وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٧٣] (١٤٧٢) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنَ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً،
_________________
(١) "سنن البيهقي الكبرى" ٧/ ٣٢٧.
[ ٢٦ / ٥٩ ]
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر - ﵄ - تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤. والباقون ذُكروا في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - أنه (قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) أي: في وقته، فـ "على" بمعنى "في" (وَأَبِي بَكْرٍ) - ﵁ - (وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ) - ﵁ -، وقوله: (طَلَاقُ الثَّلَاثِ) بالرفع بدل من "الطلاقُ"، أو عطف بيان له، وقوله: (وَاحِدَةً) بالنصب على الخبرية لـ "كان"، وإنما أنّثها؛ لملاحظة معنى التطليقة (فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) - ﵁ - (إِنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ) أراد به أمر الطلاق، والجملة بعده صفة له، واستعجالهم له: إيقاعهم الثلاث دفعةً واحدةً (قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيه أنَاةٌ) بفتح الهمزة؛ أي: مُهْلةٌ، وبقيّةُ استمتاع؛ لانتظار المراجعة (فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ) أي: لكان زاجرًا لهم عن هذا الاستعجال (فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ) أي: حكم على من طلّق ثلاثًا بوقوع الثلاث، وألزمه ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٣٦٧٣ و٣٦٧٤ و٣٦٧٥] (١٤٧٢)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢٢٠٠)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٦/ ١٤٥)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦/ ٣٩٢)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣١٤)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٢١٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٥٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٥٣ - ١٥٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١١/ ٢٣)،
[ ٢٦ / ٦٠ ]
و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٤/ ٤٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٣٣٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم الطلاق الثلاث:
قال النوويّ - ﵀ - ما حاصله: اختَلَف العلماء فيمن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا، فقال الشافعيّ، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد، وجماهير العلماء من السلف والخلف: يقع الثلاث، وقال طاوس، وبعض أهل الظاهر: لا يقع بذلك إلا واحدة، وهو رواية عن الحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق، والمشهور عن الحجاج بن أرطاة أنه لا يقع به شيءٌ، وهو قول ابن مقاتل، ورواية عن محمد بن إسحاق.
واحتجّ هؤلاء بحديث ابن عباس هذا، وبأنه وقع في بعض روايات حديث ابن عمر أنه طلق امرأته ثلاثًا في الحيض، ولم يَحتسب به، وبأنه وقع في حديث رُكانة أنه طلَّق امرأته ثلاثًا، وأمره رسول الله - ﷺ - برجعتها.
واحتجّ الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، قالوا: معناه أن المطلِّق قد يَحْدُث له ندم، فلا يمكنه تداركه؛ لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه هذا إلا رجعيًّا فلا يندم.
واحتجوا أيضًا بحديث رُكانة أنه طلق امرأته البتة، فقال له النبيّ - ﷺ -: "ما أردت إلا واحدةً؟ "، قال: والله ما أردت إلا واحدةً، فهذا دليل على أنه لو أراد الثلاث لوقعن، وإلا فلم يكن لتحليفه معنى.
وأما الرواية التي رواها المخالفون أن ركانه طلق ثلاثًا، فجعلها واحدةً، فرواية ضعيفة عن قوم مجهولين، وإنما الصحيح منها ما قدمناه أنه طلقها البتة، ولفظ البتة مُحْتَمِلٌ للواحدة وللثلاث، ولعل صاحب هذه الرواية الضعيفة اعتقد أن لفظ البتة يقتضي الثلاث، فرواه بالمعنى الذي فهمه، وغَلِط في ذلك.
وأما حديث ابن عمر - ﵄ -، فالروايات الصحيحة التي ذكرها مسلم وغيره أنه طلقها واحدةً.
وأما حديث ابن عباس - ﵄ -، فاختَلَف العلماء في جوابه، وتأويله، فالأصح أن معناه أنه كان في أول الأمر إذا قال لها: أنت طالق، أنت طالق،
[ ٢٦ / ٦١ ]
أنت طالق، ولم ينو تأكيدًا، ولا استئنافًا يُحكم بوقوع طلقة؛ لقلة إرادتهم الاستئناف بذلك، فحُمِل على الغالب الذي هو إرادة التأكيد، فلما كان في زمن عمر - ﵁ -، وكثُر استعمال الناس بهذه الصيغة، وغلب منهم إرادة الاستئناف بها، حُمِلت عند الإطلاق على الثلاث؛ عملًا بالغالب السابق إلى الفهم منها في ذلك العصر.
وقيل: المراد أن المعتاد في الزمن الأول كان طلقةً واحدةً، وصار الناس في زمن عمر يوقعون الثلاث دفعةً، فنفذّه عمر، فعلى هذا يكون إخبارًا عن اختلاف عادة الناس، لا عن تغير حكم في مسألة واحدة.
وقد حقّق هذه المسألة الشيخ العلامة الشنقيطي - ﵀ - في "أضوائه" (^١)، وطوّل نَفَسه فيها، فأجاد، وأفاد، وقد أحببت إيراده بطوله؛ لفوائده الغزيرة، وعوائده الكثيرة.
قال - ﵀ -: وقال النوويّ في "شرح مسلم" ما نصّه: واحتَجَّ الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، قالوا: معناه أن المطلِّق قد يَحدُث له ندم، فلا يمكنه تداركه؛ لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه هذا إلا رجعيًّا، فلا يندم. انتهى محل الغرض منه بلفظه.
قال الشيخ - ﵀ -: ومما يؤيد هذا الاستدلال القرءاني ما أخرجه أبو داود بسند صحيح، من طريق مجاهد، قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل، فقال: إنه طلَّق امرأته ثلاثًا، فسكت، حتى ظننت أنه سيردها إليه، فقال: ينطلق أحدكم، فيركب الأُحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، إن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجًا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك.
وأخرج له أبو داود متابعاتٍ عن ابن عباس بنحوه، وهذا تفسير من ابن عباس للآية بأنها يدخل في معناها من يتق الله، ولم يجمع الطلاق في لفظة واحدة، يجعل له مخرجًا بالرجعة، ومن لم يتقه في ذلك بأن جمع الطلقات في
_________________
(١) راجع: "أضواء البيان" ١/ ١٧٥ - ٢٠٦.
[ ٢٦ / ٦٢ ]
لفظ واحد، لم يجعل له مخرجًا؛ لوقوع البينونة بها مجتمعةً، هذا هو معنى كلامه الذي لا يَحْتَمِل غيره، وهو قويّ جدًّا في محل النزاع؛ لأنه مفسِّر به قرءانًا، وهو ترجمان القرءان، وقد قال - ﷺ -: "اللهم علِّمه التأويل"، وعلى هذا القول جلُّ الصحابة، وأكثر العلماء، منهم الأئمة الأربعة، وحَكَى غير واحد عليه الإجماع.
واحتَجّ المخالفون بأربعة أحاديث:
[الأول]: حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عند أحمد، وأبي يعلى، وصححه بعضهم، قال: طلَّق رُكانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فحَزِن عليها حُزْنًا شديدًا، فسأله النبيّ - ﷺ - كيف طلقتها؟ قال: ثلاثًا في مجلس واحد، فقال النبيّ - ﷺ -: "إنما تلك واحدةٌ، فارتَجِعْهَا، إن شئت"، فارتَجَعَهَا.
قال الشيخ - ﵀ -: الاستدلال بهذا الحديث مردود من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه لا دليل فيه البتة على محل النزاع على فرض صحته، لا بدلالة المطابقة، ولا بدلالة التضمن، ولا بدلالة الالتزام؛ لأن لفظ المتن أن الطلقات الثلاث واقعةٌ في مجلس واحد، ولا شك أن كونها في مجلس واحد لا يلزم منه كونها بلفظ واحد، فادّعاء أنها لما كانت في مجلس واحد لا بدّ أن تكون بلفظ واحد في غاية البطلان، كما ترى؛ إذ لم يدلّ كونها في مجلس واحد على كونها بلفظ واحد بنقل، ولا عقل، ولا لغة، كما لا يخفى على أحد، بل الحديث أظهر في كونها ليست بلفظ واحد؛ إذ لو كانت بلفظ واحد لقال: بلفظ واحد، وترك ذكر المجلس؛ إذ لا داعي لترك الأخص، والتعبير بالأعم بلا موجِبٍ، كما ترى.
وبالجملة فهذا الدليل يُقْدَح فيه بالقادح المعروف عند أهل الأصول بـ "القول بالموجَب"، فيقال: سلّمنا أنها في مجلس واحد، ولكن من أين لك أنها بلفظ واحد؟ فافهم، وسترى تمام هذا المبحث - إن شاء الله - في الكلام على حديث طاوس عند مسلم.
الثاني: أن داود بن الحصين الذي هو راوي هذا الحديث عن عكرمة، ليس بثقة في عكرمة، قال ابن حجر في "التقريب": داود بن الحصين الأمويّ
[ ٢٦ / ٦٣ ]
مولاهم، أبو سليمان المدنيّ ثقة إلا في عكرمة، ورُمي برأي الخوارج. انتهى.
وإذا كان غير ثقةٌ في عكرمة كان الحديث المذكور من رواية غير ثقة، مع أنه قدمنا أنه لو كان صحيحًا لما كانت فيه حجة.
الثالث: ما ذكره ابن حجر في "فتح الباري"، فإنه قال فيه ما نصه: الثالث أن أبا داود رجّح أن رُكانة إنما طلق امرأته البتة، كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة، وهو تعليل قويّ؛ لجواز أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث، فقال: طلّقها ثلاثًا، فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس. انتهى منه بلفظه.
