وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٦٧] (١٥٠٢) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ فِي الْمَمْلُوكِ بَيْنَ الرَّجُلَيْن، فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمَا قَالَ: "يَضْمَنُ".
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو محمد المعروف ببندار، تقدّم قبل بابين.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قريبًا.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٦ - (النَّضْرُ بْنُ أنسِ) بن مالك الأنصاريّ، أبو مالك البصريّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، وابن عباس، وزيد بن أرقم، وبَشِير بن نَهِيك، وأبي بردة بن أبي موسى.
وروى عنه قتادة، وحميد الطويل، وعلي بن زيد بن جُدْعان، وعاصم الأحول، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان فيمن خرج إلى الجماجم، يقال: مات قبل أخيه موسى، وذكر الطبريّ أنه كان فيمن خرج مع زيد بن المهلَّب أيام خروجه على يزيد بن عبد الملك، وقال ابن سعد: كان ثقةً، له أحاديث، ومات قبل الحسن، وقال العجليّ: بصريّ، تابعيّ، ثقة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١١) حديثًا.
٧ - (بَشِيرُ بْنُ نَهِيكٍ) - بفتح النون، وكسر الهاء، وآخره كاف - السَّدُوسيّ، ويقال: السَّلُوليّ، أبو الشعثاء البصريّ، ثقةٌ [٣].
[ ٢٦ / ٤٧٣ ]
رَوَى عن بشير بن الخصاصية، وأبي هريرة، وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وأبو مِجْلَز، وعبد الملك بن عبيد، وخالد بن سُمير، والنضر بن أنس بن مالك، وغيرهم.
قال العجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه، وذكره خليفة بن خياط في الطبقة الثانية من قراء البصرة، ونقل "صاحب الكمال" عن أبي حاتم قال: تركه يحيى القطان، وهذا وَهَمٌ، وتصحيف، وإنما قال أبو حاتم: روى عنه النضر بن أنس، وأبو مِجْلَز، وبَرَكة، ويحيى بن سعيد، فقوله: "وبركة" هو بالباء الموحدة، وهو أبو الوليد المجاشعيّ، وقال يحيى القطان، عن عمران بن حُدير، عن أبي مِجْلز، عن بَشِير بن نَهِيك، قال: أتيت أبا هريرة بكتابي الذي كتبت عنه، فقرأته عليه، فقلت: هذا سمعته منك؟ قال: نعم، وقال ابن سعد: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ونَقَلَ الترمذيّ في "العلل" عن البخاريّ أنه قال: لم يذكر سماعًا من أبي هريرة، قال الحافظ: وهو مردود بما تقدَّم، وقال الأثرم، عن أحمد: ثقةٌ، قلت له: روى عنه النضر بن أنس، وأبو مِجْلَز، وبركة؟ قال: نعم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
وشرح الحديث يأتي في الحديث التالي، وقوله: "يَضْمَن" سيأتي بيان كيفيّة ضمانه في الرواية التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٦٨] (١٥٠٣) - (وَحَدَّثَني عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أنسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَخَلَاصُهُ فِي مَالِه، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل باب.
[ ٢٦ / ٤٧٤ ]
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة، تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) هو: سعيد بن أبي عَرُوبة مِهْران اليشكريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
شرح الحديث:
(عَنِ النَّضْرِ بْنِ أنَسٍ) وفي رواية البخاريّ من طريق جرير بن حازم: سمعت قتادة، قال: حدّثني النضر بن أنس (عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ) بفتح الموحّدة، وكسر المعجمة، وبفتح النون، وكسر الهاء، وزنًا واحدًا (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا) بكسر الشين المعجمة، وسكون القاف، آخره صاد مهملة: النصيب والجزء، والتشقيص: التجزئة، قاله القرطبيّ (^١)، وقال الفيّوميّ: الشِّقْص: الطائفة من الشيء، والجمع: أشقاص، مثلُ حِمْل وأحمال. انتهى (^٢)، وقال النوويّ: الشِّقْصُ بكسر الشين: النصيب قليلًا كان أو كثيرًا، ويقال له: الشَّقِيص أيضًا بزيادة الياء، ويقال له أيضًا: الشِّرْك، بكسر الشين. انتهى (^٣)، وقوله: (لَهُ) متعلّق بصفة "شِقْصًا"، وقوله: (فِي عَبْدٍ) متعلّق بما تعلّق به الجار قبله (فَخَلَاصُهُ فِي مَالِهِ) يعني أن على المعتِق أن يُخلّص ذلك المملوك من الرّقّ بأداء قيمة نصيب الآخر من ماله (إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ) ظاهره نفي لمطلق المال، وليس هو المراد، وإنما المراد نفي ما يساوي قيمة نصيب الآخر، سوى حوائجه الأصليّة (اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ) ببناء الفعل للمفعول، ومعناه: طولب العبد أن يسعى في قيمة نصيب الآخر.
وقال النوويّ: قال العلماء: معنى الاستسعاء في هذا الحديث أن العبد يُكَلَّف الاكتساب والطلب، حتى تحصل قيمة نصيب الشريك الآخر، فإذا دفعها إليه عَتَقَ، هكذا فسَّره جمهور القائلين بالاستسعاء، وقال بعضهم: هو أن يَخْدُم
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣١٠.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٣١٩.
