أنس - ﵁ -، وأخرجه البخاريّ من رواية هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ -، قال في "الفتح": فمنهم من أعلّ حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا - يعني حديث أنس - ومنهم من حمله على أن لهشام فيه شيخين، وهذا هو المعتمد، فإن البخاريّ أخرج طريق عكرمة، ومسلمًا أخرج طريق ابن سيرين، ويرجّح هذا الحمل اختلاف السياقين، كما سنبيّنه، إن شاء الله تعالى. انتهى.
(وَأَنَا أُرَى) بضمّ الهمزة، مبنيًّا للمفعول، ومعناه معلوم؛ أي: أظنّ، ويجوز فتح همزته أيضًا (أَنَّ عِنْدَهُ) أي: عند أنس - ﵁ - (مِنْهُ) أي: من المسئول عنه (عِلْمًا، فَقَالَ) أنس - ﵁ - (إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ) بن عامر بن قيس بن عبد الأعلم بن عامر بن كعب بن واقف الأنصاريّ الواقفيّ، شهد بدرًا، وما بعدها، وهو أحد الثلاثة الذين تِيب عليهم (قَذَفَ امْرَأَتَهُ) أي: رماها، يقال: قَذَفَ المحصنةَ قَذْفًا، من باب رَمَى: إذا رماها بالفاحشة، أفاده الفيّوميّ. (بِشَرِيكِ) بفتح الشين المعجمة، وكسر الراء (ابْنِ سَحْمَاءَ) - بفتح السين،
[ ٢٦ / ٣٩٩ ]
وسكون الحاء المهملتين - وهي أمه، واسم أبيه عَبْدة بن مُعتّب بن الجدّ بن العجلان البلويّ، حليف الأنصار.
قال في "الإصابة": قال أبو نعيم: إن بعضهم زعم أن شريكًا صفة لهذا الرجل، لا اسم له، وإنما كان بينه وبين ابن سحماء شَرِكَةٌ، فقيل له: شريك ابن سحماء، فعلى هذا يتعيّن كتابة ألف بين "شريك"، و"ابن سحماء"، ولكنّه قول شاذّ، وقد يتقوّى بأن البراء بن مالك، كان أخا أنس بن مالك شقيقه، فعلى هذا فأُمهم جميعًا أم سُليم، ولم يُنْقَل أن أم سُليم، تزوّجت عبدة بن مُعتّب قط.
لكن يُجاب عن هذا بأنه كان أخا البراء لأمه من الرضاعة.
وقد ذكر ابن الكلبيّ وغيره أن أمّ إبراهيم بن عبد الله بن عربيّ الذي كان والي اليمامة لعبد الملك بن مروان: فاطمة بنت شَريك بن سَحْماء، وذكروا أيضًا لفاطمة بنت شريك خبرًا يوم الدار، وأنها حَمَلت مروان بن الحكم لما ضُرب يوم الدار، فسقط، فأدخلته بيتًا حتى سَلِم من القتل.
ويقال: إن شريك بن السحماء بعثه أبو بكر الصدّيق - ﵁ - رسولًا إلى خالد بن الوليد - ﵁ -، وهو باليمامة، ويقال: إنه شهد مع أبيه أُحدًا.
رَوَى ذلك ابن سعد، عن الواقديّ بسنده، قال: فبعث أبو بكر إلى خالد أن يسير من اليمامة إلى العراق، وبعث عبده مع شريك بن عبدة العجلانيّ، وكان شريك أحد الأمراء بالشام في خلافة أبي بكر، وبعثه عمر رسولًا إلى عمرو بن العاص حين أذن له أن يتوجّه إلى فتح مصر، ذكره ابن عساكر، ولم ينبّه على أنه ابن سحماء، فكأنه عنده آخر. انتهى ما في "الإصابة" باختصار (^١).
(وَكَانَ أَخَا الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ لِأُمِّهِ) "البراء" هذا هو ابن مالك بن النضر بن ضَمْضَم بن زيد بن حَرَام بن جُنْدُب بن عامر بن غَنْم بن عَدِيّ بن النجّار الأنصاريّ النجاريّ، أخو أنس بن مالك لأبيه، قاله أبو حاتم، وقال ابن سعد: أخوه لأبيه وأمه، أمهما أم سُليم. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه أخو شَرِيك بن سَحْماء لأمه، أمهما سَحْماء، وأما أم أنس، فهي أم سليم، بلا خلاف، وكان
_________________
(١) راجع: "الإصابة" ٥/ ٧٤ - ٧٥.
[ ٢٦ / ٤٠٠ ]
البراء - ﵁ - حادي النبيّ - ﷺ -، يرجز له في بعض أسفاره، وشهد معه المشاهد إلا بدرًا.
رَوَى البغويّ بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين، عن أنس - ﵁ - قال: دخلت على البراء بن مالك - ﵁ -، وهو يتغنّى، فقلت له: قد أبدلك الله ما هو خير منه، فقال: أترهب أن أموت على فراشي، لا والله، ما كان الله ليَحْرِمني ذلك، وقد قتلت مائةً منفردًا، سوى من شاركت فيه.
وأخرج بَقِيّ بن مَخْلَد في "مسنده" عن أبي إسحاق، قال: زَحَف المسلمون إلى المشركين يوم اليمامة حتى ألجئوهم إلى حَديقة فيها عدوّ الله مسيلمة، فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين، ألقوني إليهم، فاحتُمِل حتى إذا أشرف على الجدار اقتحم، فقاتلهم على الحديقة، حتى فتحها على المسلمين، ودخل عليهم المسلمون، فقتل الله مسيلمة.
وأخرج بسنده عن أنس - ﵁ -، قال: رَمَى البراء بنفسه عليهم، فقاتلهم حتى فتح الباب، وبه بضع وثمانون جراحةً من بين رمية بسهم، وضربة، فحُمل إلى رحله يُداوَى، وقام عليه خالد شهرًا.
وأخرج الترمذيّ من طريق ثابت، وعليّ بن زيد، عن أنس - ﵁ -: أن النبيّ - ﷺ - قال: "ربّ أشعث أغبر لا يُؤْبه له، لو أقسم على الله لأبرّه، منهم البراء بن مالك"، فلما كان يوم تُستر من بلاد فارس، انكشف الناس، فقال المسلمون: يا براء أقسم على ربّك، فقال: أُقسمُ عليك يا ربّ لَمَا مَنَحتنا أكتافهم، وألحقتني بنبيّك، فحَمَل، وحَمَل الناس معه، فقَتَل مرزُبان الزارة من عظماء الفرس، وأخذ سَلَبه، فانهزم الفرس، وقُتل البراء.
استُشهِد يوم حِصْن تستر في خلافة عمر - ﵁ - سنة عشرين، وقيل: قبلها، وقيل: سنة ثلاث وعشرين، وذكر سيف أن الهرمزان هو الذي قتله. انتهى ملخّصًا من "الإصابة" (^١).
(وَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ لَاعَنَ فِي الْإِسْلَامِ) قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: هذا يقتضي أن آية اللعان نزلت بسبب هلال بن أميّة، وكذلك ذكره البخاريّ، وهو
_________________
(١) راجع: "الإصابة في تمييز الصحابة" ١/ ٢٣٥ - ٢٣٧.
[ ٢٦ / ٤٠١ ]
مخالفٌ لما تقدّم أنها نزلت بسبب عويمر العجلانيّ، وهذا يَحْتَمِل أن تكون القضيّتان متقاربي الزمان، فنزلت بسببهما معًا، وَيحْتَمِل أن تكون الآية أنزلت على النبيّ - ﷺ - مرّتين؛ أي: كرّر نزولها عليه، كما قال بعض العلماء في "سورة الفاتحة": إنها نزلت بمكّة، وتكرر نزولها بالمدينة، وهذه الاحتمالات - وإن بعُدت - فهي أولى من أن يُطرَّق الوهم للرواة الأئمة الحفّاظ. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حاصل ما أشار إليه القرطبيّ ﵀ أن الجمع بأنها نزلت بسببهما هو الأرجح، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك قريبًا، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.
(قَالَ: فَلَاعَنَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَبْصِرُوهَا) الضمير للمرأة الملاعِنة، ثم الظاهر أنه من الإبصار، فهمزته همزة قطع، وَيحْتَمِل أن يكون من البصر - بفتحتين - من بابي كَرُم، وعَلِمَ، لكن هذا قليل، إذ الفصيح أن يتعدى بالباء، قال الفيّوميّ: يقال: أبصرته برؤية العين إبصارًا، وبَصُرتُ بالشيء - بالضمّ، والكسرُ لغةٌ، بَصَرًا - بفتحتين -: عَلِمت به، فأنا بصير به، يتعدّى بالباء في اللغة الفصحى، وقد يتعدّى بنفسه. انتهى.
وقال السمين الحلبيّ ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ [القصص: ١١]: يقال: بَصِر بالشيء؛ أي: عَلِمه، وأبصره؛ أي: نظر إليه، كذا قال الزجّاج، وقال غيره: بَصِر بالشيء، وأبصره: بمعنى عَلِمه، والعامّة بضم الصاد في الماضي، ومضارعه، وقرأ الأعمش، وأبو السمّال: "بصِرت" بالكسر، يبصَر بالفتح، وهي لغة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن الفصيح في قوله: "أبصروا" قطع الهمزة، أو تعديته بالباء، والمعنى: اعلموا ولدها، أو انظروا إلى ولدها الذي ستلده من هذا الحمل الذي لاعنت به على أي صفة تَلِده، حتى تستدلّوا على كذب أحدهما، والله تعالى أعلم.
(فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَبْيَضَ، سَبِطًا) بكسر الباء، وإسكانها؛ أي: مُسترسِل الشعر، منبسطه، يقال: سَبِط الشعرُ سَبَطًا، من باب تعب، فهو سَبِطٌ - بكسر الباء -، وربّما قيل: سَبَطٌ بالفتح وصفٌ بالمصدر: إذا كان مسترسلًا، وسَبُطَ سَبُوطةً، فهو سَبْطٌ، مثلُ سَهُل سُهُولةً، فهو سَهْلٌ، لغةٌ فيه، قاله الفيّوميّ ﵀.
[ ٢٦ / ٤٠٢ ]
(قَضِيءَ الْعَيْنَيْنِ) - بفتح القاف، وكسر الضاد المعجمة - على وزن فَعِيل أي: فاسد العينين بكثر دمع، أو حمرة، أو غير ذلك، قال ابن منظور في "اللسان": قَضِئَتْ عينُهُ تَقْضَأ قَضَأً، فهي قَضِئَةٌ: احمرّت، واسترخت مآقيها، وقَرِحَت، وفَسَدَت، والقُضْأَةُ الاسم، وفيها قَضْأَةٌ؛ أي: فسادٌ. انتهى.
(فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ) أي: لأن هذه صفته (وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ) أفعل من الْكَحَل بفتحتين، وهو سَوادٌ يعلو جُفُون العين خِلْقَةً، يقال: كَحِلت العينُ كَحَلًا، من باب تَعِبَ، ورجلٌ أكحل، وامرأة كحلاء، مثلُ أحمر، وحَمراء، قاله الفيّوميّ (^١).