يعني حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين المذكور عن عكرمة عن ابن عباس، مع أنا قدّمنا أن الحديث لا دليل فيه أصلًا على محل النزاع، وبما ذكرنا يظهر سقوط الاستدلال بحديث ابن إسحاق المذكور.
[الحديث الثاني]: من الأحاديث الأربعة التي استَدَلّ بها من جعل الثلاث واحدةً، هو ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر - ﵄ - من أنه طلّق امرأته في الحيض ثلاثًا، فاحتُسِب بواحدة، ولا يخفى سقوط هذا الاستدلال؛ لأن الصحيح أنه إنما طلقها واحدةً، كما جاء في الروايات الصحيحة عند مسلم وغيره.
وقال النوويّ في "شرح مسلم"، ما نصه: وأما حديث ابن عمر فالروايات الصحيحة التي ذكرها مسلم وغيره أنه طلقها واحدة.
وقال القرطبيّ في "تفسيره"، ما نصه: والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض.
قال عبد الله: وكان تطليقه إياها في الحيض واحدةً، غير أنه خالف السنّة، وكذلك قال صالح بن كيسان، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية، وليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وابن جريج، وجابر، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر طلق تطليقة واحدة.
وكذا قال الزهريّ عن سالم، عن أبيه، ويونس بن جبير، والشعبيّ، والحسن. انتهى منه بلفظه، فسقوط الاستدلال بحديث ابن عمر في غاية الظهور.
[ ٢٦ / ٦٤ ]
[الحديث الثالث]: من أدلتهم هو ما رواه أبو داود في "سننه": حدّثنا أحمد بن صالح، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني بعض بني أبي رافع، مولى النبيّ - ﷺ -، عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: طلّق عبد يزيد، أبو ركانة وإخوتِهِ أم ركانة، ونَكَحَ امرأة من مُزينة، فجاءت إلى النبيّ - ﷺ -، فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة، لشعرة أخذتها من رأسها، ففَرِّق بيني وبينه، فأخذت النبيَّ - ﷺ - حَمِيّةٌ، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: "أترون فلانًا يشبه منه كذا وكذا - من عبد يزيد - وفلانا يشبه منه كذا وكذا؟ " قالوا: نعم، فقال النبيّ - ﷺ -: "طَلِّقها"، ففعل، فقال: "راجع امرأتك أم ركانة"، فقال: إني طلقتها ثلاثًا يا رسول الله، قال: "قد علمت راجعها"، وتلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١].
قال الشيخ - ﵀ -: والاستدلال بهذا الحديث ظاهر السقوط؛ لأن ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع، وهي رواية عن مجهول، لا يدرى من هو؟ فسقوطها كما ترى، ولا شك أن حديث أبي داود المتقدم أولى بالقبول من هذا الذي لا خلاف في ضعفه.
وقد تقدم أن ذلك فيه أنه طلقها البتة وأن النبيّ - ﷺ - أحلفه ما أراد إلا واحدة، وهو دليل واضح على نفوذ الطلقات المجتمعة، كما تقدم.
[الحديث الرابع]: هو ما أخرجه مسلم في "صحيحه"، ثم أورد حديث الباب: "كان الطلاق على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وسنتين من خلافة عمر طلاقُ الثلاث واحدةً".
وفي رواية: "أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تُجعل واحدةً على عهد النبيّ - ﷺ -، وأبي بكر، وثلاثًا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم".
وفي رواية: "أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هَنَاتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر واحدةً؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم"، هذا لفظ مسلم في "صحيحه".
[ ٢٦ / ٦٥ ]
وهذه الطريق الأخيرة أخرجها أبو داود، ولكن لم يسم إبراهيم بن ميسرة، وقال بدله: عن غير واحد، ولفظ المتن: "أما عَلِمتَ أن الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدةً على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر، قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدةً على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناس، يعني عمر قد تتايعوا فيها، قال: أجيزوهنّ عليهم".
قال: وللجمهور عن حديث ابن عباس هذا عدة أجوبة:
(الأول): أن الثلاث المذكورة فيه التي كانت تُجعل واحدةً ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها واقعة بلفظ واحد، ولفظ طلاق الثلاث لا يلزم منه لغةً ولا عقلًا ولا شرعًا أن تكون بلفظ واحد، فمن قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ثلاث مرات في وقت واحد، فطلاقه هذا طلاق الثلاث؛ لأنه صَرّح بالطلاق فيه ثلاث مرات، وإذا قيل لمن جزم بأن المراد في الحديث إيقاع الثلاث بكلمة واحدة: من أين أخذت كونها بكلمة واحدة، فهل في لفظ من ألفاظ الحديث أنها بكلمة واحدة؟ وهل يمنع إطلاق الطلاق الثلاث على الطلاق بكلمات متعددة؟ فإن قال: لا يقال له: طلاق الثلاث إلا إذا كان بكلمة واحدة فلا شكّ في أن دعواه هذه غير صحيحة، وإن اعترف بالحقّ، وقال: يجوز إطلاقه على ما أُوقع بكلمة واحدة، وعلى ما أوقع بكلمات متعددة، وهو أشدّ بظاهر اللفظ، قيل له: وإذن فجزمك بكونه بكلمة واحدة لا وجه له، وإذا لم يتعين في الحديث كون الثلاث بلفظ واحد سقط الاستدلال به من أصله في محل النزاع.
ومما يدلّ على أنه لا يلزم من لفظ طلاق الثلاث في هذا الحديث كونها بكلمة واحدة، أن الإمام أبا عبد الرحمن النسائيّ مع جلالته، وعلمه، وشدة فهمه ما فهم من هذا الحديث إلا أن المراد بطلاق الثلاث فيه: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، بتفريق الطلقات؛ لأن لفظ الثلاث أظهر في إيقاع الطلاق ثلاث مرات، ولذا ترجم في "سننه" لرواية أبي داود المذكورة في هذا الحديث، فقال: "باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة"، ثم قال:
[ ٢٦ / ٦٦ ]
أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف، قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه؛ أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس - ﵄ -، فقال: يا ابن عباس ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر تردّ إلى الواحدة؟ قال: نعم، فترى هذا الإمام الجليل صرّح بأن طلاق الثلاث في هذا الحديث ليس بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة، ويدل على صحة ما فهمه النسائيّ - ﵀ - من الحديث ما ذكره ابن القيّم في "زاد المعاد" في الردّ على من استدل لوقوع الثلاث دفعة بحديث عائشة - ﵂ -: "أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجت. . ." الحديث، فإنه قال فيه، ما نصه: ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا، فإنه لا يقال: فعل ذلك ثلاثًا، وقال ثلاثًا إلا من فعل، وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم، كما يقال: قذفه ثلاثًا، وشتمه ثلاثًا، وسلّم عليه ثلاثًا. انتهى منه بلفظه.
وهو دليل واضح لصحة ما فهمه أبو عبد الرحمن النسائيّ - ﵀ - من الحديث؛ لأن لفظ الثلاث في جميع رواياته أظهر في أنها طلقات ثلاث واقعة مرة بعد مرة، كما أوضحه ابن القيّم في حديث عائشة - ﵂ - المذكور آنفًا.
وممن قال بأن المراد بالثلاث في حديث طاوس المذكور: الثلاث المفرقة بألفاظ، نحو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ابنُ سريج، فإنه قال: يُشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ، كأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وكانوا أوّلًا على سلامة صدورهم يُقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثر الناس في زمن عمر، وكثر فيهم الخداع ونحوه، مما يمنع قبول من ادعى التأكيد، حَمَل عمرُ اللفظ على ظاهر التكرار، فأمضاه عليهم، قاله ابن حجر في "الفتح"، وقال: إن هذا الجواب ارتضاه القرطبيّ، وقوّاه بقول عمر: إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناةٌ.
وقال النوويّ في "شرح مسلم"، ما نصه: وأما حديث ابن عباس فاختَلَف الناس في جوابه وتأويله، فالأصح أن معناه أنه كان في أول الأمر إذا قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ولم ينو تأكيدًا ولا استئنافًا يُحكَم بوقوع طلقة؛ لقلة إرادتهم الاستئناف بذلك، فحُمِل على الغالب الذي هو إرادة
[ ٢٦ / ٦٧ ]
التأكيد، فلما كان في زمن عمر - ﵁ -، وكثر استعمال الناس لهذه الصيغة، وغلب منهم إرادة الاستئناف بها، حُمِلت عند الإطلاق على الثلاث؛ عملًا بالغالب السابق إلى الفهم في ذلك العصر.
قال الشيخ - ﵀ -: وهذا الوجه لا إشكال فيه؛ لجواز تغير الحال عند تغير القصد؛ لأن الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، وظاهر اللفظ يدل لهذا كما قدمنا.
وعلى كل حال فادعاء الجزم بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد ادعاء خالٍ من دليل، كما رأيت، فليتق الله من تجرأ على عزو ذلك إلى النبيّ - ﷺ - مع أنه ليس في شيء من روايات حديث طاوس كون الثلاث المذكورة بلفظ واحد، ولم يتعيّن ذلك من اللغة، ولا من الشرع، ولا من العقل كما ترى.
