وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٣٥] (١٤٣٥) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَن ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرًا يَقُولُ: كَانَت الْيَهُودُ تَقُولُ إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا، كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ الْمُنْكَدِرِ) هو: محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الْهُدَير التيميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
والباقون تقدّموا قبل باب، و"سفيان" هو: ابن عيينة، و"جابر" هو: ابن عبد الله - ﵄ -.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٣٣) من رباعيّات الكتاب، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة الأخذ والأداء منه ومنهم.
٢ - (ومنها): أن فيه جابرًا - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ الْمُنْكَدِرِ) هو محمد، أنه (سَمِعَ جَابِرًا) هو ابن عبد الله بن
[ ٢٥ / ٤٦٣ ]
عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ - (يَقُولُ: كَانَت الْيَهُودُ) القبيلة المشهورة (تَقُولُ إِذَا أَتَى) أي جامع (الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا) أي من جهة دبرها (فِي قُبُلِهَا) أي فرجها، وفي الرواية التالية: "إذا أتيت المرأة من دبرها، فَحَمَلت"، وفي رواية الإسماعيليّ، من طريق يحيى بن أبي زائدة، عن سفيان الثوريّ، بلفظ: "باركةً، مُدبِرةً في فرجها، من ورائها"، وقوله: "فحَمَلت" يدلّ على أن مراده أن الإتيان في الفرج، لا في الدبر (كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ) وفي الرواية التالية: "أن يهود كانت تقول: إذا أُتيت المرأة من دبرها في قبلها، ثم حَمَلت، كان ولدها أحول"، و"الأحول" صفة مشبّهة من حَوِل، قال المجد - ﵀ -: الْحَوَلُ مُحَرَّكَةً: ظهور البياض في موخَّر العين، ويكون السواد من قِبَل الماق، أو إقبال الْحَدَقَة على الأنف، أو ذهاب حَدَقَتها قِبَل مُؤَخَّرها، أو أن تكون العين كأنما تنظر إلى الْحِجَاجِ، أو أن تميل الْحَدَقة إلى اللِّحَاظ، وقد حَوِلَت، وحالت تَحَالُ، واحْوَلَّتْ احْوِلَالًا، ورجلٌ أحَوْلُ، وحَوِلٌ، كَكَتِفٍ، وأحال عينَهُ، وحَوَّلها: صيّرها حَوْلَاء. انتهى (^١).
(فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾) أي محلّ زرعكم الولد، وقال أبو السعود في "تفسيره": أي مواضع حرث لكم، شبّههُنّ بها لما بين ما يُلقَى في أرحامهنّ من النطف، وبين البذور من المشابهة، من حيث إن كلًّا منهما مادّةُ ما يحصل منه، وقال الخازن: حرث لكم: أي مزرع لكم، ومنبت للولد، وهذا على سبيل التشبيه، فجعل فرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالزرع. انتهى (^٢).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ - ﵀ - بعد إيراده أحاديث النهي عن إتيان المرأة في دبرها - ما نصّه: هذه الأحاديث نصّ في إباحة الحال، والهيئات، كلّها، إذا كان الوطء في موضع الحرث، أي كيف شئتم، من خلف، ومن قدام، وباركةً، ومستلقية، ومضطجعةً، فأما الإتيان في غير المأتيّ فما كان مباحًا، ولا يباح، وذِكْرُ الحرث يدلّ على أن الإتيان في غير المأتيّ محرَّمٌ،
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٣/ ٣٤٦.
(٢) راجع: "حاشية الجمل على تفسير الجلالين" ١/ ١٨٠.