وفي رواية "النسائيّ": "وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ آدَمَ" بالمدّ من الأُدمة، وهي شدّة السمرة، يقال: رجلٌ آدم، وامرأة أَدْماءُ؛ كأحمر، وحمراء، ويُجمع آدم على أُدْم؛ كَحُمْر، قاله في "المفهم"، وفي "القاموس": أَدُمَ؛ كعَلِم، وكرُم، فهو آدم، جمعه أُدْمٌ، وأُدْمَانٌ - بضمّهما -، وهي أَدْمَاءُ، وشذّ: أَدمَانةٌ، جمعها أُدْمٌ - بالضمّ - انتهى. (جَعْدًا) - بفتح الجيم، وسكون العين المهملة - المراد هنا هو المتكسّر الشعر، ضدّ السبوطة المتقدّمة، قال الفيّوميّ: جَعد الشعر - بضمّ العين، وكسرها - جُعُودةً إذا كان فيه التوأء، وتقبّضٌ، فهو جعد، وذلك خلاف المسترسل. انتهى.
وفي رواية أخرى: "إن جاءت به جعدًا قَطِطًا"؛ أي: شديد الجعودة.
وزاد في رواية النسائيّ: "رَبْعًا" - بفتح الراء، وسكون الموحّدة، وتُفتح - ويقال أيضًا: رَبعة؛ أي: متوسّطًا، غير طويل، ولا قصير، قال الفيّوميّ: رجلٌ رَبْعةٌ، وامرأة رَبْعَةٌ؛ أي: معتدل، وحذف الهاء في المذكّر لغةٌ، وفتح الباء فيهما لغةٌ، ورجلٌ مربوعٌ مثله. انتهى. (حَمْشَ السَّاقَيْنِ) - بفتح الحاء المهملة، وسكون الميم، وشين معجمة -، وزان فَلْس، يقال: رجلٌ حَمْشُ الساقين، وأحمش الساقين؛ أي: دقيقهما، وحَمِشَ عَظْمُ ساقه، من باب تَعِب حَمْشةً؛ أي: رقّ (فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ") قال القرطبيّ: هذا يدلّ على أن هذا كان منه - ﷺ - تفرّسًا وحَدْسًا، لا وحيًا، ولو كان وحيًا لكان معلومًا عنده، وفيه ما
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٢٧.
[ ٢٦ / ٤٠٣ ]
يدلّ على إلغاء حكم الشَّبَه في الحرائر، كما هو مذهب مالك، قال: وفيه: أن ذكر الأوصاف المذمومة للضرورة، والتحلية بها للتعريف ليس بغيبة. انتهى (^١).
(قَالَ) أنس - ﵁ - (فَأُنْبِئْتُ أَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ، جَعْدًا، حَمْشَ السَّاقَيْنِ) أي: على صفة شريك بن سَحْماء الذي ادّعَى هلال أنه وجده مع امرأته، زاد في رواية النسائيّ: "فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَوْلَا مَا سَبَقَ فِيهَا مِنْ كِتَاب الله، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ"، وفي رواية: "لولا ما مضى من كتاب الله لكان ليَ ولها شأن"؛ أي: لولا ما سبق من حكم الله تعالى أن اللعان يدفع الحدّ عن المرأة لأقمت عليها الحدّ من أجل الشبه الظاهر بالذي رُميت به، ويستفاد منه أنه - ﷺ - كان يحكم بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه وحي خاصّ، فإذا أُنزل الوحي بالحكم في تلك المسألة قَطَع النظر، وعَمِل بما نزل، وأَجرى الأمر على الظاهر، ولو قامت قرينة تقتضي خلاف الظاهر، قاله في "الفتح".
وقال القرطبيّ: يُفْهَم من ذلك أن الحكم إذا وقع على شروطه لا يُنقض، وإن تبيّن خلافه.
هذا إن لم يقع خلل، أو تفريط في شيء من أسبابه، فأما لو فرّط الحاكم، فغلط، وتبيّن تفريطه، وغلطه بوجه واضح، نُقض حكمه، وهذا مذهب الجمهور. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧٥٢] (١٤٩٦)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٣٤٩٥ و٣٤٩٦)، و"الكبرى" (٥٦٦٢ و٥٦٦٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٤٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٠٩)، أما فوائد الحديث، وبيان المسائل المتعلّقة به، فقد تقدّمت في شرح حديث سهل بن سعد - ﵄ -، فراجعها
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٠٣.
(٢) "المفهم" ٤/ ٣٠٣.
[ ٢٦ / ٤٠٤ ]
تستفد علمًا جمًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ اللهُ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥٣] (١٤٩٧) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِر، وَعِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيَّان، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رُمْحٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ التَّلَاعُنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِه، يَشْكُو إِلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهْلِهِ رَجُلًا، فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا إِلَّا لِقَوْلِي، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا، قَلِيلَ اللَّحْم، سَبِطَ الشَّعَر، وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ؛ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَ أَهْلِه، خَدْلًا، آدَمَ، كَثِيرَ اللَّحْم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "اللَّهُمَّ بَيَنْ"، فَوَضَعَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَهُمَا، فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَجْلِسِ: أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَينَةٍ رَجَمْتُ هَذِهِ"؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ، كَانَتْ تُظْهِرُ في الْإِسْلَامِ السُّوءَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عِيسَى بْنُ حَمَّادِ) بن مسلم التُّجيبيّ، أبو موسى المصريّ، لقبه زُغْبةُ، وهو لقب أبيه أيضًا، ثقةٌ [١٠] (٢٤٨)، وقد جاوز التسعين، وهو آخر من حدّث عن الليث من الثقات (م دس ق) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٢.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام الشهير المصريّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٢٦) أو بعدها (ع) تقدم في "الحيض" ٢٧/ ٨٢٢.
٦ - (الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن أبي بكر الصدّيق التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥.
[ ٢٦ / ٤٠٥ ]
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ -، تقدّم قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول انفرد به هو وابن ماجه، والثاني ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخيه، والليث، فمصريّون.
٤ - (ومنها): أن رواية يحيى، عن عبد الرحمن من رواية الأكابر، عن الأصاغر؛ لأن يحيى من الطبقة الخامسة، وعبد الرحمن من السادسة، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه القاسم بن محمد أحد الفقهاء السبعة، وفيه ابن عبّاس - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، وكلهم تقدّموا غير مرّة، وإنما أعدته من باب التذكير، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ التَّلَاعُنُ) ببناء الفعل للمفعول، و"التلاعن" بالرفع على أنه نائب الفاعل، وفي رواية عند البخاريّ: "ذُكر المتلاعنان"، والمراد: ذِكْرُ حكم الرجل يرمي امرأته بالزنا، فعبّر عنه بالتلاعن باعتبار ما آل إليه الأمر بعد نزول الآية (عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ) الأنصاريّ الصحابيّ، تقدّمت ترجمته في شرح حديث سهل بن سعد - ﵂ - (فِي ذَلِكَ قَوْلًا) قال الكرمانيّ: معنى قوله: "قولًا"؛ أي: كلامًا لا يليق به، كعُجْب النفس، والنَّخْوَة (^١)، والمبالغة في الغيرة، وعدم المردّ إلى الله، وقدرته.
وتعقّبه الحافظ، فقال: وكلّ ذلك بمعزل عن الواقع، وإنما المراد بقول عاصم ما تقدّم في حديث سهل بن سعد أنه سأل عن الحكم الذي أمره عويمرٌ أن يسأل له عنه، وإنما جزمت بذلك؛ لأنه تبيّن لي أن حديثي سهل بن سعد، وابن عبّاس من رواية القاسم بن محمد، عنه في قصّة واحدة، بخلاف رواية
_________________
(١) بفتح، فسكون: العظمة.
[ ٢٦ / ٤٠٦ ]
عكرمة، عن ابن عبّاس، فإنها قصّة أخرى، كما تقدّم في تفسير "سورة النور"، عن ابن عبد البرّ أن القاسم روى قصّة اللعان عن ابن عبّاس، كما رواه سهل بن سعد، وغيره، في أن الملاعن عويمر، وبيّنت هناك توجيهه، وعلى هذا فالقول المبهم عن عاصم في رواية القاسم هذه هو قوله: "أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا؛ أيقتله، فتقتلونه؟ " الحديث، ولا مانع أن يروي ابن عباس القصّتين معًا، ويؤيّد التعدّد اختلاف السياقين، وخلوّ أحدهما عما وقع في الآخر، وما وقع بين القصّتين من المغايرة، كما أبيّنه. انتهى (^١).
(ثُمَّ انْصَرَفَ) أي: رجع عاصم من مجلس رسول الله - ﷺ - إلى منزله (فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ) هو عويمر كما تقدّم، ولا يمكن تفسيره بهلال بن أُميّة؛ لأنه لا قرابة بينه وبين عاصم؛ لأنه هلال بن أمية بن عامر بن عبد قيس من بني واقف، وهو مالك بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس، فلا يجتمع مع بني عمرو بن عوف الذي ينتمي عاصم إلى حلفهم، إلا في مالك بن الأوس؛ لأن عمرو بن عوف هو ابن مالك، قاله في "الفتح" (يَشْكُو إِلَيْهِ؛ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا ابْتُلِيتُ بِهَذَا) ببناء الفعل للمجهول؛ أي: ما ابتُليت بوقوع هذه الفاحشة في قومي إلا بسؤالي عما لم يقع، وإنما أسند الابتلاء إليه؛ لأن عويمرًا كانت تحته بنت عاصم، أو بنت أخيه، فما وقع منها فهو ابتلاء له.
وقوله (إِلَّا بِقَوْلِي) أي: بسؤالي عما لم يقع، كأنه قال: فعوقبت بوقوع ذلك في آل بيتي.
قال الحافظ: وزعم الداوديّ أن معناه أنه قال مثلًا: لو وجدت أحدًا يفعل ذلك لقتلته، أو عيّر أحدًا بذلك، فابتلي به، وكلامه أيضًا بمعزل عن الواقع، فقد وقع في مرسل مقاتل بن حيّان عن ابن أبي حاتم: "فقال عاصم: إنا لله، وإنا إليه راجعون، هذا والله بسؤالي عن هذا الأمر بين الناس، فابتليت به"، والذي كان قال: "لو رأيته لضربته بالسيف" هو سعد بن عبادة.
وقد أورد الطبريّ من طريق أيوب، عن عكرمة، مرسلًا، ووصله ابن
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٨١.
[ ٢٦ / ٤٠٧ ]
مردويه بذكر ابن عبّاس، قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قال سعد بن عبادة: "إن أنا رأيت لَكَاعِ يَفجُر بها رجل. . ." فذكر القصّة، وفيه: فوالله ما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أُميّة، فذكر قصّته، وهو عند أبي داود في رواية عبّاد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، فوضح أن قول عاصم كان في قصّة عويمر، وقول سعد بن عبادة كان في قصّة هلال، فالكلامان مختلفان، وهما مما يؤيّد تعدد القصّة، ويؤيّد التعذد أيضًا أنه وقع في آخر حديث ابن عباس عند الحاكم: "قال ابن عبّاس: فما كان بالمدينة أكثر غاشية منه"، وعند أبي داود وغيره: "قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرًا على مصر، وما يُدْعَى لأب"، فهذا يدلّ على أن ولد الملاعنة عاش بعد النبيّ - ﷺ - زمانًا.
وقوله: "على مصر"؛ أي: من الأمصار، وظنّ بعض شيوخنا أنه أراد مصر البلد المشهور، فقال: فيه نظر؛ لأن أمراء مصر معروفون معدودون، ليس فيهم هذا.