(٣) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٣٧.
[ ٢٦ / ٤٧٥ ]
سيده الذي لم يُعْتِق بقدر ما له فيه من الرقّ، فعلى هذا تتّفق الأحاديث. انتهى (^١).
(غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ") منصوب على الحال؛ أي: حال كونه غير مكلّف ما يشقّ عليه، يعني أنه لا يقوّم العبد بقيمة غالية يشقّ على العبد السعاية فيها (^٢).
وقال ابن التين: معنى "غير مشقوق عليه": لا يُستغلى عليه في الثمن، وقيل: معناه غير مكاتَب، وهو بعيد جدًّا، وفي ثبوت الاستسعاء حجة على ابن سيرين حيث قال: يَعتِق نصيب الشريك الذي لم يُعتِق من بيت المال، قاله في "الفتح" (^٣).
وقال ابن الأثير ﵀: استسعاء العبد إذا أُعتق بعضه، ورَقّ بعضه هو أن يسعى في فكاك ما بقي من رقّه، فيَعمل، ويَكسب، ويصرف ثمنه إلى مولاه، فسُمّي تصرّفه في كسبه سِعاية. انتهى (^٤).
وقوله: "غير مشقوق عليه"؛ أي: لا يُكلّفه فوق طاقته، وقيل: معناه: استُسعي العبد لسيّده؛ أي: يستخدمه مالك باقيه بقدر ما فيه من الرقّ، ولا يحمله ما لا يقدر عليه، والأول هو الصحيح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٣٧٦٧ و٣٧٦٨ و٣٧٦٩ و٣٧٧٠] (١٥٠٢ و١٥٠٣)، و(البخاريّ) في "الشَّرِكة" (٢٤٩٢) و"العتق" (٢٥٢٧)، و(أبو داود) في "العتق" (٣٩٣٨ و٣٩٣٩)، و(الترمذيّ) في "الأحكام" (١٣٤٨)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٨٥)، و(ابن ماجه) في "العتق" (٢٥٢٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٤٢٢)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٤٦٧)، و(أحمد) في
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٣٦ - ١٣٧.
(٢) "تكملة فتح الملهم" ١/ ٢٧٨.
(٣) "الفتح" ٦/ ٣٥١.
(٤) "النهاية" ٢/ ٣٧٠.
[ ٢٦ / ٤٧٦ ]
"مسنده" (٢/ ٢٥٥ و٤٢٦ و٤٧٢)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ١٦٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٣١٨)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٤/ ١٢٧ و١٢٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٢٦ و٢٢٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٢٨٠ و٢٨١ و٢٨٢ و٢٨٣) و"الصغرى" (٩/ ٢٨٦ و٢٨٧) و"المعرفة" (٧/ ٢٨٩ و٢٩٨)، والله تعالى أعلم،
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن العبد يُستسعى في قيمة الشريك الذي لم يُعتقه إذا كان المعتق له معسرًا، وبهذا قال بعض أهل العلم، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): بيان جواز الشركة في الرقيق.
٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الموسر إذا أعتق نصيبه، من مملوكٍ عَتَقَ كلُّه، قال ابن عبد البر: لا خلاف في أن التقويم، لا يكون إلا على الموسر، ثم اختلفوا في وقت العتق، فقال الجمهور، والشافعي في الأصح، وبعض المالكية: إنه يَعتق في الحال، وقال بعض الشافعية: لو أعتق الشريكُ نصيبه بالتقويم، كان لغوًا، ويَغرَم المعتق حصة نصيبه بالتقويم، وحجتهم رواية أيوب، في الباب، حيث قال: "من أعتق نصيبًا، وكان له من المال ما يبلغ قيمته، فهو عتيق)، وأوضح من ذلك رواية النسائي، وابن حبان، وغيرهما، من طريق سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، بلفظ: "من أعتق عبدًا، وله فيه شركاء، وله وفاءٌ، فهو حر، ويضمن نصيب شركائه بقيمته"، وللطحاوي من طريق ابن أبي ذئب، عن نافع: "فكان للذي يُعتق نصيبه ما يبلغ ثمنه، فهو عتيق كله"، حتى لو أَعسَر الموسر المعتِق بعد ذلك، استمر العتق، وبقي ذلك دَينًا في ذمته، ولو مات أُخذ من تركته، فإن لم يخلُف شيئًا، لم يكن للشريك شيء، واستمر العتق، والمشهور عند المالكية: أنه لا يَعتِق إلا بدفع القيمة، فلو أعتق الشريك قبل أخذ القيمة نفذ عتقه، وهو أحد أقوال الشافعي، وحجتهم رواية سالم عند البخاريّ، حيث قال: "فإن كان موسرًا، قُوّم عليه، ثم يَعتِق".
والجواب أنه لا يلزم من ترتيب العتق على التقويم، ترتيبه على أداء
[ ٢٦ / ٤٧٧ ]
القيمة، فإن التقويم يفيد معرفة القيمة، وأما الدفع فقدر زائد على ذلك.