[ ٢٥ / ٤٦٤ ]
و﴿حَرْثٌ﴾ تشبيهٌ؛ لأنهن مُزْدَرَعُ الذريّة، فلفظ الحرث يُعطِي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصّة؛ إذ هو المزدرع، وأنشد ثعلب:
إِنَّمَا الأَرْحَامُ أَرْضُو … نَ لَنَا مُحْتَرَثَاتُ
فَعَلَيْنَا الزَّرْعُ فِيهَا … وَعَلَى اللهِ النَّبَاتُ
ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، فالحرث بمعنى المحترَث، ووَحَّدَ الحرث؛ لأنه مصدر، كما يقال: رجلٌ صَوْمٌ، وقَوْمٌ صَوْمٌ. انتهى (^١).
(﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾) أي: محلّه، وهو القُبُل (﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾) أي: كيف شئتم، من قيام، وقعود، واضطجاع، وإقبال، وإدبار، وقال أبو السعود: لما عبّر عنهنّ بالحرث عبّر عن مجامعتهنّ بالإتيان، وهو بيان لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢٠/ ٣٥٣٥ و٣٥٣٦ و٣٥٣٧] (١٤٣٥)، و(البخاريّ) في "التفسير" (٤٥٢٨)، و(أبو داود) (٢١٦٣)، والترمذيّ (٢٩٧٨)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣١٣)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٥٣٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١١٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ١٩٤)، و"الصغرى" (٦/ ١٨٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، قال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: حديث جابر - ﵁ - هذا نصٌّ على أن هذه الآية نزلت بسبب قول اليهود المذكور فيه، وفي كتاب أبي داود عن ابن عبّاس - ﵄ - أنها
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ٣/ ٩٣.
[ ٢٥ / ٤٦٥ ]
نزلت بسبب أن رجلًا من المهاجرين تزوّج أنصاريّةً، فأراد أن يطأها شَرْحًا (^١)، على عادتهم في وطء نسائهم، فأبت إلا على جنب على عادتهنّ، فاختصما إلى النبيّ - ﷺ -، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]؛ أي: مقبلات، ومُدبراتٍ، ومستلقياتٍ، يعني بذلك موضع الولد.
قال القرطبيّ: هذان سببان مختلفان، لا بُعد في نزول الآية جوابًا للفريقين في وقت واحد، أو تكرّر نزول الآية في وقتين مختلفين، كما قد رُوي عن غير واحد من النّقَلة في الفاتحة أنها تكرّر نزولها بمكة والمدينة. انتهى (^٢).
٢ - (ومنها): بيان جواز جماع المرأة من أيّ جهة شاء، مقبلة، أو مدبرةً، أو مستلقية، أو مضطجعة، أو قائمة، أو قاعدة، بشرط كونه في فرجها.
٣ - (ومنها): أن فيه تحريم وطء المرأة في دُبُرها؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾، والحرث محل الزرع، والدبر ليس محل الزرع، فدلّ على الإتيان لا يكون منه، وعلى هذا جمهور أهل العلم، وقد روي عن بعضهم جوازه، وسيأتي مناقشته في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): فيما قال العلماء في معنى هذه الآية الكريمة:
قال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: أي موضع الزرع من المرأة، وهو قُبُلها الذي يُزْرَع فيه المنيّ؛ لابتغاء الولد، ففيه إباحة وطئها في قُبُلها إن شاء من بين يديها، وإن شاء من ورائها، وإن شاء مكبوبة، وأما الدبر فليس هو بحرث، ولا موضع زرع، ومعنى قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: كيف شئتم، واتفق العلماء الذين يُعْتَدّ بهم على تحريم وطء المرأة في دبرها، حائضًا كانت، أو طاهرًا؛ لأحاديثَ كثيرة مشهورة، كحديث:
_________________
(١) يقال: شَرَح فلانٌ زوجته: إذا وطئها مستلقية على قفاها.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٥٦ - ١٥٧.