ووقع في حديث عبد الله بن جعفر، عند ابن سعد في "الطبقات" أن ولد الملاعنة عاش بعد ذلك سنتين، ومات، فهذا أيضًا مما يقوّي التعدد، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ (^١).
(فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَخْبَرَهُ، بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ) أي: الذي رَمَى امرأته (مُصْفَرًّا) - بضم أوله، وسكون الصاد المهملة، وفتح الفاء، وتشديد الراء - أي: قويّ الصفرة، وهذا لا يخالف قوله في حديث سهل - ﵁ -: "إنه أحمر، أو أشقر"؛ لأن ذاك لونه الأصليّ، والصفرة عارضة (قَلِيلَ اللَّحْمِ) أي: نحيف الجسم (سَبِطَ الشَّعْرِ) بفتح، فكسر، أو بفتحتين؛ أي: مسترسله، وهو ضدّ الجعودة (وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلًا) - بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الدال المهملة -: هو الممتلئ الساق الضخم؛ أي: ممتلئ الساقين، وقال أبو الحسين بن فارس: "ممتلئ الأعضاء"، وقال الطبريّ: لا يكون إلا مع غلظ العظم مع اللحم، وقال ابن التين: ضُبِط في بعض الكتب بكسر الدال، وتخفيف اللام، وفي بعضها بتشديد
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ١٨٢.
[ ٢٦ / ٤٠٨ ]
اللام، وفي بعضها بسكون الدال، وكذلك هو في كتب اللغة، وكذا ضُبِط في رواية أبي صالح، وابن يوسف. قاله العينيّ ﵀ (^١).
(آدَمَ) بالمدّ؛ أي: لونه قريبٌ من السواد (كَثِيرَ اللَّحْمِ) أي: في جميع جسده. قال في "الفتح": يَحْتَمِل أن تكون صفة شارحة لقوله: "خَدْلًا"، بناءً على أن الخدْل: الممتلئ البدن، وأما على قول من قال: إنه الممتلئ الساق، فيكون فيه تعميم بعد تخصيص، وزاد في روايةٍ للبخاريّ: "جَعْدًا قَطَطًا"، و"الجعد": هو المتكسّر، ضدّ السبوطة، و"الْقَطَطُ" - بفتحتين، أو بفتح، فكسر -: هو المتفلفل الشعر، قال في "الفتح"، وهذه الصفة موافقة للتي في حديث سهل بن سعد حيث إن فيه: "عظيم الأَلْيَتين خَدَلّج الساقين إلخ". انتهى (^٢).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "اللَّهُمَّ بَيِّنْ") أي: بيّن لنا الحكم في هذه المسألة.
قال أبو العبّاس القرطبيّ ﵀: ظاهره أنه دعاءٌ في أن يبيّن له ممن الولد؟ فأجيب بأنه للذي رُمي به، وتبيّن له ذلك بأن الله تعالى خلقه يُشبه الذي رُميت به، وعلى الصفة التي قال النبيّ - ﷺ -، ولذلك نسّق قوله: "فوَضَعت" على الكلام المتقدّم بالفاء، وقيل: معناه: اللَّهمّ بيّن الحكم في هذه الواقعة، كما جاء في الرواية الأخرى: "اللَّهم افتح"؛ أي: احكم، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ [سبأ: ٢٦] أي: يحكم. انتهى.
وقال البدر العينيّ ﵀: قوله: "اللَّهم بيّن" أي: حكم المسألة، ويقال: معناه الحرص على أن يعلم من باطن المسألة ما يَقِف به على حقيقتها، وإن كانت شريعته قد أحكمها الله في القضاء بالظاهر، وإنما صارت شرائع الأنبياء ﵇ يُقضَى فيها بالظاهر؛ لأنها تكون سببًا لمن بعدهم من أممهم، ممن لا سبيل له إلى وحي يعلم به بواطن الأمور.
(فَوَضَعَتْ) أي: ولدت تلك المرأة ولدًا (شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا؛ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا، فَلَاعَنَ) أي: أمر باللعان (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَهُمَا) هذا ظاهره أن الملاعنة بينهما تأخّرت حتى وضعت، فيُحمَل على أن قوله: "فلاعن" معقّب بقوله: فذهب به إلى النبيّ - ﷺ -، فأخبره بالذي وجد عليه امرأته، واعترض
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٧/ ٨٥.
(٢) "الفتح" ١٢/ ١٨٢ - ١٨٣.
[ ٢٦ / ٤٠٩ ]
قوله: "وكان ذلك الرجل إلخ"، والحامل على ذلك ما قدّمناه من الأدلّة على أن رواية القاسم هذه موافقة لحديث سهل بن سعد. وَيَحْتَمِل على بُعْد أن تكون الملاعنة وقعت مرّة بسبب القذف، وأخرى بسبب الانتفاء. قاله في "الفتح".
(فَقَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (فِي الْمَجْلِسِ) متعلّق بـ "قال"، وهذا السائل هو عبد الله بن شدّاد بن الهاد، وهو ابن خالة ابن عبّاس، سمّاه أبو الزناد عن القاسم بن محمد في الرواية التالية (أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَوْ رَجَمْتُ أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، رَجَمْتُ هَذهِ؟ "، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ، كَانَتْ تُظْهِرُ فِي الْإِسْلَامِ الشَّرَّ) وفي رواية: "كانت تظهر في الإسلام السوء" أي: كانت تُعلن بالفاحشة، ولكن لم يثبت عليها ذلك ببيّنة، ولا اعتراف. قال الداوديّ: فيه جواز عيب من يسلك مسالك السوء.
وتُعُقّب بأن ابن عبّاس لم يسمها، فإن أراد إظهار العيب على الإبهام فمُحْتَمِلٌ.
وقال القرطبيّ: قوله: "تلك امرأة كانت تُظهِر في الإسلام السوء" أي: تَظهَر عليها قرائنُ، تدلّ على أنها بَغِيّ، تتعاطى الفاحشة، فقد وقع في طريق عروة - ﵁ - عن ابن عبّاس - ﵄ - عند ابن ماجه: "لو كنت راجمًا أحدًا لغير بيّنة لرجمت فلانة، فقد ظهر فيها الريبة في منطقها، وهيئتها، ومن يدخل عليها"، ولكن لم يثبت عليها سببٌ شرعيّ، يتعلّق به الرجم، لا إقرارٌ، ولا حملٌ، ولا بيّنةٌ، فلم يُقَم عليها حدٌّ لتلك الأسباب المحصورة، وفيه أنه لا يقام الحدّ بمجرّد الشياع، والقرائن، بل لا بدّ من بيّنة، أو اعتراف. انتهى بزيادة (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧٥٣ و٣٧٥٤ و٣٧٥٥] (١٤٩٧)، و(البخاريّ)
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٠٣، و"تكملة فتح الملهم" ١/ ٢٥٤.
[ ٢٦ / ٤١٠ ]
في "الطلاق" (٥٣١٠ و٥٣١٦)، و"الحدود" (٦٨٥٥ و٦٨٥٦)، و"التمنّي" (٧٢٣٨)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٣٤٩٤ و٣٤٩٧ و٣٤٩٨)، و"الكبرى" (٥٦٦٤)، و(ابن ماجه) في "الحدود" (٢٥٦٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٢١١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٤٠٦)، وأما فوائد الحديث، وسائر متعلّقاته، فقد تقدّمت في شرح حديث سهل بن سعد - ﵄ -، وما بعده، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَني سُلَيْمَانُ، يَعْنِي ابْنَ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِم، عَن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْث، وَزَادَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: كَثِيرَ اللَّحْم، قَالَ: جَعْدًا قَطَطًا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٦٤) وله (٨٠) سنةً (م دس ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٠.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُويْسٍ) هو: إسماعيل بن عبد الله بن أُويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ، أخطأ في أحاديث من حفظه [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م دت ق) تقدم في "الحج" ١٧/ ٢٩٢١.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد هذه، ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٥٠١٠) - حدّثنا إسماعيل، قال: حدّثني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، قال: أخبرني عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس؛ أنه قال: ذُكِر المتلاعنان عند رسول الله - ﷺ -، فقال عاصم بن عديّ في
[ ٢٦ / ٤١١ ]
ذلك قولًا، ثم انصرف، فأتاه رجل من قومه، فذَكَر له أنه وَجَد مع امرأته رجلًا، فقال عاصم: ما ابتُليت بهذا الأمر إلا لقولي، فذهب به إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبره بالذي وَجَد عليه امرأته، وكان ذلك الرجل مُصْفَرًّا، قليل اللحم، سَبْطَ الشعر، وكان الذي وَجَد عند أهله آدم خَدْلًا، كثير اللحم، جَعْدًا قَطَطًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "اللهم بَيِّنْ"، فوضعت شبيهًا بالرجل الذي ذَكَر زوجُها أنه وجد عندها، فلاعن رسول الله - ﷺ - بينهما، فقال رجل لابن عباس في المجلس: هي التي قال رسول الله - ﷺ -: "لو رجمت أحدًا بغير بينة لرجمت هذه؟ "، فقال ابن عباس: لا، تلك امرأة كانت تُظْهِر السُّوء في الإسلام. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ: وَذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ ابْنُ شَدَّادٍ: أَهُمَا اللَّذَانِ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "لَوْ كنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةً لَرَجَمْتُهَا؟ "، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلَنَتْ. قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ: عَن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان القُرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدني، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
والباقون ذُكروا في الباب، و"ابن أبي عمر" هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ.
[تنبيه]: رواية أبي الزناد، عن القاسم بن محمد هذه ساقها أبو يعلى في "مسنده" (٤/ ٣١٢) مطوّلةً، فقال:
(٢٤٢٤) - حدّثنا محمد بن بكّار، حدّثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن
[ ٢٦ / ٤١٢ ]
القاسم بن محمد، قال: سمعت ابن عباس يقول: لاعن رسول الله - ﷺ - بين أخوي بني عجلان، أو بين رجل وامرأة، شكّ عبد الرحمن (^١)، قال: فقال زوجها: والله ما قربتها منذ عَفَّرْنا، والعَفْرُ (^٢) أن يُسْقَى النخل بعد أن يُتْرَك من السقي بعد الإبَار بشهرين، قال رسول الله - ﷺ -: "اللهم بَيِّنْ بَيِّنْ"، قال: وكان زوج المرأة أصهب الشعر، حَمْشَ الذراعين والساقين، قال: وكان الذي رُميت به ابن السحماء، قال: فجاءت بغلام أسود، جَعْد قَطَطٍ عَبْل الذراعين، خَدَلَّج الساقين، فقال ابن شدّاد: يا أبا العباس، أهي المرأة التي قال رسول الله - ﷺ -: "لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمتها"، قال: فقال ابن عباس: لا، وقال: تلك امرأة كانت قد أعلنت في الإسلام، قال رجل آخر: يا أبا عباس، كيف الصفة؟ فقال ابن عباس: جاءت به على الوصف السيئ. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥٦] (١٤٩٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيز، يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا؛ أيقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا"، قَالَ سَعْدٌ: بَلَى، وَالَّذِي أكرَمَكَ بِالْحَقِّ، قالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ").
_________________
(١) هو ابن أبي الزناد.