وأما رواية مالك التي فيها: "فأَعطَى شركاءَهُ حصصهم، وعتق عليه العبد"، فلا تقتضي ترتيبًا؛ لسياقها بالواو.
٤ - (ومنها): أن فيه حجةً على اين سيرين، حيث قال: يَعتِق كله، ويكون نصيب من لم يُعتِق في بيت المال؛ لتصريح الحديث بالتقويم على المعتق.
وعلى ربيعة، حيث قال: لا يَنفُذ عتق الجزء من موسر، ولا معسر، وكأنه لم يثبت عنده الحديث، وعلى بُكير بن الأشج، حيث قال: إن التقويم يكون عند إرادة العتق، لا بعد صدوره.
وعلى أبي حنيفة، حيث قال: يتخير الشريك، بين أن يُقوّم نصيبه على المعتق، أو يُعتِق نصيبه، أو يُستسعَى العبدُ في نصيب الشريك، ويقال: إنه لم يُسبَق إلى ذلك، ولم يتابعه عليه أحد، حتى ولا صاحباه، وطَرْدُ قوله في ذلك، فيما لو أعتق بعضَ عبده، فالجمهور، قالوا: يعتق كله، وقال هو: يُستسعَى العبدُ في قيمة نفسه لمولاه، واستثنى الحنفية، ما إذا أذن الشريك، فقال لشريكه: أعتق نصيبك، قالوا: فلا ضمان فيه.
٥ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن من أتلف شيئًا من الحيوان، فعليه قيمته، لا مثله، ويلتحق بذلك ما لا يكال، ولا يوزن، عند الجمهور.
[تنبيه]: قال ابن بطال ﵀ (^١): قيل: الحكمة في التقويم على الموسر؛ أن تكمل حرية العبد؛ لتتم شهادته وحدوده، قال: والصواب أنها لاستكمال إنقاذ الْمُعتِق من النار، قال الحافظ: وليس القول المذكور مردودًا، بل هو مُحْتَمِلٌ أيضًا، ولعل ذلك أيضًا هو الحكمة في مشروعية الاستسعاء، ذكره في "الفتح" (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم من أعتق نصيبه من عبد مشترك، وهو موسرٌ:
_________________
(١) راجع: "شرح ابن بطال على البخاريّ" ٧/ ٣٧.
(٢) "الفتح" ٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠.
[ ٢٦ / ٤٧٨ ]
قال النوويّ ﵀: من أعتق نصيبه من عبد مشترك قوّم عليه باقيه إذا كان موسرًا بقيمة عدل، سواء كان العبد مسلمًا، أو كافرًا، وسواء كان الشريك مسلمًا أو كافرًا، وسواء كان العتيق عبدًا، أو أمةً، ولا خيار للشريك في هذا، ولا للعبد، ولا للمعتِق، بل ينفذ هذا الحكم، وإن كرهه كلهم؛ مراعاةً لحق الله تعالى في الحرية.
قال: وأجمع العلماء على أن نصيب المعتق يعتق بنفس الإعتاق، إلا ما حكاه القاضي عن ربيعة أنه قال: لا يَعتِق نصيب المعتِق موسرًا كان أو معسرًا، وهذا مذهب باطلٌ، مخالف للأحاديث الصحيحة كلِّها، وللإجماع.
وأما نصيب الشريك فاختلفوا في حكمه إذا كان المعتق موسرًا على ستة مذاهب:
[أحدها]: وهو الصحيح في مذهب الشافعيّ، وبه قال ابن شُبْرُمة، والأوزاعيّ، والثوريّ، وابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وبعض المالكية: أنه عَتَقَ بنفس الإعتاق، ويُقَوَّم عليه نصيب شريكه بقيمته يوم الإعتاق، ويكون ولاء جميعه للمعتِق، وحكمه من حين الإعتاق حكم الأحرار في الميراث، وغيره، وليس للشريك إلا المطالبة بقيمة نصيبه، كما لو قتله، قال هؤلاء: ولو أعسر المعتِق بعد ذلك استمرّ نفوذ العتق، وكانت القيمة دَينًا في ذمته، ولو مات أُخذت من تركته، فإن لم تكن له تركة ضاعت القيمة، واستمرّ عتق جميعه، قالوا: ولو أعتق الشريك نصيبه بعد إعتاق الأول نصيبه، كان إعتاقه لغوًا؛ لأنه قد صار كله حرًّا.
[والمذهب الثاني]: أنه لا يَعتِق إلا بدفع القيمة، وهو المشهور من مذهب مالك، وبه قال أهل الظاهر، وهو قول الشافعيّ.
[والثالث]: - مذهب أبي حنيفة - للشريك الخيار، إن شاء استَسْعَى العبدَ في نصف قيمته، وإن شاء أعتق نصيبه، والولاء بينهما، وإن شاء قَوَّم نصيبه على شريكه المعتِق، ثم يرجع المعتِق بما دفع إلى شريكه على العبد، يستسعيه في ذلك، والولاء كله للمعتِق، قال: والعبد في مدة الكتابة بمنزلة المكاتب في كل أحكامه.