[ ٢٥ / ٤٦٦ ]
"ملعونٌ مَن أتى امرأة في دبرها"، قال أصحابنا: لا يحل الوطء في الدبر في شيء من الآدميين، ولا غيرهم من الحيوان، في حال من الأحوال، والله أعلم. انتهى (^١).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ - ﵀ - في "تفسيره": قوله تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾: معناه عند الجمهور من الصحابة، والتابعين، وأئمة الفتوى: من أيّ وجه شئتم، مقبلةً، ومدبرةً، كما ذكرنا أنفًا، و"أَنَّى" تجيء سؤالًا، وإخبارًا عن أمر له جهات، فهي أعم في اللغة من "كيف"، ومن "أين"، ومن "متى"، هذا هو الاستعمال العربيّ في "أَنَّى"، وقد فسّر الناس "أَنَّى" في هذه الآية بهذه الألفاظ، وفسّرها سيبويه بـ "كيف"، و"من أين" باجتماعهما.
وذهبت فرقة ممن فسرها بـ "أين" إلى أن الوطء في الدبر مباحٌ، وممن نُسب إليه هذا القول سعيد بن المسيِّب، ونافع، وابن عمر، ومحمد بن كعب القُرَظيّ، وعبد الملك بن الماجشون، وحُكِي ذلك عن مالك في كتاب له يُسَمَّى "كتاب السرّ"، وحُذّاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجلّ من أن يكون له كتاب سرّ، ووقع هذا القول في "الْعُتبية"، وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز هذا القول إلى زُمْرة كبيرة من الصحابة، والتابعين، وإلى مالك من روايات كثيرة، في كتاب "جماع النسوان، وأحكام القرآن".
وقال إِلْكِيا الطبريّ: ورُوي عن محمد بن كعب القرظيّ أنه كان لا يرى بذلك بأسًا، ويتأول فيه قول الله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦]، وقال: فتقديره: تتركون مثل ذلك من أزواجكم، ولو لم يُبَحْ مثل ذلك من الأزواج لَمَا صحّ ذلك، وليس المباح من الموضع الآخر مِثْلًا له حتى يقال: تفعلون ذلك، وتتركون مثله من المباح، قال إلكيا: وهذا فيه نظر؛ إذ معناه: وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما فيه تسكين شهوتكم، ولذة الوقاع حاصلة بهما جميعًا، فيجوز التوبيخ على
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٦.
[ ٢٥ / ٤٦٧ ]
هذا المعنى، وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، مع قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ ما يدلّ على أن في المأتيّ اختصاصًا، وأنه مقصور على موضع الولد.
قال القرطبيّ: هذا هو الحقّ في المسألة، وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر أن العلماء لم يختلفوا في الرَّتْقَاء التي لا يوصل إلى وطئها أنه عيبٌ تُرَدّ به، إلا شيئًا جاء عن عمر بن عبد العزيز، من وجه ليس بالقويّ أنه لا تُرَدّ الرَّتْقَاء، ولا غيرها، والفقهاء كلهم على خلاف ذلك؛ لأن المسيس هو المبتغَى بالنكاح، وفي إجماعهم على هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء، ولو كان موضعًا للوطء ما رُدّت مَن لا يوصل إلى وطئها في الفرج، وفي إجماعهم أيضًا على أن العقيم التي لا تَلِد لا تُرَدّ، والصحيح في هذه المسألة ما بيّناه، وما نُسِب إلى مالك وأصحابه من هذا باطلٌ، وهم مبرءون من ذلك؛ لأن إباحة الإتيان مختصة بموضع الحرث؛ لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾؛ ولأن الحكمة في خلق الأزواج بَثُّ النسل، فغير موضع النسل لا يناله مُلْكُ النكاح، وهذا هو الحقّ.
وقد قال أصحاب أبي حنيفة: إنه عندنا ولائطُ الذَّكَر سواء في الحكم، ولأن القذر والأذى في موضع النجو أكثر من دم الحيض، فكان أشنع، وأما صمام البول، فغير صمام الرحم.