قال: ويدل لكون الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد ما تقدّم في حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عند أحمد، وأبي يعلى، من قوله: "طلق امرأته ثلاثًا في مجلس واحد"، وقوله - ﷺ -: "كيف طلقتها؟ " قال: ثلاثًا في مجلس واحد؛ لأن التعبير بلفظ المجلس يُفهم منه أنها ليست بلفظ واحد؛ إذ لو كان اللفظ واحدًا لقال: بلفظ واحد، ولم يحتج إلى ذكر المجلس؛ إذ لا داعي لذكر الوصف الأعم، وترك الأخص بلا موجِبٍ، كما هو ظاهر.
(الجواب الثاني): عن حديث ابن عباس هو أن معنى الحديث: أن الطلاق الواقع في زمن عمر ثلاثًا كان يقع قبل ذلك واحدةً؛ لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلًا، أو يستعملونها نادرًا، وأما في عهد عمر فكثر استعمالهم لها.
ومعنى قوله: "فأمضاه عليهم" على هذا القول: أنه صنع فيه من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله، ورجّح هذا التأويل ابن العربيّ، ونسبه إلى أبي زرعة الرازيّ، وكذا أورده البيهقيّ بإسناده الصحيح إلى أبي زرعة، أنه قال: معنى هذا الحديث عندي: إنما تطلقون أنتم ثلاثًا كانوا يطلقون واحدةً.
قال النوويّ: وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصةً لا عن تغيير الحكم في المسألة الواحدة، وهذا الجواب نقله القرطبيّ في تفسير
[ ٢٦ / ٦٨ ]
قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] عن المحقق القاضي أبي الوليد الباجيّ، والقاضي عبد الوهاب، وإلكيا الطبريّ.
قال الشيخ - ﵀ -: ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسّف، وإن قال به بعض أجلّاء العلماء.
(الجواب الثالث): عن حديث ابن عباس - ﵄ - هو القول بأنه منسوخ، وأن بعض الصحابة لم يطّلع على النسخ إلا في عهد عمر، فقد نَقَل البيهقيّ في "السنن الكبرى" في "باب من جعل الثلاث واحدةً" عن الإمام الشافعيّ - ﵀ - ما نصه: قال الشافعيّ: فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تُحسب على عهد رسول الله - ﷺ - واحدةً، يعني أنه بأمر النبيّ - ﷺ -، فالذي يشبه - والله أعلم - أن يكون ابن عباس عَلِمَ أن كان شيئًا فنُسخ.
فإن قيل: فما دل على ما وصفت؟ قيل: لا يشبه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله - ﷺ - شيئًا ثم يخالفه بشيء لم يعلمه، كان من النبيّ - ﷺ - فيه خلاف، قال الشيخ (^١): ورواية عكرمة، عن ابن عباس قد مضت في النسخ، وفيها تأكيد لصحة هذا التأويل، قال الشافعيّ: فإن قيل: فلعل هذا شيء رُوي عن عمر، فقال فيه ابن عباس بقول عمر - ﵁ -، قيل: قد علمنا أن ابن عباس - ﵄ - يخالف عمر - ﵁ - في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد، وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروي عن النبيّ - ﷺ - فيه خلافه؟ انتهى محل الحاجة من البيهقي بلفظه.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" ما نصه: الجواب الثالث دعوى النسخ، فنقل البيهقيّ عن الشافعيّ أنه قال: يشبه أن يكون ابن عباس عَلِم شيئًا نَسَخ ذلك، قال البيهقيّ: ويقويه ما أخرجه أبو داود، من طريق يزيد النحويّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا طلق امرأته، فهو أحقّ برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا، فنُسخ ذلك، والترجمة التي ذكر تحتها أبو داود الحديث المذكور هي قوله: "باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث".
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩]
_________________
(١) الشيخ هنا هو البيهقيّ، فتنبّه.
[ ٢٦ / ٦٩ ]
بعد أن ساق حديث أبي داود المذكور آنفًا، ما نصه: ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن الحسين به.
وقال ابن أبي حاتم: حدّثنا هارون بن إسحاق، حدّثنا عبدة، يعني ابن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلًا قال لامرأته: لا أطلقك أبدًا، ولا آويك أبدًا، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول الله - ﷺ -، وذكرت له ذلك، فأنزل الله - ﷿ -: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، قال: فاستقبل الناس الطلاق، مَن كان طلَّق، ومن لم يكن طلَّق.
وقد رواه أبو بكر بن مردويه، من طريق محمد بن سليمان، عن يعلى بن شبيب مولى الزبير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، فذكره بنحو ما تقدم.
ورواه الترمذيّ عن قتيبة، عن يعلى بن شبيب به، ثم رواه عن أبي كُريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه مرسلًا، وقال: هذا أصحّ.
ورواه الحاكم في "مستدركه" من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، عن يعلى بن شبيب به، وقال: صحيح الإسناد.
ثم قال ابن مردويه: حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدّثنا إسماعيل بن عبد الله، حدّثنا محمد بن حميد، حدّثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لم يكن للطلاق وقت يطلِّق الرجل امرأته، ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس، فقال: والله لأتركنك، لا أَيِّمًا، ولا ذات زوج، فجعل يطلقها، حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارًا، فأنزل الله - ﷿ -: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فوقّت الطلاق ثلاثًا لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجًا غيره، وهكذا رُوي عن قتادة مرسلًا، ذكره السُّدّيّ، وابن زيد، وابن جرير كذلك، واختار أن هذا تفسير هذه الآية. انتهى من ابن كثير بلفظه.
وفي هذه الروايات دلالة واضحة لنسخ المراجعة بعد الثلاث، وإنكار المازريّ ادعاء النسخ مردود بما رده به الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"، فإنه لما نقل عن المازريّ إنكاره للنسخ من أوجه متعددة، قال بعده،
[ ٢٦ / ٧٠ ]
ما نصّه: قلت: نقل النوويّ هذا الفصل في "شرح مسلم"، وأقرّه، وهو متعقَّبٌ في مواضع:
أحدها: أن الذي ادَّعَى نسخ الحكم لم يقل: إن عمر هو الذي نسخ حتى يلزم منه ما ذُكر، وإنما قال ما تقدم: يُشبه أن يكون عَلِم شيئًا من ذلك نَسَخَ؛ أي: اطلع على ناسخ للحكم الذي رواه مرفوعًا، ولذلك أفتى بخلافه، وقد سَلَّم المازريّ في أثناء كلامه أن إجماعهم يدل على ناسخ، وهذا هو مراد من ادَّعَى النسخ.
الثاني: إنكاره الخروج عن الظاهر عجيبٌ، فإن الذي يحاول الجمع بالتأويل، يرتكب خلاف الظاهر حتمًا.
الثالث: أن تغليطه من قال: المراد ظهور النسخ عجيبٌ أيضًا؛ لأن المراد بظهوره: انتشاره، وكلام ابن عباس أنه كان يُفعل في زمن أبي بكر محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ، فلا يلزم ما ذُكر من إجماعهم على الخطإ. انتهى محل الحاجة من "فتح الباري" بلفظه.
ولا إشكال فيه لأن كثيرًا من الصحابة اطَّلَع على كثير من الأحكام لم يكن يعلمه، وقد وقع ذلك في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فأبو بكر لم يكن عالِمًا بقضاء رسول الله - ﷺ - في ميراث الجدة، حتى أخبره المغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة، وعمر لم يكن عنده علم بقضاء رسول الله - ﷺ - في دية الجنين، حتى أخبره المذكوران قبلُ، ولم يكن عنده علم من أخذ رسول الله - ﷺ - الجزية من مجوس هجر، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف، ولا من الاستئذان ثلاثًا، حتى أخبره أبو موسى الأشعريّ، وأبو سعيد الخدريّ، وعثمان لم يكن عنده علم بأن رسول الله - ﷺ - أوجب السكنى للمتوفى عنها زمن العدة، حتى أخبرته فُريعة بنت مالك، والعباس بن عبد المطلب، وفاطمة الزهراء - ﵄ - لم يكن عندهما علم بأن النبيّ - ﷺ - قال: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث. . ." الحديث، حتى طلبا ميراثهما من رسول الله - ﷺ -، وأمثال هذا كثيرة جدًّا.
وأوضح دليل يزيل الإشكال عن القول بالنسخ المذكور وقوع مثله، واعتراف المخالف به في نكاح المتعة، فإن مسلمًا روى عن جابر - ﵁ - أن متعة النساء كانت تُفعل في عهد النبيّ - ﷺ -، وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر،
[ ٢٦ / ٧١ ]
قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا، وهذا مثل ما وقع في طلاق الثلاث طبقًا "ما أشبه الليلة بالبارحة":
فَإِنْ لَا يَكُنْهَا أَوْ تَكُنْهُ فَإِنَّهُ … أَخُوهَا غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبَانِهَا
فمن الغريب أن يُسَلِّم منصف إمكان النسخ في إحداهما، ويَدَّعِي استحالته في الأخرى، مع أن كلًّا منهما رَوَى مسلم فيها عن صحابيّ جليل؛ أن ذلك الأمر كان يُفعل في زمن النبيّ - ﷺ -، وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، في مسألة تتعلق بالفروج، ثم غَيَّره عمر، ومن أجاز نسخ نكاح المتعة، وأحال نسخ جعل الثلاث واحدةً، يقال له: ما لبائك تَجُرّ، وبائي لا تَجُرّ.
فإن قيل: نكاح المتعة صح النصّ بنسخه، قلنا: قد رأيت الروايات المتقدمة بنسخ المراجعة بعد الثلاث.