[الرابع]: مذهب عثمان البتيّ: لا شيء على المعتِق، إلا أن تكون جاريةً رائعةً تراد للوطء، فيضمن ما أدخل على شريكه فيها من الضرر.
[ ٢٦ / ٤٧٩ ]
[الخامس]: حكاه ابن سيرين أن القيمة في بيت المال.
[السادس]: محكيّ عن إسحاق ابن راهويه؛ أن هذا الحكم للعبيد، دون الإماء، وهذا القول شاذّ مخالفٌ للعلماء كافّةً، والأقوال الثلاثة قبله فاسدةٌ مخالفةٌ لصريح الأحاديث، فهي مردودة على قائليها. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن المذهب الأول هو الصحيح، كما قال النوويّ ﵀؛ لأنه الموافق لظاهر الحديث، وأما بقيّة الأقوال، فإنها بعيدة عنه، فتأملها بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيما إذا كان المعتق معسرًا:
(اعلم): أنهم اختلفوا أيضًا فيما إذا كان المعتق معسرًا حال الإعتاق على أربعة مذاهب:
[أحدها]: مذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبي عبيد، وموافقيهم: ينفذ العتق في نصيب المعتِق فقط، ولا يطالب المعتَق بشيء، ولا يُستسعى العبد، بل يبقى نصيب الشريك رقيقًا، كما كان، وبهذا قال جمهور علماء الحجاز؛ لحديث ابن عمر - ﵄ -.
[المذهب الثاني]: مذهب ابن شُبْرُمة، والأوزاعيّ، وأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وسائر الكوفيين، وإسحاق: يُستسعى العبد في حصة الشريك، واختَلَف هؤلاء في رجوع العبد بما أدَّى في سعايته على معتِقه، فقال ابن أبي ليلى: يرجع به عليه، وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يرجع، ثم هو عند أبي حنيفة في مدة السعاية بمنزلة المكاتَب، وعند الآخرين: هو حرّ بالسراية.
[المذهب الثالث]: مذهب زفر، وبعض البصريين: أنه يُقَوَّم على المعتِق، ويؤدي القيمة إذا أيسر.
[الرابع]: حكاه القاضي عن بعض العلماء: أنه لو كان المعتِق معسرًا بطل عتقه في نصيبه أيضًا، فيبقى العبد كله رقيقًا، كما كان، قال النوويّ: وهذا مذهب باطلٌ.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٣٧ - ١٣٨.
[ ٢٦ / ٤٨٠ ]
أما إذا ملك الإنسان عبدًا بكماله، فأعتق بعضه، فيعتق كلّه في الحال، بغير استسعاء، هذا مذهب الشافعيّ، ومالك، وأحمد، والعلماء كافّة، وانفرد أبو حنيفة، فقال: يستسعى في بقيته لمولاه، وخالفه أصحابه في ذلك، فقالوا بقول الجمهور، وحَكَى القاضي أنه رُوي عن طاوس، وربيعة، وحماد، ورواية عن الحسن كقول أبي حنيفة، وقاله أهل الظاهر، وعن الشعبيّ، وعبيد الله بن الحسن العنبريّ أن للرجل أن يُعتق من عبده ما شاء، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن مذهب القائلين بالاستسعاء هو الحقّ؛ لصحّة حديث الاستسعاء على الراجح الذي هو مذهب الشيخين، والمحقّقين كما يأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في الجمع بين حديث ابن عمر المتقدّم في الباب الماضي، وبين حديث أبي هريرة - ﵁ - المذكور هنا:
قال الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" ٢/ ٨٩٣: "باب إذا أعتق نصيبًا في عبد، وليس له مال استُسعي العبد، غير مشقوق عليه، على نحو الكتابة"، ثم ساق حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا، ثم قال: تابعه حجاج بن حجاج، وأبان، وموسى بن خلف، عن قتادة … اختصره شعبة. انتهى.
قال في "الفتح": قوله: "باب إذا أعتق نصيبًا في عبد إلخ": أشار البخاري بهذه الترجمة إلى أن المراد بقوله، في حديث ابن عمر: "وإلا فقد عَتَق منه ما عَتَق"؛ أي: وإلا فإن كان المعتِق لا مال له، يبلغ قيمة بقية العبد، فقد تنجّز عتق الجزء الذي كان يملكه، وبقي الجزء الذي لشريكه على ما كان عليه أوّلًا، إلى أن يستسعى العبد في تحصيل القدر الذي يخلص به باقيه من الرِّقّ، إن قوي على ذلك، فإن عَجَّز نفسه، استمرت حصة الشريك موقوفة، وهو مصير منه إلى القول بصحة الحديثين جميعًا، والحكم برفع الزيادتين معًا، وهما قوله في حديث ابن عمر: "وإلا فقد عتق منه ما عتق"، وقد تقدم بيان من
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٣٨ - ١٣٩.