وقال ابن العربيّ في "قبسه": قال لنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين فقيه الوقت، وإمامه: الْفَرْجُ أشبه شيء بخمسة وثلاثين، وأخرج يده عاقدًا بها، وقال: مسلك البول ما تحت الثلاثين، ومسلك الذكر والفرج ما اشتملت عليه الخمسة، وقد حرّم الله تعالى الفرج حال الحيض؛ لأجل النجاسة العارضة، فأولى أن يحرّم الدبر؛ لأجل النجاسة اللازمة، وقال مالك لابن وهب، وعليّ بن زياد لَمّا أخبراه أن ناسًا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل، فقال: كَذَبُوا عليّ، كَذَبُوا عليّ، كَذَبوا عليّ، ثم قال: ألستم قومًا عَرَبًا؟ ألم يقل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾، وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت؟
وما استَدَلَّ به المخالف من أن قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ شامل للمسالك بحكم عمومها، فلا حجة فيها؛ إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة
[ ٢٥ / ٤٦٨ ]
حسان وشهيرة، رواها عن رسول الله - ﷺ - اثنا عشر صحابيًّا، بمُتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الإدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في "مسنده"، وأبو داود، والنسائيّ، والترمذيّ، وغيرهم، وقد جمعها أبو الفرج ابن الجوزيّ بطرقها في جزء سماه "تحريم المحل المكروه"، ولشيخنا أبي العباس (^١) أيضًا في ذلك جزء سمّاه "إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار".
قال القرطبيّ: وهذا هو الحقّ الْمُتَّبَع، والصحيح في المسألة، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يُعَرِّج في هذه النازلة على زَلَّة عالم، بعد أن تصح عنه، وقد حُذِّرنا من زلة العالم، وقد رُوي عن ابن عمر خلاف هذا، وتكفير من فعله، وهذا هو اللائق به - ﵁ -، وكذلك كَذَّب نافع من أخبر عنه بذلك، كما ذكر النسائيّ، وقد تقدم، وأنكر ذلك مالك، واستعظمه، وكَذَّب من نسب ذلك إليه، ورَوَى الدارميّ أبو محمد في "مسنده" عن سعيد بن يسار أبي الْحُبَاب، قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري حين أُحَمِّض بهنّ؟ قال: وما التحميض؟ فذكرت له الدبر، فقال: هل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟.
وأسند عن خزيمة بن ثابت، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "أيها الناس إن الله لا يستحي من الحقّ، لا تأتوا النساء في أعجازهنّ" (^٢)، ومثله عن عليّ بن طلق، وأسند عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: "من أتى امرأة في دبرها، لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة" (^٣)، ورَوَى أبو داود الطيالسيّ في "مسنده"، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن النبيّ - ﷺ - قال: "تلك اللُّوطيّة الصغرى"، يعني إتيان المرأة في دبرها، ورُوي عن طاوس أنه قال: كان بدء عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهنّ.
قال ابن المنذر: وإذا ثبت الشيء عن رسول الله - ﷺ - استُغْنِي به عما سواه. انتهى كلام أبي عبد الله القرطبيّ - ﵀ - (^٤)، وبحثٌ نفيسٌ جدًّا، خلاصته أن جمهور أهل العلم على تحريم وطء النساء في أدبارهنّ، وهو الحقّ؛ لقوّة حجته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) يعني القرطبيّ صاحب "المفهم".
(٢) صححه ابن حبّان.
(٣) صححه ابن حبّان أيضًا.
(٤) "الجامع لأحكام القرآن" ٣/ ٩٣ - ٩٦.
[ ٢٥ / ٤٦٩ ]
(المسألة الخامسة): قال الإمام البخاري - ﵀ - في "صحيحه": بَابُ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾.
(٤٥٢٦) - حَدّثنا إسحاق، أخبرنا النضر بن شُميل، أخبرنا ابن عون، عن نافع، قال: كان ابن عمر - ﵄ - إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عليه يومًا، فقرأ "سورة البقرة" حتى انتهى إلى مكان، قال: تدري فيم أنزلت؟ قلت: لا، قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى.