وممن جزم بنسخ جعل الثلاث واحدة الإمام أبو داود - ﵀ -، ورأى أن جعلها واحدة إنما هو في الزمن الذي كان يرتجع فيه بعد ثلاث تطليقات وأكثر، قال في "سننه": "باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث"، ثم ساق بسنده حديث ابن عباس قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا، فنُسخ ذلك، وقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩].
وأخرج نحوه النسائيّ، وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد، قال فيه ابن حجر في "التقريب": صدوقٌ يَهِمُ، وروى مالك في "الموطإ" عن هشام بن عروة، عن أبيه؛ أنه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته، ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها، كان ذلك له، وإن طلقها ألف مرة، فعَمَد رجل إلى امرأته، فطلقها، حتى إذا أشرفت على انقضاء عدتها راجعها، ثم قال: لا آويك، ولا أطلقك، فأنزل الله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فاستقبل الناس الطلاق جديدًا من يومئذ، من كان طلّق منهم، أو لم يطلق.
ويؤيد هذا أن عمر - ﵁ - لم ينكر عليه أحد من أصحاب رسول الله - ﷺ - إيقاع الثلاث دفعةً مع كثرتهم، وعلمهم، وورعهم، ويؤيده أن كثيرًا جدًّا من
[ ٢٦ / ٧٢ ]
الصحابة الأجلاء العلماء صح عنهم القول بذلك؛ كابن عباس، وعمر، وابن عمر، وخلق لا يحصى.
والناسخ الذي نسخ المراجعة بعد الثلاث: قال بعض العلماء: إنه قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، كما جاء مبيَّنًا في الروايات المتقدمة.
ولا مانع عقلًا، ولا عادةً من أن يَجهل مثلَ هذا الناسخ كثيرٌ من الناس إلى خلافة عمر - ﵁ -، كما جهل كثير من الناس نكاح المتعة إلى خلافة عمر مع أنه - ﷺ - صرَّح بنسخها، وتحريمها إلى يوم القيامة في غزوة الفتح، وفي حجة الوداع أيضًا، كما جاء في رواية عند مسلم.
ومع أن القرءان دلّ على تحريم غير الزوجة، والسُّرّيّة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، ومعلوم أن المرأة المتمتَّع بها ليست بزوجة، ولا سُرِّيّة.
والذين قالوا بالنسخ قالوا في معنى قول عمر: "إن الناس استعجلوا في أمر، كانت لهم فيه أَنَاةٌ": إن المراد بالأناة أنهم كانوا يتأنّون في الطلاق، فلا يوقعون الثلاث في وقت واحد، ومعنى استعجالهم: أنهم صاروا يوقعونها بلفظ واحد على القول بأن ذلك هو معنى الحديث، وقد قدّمنا أنه لا يتعيّن كونه هو معناه، وإمضاؤه له عليهم إِذَنْ هو اللازم، ولا ينافيه قوله: فلو أمضيناه عليهم، يعني ألزمناهم بمقتضى ما قالوا.
ونظيره قول جابر عند مسلم في نكاح المتعة: "فنهانا عنها عمر"، فظاهر كلّ منهما أنه اجتهاد من عمر، والنسخ ثابت فيهما معًا، كما رأيت، وليست الأناة في المنسوخ، وإنما هي في عدم الاستعجال بإيقاع الثلاث دفعةً.
وعلى القول الأول: إن المراد بالثلاث التي كانت تُجعل واحدة: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فالظاهر في إمضائه لها عليهم أنه من حيث تغيُّر قصدهم، من التأكيد إلى التأسيس، كما تقدم، ولا إشكال في ذلك.
أما كون عمر كان يَعْلَم أن رسول الله - ﷺ - كان يجعل الثلاث بلفظ واحد واحدةً، فتعمّد مخالفة رسول الله - ﷺ -، وجعلها ثلاثًا، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فلا يخفى بُعْده، والعلم عند الله تعالى.
(الجواب الرابع): عن حديث ابن عباس - ﵄ - أن رواية طاوس، عن ابن عباس مخالفةٌ لما رواه عنه الحفاظ من أصحابه، فقد روى عنه لزوم الثلاث
[ ٢٦ / ٧٣ ]
دفعةً: سعيدُ بن جبير، وعطاءُ بن أبي رباح، ومجاهدٌ، وعكرمةُ، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحرث، ومحمد بن إياس بن البكير، ومعاوية بن أبي عياش الأنصاريّ، كما نقله البيهقيّ في "السنن الكبرى"، والقرطبيّ وغيرهما.
وقال البيهقيّ في "السنن الكبرى": إن البخاريّ لم يُخرج هذا الحديث؛ لمخالفة هؤلاء لرواية طاوس، عن ابن عباس.
وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: "كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر - ﵄ - طلاق الثلاث واحدةً"، بأيّ شيء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه، وكذلك نقل عنه ابن منصور، قاله ابن القيّم.
قال الشيخ - ﵀ -: فهذا إمام المحدثين، وسيد المسلمين في عصره الذي تدارك الله به الإسلام بعد ما كاد تتزلزل قواعده، وتغيَّر عقائده، أبو عبد الله أحمد بن حنبل - ﵀ - قال للأثرم، وابن منصور: إنه رَفَضَ حديث ابن عباس قصدًا؛ لأنه يرى عدم الاحتجاج به في لزوم الثلاث بلفظ واحد؛ لرواية الحفاظ عن ابن عباس ما يخالف ذلك.
وهذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاريّ، وهو هو ذكر عنه الحافظ البيهقيّ أنه ترك هذا الحديث عمدًا لذلك الموجِب الذي تركه من أجله الإمام أحمد، ولا شك أنهما ما تركاه إلا لموجِبٍ يقتضي ذلك.
فإن قيل: رواية طاوس في حكم المرفوع، ورواية الجماعة المذكورين موقوفة على ابن عباس، والمرفوع لا يعارض بالموقوف.
فالجواب: أن الصحابيّ إذا خالف ما رَوَى، ففيه للعلماء قولان، وهما روايتان عن أحمد - ﵀ -.
الأولى: أنه لا يُحتج بالحديث؛ لأن أعلم الناس به راويه، وقد ترك العمل به، وهو عدل عارفٌ، وعلى هذه الرواية فلا إشكال.
وعلى الرواية الأخرى التي هي المشهورة عند العلماء: أن العبرة بروايته، لا بقوله، فإنه لا تقدم روايته، إلا إذا كانت صريحة المعنى، أو ظاهرةً فيه ظهورًا يضعف معه احتمال مقابله، أما إذا كانت محتملة لغير ذلك المعنى احتمالًا قويًّا، فإن مخالفة الراوي لما رَوَى تدلّ على أن ذلك المحتمل الذي
[ ٢٦ / ٧٤ ]
تُرك ليس هو معنى ما رَوَى، وقد قدمنا أن لفظ طلاق الثلاث في حديث طاوس المذكور مُحْتَمِلٌ احتمالًا قويًّا لأن تكون الطلقات مفرّقةً، كما جزم به النسائيّ، وصححه النوويّ، والقرطبيّ، وابن سُريج.
فالحاصل أن ترك ابن عباس لجعل الثلاث بفم واحد واحدةً يدلّ على أن معنى الحديث الذي رَوَى ليس كونها بلفظ واحد، كما سترى بيانه في كلام القرطبيّ في "المفهم" في الجواب الذي بعد هذا.
واعلم أن ابن عباس - ﵄ - لم يثبت عنه أنه أفتى في الثلاث بفم واحد أنها واحدةٌ، وما رَوَى عنه أبو داود من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة أن ابن عباس قال: إذا قال: أنت طالق ثلاثًا بفم واحد، فهي واحدةٌ، فهو معارَضٌ بما رواه أبو داود نفسه من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة؛ أن ذلك من قول عكرمة، لا من قول ابن عباس، وترجح رواية إسماعيل بن إبراهيم على رواية حماد بموافقة الحفاظ لإسماعيل في أن ابن عباس يجعلها ثلاثًا لا واحدةً.
(الجواب الخامس): هو ادّعاء ضعفه، وممن حاول تضعيفه ابن العربي المالكيّ، وابن عبد البرّ، والقرطبيّ.
قال ابن العربي المالكيّ: زَلَّ قوم في آخر الزمان، فقالوا: إن الطلاق الثلاث في كلمة لا يلزم، وجعلوه واحدةً، ونسبوه إلى السلف الأول، فحَكَوه عن عليّ، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، وعزوه إلى الحجاج بن أرطاة الضعيف المنزلة المغموز المرتبة، ورووا في ذلك حديثًا ليس له أصل، وغَوَى قوم من أهل المسائل، فتتبعوا الأهواء المبتدعة فيه، وقالوا: إن قوله: أنت طالق ثلاثًا كَذِبٌ؛ لأنه لم يطلق ثلاثًا، كما لو قال: طلقت ثلاثًا، ولم يطلق إلا واحدةً، وكما لو قال: أحلف ثلاثًا كانت يمينًا واحدةً.