(٢) بفتح، فسكون، قال في "اللسان" ٤/ ٥٨٩: عَفَرَ الناس يَعْفِرون عَفْرًا - أي من باب ضرب - إذا سَقَوُا الزرع بعد طرح الحبّ، والْعَفَارُ بالفتح: تلقيح النخل، وإصلاحه، وقال في "النهاية" لابن الأثير: وفي حديث هلال: "ما قَرِبت أهلي مذ عَفَّرنا النخل"، ويرْوَى بالقاف، وهو خطأ، والتعفير: أنهم كانوا إذا أَبَّروا النخل تركوها أربعين يومًا، لا تُسْقَى؛ لئلا ينتفض حملها، ثم تُسقَى، ثم تترك إلى أن تَعطش، ثم تُسقَى، وقد عَفَّر القومُ: إذا فعلوا ذلك، وهو من تعفير الوحشية ولدها، وذلك أن تُفطمه عند الرضاع أيامًا، ثم تُرضعه، تفعل ذلك مرارًا؛ ليعتاده. انتهى. "النهاية في غريب الأثر" ٣/ ٢٦٣.
[ ٢٦ / ٤١٣ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
- (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) ابن محمد بن عُبيد، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كتُب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح السّمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ تغيّر بآخره [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السّمّان الزّيّات المدنيّ، ثقةُ ثبتٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ) بضمّ العين المهملة، وتخفيف الموحّدة، وهو: سعد بن عُبادة بن دُليم بن حارثة بن حَرَام بن خزيمة بن ثعلبة بن طَرِيف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ، سيد الخزرج، يُكْنَى أبا ثابت، وأبا قيس، وأمه عمرة بنت مسعود، لها صحبة، وماتت في زمن النبيّ - ﷺ - سنة خمس، وشَهِد سعد العقبة، وكان أحد النقباء، واختُلِف في شهوده بدرًا، فأثبته البخاريّ، وقال ابن سعد: كان يتهيأ للخروج، فنُهِس، فأقام، وقال النبيّ - ﷺ -: "لقد كان حريصًا عليها"، قال ابن سعد: وكان يكتب بالعربية، ويُحسن العوم، والرمي، فكان يقال له: الكامل، وكان مشهورًا بالْجُود، هو وأبوه، وجدّه، وولده، وكان لهم أُطُمٌ ينادي عليه كلَّ يوم: من أحب الشحم واللحم، فليأت أُطُم دُليم بن حارثة، وكانت جفنة سعد تدور مع النبيّ - ﷺ - في بيوت أزواجه.
وقال مِقْسَمٌ، عن ابن عباس: كان لرسول الله - ﷺ - في المواطن كلها رايتان: مع عليّ راية المهاجرين، ومع سعد بن عُبادة راية الأنصار.
ورَوَى له أحمد من طريق محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة، عن قيس بن سعد: زارنا النبيّ - ﷺ - في منزلنا، فقال: "السلام عليكم
[ ٢٦ / ٤١٤ ]
ورحمة الله … " الحديث، وفيه: ثم رفع يده، فقال: "اللهم اجعل صلواتك، ورحمتك على آل سعد بن عُبادة".
ورَوَى أبو يعلى من حديث جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "جَزَى الله عنا الأنصار خيرًا، لا سيما عبد الله بن عمرو بن حرام، وسعد بن عبادة".
وروى ابن أبي الدنيا من طريق ابن سيرين، قال: كان أهل الصفّة إذا أَمْسَوا انطلَق الرجل بالواحد، والرجل بالاثنين، والرجل بالجماعة، فأما سعد، فكان ينطلق بثمانين.
ورَوَى الدارقطنيّ في "كتاب الأسخياء" من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان منادي سعد ينادي على أُطُمه: من كان يريد شحمًا ولحمًا فليأت سعدًا، وكان سعد يقول: اللهم هب لي مَجْدًا، لا مجد إلَّا بفِعَال، ولا فِعَال إلَّا بمال، اللهم إنه لا يُصلحني القليل، ولا أصلح عليه.
وعن محمد بن سيرين: كان سعد بن عبادة يُعَشِّي كلَّ ليلة ثمانين من أهل الصفّة، وقصته في تخلفه عن بيعة أبي بكر مشهورة، وخرج إلى الشام، فمات بِحُوران سنة خمس عشرة، وقيل: سنة ست عشرة.
ورَوَى عنه بنوه: قيس، وسعيد، وإسحاق، وحفيده، شُرَحبيل بن سعيد، وروى عنه من الصحابة أيضًا ابن عباس، وأبو أمامة بن سهل، وأرسل عنه الحسن، وعيسى بن فائد.
وروى أبو داود من حديث قيس بن سعد: أن النبيّ - ﷺ - قال: "اللهم اجعل صلواتك، ورحمتك على آل سعد بن عبادة"، أخرجه في أثناء حديث، وقيل: إن قبره بالمنيحة قرية بدمشق بالغُوطة.
ويروى أنه مات ببُصْرَى، وهي أول مدينة فُتحت من الشام (^١).
وأخرج له أصحاب "السنن"، وله ذكر بلا رواية عند الشيخين، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "الإصابة في تمييز الصحابة" ٣/ ٦٥ - ٦٦.
[ ٢٦ / ٤١٥ ]
(قَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا؛ أيقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: "لَا") أي: لا يحلّ له أن يقتله (قَالَ سَعْدٌ: بَلَى، وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ) أي: بلى ليقتلنّه، كما قال في الرواية الآتية: "قال: كلّا، والذي بعثك بالحقّ إن كنتُ لأعاجله بالسيف قبل ذلك".
قال الخطّابيّ - ﵀ -: يُشبه أن تكون مراجعة سعد - ﵁ - للنبيّ - ﷺ - طَمَعًا في الرخصة، لا ردًّا لقوله - ﷺ -، فلما أبى ذلك رسول الله - ﷺ -، وأنكر عليه قوله سكت، وانقاد، ومما يدلّ على ذلك حديث ابن عباس - ﵄ - عند أحمد، واللفظ له، وأبي داود، والحاكم: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية قال سعد بن عبادة: أهكذا أُنزلت؟ فلو وجدت لَكَاعِ متفخذها رجل لَمْ يكن لي أن أُحَرِّكه، ولا أُهيجه حتى آتي بأربعة شهداء؟ فوالله لا آتي بأربعة شهداء، حتى يقضي حاجته، فقال رسول الله - ﷺ -: "يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ "، قالوا: يا رسول الله لا تَلُمْه، فإنه رجل غَيور، والله ما تزوّج امرأة قط إلَّا عذراء، ولا طلّق امرأةً، فاجترأ رجل منا أن يتزوجها، من شدّة غيرته، فقال سعد: والله إني لأعلم يا رسول الله أنَّها لحقّ، وإنها من عند الله، ولكني عَجِبْتُ.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "اسْمَعُوا إلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ") عَدّى السمع بـ "إلى" لتضمّنه معنى الإصغاء؛ أي: اسمعوا مصغين إلى قوله، ولعل الحاضرين كانوا من الخزرج، وكان سعد وجيهًا في الأنصار، ذا رياسة وسيادة، كما تقدّم آنفًا في ترجمته، وفي ذكر السيّد هنا إشارة إلى أن الغيرة من شيمة كرام الناس، وساداتهم.
وقال ابن الأنباريّ وغيره: السيّد هو الذي يفوق قومه في الفخر، قالوا: والسيد أيضًا الحليم، وهو أيضًا حَسَنُ الخلق، وهو أيضًا الرئيس، ومعنى الحديث: تعجبوا من قول سيِّدكم.
وقال القرطبيّ بعد نقل قول ابن الأنباريّ: "السيّد هو الذي يفوق قومه في الفخر"، ما نصّه:
قلت: وذلك لا يكون حتى يجتمع له من خصال الشرف والفضائل والكمال ما يُبَرِّز بها عليهم، ويتقدّمهم بسببها، كما قال [من المتقارب]:
[ ٢٦ / ٤١٦ ]
فَإِنْ كُنْتَ سَيِّدَنَا سُدْتَنَا … وَإِنْ كُنْتَ لِلْخَالِ فَاذْهَبْ فَخَلْ (^١)
وقال الماورديّ وغيره: ليس قول سعد هذا ردًّا لقول النبيّ - ﷺ -، ولا مخالفة منه لأمره - ﷺ -، وإنما معناه إخبارٌ عن حالة الإنسان عند رؤيته الرجل عند امرأته، واستيلاء الغضب عليه، فإنه حينئذ يعاجله بالسيف، وإن كان عاصيًا. انتهى (^٢).
وقال الحافظ ابن عبد البرّ - ﵀ -: يريد - والله أعلم - أن الغيرة لا تبيح للغَيُور ما حُرِّم عليه، وأنه يلزمه مع غيرته الانقياد لحكم الله تعالى، ورسوله - ﷺ -، وأن لا يتعدى حدوده، فالله تعالى ورسوله - ﷺ - أغير، ولا خلاف علمته بين العلماء فيمن قَتَل رجلًا، ثم ادَّعَى أنه إنما قتله؛ لأنه وجده مع امرأته بَيْن فخذيها، ونحو ذلك من وجوه زناه بها، ولم يُعْلَم ما ذُكر عنه إلَّا بدعواه؛ أنه لا يُقبَل منه ما ادَّعاه، وأنه يُقْتَل به، إلَّا أن يأتي بأربعة شهداء، يشهدون أنهم رأوا وطأه لها، وإيلاجه فيها، ويكون مع ذلك مُحْصَنًا مُسلمًا بالغًا، أو من يحل دمه بذلك، فإن جاء بشهداء يشهدون له بذلك نجا، وإلا قُتل، وهذا أمر واضح، لو لَمْ يجئ به الخبر لأوجبه النظر؛ لأن الله حرّم دماء المسلمين تحريمًا مطلقًا، فمن ثبتٌ عليه أنه قَتَل مسلمًا، فادَّعَى أن المسلم قد كان يجب قتله، لَمْ يُقبل منه دفع القصاص عن نفسه، حتى يتبين ما ذُكر، وهكذا كلّ من لزمه حقّ لآدمي لَمْ يقبل قوله في المَخرج منه، إلَّا ببينة تشهد له بذلك. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - (^٣)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قصّة سعد بن عُبادة - ﵁ - هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده" من حديث ابن عبّاس - ﵄ -، فقال ١/ ٢٣٨:
(٢١٣١) - حدّثنا عبد الله (^٤)، حدّثني أبي، ثنا يزيد، أنا عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]، قال سعد بن
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٠٤.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٣١.
(٣) "التمهيد" لابن عبد البرّ ٢١/ ٢٥٦.
(٤) هو ابن الإمام أحمد، راوي "المسند" عنه.