[ ٢٦ / ٤٨١ ]
جزم بأنها من جملة الحديث، وبيان من توقف فيها، أو جزم بأنها من قول نافع، وقوله في حديث أبي هريرة: "فاستُسْعِيَ به، غير مشقوق عليه"، وسيأتي بيان من جزم بأنها من جملة الحديث، ومن توقف فيها، أو جزم بأنها من قول قتادة، قال الحافظ: وقد بيّنت ذلك في كتابي "المدرَج" بأبسط مما هنا، وقد استبعد الإسماعيلي إمكان الجمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة، ومنع الحكم بصحتهما معًا، وجزم بأنهما متدافعان، وقد جمع غيره بينهما بأوجه أُخَر، يأتي بيانها - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: "من أعتق شقيصًا من عبد"، وللإسماعيلي من طريق بشر بن السري، ويحيى بن بكير جميعًا، عن جرير بن حازم، بلفظ: "من أعتق شقصًا من غلام، وكان للذي أعتقه من المال، ما يبلغ قيمة العبد، أُعتق في ماله، وإن لم يكن له مال، استُسْعِي العبدُ، غير مشقوق عليه".
وقوله: "غير مشقوق عليه": قال ابن التين: معناه لا يُستَغْلَى عليه في الثمن، وقيل: معناه غير مكاتب، وهو بعيدٌ جدًّا، وفي ثبوت الاستسعاء حجة على ابن سيرين، حيث قال: يعتق نصيب الشريك الذي لم يُعتِق من بيت المال.
وقال عند قوله: "تابعه حجاج بن حجاج، وأبان، وموسى بن خلف، عن قتادة، واختصره شعبة" ما حاصله: أراد البخاريّ بهذا الردَّ على من زعم أن الاستسعاء في هذا الحديث غير محفوظ، وأن سعيد بن أبي عروبة تفرد به، فاستظهر له برواية جرير بن حازم بموافقته، ثم ذكر ثلاثة تابعوهما على ذكرها:
فأما رواية حجاج، فهو في نسخة: حجاج بن حجاج، عن قتادة، من رواية أحمد بن حفص، أحد شيوخ البخاريّ، عن أبيه، عن إبراهيم بن طهمان، عن حجاج، وفيها ذكر السعاية، ورواه عن قتادة أيضًا حجاج بن أرطاة، أخرجه الطحاويّ.
وأما رواية أبان، فأخرجها أبو داود، والنسائيّ من طريقه، قال: حدثنا قتادة، أخبرنا النضر بن أنس، ولفظه: "فإنّ عليه أن يُعتِق بقيته، إن كان له مال، وإلا استُسعي العبد"، الحديث، ولأبي داود: "فعليه أن يعتقه كله"، والباقي سواء.
[ ٢٦ / ٤٨٢ ]
وأما رواية موسى بن خلف، فوصلها الخطيب في كتاب "الفصل والوصل" من طريق أبي ظَفَر، عبد السلام بن مطهّر عنه، عن قتادة، عن النضر، ولفظه: "من أعتق شِقْصًا له في مملوك، فعليه خلاصه، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال، استُسعي، غير مشقوق عليه". وأما رواية شعبة، فأخرجها مسلم، والنسائي، من طريق غندر عنه، عن قتادة بإسناده، ولفظه: "عن النبيّ - ﷺ -، في المملوك بين الرجلين، فيعتق أحدهما نصيبه، قال: يضمن"، ومن طريق معاذ، عن شعبة، بلفظ: "من أعتق شِقْصًا من مملوك، فهو حُرّ من ماله"، وكذا أخرجه أبو عوانة، من طريق الطيالسيّ، عن شعبة، وأبو داود من طريق رَوْح عن شعبة، بلفظ: "من أعتق مملوكًا، بينه وبين آخر، فعليه خلاصه".
وقد اختصر ذكر السعاية أيضًا هشام الدستوائيّ، عن قتادة، إلا أنه اختُلف عليه في إسناده، فمنهم من ذكر فيه النضر بن أنس، ومنهم من لم يذكره، وأخرجه أبو داود، والنسائيّ بالوجهين، ولفظ أبي داود، والنسائيّ، جميعًا من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه: "من أعتق نصيبًا له في مملوك، عتق من ماله، إن كان له مال"، ولم يُختَلف على هشام في هذا القدر من المتن.
وغفل عبد الحق، فزعم أن هشامًا وشعبة ذكرا الاستسعاء، فوصلاه، وتَعَقّب ذلك عليه ابن الْمَوّاق، فأجاد.
وبالغ ابن العربي، فقال: اتفقوا على أن ذكر الاستسعاء، ليس من قول النبيّ - ﷺ -، وإنما هو من قول قتادة. ونقل الخلال في "العلل" عن أحمد أنه ضعّف رواية سعيد، في الاستسعاء، وضعّفها أيضًا الأثرم، عن سليمان بن حرب، واستند إلى أن فائدة الاستسعاء؛ أن لا يدخل الضرر على الشريك، قال: فلو كان الاستسعاء مشروعًا، للزم أنه لو أعطاه مثلًا، كل شهر درهمين؛ أنه يجوز ذلك، وفي ذلك غاية الضرر على الشريك. انتهى.
وبمثل هذا لا تُرَدّ الأحاديث الصحيحة، قال النسائيّ: بلغني أن همامًا رواه، فجعل هذا الكلام - أي: الاستسعاء - من قول قتادة.