ولقد طوَّفتُ في الآفاق، ولقيت من علماء الإسلام، وأرباب المذاهب كل صادق، فما سمعت لهذه المسألة بخبر، ولا أحسست لها بأثر، إلا الشيعة الذين يرون نكاح المتعة جائزًا، ولا يرون الطلاق واقعًا، ولذلك قال فيهم ابن سكرة الهاشميّ:
[ ٢٦ / ٧٥ ]
يَا مَنْ يَرَى الْمُتْعَةَ فِي دِينِهِ … حِلًّا وَإِنْ كَانَتْ بِلَا مَهْرِ
وَلَا يَرَى تِسْعِينَ تَطْلِيقَةً … تَبِينُ مِنْهُ رَبَّةُ الْخِدْرِ
مِنْ هَا هُنَا طَابَتْ مَوَالِيدُكُمْ … فَاغْتَنِمُوهَا يَا بَنِي الْفِطْرِ
وقد اتَّفَق علماء الإسلام، وأرباب الحلّ والعقد في الأحكام، على أن الطلاق الثلاث في كلمة، وإن كان حرامًا في قول بعضهم، وبدعةً في قول الآخرين لازم، وأين هؤلاء البؤساء من عالِم الدين، وعلَم الإسلام، محمد بن إسماعيل البخاريّ، وقد قال في "صحيحه": "باب جواز الطلاق الثلاث"؛ لقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وذكر حديث اللعان، فطلّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله - ﷺ -، ولم يغير عليه النبيّ - ﷺ -، ولا يقرّ على الباطل، ولأنه جَمَع ما فسح له في تفريقه، فألزمته الشريعة حكمه، وما نسبوه إلى الصحابة كَذِبٌ بَحْتٌ، لا أصل له في كتاب، ولا رواية له عن أحد.
وقد أدخل مالك في "موطئه" عن عليّ: أن الحرام ثلاثٌ لازمة في كلمة، فهذا في معناها، فكيف إذا صَرَّح بها؟
وأما حديث الحجاج بن أرطاة فغير مقبول في الملة، ولا عند أحد من الأئمة.
فإن قيل: ففي "صحيح مسلم" عن ابن عباس، وذكر حديث أبي الصهباء المذكور.
قلنا: هذا لا متعلَّق فيه من خمسة أوجه:
الأول: أنه حديث مختلف في صحته، فكيف يُقَدَّم على إجماع الأمة، ولم يُعرف لها في هذه المسألة خلاف، إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين، وقد سبق العصران الكريمان، والاتفاق على لزوم الثلاث، فإن رووا ذلك عن أحد منهم، فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم، نَقْلَ العدل عن العدل، ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبدًا.
الثاني: أن هذا الحديث لم يُرْوَ إلا عن ابن عباس، ولم يرو عنه إلا من طريق طاوس، فكيف يقبل ما لم يروه من الصحابة إلا واحد، وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد؟ وكيف خفي على جميع الصحابة، وسكتوا عنه إلا
[ ٢٦ / ٧٦ ]
ابن عباس؟ وكيف خَفِي على أصحاب ابن عباس إلا طاوس. انتهى محل الغرض من كلام ابن العربيّ.
وقال ابن عبد البرّ: ورواية طاوس وَهَمٌ، وغَلَطٌ، لم يعرِّج عليها أحدٌ من فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق، والمشرق، والمغرب، وقد قيل: إن أبا الصهباء لا يُعرف في موالي ابن عباس.
قال الشيخ الشنقيطيّ - ﵀ -: إن مثل هذا لا يُثبت به تضعيف هذا الحديث؛ لأن الأئمة كمعمر، وابن جريج، وغيرهما رووه عن ابن طاوس، وهو إمام، عن طاوس، عن ابن عباس - ﵄ -، ورواه عن طاوس أيضًا إبرهيم بن ميسرة، وهو ثقةٌ حافظٌ، وانفراد الصحابيّ لا يضرّ، ولو لم يرو عنه أصلًا إلا واحدٌ، كما أشار إليه العراقي في "ألفيته" بقوله:
فَفِي الصَّحِيحِ أَخْرَجَا الْمُسَيِّبَا … وَأَخْرَجَ الْجُعْفِيّ لابْنِ تَغْلِبَا
يعني أن الشيخين أخرجا حديث المسيِّب بن حَزْن، ولم يرو عنه أحد غير ابنه سعيد، وأخرج البخاريّ حديث عمرو بن تَغْلِب النمريّ، ويقال: العبديّ، ولم يرو عنه غير الحسن البصريّ، هذا مراده.
وقد ذكر ابن أبي حاتم أن عمرو بن تَغْلِب روى عنه أيضًا الحكم بن الأعرج، قاله ابن حجر، وابن عبد البرّ، وغيرهما.
والحاصل أن حديث طاوس ثابتٌ في "صحيح مسلم" بسند صحيح، وما كان كذلك، لا يمكن تضعيفه إلا بأمر واضح.
نعم لقائل أن يقول: إن خبر الآحاد إذا كانت الدواعي متوفرةً إلى نقله، ولم ينقله إلا واحد ونحوه، أن ذلك يدل على عدم صحته.
ووجهه أن توفّر الدواعي يلزم منه النقلُ تواترًا، والاشتهارُ، فإن لم يشتهر دلّ على أنه لم يقع؛ لأن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، وهذه قاعدة مقرّرة في الأصول، أشار إليها في "مراقي السعود" بقوله، عاطفًا على ما يُحْكَم فيه بعدم صحة الخبر:
. . . . . . . . . . . … وَخَبَرُ الآحَادِ فِي السَّنِيِّ
حَيْثُ دَوَاعِي نَقْلِهِ تَوَاتُرَا … نَرَى لَهَا لَوْ قَالَهُ تَقَرَّرَا
وجزم بها غير واحد من الأصوليين، وقال صاحب "جمع الجوامع"
[ ٢٦ / ٧٧ ]
عاطفًا على ما يُجزم فيه بعدم صحة الخبر: والمنقول آحادًا فيما تتوفّر الدواعي إلى نقله، خلافًا للرافضة. انتهى منه بلفظه.
ومراده أن مما يُجزم بعدم صحته الخبرُ المنقولُ آحادًا مع توفّر الدواعي إلى نقله.
وقال ابن الحاجب في "مختصره" الأصولي: [مسألة]: إذا انفرد واحد فيما يتوفر الدواعي إلى نقله، وقد شاركه خلق كثير، كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر في مدينة، فهو كاذب قطعًا خلافًا للشيعة. انتهى محل الغرض منه بلفظه.
وفي المسألة مناقشات، وأجوبة عنها معروفة في الأصول.
قال الشيخ - ﵀ -: ولا شك أنه على القول بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد كانت تجعل واحدةً على عهد النبيّ - ﷺ -، وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، ثم إن عمر غَيَّر ما كان عليه رسول الله - ﷺ -، والمسلمون في زمن أبي بكر، وعامة الصحابة، أو جلّهم يعلمون ذلك، فالدواعي إلى نقل ما كان عليه رسول الله - ﷺ -، والمسلمون من بعده متوفِّرة توَفُّرًا لا يمكن إنكاره لأن يُرَدّ بذلك التغيير الذي أحدثه عمر، فسكوت جميع الصحابة عنه، وكون ذلك لم يُنقل منه حرف عن غير ابن عباس يدلّ دلالةً واضحةً على أحد أمرين:
أحدهما: أن حديث طاوس الذي رواه عن ابن عباس ليس معناه أنها بلفظ واحد، بل بثلاثة ألفاظ في وقت واحد، كما قدمنا، وكما جزم به النسائيّ، وصححه النوويّ، والقرطبيّ، وابن سُريج، وعليه فلا إشكال؛ لأن تغيير عمر للحكم مبنيّ على تغيير قصدهم، والنبيّ - ﷺ - قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، فمن قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ونوى التأكيد فواحدةٌ، وإن نوى الاستئناف بكل واحدة فثلاث، واختلاف محامل اللفظ الواحد لاختلاف نيات اللافظين به لا إشكال فيه؛ لقوله - ﷺ -: "وإنما لكل امرئ ما نوى".
والثاني: أن يكون الحديث غير محكوم بصحته؛ لنقله آحادًا مع توفّر الدواعي إلى نقله، والأول أولى، وأخفّ من الثاني.
[ ٢٦ / ٧٨ ]
وقال القرطبيّ في "المفهم" في الكلام على حديث طاوس المذكور: وظاهر سياقه يقتضي عن جميعهم أن معظمهم كانوا يرون ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم، وينتشر، فكيف ينفرد به واحد عن واحد؟ قال: فهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره، إن لم يقتض القطع ببطلانه. انتهى منه بواسطة نقل ابن حجر في "فتح الباري" عنه، وهو قويّ جدًّا بحسب المقرّر في الأصول كما ترى.
(الجواب السادس): عن حديث ابن عباس - ﵄ - هو حمل لفظ الثلاث في الحديث على أن المراد بها البتة، كما قدمنا في حديث رُكانة، وهو من رواية ابن عباس أيضًا، قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" بعد أن ذكر هذا الجواب، ما نصه: وهو قويّ، ويؤيده إدخال البخاريّ في هذا الباب الآثار التي فيها البتة، والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث، كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن البتة إذا أُطلقت حُمِل على الثلاث، إلا إن أراد المطلِّق واحدةً، فيُقبل، فكأن بعض رواته حَمَل لفظ البتة على الثلاث؛ لاشتهار التسوية بينهما، فرواها بلفظ الثلاث، وإنما المراد لفظة البتة، وكانوا في العصر الأول يَقبلون ممن قال: أردت بالبتة واحدةً، فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم. انتهى من "فتح الباري" بلفظه.