[ ٢٦ / ٤١٧ ]
عبادة - وهو سيد الأنصار -: أهكذا نزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "يا معشر الأنصار، ألَّا تسمعون إلى ما يقول سيدكم؟ " قالوا: يا رسول الله لا تَلُمْه، فإنه رجل غَيُور، والله ما تزوج امرأة قطّ إلَّا بكرًا، وما طَلَّق امرأة له قطّ، فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها، من شدّة غيرته، فقال سعد: والله يا رسول الله، إني لأعلم أنَّها حقّ، وأنها من الله تعالى، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعًا تفخّذها رجل، لَمْ يكن لي أن أُهيجه، ولا أحرّكه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته، قال: فما لبثوا إلَّا يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء من أرضه عِشاءً، فوجد عند أهله رجلًا، فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فلم يُهجه حتى أصبح، فغدا على رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاءً، فوجدت عندها رجلًا، فرأيت بعيني، وسمعت بأذني، فكَرِه رسول الله - ﷺ - ما جاء به، واشتَدّ عليه، واجتمعت الأنصار، فقالوا: قد ابتُلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يَضْرِب رسول الله - ﷺ - هلال بن أمية، ويُبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجًا، فقال هلال: يا رسول الله إني قد أرى ما اشتدّ عليك مما جئت به، واللهُ يعلم أني لصادق. ووالله إن رسول الله - ﷺ - يريد أن يأمر بضربه؛ إذ أنزل الله على رسول الله - ﷺ - الوحي، وكان إذا نزل عليه الوحي عَرَفُوا ذلك في تربُّد جلده، فأمسكوا عنه، حتى فرغ من الوحي، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ الآية [النور: ٦]، فَسُرِّي عن رسول الله - ﷺ -، فقال: "أبشر يا هلال، فقد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا"، فقال هلال: قد كنت أرجو ذاك من ربي، فقال رسول الله - ﷺ -: "أرسلوا إليها"، فأرسلوا إليها، فجاءت، فقرأها رسول الله - ﷺ - عليهما، وذَكَّرهما، وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشدّ من عذاب الدنيا، فقال هلال: والله يا رسول الله، لقد صدقت عليها، فقالت: كَذَبَ، فقال رسول الله - ﷺ -: "لاعنوا بينهما"، فقيل لهلال: اشهَدْ، فشهِد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كان في الخامسة، قيل: يا هلال اتّقِ الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذّبني الله عليها، كما لَمْ يَجلِدني عليها، فشَهِد في الخامسة أن
[ ٢٦ / ٤١٨ ]
لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل لها: اشهَدي أربع شهادات بالله، إنه لمن الكاذبين، فلما كانت الخامسة قيل لها: اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعةً، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله - ﷺ - بينهما، وقَضَى أنه لا يُدْعَى ولدها لأب، ولا تُرْمَى هي به، ولا يُرْمَى ولدها، ومن رماها، أو رمى ولدها، فعليه الحدّ، وقضى أن لا بيت لها عليه، ولا قُوت من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق، ولا مُتَوَفًّى عنها، وقال: "إن جاءت به أُصيهب، أُريسح (^١)، حَمْشَ الساقين، فهو لهلال، وإن جاءت به أَورق، جَعْدًا، جماليًّا، خَدَلَّج الساقين، سابغ الأَلْيَتين، فهو للذي رُميت به"، فجاءت به أورق، جعدًا، جماليًّا، خَدَلَّج الساقين، سابغ الأَلْيتين، فقال رسول الله - ﷺ -: "لولا الإيمان، لكان لي ولها شأن"، قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرًا على مصر، وكان يُدْعَى لأمه، وما يدعى لأبيه. انتهى.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧٥٦ و٣٧٥٧ و٣٧٥٨] (١٤٩٨)، و(أبو داود) في "الديات" (٤٥٣٢ و٤٥٣٣)، و(ابن ماجة) في "الحدود" (٢٦٠٥)، وفوائده، وبقيّة مسائله تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ!
_________________
(١) قال في "النهاية"/ ٢٢١: الأرسح - أي بالحاء المهملة -: الذي لا عَجُز له، أو هي صغيرة، لاصقة بالظهر، انتهى.
[ ٢٦ / ٤١٩ ]
إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتي رَجُلًا، أَؤُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ: "نَعَمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى) بن نَجيح البغداديّ، أبو يعقوب بن الطبّاع، سَكَن أَذَنة، صدوقٌ [٩] (ت ٢١٤) أو بعدها بسنة (م ت س ق) تقدم في "الكسوف" ٣/ ٢١١٠.
والباقون ذُكروا في "الباب"، و"مالك" هو: ابن أنس إمام دار الهجرة، والحديث سبق تمام البحث فيه.
[تنبيه]: قال الحافظ ابن عبد البرّ - ﵀ -: زعم أبو بكر البزار أن مالكًا انفرد بحديثه عن سهيل في هذا الباب، وأنه لَمْ يروه غيره، ولا تابعه أحد عليه، قال: وأظنه لَمّا رأى حماد بن سلمة قد أرسله، وأسنده مالك ظنّ أنه انفرد به، وليس كما ظَنّ البزار، وقد رواه سليمان بن بلال، عن سهيل مسندًا عن أبيه، عن أبي هريرة، كما رواه مالك، ورواه الدّراوَرْديّ أيضًا عن سهيل بإسناده نحو رواية سليمان بن بلال، ثم ساق رواية سليمان بن بلال، نحو سياق مسلم هنا، ثم قال: فهذا سليمان بن بلال، قد رواه مسندًا كما رواه مالك، ولو لَمْ يروه أحد غير مالك، كما زعم البزار ما كان في ذلك شيء، فإن (^١) أكثر السنن والأحاديث قد انفرد بها الثقات، وليس ذلك بضائر لها، ولا لشيء منها، والمعنى الموجود في هذا الحديث مجتمع عليه، قد نطق به الكتاب المحكم، وقد وردت به السنة الثابتة، واجتمعت عليه الأمة، فأي انفراد في هذا؟ وليت كلّ ما انفرد به المحدِّثون كان مثل هذا. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥٨] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْن مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَني سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ
_________________
(١) وقع في النسخة: "لكن"، والظاهر أنه مصحّف.
(٢) "التمهيد" ٢١/ ٢٥٥.
[ ٢٦ / ٤٢٠ ]
عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ الله، لَوْ وَجَدْتُ مَعَ أَهْلِي رَجُلًا، لَمْ أَمَسَّهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "نَعَمْ"، قَالَ: كَلَّا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ، إِنَّهُ لَغَيُورٌ، وَأنا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ، أبو الْهَيثم الْبَجَليّ مولاهم الكوفيّ، صدوقٌ يتشيّع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٧.
والباقون ذُكروا في الباب، وشرح الحديث يأتي بعده.
وقوله: (وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ كُنْتُ لَأُعَاجِلُهُ … إلخ) وفي رواية أبي داود: أن سعد بن عبادة قال: "يا رسول الله الرجل يجد مع أهله رجلًا فيقتله؟ قال: "لا"، قال: بلى والذي أكرمك بالحقّ"، وأخرج الطبراني من حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -: لَمّا نزلت آية الرجم قال النبيّ - ﷺ -: إن الله قد جعل لهنّ سبيلًا … الحديث، وفيه: فقال أناس لسعد بن عبادة: يا أبا ثابت قد نزلت الحدود، أرأيت لو وجدت مع امرأتك رجلًا، كيف كنت صانعًا؟ قال: كنت ضاربه بالسيف حتى يسكنا، فأنا أذهب، وأجمع أربعة؟ فإلى ذلك قد قَضَى الخائب حاجته، فأنطلق، وأقول: رأيت فلانًا، فيجلدوني، ولا يقبلون لي شهادة أبدًا، فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: "كفى بالسيف شاهدًا - ثم قال -: لولا أني أخاف أن يتتابع فيها السكران، والغَيْران" (^١)، وفي الحديث: أن الإحكام الشرعية لا تُعَارَضُ بالرأي، أفاده في "الفتح" (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٥٩] (١٤٩٩) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ
_________________
(١) حديث ضعيف، راجع: "صحيح سنن أبي داود" للشيخ الألبانيّ ٤/ ١٤٤.
(٢) "الفتح" ١٥/ ٦٩٤ "كتاب الحدود" رقم (٦٨٤٦).
[ ٢٦ / ٤٢١ ]
عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَة، عَن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأْيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي، لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْف، غَيْرُ مُصْفِحٍ عَنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ فَوَاللهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي، مِنَ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ الله، وَلَا شَخْصَ أحَدث إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ الله، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللهُ الْمُرْسَلِينَ، مُبَشِّرِينَ، وَمُنْذِرِينَ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ الله، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الْجَنَّةَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥.
٢ - (أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ) البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) اللَّخْميّ الكوفيّ الْفَرَسيّ، ثقةٌ فقيهٌ تغيّر حفظه، وربما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦.
٥ - (وَرَّادٌ كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ) الثقفيّ مولاهم، أبو سعيد، أو أبو الْوَرْد الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٦/ ١٣٤١.
٦ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ) بن مسعود بن مُعَتِّب الثقفيّ الصحابيّ الشهير، أسلم قبل الْحُدَيبية، وولي إمْرة البصرة، ثم الكوفة، مات سنة (٥٠) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
شرح الحديث:
(عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ) الأنصاريّ - ﵁ - (لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي) أي يفعل بها الفاحشة (لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْف، غَيْرُ مُصْفِحٍ عَنْهُ) بكسر الفاء؛ أي: غير ضارب بصَفْح السيف، وهو عرضه وجانبه،
[ ٢٦ / ٤٢٢ ]
والمراد: أني لا أضربه بعَرْض السيف كما يُضرَب للتأديب، وإنما أضربه بحدّه كما يُضرب للقتل، ثم ضبطة الأكثرون بكسر الفاء، على أنه صفة للضارب حالٌ منه، وقيل: إنه بفتح الفاء على أنه صفة للسيف حال منه.
وقال في "الفتح": قوله: "غير مُصْفَحٍ" قال عياض: هو بكسر الفاء، وسكون الصاد المهملة، قال: وَرَويناه أيضًا بفتح الفاء، فمَن فَتَحَ جعله وصفًا للسيف، وحالا منه، ومن كسر جعله وصفًا للضارب، وحالًا منه. انتهى.
وزَعَم ابن التين أنه وقع في سائر الأمهات بتشديد الفاء، وهو من "صُفْح السيف" (^١) أي عَرْضه وحدّه، ويقال له: غِرَار، بِالغين المعجمة، وللسيف صفحان، وحَدّان، وأراد أنه يضربه بحدّه، لا بعرضه، والذي يضرب بالحدّ يقصد إلى القتل، بخلاف الذي يضرب بالصفح، فإنه يقصد التأديب.
قال: ووقع عند مسلم من رواية أبي عوانة: "غير مُصْفَح عنه"، وهذه يترجح فيها كسر الفاء، ويجوز الفتح أيضًا على البناء للمجهول، وقد أنكرها ابن الجوزيّ، وقال: ظَنَّ الراوي أنه من الصفح الذي هو بمعنى العفو، وليس كذلك، إنما هو من صَفْح السيف.
قال الحافظ: ويمكن توجيهها على المعنى الأول، والصفح، والصفحة بمعنى، وقد أورده مسلم من طريق زائدة، عن عبد الملك بن عُمير، وبَيَّن أنه ليس في روايته لفظة: "عنه"، وكذا سائر من رواه عن أبي عوانة في البخاريّ وغيره لَمْ يذكروها. انتهى (^٢).
(فَبَلَغَ ذَلِكَ) أي قول سعد المذكور (رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) بالنصب على المفعوليّة (فَقَالَ) - ﷺ - (أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟) قال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: الْغَيْرَةُ - بفتح الغين - وأصلها المنع، والرجل غَيُور على أهله؛ أي يمنعهم من التعلّق بأجنبيّ بنظر، أو حديث، أو غيره، والغيرةُ صفة كمال، فأخبر - ﷺ - بأن سعدًا غَيور، وأنه أغير منه، وأن الله أغير منه - ﷺ -، وأنه من أجل ذلك حَرَّم
_________________
(١) صَفْح السيف - بضمّ الصاد، وفتحها: عرضه، وهو خلاف الطول. انتهى. "المصباح " ١/ ٣٤٢.
(٢) "الفتح" ١١/ ٦٦٩ - ٦٧٠.