وقال الإسماعيلي: قوله: "ثم استُسْعِيَ العبد"، ليس في الخبر مسندًا، وإنما هو قول قتادة، مدرج في الخبر، على ما رواه همام.
[ ٢٦ / ٤٨٣ ]
وقال ابن المنذر، والخطابيّ: هذا الكلام الأخير من فتيا قتادة، ليس في المتن.
قال الحافظ: ورواية همام قد أخرجها أبو داود، عن محمد بن كثير عنه، عن قتادة، لكنه لم يذكر الاستسعاء أصلًا، ولفظه: "أن رجلًا أعتق شقصًا من غلام، فأجاز النبي - ﷺ - عتقه، وغَرَّمه بقية ثمنه"، نعم رواه عبد الله بن يزيد المقرئ، عن همام، فذكر فيه السعاية، وفصلها من الحديث المرفوع، أخرجه الإسماعيلي، وابن المنذر، والدارقطنيّ، والخطابيّ، والحاكم، في "علوم الحديث"، والبيهقيّ، والخطيب في "الفصل والوصل"، كلهم من طريقه، ولفظُهُ مثل رواية محمد بن كثير سواء، وزاد: "قال: فكان قتادة يقول: إن لم يكن له مال، استُسْعِيَ العبد".
قال الدارقطني: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: ما أحسن ما رواه همام ضَبَطَه، وفَصَل بين قول النبيّ - ﷺ -، وبين قول قتادة.
قال الحافظ: هكذا جزم هؤلاء بأنه مدرج، وأَبىَ ذلك آخرون، منهم: صاحبا "الصحيح"، فصحَّحا كون الجميع مرفوعًا، وهو الذي رجحه ابن دقيق العيد، وجماعة؛ لأن سعيد بن أبي عروبة، أعرَف بحديث قتادة؛ لكثرة ملازمته له، وكثرة أخذه عنه، من همام وغيره، وهشام، وشعبة، وإن كانا أحفظ من سعيد، لكنهما لم ينافيا ما رواه، وإنما اقتصرا من الحديث على بعضه، وليس المجلس متحدًا، حتى يتوقف في زيادة سعيد، فإن ملازمة سعيد لقتادة، كانت أكثر منهما، فسمع منه ما لم يسمعه غيره، وهذا كله لو انفرد، وسعيد لم ينفرد، وقد قال النسائيّ في حديث قتادة، عن أبي المليح، في هذا الباب، بعد أن ساق الاختلاف فيه على قتادة: هشام، وسعيد أثبت في قتادة، من همام.
وما أُعِلّ به حديث سعيد، من كونه اختلط، أو تفرد به مردود؛ لأنه في "الصحيحين"، وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط؛ كيزيد بن زريع، ووافقه عليه أربعة تقدم ذكرهم، وآخرون معهم، لا نطيل بذكرهم، وهمام هو الذي انفرد بالتفصيل، وهو الذي خالف الجميع، في القدر المتفق على رفعه، فإنه جعله واقعة عين، وهم جعلوه حكمًا عامًّا، فدل على أنه لم يضبطه، كما ينبغي.
[ ٢٦ / ٤٨٤ ]
والعجب ممن طعن في رفع الاستسعاء، بكون همام جعله من قول قتادة، ولم يطعن فيما يدل على ترك الاستسعاء، وهو قوله، في حديث ابن عمر، في الباب الماضي: "وإلا فقد عَتَق منه ما عَتَق"، بكون أيوب جعله من قول نافع، كما تقدم شرحه، ففَصَل قول نافع من الحديث، وميّزه كما صنع همام سواءً، فلم يجعلوه مدرجًا، كما جعلوا حديث همام مدرجًا، مع كون يحيى بن سعيد وافق أيوب في ذلك، وهمام لم يوافقه أحد، وقد جزم بكون حديث نافع مدرجًا: محمد بن وضاح وآخرون، والذي يظهر أن الحديثين صحيحان مرفوعان؛ وفاقًا لعمل صاحبي "الصحيح".
وقال ابن المواق: والإنصاف أن لا نُوَهِّم الجماعة بقول واحد، مع احتمال أن يكون سمع قتادةَ يفتي به، فليس بين تحديثه به مرة، وفتياه به أخرى منافاة.
قال الحافظ: ويؤيد ذلك أن البيهقيّ، أخرج من طريق الأوزاعي، عن قتادة أنه أفتى بذلك.
والجمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة - ﵁ - ممكن، بخلاف ما جزم به الإسماعيلي.
قال ابن دقيق العيد: حسبك بما اتفق عليه الشيخان، فإنه أعلى درجات الصحيح، والذين لم يقولوا بالاستسعاء، تعللوا في تضعيفه بتعليلات، لا يمكنهم الوفاء بمثلها، في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها، بأحاديث يَرِدُ عليها مثل تلك التعليلات، وكأن البخاريّ خشي من الطعن في رواية سعيد بن أبي عروبة، فأشار إلى ثبوتها، بإشارات خفية كعادته، فإنه أخرجه من رواية يزيد بن زريع عنه، وهو من أثبت الناس فيه، وسمع منه قبل الاختلاط، ثم استظهر له برواية جرير بن حازم بمتابعته؛ لينفي عنه التفرد، ثم أشار إلى أن غيرهما تابعهما، ثم قال: اختصره شعبة، وكأنه جواب عن سؤال مقدر، وهو أن شعبة: أحفظ الناس لحديث قتادة، فكيف لم يذكر الاستسعاء؟ فأجاب بأن هذا لا يؤثر فيه ضعفًا؛ لأنه أورده مختصرًا، وغيره ساقه بتمامه، والعدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد، والله أعلم.