وله وجه من النظر، كما لا يخفى، وما يذكره كلٌّ ممن قال بلزوم الثلاث دفعةً، ومن قال بعدم لزومها من الأمور النظرية؛ ليصحح به كلٌّ مذهبه لم نُطِل به الكلام؛ لأن الظاهر سقوط ذلك كله، وأن هذه المسألة إن لم يمكن تحقيقها من جهة النقل، فإنه لا يمكن من جهة العقل، وقياس "أنت طالق ثلاثًا" على أيمان اللعان في أنه لو حلفها بلفظ واحد لم تُجْزِ، قياس مع وجود الفارق؛ لأن من اقتصر على واحدة من الشهادات الأربع المذكورة في آية اللعان أجمع العلماء على أن ذلك كما لو لم يأت بشيء منها أصلًا، بخلاف الطلقات الثلاث، فمن اقتصر على واحدة منها اعتُبِرت إجماعًا، وحصلت بها البينونة بانقضاء العدة إجماعًا.
(الجواب السابع): هو ما ذكره بعضهم من أن حديث طاوس المذكور ليس فيه أن النبيّ - ﷺ - عَلِم بذلك، فأقرّه، والدليل إنما هو فيما عَلِم به وأقرّه، لا فيما لم يَعْلَم فيه.
[ ٢٦ / ٧٩ ]
قال الشيخ - ﵀ -: ولا يخفى ضعف هذا الجواب؛ لأن جماهير المحدثين والأصوليين على أن ما أسنده الصحابيّ إلى عهد النبيّ - ﷺ - له حكم المرفوع، وإن لم يصرح بأنه بلغه - ﷺ -، وأقره.
(الجواب الثامن): أن حديث ابن عباس المذكور في غير المدخول بها خاصّةً؛ لأنه إن قال لها: أنت طالق بانت بمجرد اللفظ، فلو قال: ثلاثًا لم يصادف لفظ الثلاث محلًّا؛ لوقوع البينونة قبلها.
وحجة هذا القول أن بعض الروايات، كرواية أبي داود، جاء فيها التقييد بغير المدخول بها، والمقرر في الأصول هو حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتَّحد الحكم والسبب، كما هنا. قال في "مراقي السعود":
وَحَمْلُ مُطْلَقٍ عَلَى ذَاكَ وَجَبْ … إِنْ فِيهِمَا اتَّحَدَ حُكْمٌ وَالسَّبَبْ
وما ذكره الأُبِّيّ - ﵀ - من أن الإطلاق والتقييد إنما هو في حديثين، أما في حديث واحد من طريقين، فمن زيادة العدل، فمردود بأنه لا دليل عليه، وأنه مخالف لظاهر كلام عامة العلماء، ولا وجه للفرق بينهما.
وما ذكره الشوكانيّ - ﵀ - في "نيل الأوطار" من أن رواية أبي داود التي فيها التقييد بعدم الدخول فرد من أفراد الروايات العامة، وذِكْرُ بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه، لا يظهر؛ لأن هذه المسألة من مسائل المطلق والمقيد، لا من مسائل ذكر بعض أفراد العام، فالروايات التي أخرجها مسلم مطلقة عن قيد عدم الدخول، والرواية التي أخرجها أبو داود مقيدة بعدم الدخول، كما ترى، والمقرر في الأصول حَمْل المطلق على المقيد، ولا سيما إن اتَّحد الحكم والسبب، كما هنا.
نعم لقائل أن يقول: إن كلام ابن عباس في رواية أبي داود المذكورة وارد على سؤال أبي الصهباء، وأبو الصهباء لم يسأل إلا عن غير المدخول بها، فجواب ابن عباس لا مفهوم مخالفة له؛ لأنه إنما خص غير المدخول بها لمطابقة الجواب للسؤال.
وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار دليل الخطاب، أعني مفهوم المخالفة كون الكلام واردًا جوابًا لسؤال؛ لأن تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة السؤال، فلا يتعين كونه لإخراج حكم المفهوم عن المنطوق، وأشار
[ ٢٦ / ٨٠ ]
إليه في "مراقي السعود" في ذكر موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله:
أَوْ جُهِلَ الْحُكْمُ أَوِ النُّطْقُ انْجَلَبْ … لِلسُّؤْلِ أَوْ جَرَى عَلَى الَّذِي غَلَبْ
ومحل الشاهد منه قوله: "أو النطقُ انجلب للسؤل".
وقد قدمنا أن رواية أبي داود المذكورة، عن أيوب السختيانيّ، عن غير واحد، عن طاوس، وهو صريح في أن من روى عنهم أيوب مجهولون، ومن لم يُعرَف من هو؟ لا يصح الحكم بروايته، ولذا قال النوويّ في "شرح مسلم"، ما نصّه: وأما هذه الرواية التي لأبي داود فضعيفة، رواها أيوب عن قوم مجهولين، عن طاوس، عن ابن عباس، فلا يحتج بها، والله أعلم. انتهى منه بلفظه.
وقال المنذريّ في "مختصر سنن أبي داود" بعد أن ساق الحديث المذكور، ما نصه: الرواة عن طاوس مجاهيل. انتهى منه بلفظه.
وضُعفُ رواية أبي داود هذه ظاهر كما ترى؛ للجهل بمن روى عن طاوس فيها.
وقال ابن القيّم في "زاد المعاد" بعد أن ساق لفظ هذه الرواية، ما نصه: وهذا لفظ الحديث، وهو بأصح إسناد (^١). انتهى محل الغرض منه بلفظه.
فانظره مع ما تقدم. هذا ملخص كلام العلماء في هذه المسألة، مع ما فيها من النصوص الشرعية.
قال الشيخ الشنقيطيّ - ﵀ -: الذي يظهر لنا صوابه في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الإمام الشافعيّ - ﵀ -، وهو أن الحق فيها دائر بين أمرين:
أحدهما: أن يكون المراد بحديث طاوس المذكور كون الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد.
الثاني: أنه إن كان معناه أنها بلفظ واحد، فإن ذلك منسوخ، ولم يشتهر العلم بنسخه بين الصحابة، إلا في زمان عمر، كما وقع نظيره في نكاح المتعة.
أما الشافعيّ فقد نقل عنه البيهقيّ في "السنن الكبرى"، ما نصه: فإن كان
_________________
(١) قال الجامع: التقييد بما قبل الدخول لا يصحّ، فإنه أخرجه أبو داود، وقال في إسناده: عن أيوب، عن غير واحد، فشيوخ أيوب مجهولون، فتنبّه.
[ ٢٦ / ٨١ ]
معنى قول ابن عباس: إن الثلاث كانت تُحسَب على عهد النبيّ - ﷺ - واحدةً، يعني أنه بأمر رسول الله - ﷺ -، فالذي يشبه - والله أعلم - أن يكون ابن عباس قد عَلِمَ أن كان شيء فنُسِخ.
فإن قيل: فما دل على ما وصفت؟ قيل: لا يشبه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله - ﷺ - شيئًا، ثم يخالفه بشيء لم يعلمه كان من النبيّ - ﷺ - فيه خلاف.
قال الشيخ (^١): رواية عكرمة، عن ابن عباس قد مضت في النسخ، وفيه تأكيد لصحة هذا التأويل، قال الشافعيّ: فإن قيل: فلعل هذا شيء رُوي عن عمر، فقال فيه ابن عباس بقول عمر - ﵃ -، قيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر - ﵃ - في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يُرْوَى عن النبيّ - ﷺ - فيه خلاف ما قال؟ انتهى محل الغرض منه بلفظه.
ومعناه واضح في أن الحقّ دائر بين الأمرين المذكورين؛ لأن قوله: فإن كان معنى قول ابن عباس. . . الخ يدلّ على أن غير ذلك مُحْتَمِلٌ، وعلى أن المعنى أنها ثلاث بفم واحد، وقد أقر النبيّ - ﷺ - على جعلها واحدةً، فالذي يشبه عنده أن يكون منسوخًا، ونحن نقول: إن الظاهر لنا دوران الحقّ بين الأمرين، كما قال الشافعيّ - ﵀ -: إما أن يكون معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث ليست بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة بنسق واحد، كأنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وهذه الصورة تدخل لغةً في معنى طلاق الثلاث دخولًا لا يمكن نفيه، ولا سيما على الرواية التي أخرجها أبو داود والتي جَزم ابن القيم بأن إسنادها أصح إسناد، فإن لفظها: "أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر، قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد
_________________
(١) المراد بالشيخ هو البيهقيّ - ﵀ -.
[ ٢٦ / ٨٢ ]
تتايعوا فيها، قال: أجيزوهنّ عليهم"، فإن هذه الرواية بلفظ طلقها ثلاثًا، وهو أظهر في كونها متفرقة بثلاثة ألفاظ، كما جزم به ابن القيم في ردّه الاستدلال بحديث عائشة - ﵂ - الثابت في "الصحيح"، فقد قال في "زاد المعاد" ما نصّه: وأما استدلالكم بحديث عائشة أن رجلًا طلق ثلاثًا، فتزوجت، فسئل النبيّ - ﷺ - هل تحل للأول؟ قال: "لا، حتى تذوق العسيلة"، فهذا مما لا ننازعكم فيه، نعم هو حجة على من اكتفى بمجرد عقد الثاني، ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا، فإنه لا يقال: فعل ذلك ثلاثًا، وقال ثلاثًا إلا من فعل، وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم، كما يقال: قذفه ثلاثًا، وشتمه ثلاثًا، وسلّم عليه ثلاثًا. انتهى منه بلفظه.