وعن عبد الصمد (^١): حدّثني أبي، حدّثني أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: يأتيها في. . .، رواه محمد بن يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. انتهى.
قال في "الفتح": قوله: "فأخذت عليه يومًا" أي أمسكت المصحف، وهو يقرأ عن ظهر قلب، وجاء ذلك صريحًا في رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال: قال لي ابن عمر: أمسك عليّ المصحف يا نافع، فقرأ، أخرجه الدارقطنيّ في "غرائب مالك".
وقوله: "حتى انتهى إلى مكان، قال: تدري فيم أنزلت؟ قلت: لا، قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى"، هكذا أورده مُبْهَمًا لمكان الآية، والتفسير، وسأذكر ما فيه بعدُ.
وقوله: "يأتيها في. . ." هكذا وقع في جميع النسخ لم يذكر ما بعد الظرف، وهو المجرور، ووقع في "الجمع بين الصحيحين" للحميديّ: "يأتيها في الفرج"، وهو من عنده بحسب ما فهمه، قال الحافظ: ثم وقفت على سلفه فيه، وهو الْبَرْقانيّ، فرأيت في نسخة الصغانيّ: زاد الْبَرْقانيّ: يعني الفرج، وليس مطابقًا لما في نفس الرواية، عن ابن عمر؛ لما سأذكره، وقد قال أبو بكر ابن العربيّ في "سراج المريدين": أورد البخاريّ هذا الحديث في "التفسير"، فقال: "يأتيها في. . ."، وترك بياضًا، والمسألة مشهورةٌ، صَنَّفَ فيها محمد بن سحنون جزءًا، وصَنَّف فيها محمد بن شعبان كتابًا، وبَيَّنَ أن حديث ابن عمر في إتيان المرأة في دبرها.
_________________
(١) قوله: "وعن عبد الصمد" معطوف على قوله: "أخبرنا النضر بن شميل".
[ ٢٥ / ٤٧٠ ]
وقوله: "رواه محمد بن يحيى بن سعيد" أي القطان، عن أبيه، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، هكذا أعاد الضمير على الذي قبله، والذي قبله قد اختصره، كما ترى، فأما الرواية الأولى، وهي رواية ابن عون، فقد أخرجها إسحاق ابن راهويه في "مسنده"، وفي "تفسيره" بالإسناد المذكور، وقال بدل قوله: "حتى انتهى إلى مكان": "حتى انتهى إلى قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، فقال: أتدرون فيما أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا، قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهنّ".
وهكذا أورده ابن جرير، من طريق إسماعيل ابن علية، عن ابن عون مثله، ومن طريق إسماعيل بن إبراهيم الكرابيسيّ، عن ابن عون نحوه، وأخرجه أبو عبيدة في "فضائل القرآن" عن معاذ، عن ابن عون، فأبهمه، فقال: "في كذا وكذا".
وأما رواية عبد الصمد، فأخرجها ابن جرير في "التفسير" عن أبي قلابة الرقاشيّ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، حدّثني أبي، فذكره، بلفظ: "يأتيها في الدبر"، وهو يؤيد قول ابن العربيّ، ويردّ قول الحميديّ.
وهذا الذي استعمله البخاريّ نوع من أنواع البديع، يُسَمَّى الاكتفاء، ولا بُدّ له من نكتة يُحَسَّن بسببها استعماله.
وأما رواية محمد بن يحيى بن سعيد القطان، فوصلها الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق أبي بكر الأعين، عن محمد بن يحيى المذكور، بالسند المذكور، إلى ابن عمر، قال: "إنما نزلت على رسول الله - ﷺ -: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾، رخصةً في إتيان الدبر"، قال الطبرانيّ: لم يروه عن عبد الله بن عمر إلا يحيى بن سعيد، تفرد به ابنه محمد، كذا قال، ولم يتفرد به يحيى بن سعيد، فقد رواه عبد العزيز الدراورديّ، عن عبيد الله بن عمر أيضًا، كما سأذكره بعدُ.