وقد وقع ذكر الاستسعاء في غير حديث أبي هريرة - ﵁ -، أخرجه الطبراني
[ ٢٦ / ٤٨٥ ]
من حديث جابر - ﵁ -، وأخرجه البيهقيّ من طريق خالد بن أبي قلابة، عن رجل من بني عُذْرة.
وعمدة من ضعّف حديث الاستسعاء في حديث ابن عمر قوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق"، وقد تقدم أنه في حق المعسر، وأن المفهوم من ذلك أن الجزء الذي لشريك المعتق باق على حُكْمِهِ الأول، وليس فيه التصريح بأن يستمر رقيقًا، ولا فيه التصريح بأنه يعتق كله، وقد احتج بعض من ضَعَّف رفع الاستسعاء، بزيادة وقعت في الدارقطنيّ وغيره، من طريق إسماعيل بن أمية وغيره، عن نافع، عن ابن عمر، قال في آخره: "ورَقَّ منه ما بقي"، وفي إسناده إسماعيل بن مرزوق الكعبيّ، وليس بالمشهور، عن يحيى بن أيوب، وفي حفظه شيء عنهم، وعلى تقدير صحتها، فليس فيها أنه يستمرّ رقيقًا، بل هي مقتضى المفهوم من رواية غيره، وحديث الاستسعاء فيه بيان الحكم بعد ذلك، فللذي صحح رفعه أن يقول: معنى الحديثين: أن المعسر إذا أعتق حصته، لم يسْر العتق في حصة شريكه، بل تبقى حصة شريكه على حالها، وهي الرق، ثم يُستسعى في عتق بقيته، فيحصل ثمن الجزء الذي لشريك سيده، ويدفعه إليه، ويَعتق، وجعلوه في ذلك كالمكاتب، وهو الذي جزم به البخاريّ، والذي يظهر أنه في ذلك باختياره؛ لقوله: "غير مشقوق عليه"، فلو كان ذلك على سبيل اللزوم، بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب، حتى يحصل ذلك، لحصل له بذلك غاية المشقة، وهو لا يُلزَم في الكتابة بذلك، عند الجمهور؛ لأنها غير واجبة، فهذه مثلها.
وإلى هذا الجمع مال البيهقيّ، وقال: لا يبقى بين الحديثين معارضة أصلًا، وهو كما قال، إلا أنه يلزم منه أن يبقى الرق في حصة الشريك، إذا لم يختر العبد الاستسعاء، فيعارضه حديث أبي المليح، عن أبيه: أن رجلًا أعتق شقصًا له من غلام، فذكر ذلك للنبيّ - ﷺ -، فقال: "ليس لله شريك"، وفي رواية: "فأجاز عتقه"، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، بإسناد قويّ، وأخرجه أحمد بإسناد حسن، من حديث سمرة - ﵁ -: أن رجلًا أعتق شقصًا له في مملوك، فقال النبيّ - ﷺ -: "هو كله فليس لله شريك".
ويمكن حمله على ما إذا كان المعتق غنيًّا، أو على ما إذا كان جميعه
[ ٢٦ / ٤٨٦ ]
له، فأعتق بعضه، فقد رَوَى أبو داود من طريق مِلْقَام بن التَّلِبّ، عن أبيه: أن رجلًا أعتق نصيبه من مملوك، فلم يضمنه النبيّ - ﷺ -، وإسناده حسن، وهو محمول على المعسر، وإلا لتعارضا.
وجمع بعضهم بطريق أخرى، فقال أبو عبد الملك: المراد بالاستسعاء؛ أن العبد يستمر في حصة الذي لم يُعتق رقيقًا، فيسعى في خدمته بقدر ما له فيه من الرق، قالوا: ومعنى قوله: "غير مشقوق عليه"؛ أي: من وجه سيده المذكور، فلا يكلفه من الخدمة، فوق حصة الرق، لكن يَرُدُّ على هذا الجمع قوله، في الرواية المتقدمة: "واستسعي في قيمته لصاحبه".
واحتج من أبطل الاستسعاء، بحديث عمران بن حصين - ﵄ -، عند مسلم: "أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله - ﷺ -، فجزّأهم أثلاثًا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأَرَقَّ أربعة".
ووجه الدلالة منه؛ أن الاستسعاء لو كان مشروعًا، لَنَجَز من كل واحد منهم عتق ثلثه، وأمره بالاستسعاء في بقية قيمته لورثة الميت.
وأجاب من أثبت الاستسعاء، بأنها واقعة عين، فيَحْتَمِل أن يكون قبل مشروعية الاستسعاء، ويَحْتَمِل أن يكون الاستسعاء مشروعًا إلا في هذه الصورة، وهي ما إذا أعتق جميع ما ليس له أن يعتقه.