وقد عرفت أن لفظ رواية أبي داود موافق للفظ عائشة الثابت في "الصحيح" الذي جزم فيه ابن القيم بأنه لا يدل على أن الثلاث بفم واحد، بل دلالته على أنها بألفاظ متفرقة متعينة في جميع لغات الأمم.
وبؤيده أن البيهقيّ في "السنن الكبرى" قال ما نصه: وذهب أبو يحيى الساجيّ إلى أن معناه إذا قال للبكر: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، كانت واحدةً، فغلّظ عليهم عمر - ﵁ -، فجعلها ثلاثًا.
قال الشيخ (^١): ورواية أيوب السختيانيّ تدل على صحة هذا التأويل. انتهى منه بلفظه.
ورواية أيوب المذكورة هي التي أخرجها أبو داود، وهي المطابق لفظها حديث عائشة الذي جزم فيه ابن القيم بأنه لا يدل إلا على أن الطلقات المذكورة ليست بفم واحد، بل واقعة مرة بعد مرة، وهي واضحة جدًّا فيما ذكرنا، ويؤيده أيضًا أن البيهقيّ نقل عن ابن عباس ما يدلّ على أنها إن كانت بألفاظ متتابعة فهي واحدة، وإن كانت بلفظ واحد فهي ثلاث، وهو صريح في محل النزاع مبيِّن أن الثلاث التي تكون واحدة هي المسرودة بألفاظ متعددة؛ لأنها تأكيد للصيغة الأولى.
_________________
(١) هو البيهقيّ - ﵀ -.
[ ٢٦ / ٨٣ ]
ففي "السنن الكبرى" للبيهقيّ، ما نصه: قال الشيخ: ويُشبه أن يكون أراد إذا طلقها ثلاثًا تترى.
روى جابر بن يزيد، عن الشعبيّ، عن ابن عباس - ﵄ - في رجل طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها قال: عقدة كانت بيده أرسلها جميعًا، وإذا كانت تترى فليس بشيء، قال سفيان الثوريّ: تترى يعني أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فإنها تَبِين بالأولى، والثنتان ليستا بشيء، وروي عن عكرمة، عن ابن عباس ما دلّ على ذلك. انتهى منه بلفظه.
فهذه أدلة واضحة على أن الثلاث في حديث طاوس ليست بلفظ واحد، بل مسرودة بألفاظ متفرقة، كما جزم به الإمام النسائيّ - ﵀ -، وصححه النوويّ، والقرطبيّ، وابن سريج، وأبو يحيى الساجيّ، وذكره البيهقيّ، عن الشعبيّ، عن ابن عباس، وعن عكرمة، عن ابن عباس، وتؤيده رواية أيوب التي صححها ابن القيم، كما ذكره البيهقيّ، وأوضحناه آنفًا، مع أنه لا يوجد دليل يعيّن كون الثلاث المذكورة في حديث طاوس المذكور بلفظ واحد، لا من وضع اللغة، ولا من العرف، ولا من الشرع، ولا من العقل؛ لأن روايات حديث طاوس ليس في شيء منها التصريح بأن الثلاث المذكورة واقعة بلفظ واحد، ومجرد لفظ الثلاث، أو طلاق الثلاث، أو الطلاق الثلاث، لا يدل على أنها بلفظ واحد؛ لِصِدْقِ كل تلك العبارات على الثلاث الواقعة بألفاظ متفرقة، كما رأيت، ونحن لا نفرق في هذا بين البرّ والفاجر، ولا بين زمن وزمن، وإنما نفرق بين من نوى التأكيد، ومن نوى التأسيس، والفرق بينهما لا يمكن إنكاره.
ونقول: الذي يظهر أن ما فعله عمر إنما هو لمّا عَلِم من كثرة قَصْد التأسيس في زمنه، بعد أن كان في الزمن الذي قبله قَصْدُ التأكيد هو الأغلب، كما قدمنا، وتغيير معنى اللفظ لتغيُّر قصد اللافظين به لا إشكال فيه، فقوة هذا الوجه، واتجاهه، وجريانه على اللغة، مع عدم إشكال فيه كما ترى، وبالجملة بلفظ (^١) رواية أيوب التي أخرجها أبو داود، وقال ابن القيم: إنها بأصح إسناد
_________________
(١) هكذا النسخة، والظاهر أن صوابه: "فلفظُ رواية أيوب. . . إلخ"، فيكون "لفظُ" مبتدأ خبره قوله: "مطابق. . . إلخ"، فتأمله.
[ ٢٦ / ٨٤ ]
مطابق للفظ حديث عائشة - ﵂ - الثابت في "الصحيحين" الذي فيه التصريح من النبيّ - ﷺ - بأنها لا تحل للأول حتى يذوق عسيلتها الثاني كما ذاقها الأول.
وبه تَعرِف أن جعل الثلاث في حديث عائشة متفرقةً في أوقات متباينة، وجعلها في حديث طاوس بلفظ واحد تفريق لا وجه له، مع اتحاد لفظ المتن في رواية أبي داود، ومع أن القائلين برد الثلاث المجتمعة إلى واحدة لا يجدون فرقًا في المعنى بين رواية أيوب وغيرها من روايات حديث طاوس.
ونحن نقول للقائلين برد الثلاث إلى واحدة: إما أن يكون معنى الثلاث في حديث عائشة وحديث طاوس أنها مجتمعة، أو مفرقة، فإن كانت مجتمعة فحديث عائشة متفقٌ عليه، فهو أولى بالتقديم، وفيه التصريح بأن تلك الثلاث تحرّمها، ولا تحل إلا بعد زوج، وإن كانت متفرقة فلا حجة لكم أصلًا في حديث طاوس على محل النزاع؛ لأن النزاع في خصوص الثلاث بلفظ واحد، أما جعلكم الثلاث في حديث عائشة مفرقةً، وفي حديث طاوس مجتمعةً، فلا وجه له، ولا دليل عليه، ولا سيما أن بعض رواياته مطابق لفظه للفظ حديث عائشة، وأنتم لا ترون فرقًا بين معاني ألفاظ رواياته من جهة كون الثلاث مجتمعة، لا متفرقةً.
وأما على كون معنى حديث طاوس أن الثلاث التي كانت تُجعل واحدة على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر هي المجموعة بلفظ واحد، فإنه على هذا يتعيّن النسخ، كما جزم به أبو داود - ﵀ -، وجزم به ابن حجر في "فتح الباري"، وهو قول الشافعيّ كما قدمنا عنه، وقال به غير واحد من العلماء.
وقد رأيتَ النصوص الدالة على النسخ التي تفيد أن المراد بجعل الثلاث واحدة أنه في الزمن الذي كان لا فرق فيه بين واحدة وثلاث، ولو متفرقة؛ لجواز الرجعة، ولو بعد مائة تطليقة متفرقةً كانت، أو لا، وأن المراد بمن كان يفعله في زمن أبي بكر هو من لم يبلغه النسخ، وفي زمن عمر اشتهر النسخ بين الجميع، وادعاء أن مثل هذا لا يصح يرده بإيضاح وقوع مثله في نكاح المتعة، فإنا قد قدمنا أن مسلمًا روى عن جابر أنها كانت تُفْعَل على عهد النبيّ - ﷺ -، وأبي بكر، وفي بعض من زمن عمر، قال: فنهانا عنها عمر، وهذه الصورة هي التي وقعت في جعل الثلاث واحدة، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما،
[ ٢٦ / ٨٥ ]
فادعاء إمكان إحداهما واستحالة الأخرى في غاية السقوط كما ترى؛ لأن كل واحدة منهما رَوَى فيها مسلم في "صحيحه" عن صحابي جليل أن مسألة تتعلق بالفُروج كانت تفعل في زمن النبيّ - ﷺ -، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر، ثم غيَّر حكمها عمر، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما، وأما غير هذين الأمرين فلا ينبغي أن يقال؛ لأن نسبة عمر بن الخطاب - ﵁ -، وعبد الله بن عباس - ﵄ -، وخَلْق من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلى أنهم تركوا ما جاء به النبيّ - ﷺ -، وجاءوا بما يخالفه من تلقاء أنفسهم عمدًا غير لائق، ومعلوم أنه باطل بلا شك.
وقد حَكَى غير واحد من العلماء أن الصحابة أجمعوا في زمن عمر على نفوذ الطلاق الثلاث دفعةً واحدةً.
والظاهر أن مراد المدعي لهذا الإجماع هو الإجماع السكوتيّ مع أن بعض العلماء ذَكَرَ الخلاف في ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقد قدّمنا كلام أبي بكر بن العربيّ القائل بأن نسبة ذلك إلى بعض الصحابة كذب بَحْتٌ، وأنه لم يثبت عن أحد منهم جعل الثلاث بلفظ واحد واحدةً، وما ذكره بعض أجلاء العلماء من أن عمر إنما أوقع عليهم الثلاث مجتمعة عقوبةً لهم مع أنه يعلم أن ذلك خلاف ما كان عليه رسول الله - ﷺ - والمسلمون في زمن أبي بكر - ﵁ - فالظاهر عدم نهوضه؛ لأن عمر لا يسوغ له أن يحرِّم فرجًا أحله رسول الله - ﷺ -، فلا يصح منه أن يَعْلَم أن رسول الله - ﷺ - يبيح ذلك الفرج بجواز الرجعة، ويتجرأ هو على منعه بالبينونة الكبرى، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية [الحشر: ٧]، ويقول: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، ويقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
والمرويّ عن عمر في عقوبة من فعل ما لا يجوز من الطلاق هو التعزير الشرعيّ المعروف كالضرب، أما تحريم المباح من الفروج فليس من أنواع التعزيرات؛ لأنه يفضي إلى حرمته على من أحله الله له، وإباحته لمن حرمه عليه؛ لأنه إن أُكره على إبانتها، وهي غير بائن في نفس الأمر، لا تحل لغيره؛ لأن زوجها لم يُبِنْها عن طيب نفس، وحكم الحاكم وفتواه لا يحل الحرام في نفس الأمر.