[ ٢٦ / ٤٢٣ ]
الفواحش، فهذا تفسير لمعنى غَيْرة الله تعالى؛ أي أنَّها مَنْعُه - ﷾ - الناسَ من الفواحش، لكن الغيرة في حقّ الناس يقارنها تغير حال الإنسان، وانزعاجه، وهذا مستحيل في غيرة الله تعالى. انتهى كلام النوويّ (^١).
وقال القرطبيّ: الْغَيْرة: هَيَجَانٌ، وانزعاج يجده الإنسان من نفسه، يَحْمِل على صيانة الْحُرَم، ومنعهم من الفواحش ومقدماتها، والله تعالى مُنَزَّهٌ عن مثل ذلك الهيجان، فإنه تَغَيُّر يدلُّ على الحدوث، فإذا أُطلق لفظ الغيرة على الله تعالى فإنما معناه: أنه تعالى مَنَعَ من الإقدام على الفواحش، بما توعَّد ورتَّب عليها من العقاب والزجر، والذَّمّ، وبما نَصَب عليها من الحدود، وقد دلَّ على صحَّة هذا قوله في حديث آخر: "وغيرةُ الله أن لا يأتي المؤمن ما حرَّمه الله". انتهى.
وقال في "الفتح": "الْغَيْرَة" - بفتح المعجمة، وسكون التحتانية، بعدها راء - قال عياض وغيره: هي مشتقة من تغير القلب، وهَيَجَان الغضب، بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وأشدّ ما يكون ذلك بين الزوجين.
هذا في حقّ الآدميّ، وأما في حقّ الله، فقال الخطابيّ: أحسن ما يُفَسَّر به ما فُسِّر به في حديث أبي هريرة - ﵁ -، وهو قوله: "وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حَرَّم الله عليه"، قال عياض: ويَحْتَمِل أن تكون الغيرة في حقّ الله الإشارةَ إلى تغير حال فاعل ذلك، وقيل: الغيرة في الأصل الْحَمِيَّة، والأَنَفَة، وهو تفسير بلازم التغير، فيرجع إلى الغضب، وقد نسب - ﷾ - إلى نفسه في كتابه الغضب والرضا.
وقال ابن العربيّ: التغير محال على الله بالدلالة القطعية، فيجب تأويله بلازمه؛ كالوعيد، أو إيقاع العقوبة بالفاعل، ونحو ذلك، ثم قال: ومن أشرف وجوه غَيْرته تعالى اختصاصه قومًا بعصمته، يعني فمن ادَّعَى شيئًا من ذلك لنفسه عاقبه، قال: وأشدّ الآدميين غيرةً رسول الله - ﷺ -؛ لأنه كان يَغار لله ولدينه، ولهذا كان لا ينتقم لنفسه. انتهى (^٢).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٣٢.
(٢) راجع: "الفتح" ١١/ ٦٦٧ - ٦٦٨ "كتاب النِّكَاح" رقم (٥٢٢٠).
[ ٢٦ / ٤٢٤ ]
وقال ابن دقيق العيد: المنزّهون لله، إما ساكتٌ عن التأويل، وإما مؤوّلٌ، والثاني يقول: المراد بالغيرة المنع من الشيء، والحماية، وهما من لوازم الغيرة، فأُطلقت على سبيل المجاز؛ كالملازمة، وغيرها، من الأوجه الشائعة في لسان العرب. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا بعض ما قاله من أوَّل الغيرة الثابتة لله تعالى في هذا الحديث وغيره، ولا شكّ أن التأويل غير مقبول؛ لأنه مخالف لمنهج السلف؛ فإن منهجهم، وهو الحقّ الذي لا مرية فيه، والصواب الذي لا خطأ فيه أن يُثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابه، أو أثبته له رسوله - ﷺ - في أحاديثه الصحيحة، على ظاهره، على ما يليق بجلاله تعالى، دون تأويل، ولا تعطيل، ودون تشبيه، ولا تمثيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فيؤمنون بأن لله تعالى غيرةً تليق بجلاله، وغضبًا، ورضا، ومحبّة، ونزولًا، واستواء، وغير ذلك، مما صحّ في النصوص الصحيحة، على ما يليق بجلاله - ﷾ -.
وقد أجاد الشيخ عبد الرَّحمن بن ناصر البرّاك حيث كتَب ردًّا على قول ابن دقيق العيد المذكور، فقال: قول ابن دقيق العيد: المنزِّهون لله … إلخ يريد ابن دقيق العيد بالمنزِّهين نُفاة حقائق كثيرة من الصفات؛ كالمحبّة، والرضا، والضحك، والفرح، والغضب، والكراهة، والغيرة، وأنهم في نصوص هذه الصفات طائفتان: إما مفوّضة، وإما مؤوّلة، وهذا يصدق على الأشاعرة ونحوهم، فإنهم ينفون هذه الصفات، ويوجبون فيما نفوه إما التفويض، وإما التأويل المخالف لظاهر اللفظ، وإطلاق لفظ المنزِّهة عليهم يستلزم أن من يُثبت هذه الصفات مشبّه، وكذلك يسمُّون المثبتين لسائر الصفات - وهم أهل السنّة - مشبّهة، كما أن الجهميّة، والمعتزلة يسمّون المثبتين لبعض الصفات؛ كالأشاعرة مشبّهةً.
والحقّ أن المنزّهة على الحقيقة هم أهل السنّة والجماعة الذين أثبتوا لله تعالى جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنّة، ونزّهوه عن مماثلة المخلوقات، فتسمية النُّفاة منزّهة، والمثبتين لها مشبّهةً من المغالطات، وتسميةِ
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٧/ ٣٨٢ "كتاب التوحيد" رقم (٧٤١٦).
[ ٢٦ / ٤٢٥ ]
الحقائق بغير أسمائها. انتهى (^١).
وكتب البرّاك أيضًا على حديث ابن مسعود - ﵁ - مرفوعًا: "ما من أحد أغير من الله … " الحديث، ما نصّه: دلّ حديث ابن مسعود - ﵁ - على إثبات صفة الغيرة لله تعالى، وأن غيرته أكمل، وأعظم من غيرة كلّ أحد، فيجب أن يكون القول فيها كالقول في سائر الصفات، وهو الإيمان بأن الله تعالى يغار حقيقةً، وأن غيرته ليست كغيرة المخلوقين، بل غيرة تليق به - ﷾ -، ويدلّ على أن الغيرة من الله حقيقة قوله - ﷺ - في حديث سعد بن عبادة: "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه، والله أغير منّي"، والغيرة في مثل هذا السياق تتضمّن الغضب لانتهاك الحرمة، والله سبحانه يُبغض ما حرّم، ويغضب إذا انتُهكت حرماته.
قال: وقول عياض: "ويَحْتَمل أن تكون الغيرة في حقّ الله تعالى الإشارةَ إلى تغيّر حال فاعل ذلك" هو من التأويل المخالف لظاهر اللفظ بغير حجة، والحامل له عليه الحذَر من إضافة التغيّر إلى الله تعالى الذي يُشعر به لفظ الغيرة، وهو ممتنع عنده، وعند ابن العربيّ، ولهذا قال - فيما نقله الحافظ ابن حجر -: التغيّر محال على الله بالدلالة القطعيّة.
والحقّ أن التغيّر من الألفاظ المجملة المبتدَعة في باب صفات الله تعالى؛ إذ لَمْ يَرِد إطلاقه على الله تعالى نفيًا ولا إثباتًا، والواجب في مثل هذا التفصيل، والاستفصال، فمن أراد بالإثبات، أو النفي حقًّا قُبِل، وإن أراد باطلًا رُدّ، فالتغيّر إن أريد به النقص بعد الكمال، أو الكمال بعد النقص، فهو ممتنع على الله - ﷾ -؛ لأنه منزّه عن النقص أزلًا وأبدًا، وإن أريد به التغيّر في أفعاله تبعًا لمشيئته وحكمته، مثل أن يُحبّ، ويُبغض، ويغضب، ويرضي، فذلك من كماله، وتسمية هذا تغيّرًا في ذاته ممنوع وباطلٌ، والأسماء لا تُغيِّر الحقائق، والمعوّل في الإحكام على الحقائق والمعاني، لا على الألفاظ والعبارات. انتهى كلام الشيخ البراك (^٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، فتمسّك به،
_________________
(١) راجع هامش: "الفتح" ١٧/ ٣٨٢ - ٣٨٣ "كتاب التوحيد" رقم (٧٤١٦).
(٢) راجع هامش: "الفتح" ١١/ ٦٦٨ "كتاب النِّكَاح" رقم (٥٢٢٠).
[ ٢٦ / ٤٢٦ ]
فإنه تفصيل لمذهب السلف الذي أشرنا إليه سابقًا، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال في "الفتح": تمسك بتقرير النبيّ - ﷺ - سعدًا على ما قاله مَن أجاز فِعْلَ ما قال سعد، وقال: إن وقع ذلك ذَهَب دم المقتول هَدَرًا، نُقِل ذلك عن ابن الموّاز من المالكية. انتهى، وقد تقدّم بسط ذلك وبيانه قريبًا، فلا تنس نصيبك منه.
(فَوَاللهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ) أي أشدّ غيرةً من سعد بن عبادة - ﵁ - (وَاللهُ أَغْيَرُ مِنِّي، مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ) جمع فاحشة، وهي القبائح؛ كالزنا، ونحوه، قال الفيّوميّ - ﵀ -: فَحُشَ الشيءُ فُحْشًا، مثلُ قَبُح قُبْحًا وزنًا ومعنًى، وفي لغة من باب قتل، وهو فَاحِشٌ، وكلّ شيء جاوز الحدّ فهو فَاحِشٌ، ومنه غَبْنٌ فَاحِشٌ، إذا جاوزت الزيادةُ ما يُعتاد مثلُهُ، وأَفْحَشَ الرجلُ أتى بِالفُحْش، وهو القول السّيّئ، وجاء بِالفَحْشَاءِ مثله، ورماه بالفَاحِشَة، وجمعها فَوَاحِشُ، وأفحش بالألف أيضًا: بَخِلَ، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، قيل: معناه إلَّا أن يزنين، فَيُخْرَجن للحدّ، وقيل: إلَّا أن يرتكبن الفاحشة بالخروج بغير إذن. انتهى (^١).
(مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي من الفواحش (وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ) قال في "الفتح": قال ابن بطال (^٢): أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه شخص؛ لأن التوقيف لَمْ يَرِد به، وقد منعت منه المجسمة، مع قولهم بأنه جسم لا كالأجسام، كذا قال، والمنقول عنهم خلاف ما قال.
وقال الإسماعيليّ: ليس في قوله: "لا شخص أغير من الله" إثبات أن الله شخص، بل هو كما جاء: ما خلق الله أعظم من آية الكرسيّ، فإنه ليس فيه إثبات أن آية الكرسيّ مخلوقة، بل المراد أنَّها أعظم من المخلوقات، وهو كما يقول من يصف امرأة كاملة الفضل، حسنة الخلق: ما في الناس رجل يشبهها، يريد تفضيلها على الرجال، لا أنَّها رجل.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٦٣.
(٢) راجع: "شرح ابن بطال على البخاريّ" ١٠/ ٤٤٢.