وقد رَوَى هذا الحديثَ عن نافع أيضًا جماعة غير من ذكرنا، ورواياتهم بذلك ثابتة، عند ابن مردويه في "تفسيره"، وفي "فوائد الأصبهانيين" لأبي الشيخ، و"تاريخ نيسابور" للحاكم، و"غرائب مالك" للدارقطنيّ، وغيرها.
وقد عاب الإسماعيليّ صنيع البخاريّ، فقال: جميع ما أَخْرَج عن ابن عمر مبهم، لا فائدة فيه، وقد رويناه عن عبد العزيز، يعني الدراورديّ، عن
[ ٢٥ / ٤٧١ ]
مالك، وعبيد الله بن عمر، وابن أبي ذئب، ثلاثتهم عن نافع، بالتفسير، وعن مالك من عِدّة أوجه. انتهى كلامه.
ورواية الدراورديّ المذكورة قد أخرجها الدارقطنيّ في "غرائب مالك" من طريقه عن الثلاثة، عن نافع، نحو رواية ابن عون عنه، ولفظه: "نزلت في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فأعظم الناس ذلك، فنزلت، قال: فقلت له: من دبرها في قبلها؟ فقال: لا إلا في دبرها"، وتابع نافعًا على ذلك زيد بن أسلم، عن ابن عمر، وروايته عند النسائيّ بإسناد صحيح، وتكلم الأزديّ في بعض رُواته، ورَدَّ عليه ابن عبد البر، فأصاب، قال: ورواية ابن عمر لهذا المعنى صحيحة مشهورة، من رواية نافع عنه، بغير نكير أن يرويها عنه زيد بن أسلم.
قال الحافظ: وقد رواه عن عبد الله بن عمر أيضًا ابنه عبد الله، أخرجه النسائي أيضًا، وسعيد بن يسار، وسالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، مثل ما قال نافع، وروايتهما عنه عند النسائيّ، وابن جرير، ولفظه: عن عبد الرحمن بن القاسم، قلت لمالك - ﵁ -: إن ناسًا يروون عن سالم كَذَبَ العبد على أبي، فقال مالك: أشهد على زيد بن رُومان أنه أخبرني، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، مثل ما قال نافع، فقلت له: إن الحارث بن يعقوب يروي عن سعيد بن يسار، عن ابن عمر، أنه قال: أُفٍّ، أوَ يقول ذلك مسلم؟ فقال مالك: أشهد على ربيعة، لَأخبرني عن سعيد بن يسار، عن ابن عمر مثل ما قال نافع.
وأخرجه الدارقطنيّ من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، وقال: هذا محفوظ عن مالك، صحيح. انتهى.
ورَوَى الخطيب في الرواة عن مالك، من طريق إسرائيل بن روح (^١) قال: سألت مالكًا عن ذلك، فقال: ما أنتم قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟.
_________________
(١) قال في "الميزان" ١/ ٢٠٨: لا يُدرى من ذا؟. انتهى.
[ ٢٥ / ٤٧٢ ]
وعلى هذه القصة (^١) اعتمد المتأخرون من المالكية، فلعل مالكًا رجع عن قوله الأول، أو كان يرى أن العمل على خلاف حديث ابن عمر، فلم يعمل به، وإن كانت الرواية فيه صحيحة على قاعدته.