وقد أخرج عبد الرزاق بإسناد، رجاله ثقات، عن أبي قلابة، عن رجل من عُذْرة: "أن رجلًا منهم أعتق مملوكًا له عند موته، وليس له مال غيره، فأعتق رسول الله - ﷺ - ثلثه، وأمره أن يسعى في الثلثين"، وهذا يعارض حديث عمران، وطريق الجمع بينهما ممكن.
واحتجوا أيضًا بَما رواه النسائي في "الكبرى" ١٤/ ٤٩٦١ من طريق سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر، بلفظ: "من أعتق عبدًا، وله فيه شركاء، وله وفاء، فهو حرّ، ويضمن نصيب شركائه بقيمته، لما أساء من مشاركتهم، وليس على العبد شيء".
والجواب مع تسليم صحته؛ أنه مختصّ بصورة اليسار؛ لقوله فيه: وله وفاء، والاستسعاء إنما هو في صورة الإعسار، كما تقدم، فلا حجة فيه.
وقد ذهب إلى الأخذ بالاستسعاء، إذا كان المعتق معسرًا، أبو حنيفة،
[ ٢٦ / ٤٨٧ ]
وصاحباه، والأوزاعيّ، والثوريّ، وإسحاق، وأحمد في رواية، وآخرون، ثم اختلفوا، فقال الأكثر: يعتق جميعه في الحال، ويستسعى العبد في تحصيل قيمة نصيب الشريك، وزاد ابن أبي ليلى، فقال: ثم يرجع العبد المعتَق على الأول بما أداه للشريك.
وقال أبو حنيفة وحده: يتخير الشريك بين الاستسعاء، وبين عتق نصيبه، وهذا يدل على أنه لا يعتق عنده ابتداء، إلا النصيب الأول فقط، وهو موافق لما جنح إليه البخاريّ، من أنه يصير كالمكاتب، وقد تقدم توجيهه.
وعن عطاء: يتخير الشريك بين ذلك، وبين إبقاء حصته في الرقّ، وخالف الجميع زفر، فقال: يعتق كله، وتُقَوَّم حصة الشريك، فتؤخذ، إن كان المعتق موسرًا، وترتب في ذمته إن كان معسرًا. انتهى ملخّصًا من "الفتح" (^١)، وهو بحث نفيسٌ جدًّا.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الحقّ ما ذهب إليه الشيخان، ومن قال بقولهم، من صحّة حديث الاستسعاء، وقد أجاد الإمام ابن دقيق العيد في كلامه السابق، حيث قال: حَسْبُك بما اتفق عليه الشيخان، فإنه أعلى درجات الصحيح، والذين لم يقولوا بالاستسعاء، تعللوا في تضعيفه بتعليلات، لا يمكنهم الوفاء بمثلها، في المواضع التي يحتاجون إلى الاستدلال فيها، بأحاديث يَرِدُ عليها مثل تلك التعليلات. انتهى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٧٦٩] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى - يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، بِهَذَا الإسْنَاد، وَزَادَ: "إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ يُسْتَسْعَى فِي نَصِيبِ الّذِي لَمْ يُعْتِقْ، غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ").
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٣٥٠ - ٣٥٦ "كتاب العتق" رقم (٢٥٢٦ - ٢٥٢٧).
[ ٢٦ / ٤٨٨ ]
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) المروزيّ، ثقةُ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
و"سعيد بن أبي عروبة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة هذه ساقها الترمذيّ ﵀ في "جامعه" ٣/ ٦٣٠ فقال:
(١٣٤٨) - حدّثنا عليّ بن خَشْرَم، أخبرنا عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بَشير بن نَهِيك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من أعتق نصيبًا، أو قال: شِقْصًا في مملوك، فخلاصه في ماله، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال قُوِّم قيمةَ عدل، ثم يُستَسْعَى في نصيب الذي لم يُعْتِق، غير مشقوق عليه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أولَ الكتاب قال:
[٣٧٧٠] (…) - (حَدَّثَني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ بِهَذَا الإسْنَاد، بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ أبِي عَرُوبَةَ، وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ: "قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم، أبو عبد الله الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٥.
٣ - (أبُوهُ) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ، في حديثه عن قتادة ضعف [٦] (ت ١٧٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١.
[ ٢٦ / ٤٨٩ ]
[فإن قلت]: كيف أخرج مسلم رواية جرير بن حازم هذه، وقد عرفت أن روايته عن قتادة فيها ضعف؟
[قلت]: إنما أخرج له متابعة، والمتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
و"قتادة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية جرير بن حازم، عن قتادة هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" ٣/ ٢٢٦ فقال:
(٤٧٥٩) - حدّثنا عمار بن رجاء، قثنا (^١) وهب بن جرير، قثنا أبي، قثنا قتادة، عن النضر بن أنس، عن بَشير بن نَهيك، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: "من أعتق شَقِيصًا في مملوك، وكان له من المال ما يبلغ قدر ثمنه، قُوِّم عليه قيمةَ عدل، فأُعتق من ماله، وإلا استُسْعِيَ، غيرَ مشقوق عليه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.