[ ٢٦ / ٨٦ ]
ويدل له حديث أم سلمة المتفق عليه، فإن فيه: "فمن قضيت له فلا يأخذ من حق أخيه شيئًا، فكأنما أقطع له قطعة من نار"، ويشير له قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]؛ لأنه يُفهم منه أنه لو لم يتركها اختيارًا لقضائه وطره منها ما حلت لغيره.
وقد قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"، ما نصه: وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواءً، أعني قول جابر إنها كانت تُفعل في عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا، فالراجح في الموضعين تحريم المتعة، وإيقاع الثلاث؛ للإجماع الذي انعقد في عهد عمر على ذلك.
ولا يُحفظ أن أحدًا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ، وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق، والله أعلم. انتهى منه بلفظه.
وحاصل خلاصة هذه المسألة أن البحث فيها من ثلاث جهات:
الأولى: من جهة دلالة النصّ القوليّ، أو الفعليّ الصريح.
الثانية: من جهة صناعة علم الحديث والأصول.
الثالثة: من جهة أقوال أهل العلم فيها، أما أقوال أهل العلم فيها فلا يخفى أن الأئمة الأربعة وأتباعهم، وجلّ الصحابة، وأكثر العلماء على نفوذ الثلاث دفعة بلفظ واحد، وادَّعى غير واحد على ذلك إجماع الصحابة وغيرهم.
وأما من جهة نصّ صريح من قول النبيّ - ﷺ - أو فعله فلم يثبت من لفظ النبيّ - ﷺ -، ولا من فعله ما يدل على جعل الثلاث واحدةً، وقد مر لك أن أثبت ما رُوي في قصة طلاق رُكانة أنه بلفظ البتة، وأن النبيّ - ﷺ - حلّفه ما أراد إلا واحدةً، ولو كان لا يلزم أكثر من واحدة بلفظ واحد لما كان لتحليفه معنى، وقد جاء في حديث ابن عمر عند الدارقطنيّ أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثًا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: "لا، كانت تَبِين منك، وتكون معصية".
وقد قدّمنا أن في إسناده عطاء الخراسانيّ، وشعيب بن زريق الشاميّ،
[ ٢٦ / ٨٧ ]
وقد قدّمنا أن عطاء المذكور من رجال مسلم، وأن شعيبًا المذكور قال فيه ابن حجر في "التقريب": صدوق يخطئ، وأن حديث ابن عمر هذا يعتضد بما ثبت عن ابن عمر في "الصحيح" من أنه قال: وإن كنت طلقتها ثلاثًا، فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك.
ولا سيما على قول الحاكم: إنه مرفوع، ويعتضد بالحديث المذكور قبله؛ لتحليفه رُكانة، وبحديث الحسن بن علي المتقدم عند البيهقيّ والطبرانيّ، وبحديث سهل بن سعد الساعديّ الثابت في "الصحيح" في لعان عويمر وزوجه، ولا سيما رواية: "فأنفذها رسول الله - ﷺ -" يعني الثلاث المجتمعة، وببقية الأحاديث المتقدمة.
وقد قدمنا أن كثرة طرقها، واختلاف مَنازعها، يدل على أن لها أصلًا، وأن بعضها يشدّ بعضًا، فيصلح المجموع للاحتجاج، ولا سيما أن بعضها صححه بعض العلماء، وحسّنه بعضهم، كحديث رُكانة المتقدم، وقد عرفت أن حديث داود بن الحصين لا دليل فيه على تقدير ثبوته، فإذا حققت أن المرويّ باللفظ الصريح عن النبيّ - ﷺ - ليس يدل إلا على وقوع الثلاث مجتمعة، فاعلم أن كتاب الله ليس فيه شيء يدل على عدم وقوع الثلاث دفعة واحدةً؛ لأنه ليس فيه آية ذكر الثلاث المجتمعة، وبالأحرى آية تصرح بعدم لزومها.
وقد قدّمنا عن النوويّ وغيره أن العلماء استدلوا على وقوع الثلاث دفعة بقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] قالوا: معناه: أن المطلِّق قد يحدث له ندم، فلا يمكنه تداركه؛ لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه إلا رجعيًّا فلا يندم.
وقد قدمنا ما ثبت عن ابن عباس من أنها تلزم مجتمعةً، وأن ذلك داخل في معنى الآية، وهو واضح جدًّا، فاتضح أنه ليس في كتاب الله، ولا في صريح قول النبيّ - ﷺ -، أو فعله ما يدل على عدم وقوع الثلاث.
أما من جهة صناعة علم الحديث والأصول، فما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس المتقدم له حكم الرفع؛ لأن قول الصحابيّ: كان يفعل كذا على عهد النبيّ - ﷺ - له حكم الرفع عند جمهور المحدثين والأصوليين.
[ ٢٦ / ٨٨ ]
وقد علمت أوجه الجواب عنه بإيضاح، ورأيت الروايات المصرحة بنسخ المراجعة بعد الثلاث، وقد قدمنا أن جميع روايات حديث طاوس عن ابن عباس المذكور عند مسلم ليس في شيء منها التصريح بأن الطلقات الثلاث بلفظ واحد، وقد قدمنا أيضًا أن بعض رواياته موافقة للفظ حديث عائشة - ﵂ - الثابت في "الصحيح"، وأنه لا وجه للفرق بينهما، فإن حُمل على أن الثلاث مجموعة، فحديث عائشة أصح، وفيه التصريح بأن تلك المطلقة لا تحل إلا بعد زوج، وإن حُمل على أنها بألفاظ متفرقة، فلا دليل إذن في حديث طاوس، عن ابن عباس على محل النزاع.
[فإن قيل]: أنتم تارة تقولون: إن حديث ابن عباس منسوخ، وتارة تقولون: ليس معناه أنها بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة.
[فالجواب]: أن معنى كلامنا أن الطلقات في حديث طاوس لا يتعين كونها بلفظ واحد، ولو فرضنا أنها بلفظ واحد، فجعلها واحدة منسوخ، هذا هو ما ظهر لنا في هذه المسألة، والله تعالى أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم. انتهى كلام العلامة الشنقيطيّ - ﵀ - في "أضوائه" (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أحسن الشيخ الشنقيطيّ - ﵀ - في تحقيق هذه المسألة، واستوعب البحث فيها من جميع الجوانب، فأجاد وأفاد.
وخلاصته ترجيح مذهب الجمهور في أن من قال لامرأته أنت طالق ثلاثًا تبين منه امرأته، ولا تحلّ له إلا بعد زوج آخر، وقد كنت رجّحت فيما كتبته في "شرح النسائيّ" قول من قال: إنها تقع واحدة، ثم ترجّح لديّ الآن أن مذهب الجمهور هو الصحيح؛ لقوّة حججهم، كما عرفته مما سبق، فللَّه - ﷾ - الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة، وهو أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٧٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْن إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْن عُبَادَةَ، أَخْبَرَنَا ابْن جُرَيْجٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْن رَافِعٍ، وَاللَّفْظُ لهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
_________________
(١) راجع: "أضواء البيان" ١/ ١٧٥ - ٢٠٦.
[ ٢٦ / ٨٩ ]
ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ، قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَتَعْلَمُ أنَّمَا كَانَت الثَّلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً، عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسّان الْقَيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦.
والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين.
والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٦٧٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ؛ أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: هَاتِ مِنْ هَنَاتِكَ، أَلمْ يَكُنْ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَأَبِي بَكْرٍ، وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ، تتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ، فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديّ الواشحيّ البصريّ، قاضي مكة، ثقةٌ إمام حافظٌ [٩] (ت ٢٢٤) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٨.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الطائفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٢/ ١٥٨٢.
والباقون ذُكروا في هذا الباب، والباب الماضي.
وقوله: (هَاتِ مِنْ هَنَاتِكَ) بكسر التاء من "هاتِ"، والمراد بـ "هَنَاتك": أخبارك، وأمورك المستغربة، قاله النوويّ (^١).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٧٢.
[ ٢٦ / ٩٠ ]
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "من هناتك" هي جمع هَنَة، وأصلها أنها كناية عن نكرة، غير أن مقصوده هنا: هات فُتيا من فتاويك المستغربة، أو خبرًا من أخبارك المستكرهة، وهو إشعار باستشناع تلك المقالة عندهم. انتهى (^١).
وقوله: (تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ) قال النوويّ - ﵀ -: هو بياء مثناة من تحتُ بين الألف والعين، هذه رواية الجمهور، وضبطه بعضهم بالموحدة، وهما بمعنى، ومعناه: أكثروا منه، وأسرعوا إليه، لكن بالمثناة إنما يُستعمل في الشرّ، وبالموحدة يُستعمل في الخير والشرّ، فالمثناة هنا أجود. انتهى (^٢).
وقوله: (فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ) هو بمعنى قوله في الرواية الماضية: "فأمضاه عليهم"؛ أي: ألزمهم به، وقضى عليهم بوقوعه.
والحديث تقدّم البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.