[ ٢٦ / ٤٢٧ ]
وقال ابن بطال: اختَلَفت ألفاظ هذا الحديث، فلم يُختَلَف في حديث ابن مسعود أنه بلفظ: "لا أَحَدَ"، فظهر أن لفظ "شخص" جاء موضع"أَحَدٍ"، فكأنه من تصرّف الراوي، ثم قال: على أنه من باب المستثنى من غير جنسه، كقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٨]، وليس الظن من نوع العلم.
قال صاحب الحافظ: وهذا هو المعتمد.
قال الجامع: بل هذا مما لا يُعتمد عليه؛ لمخالفته ظاهر النصوص، ومنهج السلف، فتبصّر.
قال: وقد قرّره ابن فُورك، ومنه أخذه ابن بطال، فقال بعدما تقدّم من التمثيل بقوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾: فالتقديرْ إن الأشخاص الموصوفة بالغيرة لا تبلغ غيرتها، وإن تناهت غيرة الله تعالى، وإن لَمْ يكن شخصًا بوجه.
وأما الخطابيّ فبنى على أن هذا التركيب يقتضي إثبات هذا الوصف لله تعالى، فبالغ في الإنكار، وتخطئة الراوي، فقال: إطلاق الشخص في صفات الله تعالى غير جائز؛ لأنّ الشخص لا يكون إلَّا جسمًا مؤلفًا، فخليقٌ أن لا تكون هذه اللفظة صحيحةً، وأن تكون تصحيفًا من الراوي، ودليل ذلك أن أبا عوانة رَوَى هذا الخبر عن عبد الملك، فلم يذكرها، ووقع في حديث أبي هريرة، وأسماء بنت أبي بكر بلفظ: "شيء"، والشيء والشخص في الوزن سواء، فمن لَمْ يُمْعِنْ في الاستماع، لَمْ يأمن الوهم، وليس كلّ من الرواة يُراعي لفظ الحديث، حتى لا يتعداه، بل كثير منهم يحدّث بالمعنى، وليس كلهم فَهِمًا، بل في كلام بعضهم جفاء، وتعجرف، فلعل لفظ شخص جرى على هذا السبيل، إن لَمْ يكن غَلَطًا من قبيل التصحيف، يعنى السمعيّ، قال: ثم إن عبيد الله بن عمرو انفرد، عن عبد الملك، فلم يتابع عليه، واعتوره الفساد من هذه الأوجه، وقد تلقى هذا عن الخطابيّ أبو بكر بن فورك، فقال: لفظ الشخص غير ثابت من طريق السند، فإن صح فبيانه في الحديث الآخر، وهو قوله: "لا أحد"، فاستَعْمَل الراوي لفظ "شخص" موضع "أَحَدٍ"، ثم ذكر
[ ٢٦ / ٤٢٨ ]
نحو ما تقدّم عن ابن بطال، ومنه أخذ ابن بطال، ثم قال ابن فورك: وإنما مَنَعَنا من إطلاق لفظ الشخص أمور: أحدها: أن اللفظ لَمْ يثبت من طريق السمع، والثاني: الإجماع على المنع منه، والثالث: أن معناه الجسم المؤلف المركب، ثم قال: ومعنى الغيرة: الزجر والتحريم، فالمعنى أن سعدًا الزجور عن المحارم، وأنا أشدّ زجرًا منه، والله أزجر من الجميع. انتهى.
قال الحافظ: وطَعْنُ الخطابيّ، ومن تبعه في السند مبنيّ على تفرد عبيد الله بن عمرو به، وليس كذلك، كما تقدم (^١). وكلامه ظاهر في أنه لَمْ يراجع "صحيح مسلم"، ولا غيره، من الكتب التي وقع فيها هذا اللفظ، من غير رواية عبيد الله بن عمرو.
ورَدُّ الروايات الصحيحة، والطعن في أئمة الحديث الضابطين، مع إمكان توجيه ما رَوَوْا من الأمور التي أقدم عليها كثير من غير أهل الحديث، وقد
_________________
(١) قوله: "كما تقدّم" أراد به ما سبق له في شرح قول البخاريّ - ﵀ -: "وقال عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك: "لا شخص أغير من الله". قال: قوله: "وقال عبيد الله بن عمرو" يعني أن عبيد الله بن عمرو روى الحديث المذكور، عن عبد الملك بالسند المذكور أَوّلًا، فقال: "لا شخص" بدل قوله: "لا أحد"، وقد وصله الدارميّ عن زكريا بن عديّ، عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن ورّاد مولى المغيرة، عن المغيرة، قال: بلغ النبيّ - ﷺ - أن سعد بن عبادة يقول، فذكره بطوله، وساقه أبو عوانة يعقوب الإسفرايني في "صحيحه" عن محمد بن عيسى العطار، عن زكريا بتمامه، وقال في المواضع الثلاثة: "لا شخص"، قال الإسماعيليّ بعد أن أخرجه من طريق عبيد الله بن عمر القواريريّ، وأبي كامل فُضيل بن حُسين الْجَحْدريّ، ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثلاثتهم عن أبي عوانة الوضّاح البصريّ، بالسند الذي أخرجه البخاريّ، لكن قال في المواضع الثلاثة: "لا شخص" بدل "لا أحد"، ثم ساقه من طريق زائدة بن قُدامة، عن عبد الملك كذلك، فكأن هذه اللفظة لَمْ تقع في رواية البخاريّ في حديث أبي عوانة عن عبد الملك، فلذلك علّقها عن عبيد الله بن عمرو. قلت: وقد أخرجه مسلم عن القواريريّ، وأبي كامل كذلك، ومن طريق زائدة أيضًا. انتهى. "الفتح" ١٧/ ٣٨٤ - ٣٨٥ "كتاب التوحيد" رقم (٧٤١٦).
[ ٢٦ / ٤٢٩ ]
يقتضي قصور فهم من فعل ذلك منهم، ومن ثَمّ قال الكرمانيّ: لا حاجة لتخطئة الرواة الثقاة، بل حُكْم هذا حُكْم سائر المتشابهات، إما التفويض، وإما التأويل.
وقال عياض (^١) بعد أن ذكر معنى قوله: "ولا أحد أحبّ إليه العذر من الله": إنه قدَّم الإعذار، والإنذار قبل أخذهم بالعقوبة، وعلى هذا لا يكون في ذكر الشخص ما يُشكل، كذا قال، ولم يتجه أخذ نفي الإشكال مما ذُكر، ثم قال: ويجوز أن يكون لفظ الشخص وقع تجوُّزًا من شيء، أو أحد، كما يجوز إطلاق الشخص على غير الله تعالى، وقد يكون المراد بالشخص: المرتفع؛ لأن الشخص هو ما ظَهَرَ، وشَخَصَ، وارتَفَعَ، فيكون المعنى: لا مرتفع أرفع من الله، كقوله: "لا متعالي أعلى من الله"، قال: ويَحتَمِل أن يكون المعنى: لا ينبغي لشخص أن يكون أغير من الله تعالى، وهو مع ذلك لَمْ يعاجل، ولا بادر بعقوبة عبده؛ لارتكابه ما نهاه عنه، بل حذّره، وأنذره، وأعذر إليه، وأمهله، فينبغي أن يتأدَّب بأدبه، ويَقِف عند أمره ونهيه، وبهذا تظهر مناسبة تعقيبه بقوله: "ولا أحد أحب إليه العذر من الله".
وقال القرطبيّ (^٢): أصل وضع الشخص - يعني في اللغة - لجِرم الإنسان وجسمه، يقال: شَخص فلان وجُثمانه، واستُعمِل في كلّ شيء ظاهر، يقال: شَخَصَ الشيءُ: إذا ظَهَر، وهذا المعنى محالٌ على الله تعالى، فوجب تأويله، فقيل: معناه: لا مرتفع، وقيل: لا شيء، وهو أشبه من الأول، وأوضح منه: لا موجود، أو لا أحد، وهو أحسنها، وقد ثبتٌ في الرواية الأخرى، وكأن لفظ الشخص أُطلق مبالغةً في إثبات إيمان من يتعذر على فهمه موجودٌ لا يشبه شيئًا من الموجودات؛ لئلا يفضي به ذلك إلى النفي والتعطيل، وهو نحو قوله - ﷺ - للجارية: "أين الله؟ " قالت: في السماء، فحكم بإيمانها مخافةَ أن تقع في التعطيل؛ لقصور فهمها عما ينبغي له من تنزيهه، مما يقتضي التشبيه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. انتهى (^٣).
_________________
(١) راجع: "إكمال المعلم" ٥/ ٩٣.
(٢) راجع: "المفهم" ٦/ ٣٠٥.
(٣) "الفتح" ١٧/ ٣٨٥ - ٣٨٧ "كتاب التوحيد" رقم (٧٤١٦).
[ ٢٦ / ٤٣٠ ]
قال الجامع عفا الله عنه: هذا خلاصة ما ذهب إليه المؤوّلون الذين لا يُثبتون صفة الشخص، ولا غيرها لله تعالى على ظاهرها، على مراد الله تعالى، بل يصرفونها إلى ما أرادوا من المعاني حسب أهوائهم المتفرّقة، وآرائهم المتمزّقة، والحقّ، والصواب، كما أسلفناه، هو ما كان عليه السلف المصالح، ومن تبعهم بإحسان، وذلك إثبات هذه الصفات التي وردت في النصوص الصحيحة لله تعالى على ظاهرها، على الوجه اللائق به سبحانه تعالى، من غير تشبيه، ولا تكييف، ولا تمثيل، ومن غير تعطيل، ولا تحريف، ولا تأويل.
وقد أجاد الشيخ البرّاك حين قال في الردّ على هؤلاء المؤوّلة: المنكرون لإطلاق لفظ الشخص على الله تعالى؛ كابن بطّال، والخطّابيّ، وابن فُورك، لَمْ يذكروا لهذا الإنكار دليلًا، إلَّا أن إثبات ذلك عندهم يستلزم أن يكون الله تعالى جسمًا، وهذه عين الشبهة التي نفت بها المعتزلة جميع الصفات، ونفى بها الأشاعرة ما نفوا من الصفات، ومعلوم أن الجسم لَمْ يَرِد في الكتاب والسنّة نفيه، ولا إثباته، وهو لفظ مجمل يَحْتَمِل حقًّا وباطلَا، فلا يجوز إطلاقه على الله تعالى في النفي، ولا في الإثبات، فعُلم أن المنع من إطلاق الشخص على الله تعالى مبنيّ على هذه الشبهة الباطلة التي نُفي بها كثير من الصفات، وهي باطلة، وما بُني عليها باطلٌ، ودعوى الإجماع على منع إطلاق الشخص على الله تعالى، ودعوى التصحيف كلّ ذلك ممنوع، فلا إجماع، ولا تصحيف، ولفظ الشخص يدلّ على الظهور، والارتفاع، والقيام بالنفس، فلو لَمْ يَرِد في الحديث لَمَا صحّ نفيه؛ لعدم الموجب لذلك، بل لو قيل: يصحّ الإخبار به؛ لصحّة معناه، لكان له وجه، وفكيف، وقد ورد في الحديث، ونقله الأئمة، ولم يَرَوْه مُشكلًا، فنقول: إن الله تعالى شخصٌ، لا كالأشخاص، كما نقول مثل ذلك فيما ورد من الأسماء والصفات، والله تعالى أعلم. انتهى كلام البرّاك - جزاه الله خيرًا - وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
(وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ) قال القرطبيّ - ﵀ -: "أحبُّ": مرفوعٌ على أنَّه خبر المبتدأ الذي هو: "العذرُ"، على التقديم والتأخير، وخبر "لا" التبرئة محذوف؛ أي: لا أحد موجودٌ العذر أحبّ إليه من الله، ويمكن فيه
[ ٢٦ / ٤٣١ ]
إعراب آخر، وهذا أوضح. انتهى (^١).
والمعنى: ليس أحدٌ أحبّ إليه الإعذار من الله تعالى، فالعُذر هنا بمعنى الإعذار، والإنذار قبل أخذهم بالعقوبة، ولهذا بعث المرسلين، كما أوضحه بقوله: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ) أي: لأجل إقامة العذر (بَعَثَ اللهُ) أي: أرسل (الْمُرْسَلِينَ) حال كونهم (مُبَشَرِينَ) أي: يُبشّرون من آمن بالله، واتّبع هداه (وَمُنْذِرِينَ) أي: مخوّفين بالعذاب من كفر بالله، واتّبع هواه، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥].
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين" ذلك إشارة إلى العذر، ومعناه: الإعذار للمكلفين، قال بعض أهل المعاني: إنما قال النبيّ - ﷺ -: "لا أحد أغير من الله، ولا أحد أحبُّ إليه العذر من الله" منبِّهًا لسعدٍ، ورادعًا له عن الإقدام على قتل من وَجَدَه مع امرأته، فكأنه قال: إذا كان الله مع شدّة غيرته يُحبُّ الإعذار، ولم يؤاخذ أحدًا إلَّا بعد إنهاء الإعذار، فكيف تُقْدِم على قتل من وجدته على تلك الحال؟! والله أعلم. انتهى (^٢).
(وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللهِ) "الْمِدحة" بكسر الميم: هي المدح بفتحها، وهو الثناء بذكر أوصاف الكمال والإفضال، فإذا ثبتت الهاء كُسرت الميم، وإذا حُذفت فُتحت، وقوله: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الْجَنَّةَ") معناه: لأجل محبته مَدْحَ عباده له وعدهم الجنّة، ورغّبهم فيها، حتى كثُر سؤالهم إياها، وثناؤهم عليه، وقال النوويّ - ﵀ -: معنى"من أجل ذلك وعد الجنّة": أنه لَمَّا وعدها، ورَغَّب فيها، كثُر سؤال العباد إياها، والثناء عليه. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "من أجل ذلك وعد الله الجَنَّة" أي: من سبب حُبِّه للمدح وَعَدَ عليه بالجنَّة، وذِكْرُه المدح مقرونًا مع ذكر الغَيْرة والإعذار تنبيهٌ لسعدٍ على ألا يُعْمِل غيرته، ولا يَعْجَل بمقتضاها، بل يتأنى، ويترفق، ويتثبت؛
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٠٥.
(٢) "المفهم" ٤/ ٣٠٦.
(٣) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٣٢.
[ ٢٦ / ٤٣٢ ]
حتى يحصل على وجه الصواب من ذلك، وعلى كمال الثناء والمدح بالتأني، والرفق، والصبر، وإيثار الحقّ، وقمع النفس عند هَيَجَانها، وغلبتها عند منازلتها، وهذا نحو من قوله - ﷺ -: "ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يَملك نفسه عند الغضب"، والله أعلم. انتهى (^١).
وقال الكلاباذيّ - ﵀ -: ويجوز أن يكون معنى قوله: "لا شخص أغير من الله"؛ أي: لا ينبغي لشخص أن يكون أغير من الله، فمعناه؛ أي: لا يكون العباد الذين هم أشخاص أغير من الله الذي ليس بشخص؛ لأن الله تعالى لا يوصف بالشخص، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ويجوز أن يكون معناه كأنه يقول: ليس من حقّ من يترفّع، ويعظم قدره، ويشرف مرتبته أن يكون لشرفه في الرتبة، وعظم قدره، وترفعه على غيره، وأن يكون أغير من الله تعالى، والله تعالى جليل عظيم، رفيع المكان، وهو على جلالته وكبريائه، وشدته شدة غيرته، يُمهل عباده في مواقعتهم الفواحش، ولا يعاجلهم بالعقوبة عليها، فلا ينبغي لعبد أن يرتفع عن الإمهال، وترك معاجلة العقوبة لغيرته، فيقتل من يواقع الفاحشة، ويأتيها، ولكن يُمْهِل إلى أن تطلق عنه الأمر من الله تعالى في قتله، فإن أطلق الأمر، وإلا مَهُل وتربص، وإن كان شديد الغيرة، وذلك أن سعدًا كان سيد قومه، وشريف قبيلته الخزرج، وسيدها، ورفيع القدر فيها، وجليل الخطر عندها، ومن كان كذلك، فهو أقدر على معاجلة العقوبة، إذ يكاد يخاف تبعتها، والشخص ما ارتفع، ونما، وتزايد، فكأنه يقول: من كان رفعته، وشرفه، وجلالة قدره بالنمو، والتزايد، والارتفاع من حالة الانخفاض، فلا ينبغي أن يجاوز الحدّ الذي حُدّ له، والوقت الذي يجوز له أن يواقع بالعقوبة مواقع الفاحشة، فإن الله أجلّ وأعظم، وأعلى جلالته، وعظمته، وعلوّه، لَمْ يزل، ولا يزال، وغيرته أشد، وهو مع هذا يمهل مُواقِع الفاحشة، ولا يعاجله، فالشخص أولى بترك معاجلة العقوبة، والدليل على هذا التأويل رواية أبي هريرة - ﵁ - يعني المذكور قبل حديث المغيرة - ثم أورده، ثم قال: فدل هذا الحديث على أنه أراد معاجلة العقوبة قبل وقتها لغيرته، ولم يخف التبعة فيها
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٠٦.
[ ٢٦ / ٤٣٣ ]
لشرفه في قومه، فكأن النبيّ - ﷺ - أخبر أنه أغير من سعد، وأشرف، وأبلغ سؤددًا منه، وهو ينتهي إلى الحد في الغيرة، فلا يعاجل بالعقوبة مُواقع الفاحشة قبل وقتها، والله أغير مني وأعلى وأجل، وهو لا يعاجل بالعقوبة، والشخص الذي شرفه وسؤدده من جهة الشخص بالنمو والازدياد لَإلزامه أحق وأولي، ثم الأشخاص وهم المترفعون الأشراف يحبون أن يُعْذَروا من أفعالهم التي يجوز أن يلاموا عليها، فربما يفعلون الفعل الذي يلزمهم اللوم عليه، وهم يحبون أن يُعذروا إلى الناس في أفعالهم لإزالة اللوم عنهم، والتعيير لهم، والنكير ممن فوقهم عليهم، فالله تعالى في جلاله، وعظمته، وكبريائه، وقهره لخلقه يبدي العذر فيما يفعل بخلقه من عدو يهلكه، أو ولي يبليه، فقال في أعدائه: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ٣٣]، وقال: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾ [الزخرف: ٧٦]، وقال: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦]، وأشباهه كثير، وقال في أوليائه: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ [آل عمران: ١٩٥]، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: ١١]، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، فهو ﷻ وعزّ يبدي هذه الأعذار في فعله، وقد بعث الأنبياء ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، ولئلا يقولوا يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧]، وأمثالها كثيرة، فأبدى هذه الأعذار إلى خلقه، وأحب إبداء العذر في فعله مع غناه عن ذلك، إذ لا يلزمه تعالى في فعله لوم، ولا يلحقه تغير، ولا من غيره عليه نكير، ولا حد له فيجاوزه، وهو يفعل ما يفعل في ملكه، وهو حكيم عالم قادر، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يُسال عما يفعل وهم يُسألون وهو تعالى يحب العذر فضلًا منه وكرمًا، وإجلالًا لعذر أوليائه وبرًا بهم، ولطفًا بهم أكثر من محبة الأجلة والأشراف الذين هم أشخاص معلولون، وعباد مربوبون، وهو الجليل العظيم الرب الكريم.
قال: ويجوز أن يكون معناه: أنه يحب العذر من عباده إليه، وهو أن
[ ٢٦ / ٤٣٤ ]
يعتذروا إليه من خباءاتهم، وتقصيرهم، فيغفرها لهم، وبعث المرسلين ليحثّوا على ذلك عباده، وليبلوا أعذار عباده، ويشفعوا لهم، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ - إلى قوله تعالى - ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية [غافر: ٧].
وقوله: "ولا شخص أحب إليه المدح من الله" الأشخاص: وهم المترفعون المتزايدون، يحبون أن يُمدحوا ويثنى عليهم في أوصافهم في أنفسهم وأفعالهم بمكان غيرهم وأوصافهم، فهل غيرهم بهم وأفعالهم بقوة يحدثها فيهم من له العذرة والقوة، وششحق عليهم الثواب منهم في المدح لهم، والثناء عليهم، وربما لَمْ يثنوا لرؤية فضل بدونه فيهم، وهم بحبهم عنه عواري، والله تعالى للمدح أحب، وللثناء عليه أشكر، إذ هو المستحق للمدح، وهو الله تعالى رفيع الأوصاف، جميل الأفعال، وهو المنعم المتفضل، ذو الجلال والجمال، فهو يحب المدح من عباد له، والثناء منهم عليه، والحمد والشكر له ليثيبهم عليه أفضل الثواب، وينعم عليهم بأفضل النعم، وكذلك وعد الجَنَّة ليُمدح بالفضل واللطف والبر؛ لأنه لا يستحق عليه شيئًا، ولا يجب عليه فعل فهو متفضل فيما وعد من الجَنَّة ونعيمها، فأحب أن يُمدح بما يمدح المتفضل الحسن الفعال، الجميل الأوصاف، ووعد أيضًا على المدح له والثناء له والشكر له الجَنَّة وثوابها ونعيمها، وما أعدّ فيها مما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فهو للمدح أشدّ حبًّا من الأشخاص المعلومين، وهو بالمدح أولي، وله أحق، تبارك الله الممدوح في أوصافه، المحمود على أفعاله، المنعم على عباده، المتفضل البر الرءوف. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث المغيرة بن شُعبة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧٥٩ و٣٧٦٠] (١٤٩٩)، و(البخاريّ) في
_________________
(١) "بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخيار" للكلاباذيّ ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥.
[ ٢٦ / ٤٣٥ ]
"الحدود" (٦٨٤٦)، و"التوحيد" (٧٤١٦)، و(أبو داود) (٤٥٣٢ و٤٥٣٣)، و(مالك) في "الموطإ" (٤/ ٧٣٧ و٨٢٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٤٨)، و(عبد الله بن أحمد) في "زوائد المسند" (٤/ ٢٤٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢١٤ - ٢١٥)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ١٥١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٧٧٣)، و(الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (٢٠/ ٩٢٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ١٤٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥/ ١١٠)، والله تعالى أعلم.
وفوائد الحديث، وبقيّة مسائله، تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٦٠] (…) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: غَيْرَ مُصْفَحٍ، وَلَمْ يَقُلْ: عَنْهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ) بن الوليد الجعفيّ الكوفيّ المقريّ، ثقةٌ عابدٌ [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
٢ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: عَنْهُ) يعني أن زائدة لَمْ يذكر في روايته عن عبد الملك بن عُمير لفظة: "عنه"، بل قال: "غير مصفح" فقط، وقد تقدّم اختلاف العلماء في إثباتها، وعدمه، في الحديث الماضي.
[تنبيه]: رواية زائدة بن قُدامة، عن عبد الملك بن عُمير هذه لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ٢٦ / ٤٣٦ ]