ولم ينفرد ابن عمر بسبب هذا النزول، فقد أخرج أبو يعلى، وابن مردويه، وابن جرير، والطحاوي من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، أن رجلًا أصاب امرأته في دبرها، فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا: نُعَيِّرُها، فأنزل الله هذه الآية، وعلّقه النسائيّ عن هشام بن سعيد، عن زيد، وهذا السبب في نزول هذه الآية مشهورٌ، وكأن حديث أبي سعيد لم يبلغ ابن عباس، وبلغه حديث ابن عمر، فَوَهَّمه فيه، فروى أبو داود، من طريق مجاهد، عن ابن عباس، قال: إن ابن عمر، وَهِمَ واللهُ يغفر له، إنما كان هذا الحيّ من الأنصار، وهم أهل وثن مع هذا الحيّ من يهود، وهم أهل كتاب، فكانوا يأخذون بكثير من فعلهم، وكان أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فأخذ ذلك الأنصار عنهم، وكان هذا الحىّ من قريش، يتلذذون بنسائهم، مقبلاتٍ، ومدبراتٍ، ومستلقياتٍ، فتزوج رجل من المهاجرين امرأة من الأنصار، فذهب يفعل فيها ذلك، فامتنعت فَسَرَى أمرهما حتى بلغ رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، مقبلاتٍ، ومدبراتٍ، ومستلقياتٍ في الفرج، أخرجه أحمد، والترمذيّ، من وجه آخر صحيح، عن ابن عباس، قال: جاء عمر، فقال: يا رسول الله، هلكتُ، حوَّلتُ رحلي البارحة، فأنزلت هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، أَقْبِلْ، وأَدْبِرْ، واتَّقِ الدبر، والحيضة. وهذا الذي حَمَل عليه الآية موافق لحديث جابر المذكور في الباب، في سبب نزول الآية.
ورَوَى الربيع في "الأم" عن الشافعي قال: احْتَمَلَت الآية معنيين: أحدهما أن تؤتى المرأة حيث شاء زوجها؛ لأن "أَنَّى" بمعنى "أين شئتم"، واحْتَمَلت أن يراد بالحرث موضع النبات، والموضع الذي يراد به الولد، هو الفرج، دون ما سواه، قال: فاختلف أصحابنا في ذلك، وأحسب أن كلًّا من
_________________
(١) لكن عرفت أنها ضعيفة؛ لأن إسرائيل الراوي عن مالك مجهول، كما قال الذهبيّ.
[ ٢٥ / ٤٧٣ ]
الفريقين تأوّل ما وصفت، من احتمال الآية، قال: فطلبنا الدلالة، فوجدنا حديثين أحدهما: ثابتٌ، وهو حديث خزيمة بن ثابت في التحريم، فقَوِي عنده التحريم.
ورَوَى الحاكم في "مناقب الشافعي" من طريق ابن عبد الحكم أنه حَكَى عن الشافعيّ مناظرةً جرت بينه وبين محمد الحسن في ذلك، وأن ابن الحسن احتَجَّ عليه بأن الحرث إنما يكون في الفرج، فقال له: فيكون ما سوى الفرج محرمًا، فالتزمه، فقال: أرأيت لو وطئها بين ساقيها، أو في أعكانها، أفي ذلك حرث؟ قال: لا، قال: أفيحرم؟ قال: لا، قال: فكيف تحتجّ بما لا تقول به؟ قال الحاكم: لعل الشافعي كان يقول ذلك في القديم، وأما في الجديد فصرح بالتحريم. انتهى.
ويَحْتَمِل أن يكون ألزم محمدًا بطريق المناظرة، وإن كان لا يقول بذلك، وإنما انتصر لأصحابه المدنيين، والحجة عنده في التحريم غير المسلك الذي سلكه محمد، كما يشير إليه كلامه في "الأم".
وقال المازريّ: اختَلَفَ الناس في هذه المسألة، وتعلَّق مَن قال بالحل بهذه الآية، وانفصل عنها من قال: يحرم بأنها نزلت بالسبب الوارد في حديث جابر في الردّ على اليهود، يعني كما في حديث الباب، قال: والعموم إذا خرج على سبب قُصِر عليه عند بعض الأصوليين، وعند الأكثر العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، وهذا يقتضي أن تكون الآية حجة في الجواز، لكن وردت أحاديث كثيرة بالمنع، فتكون مخصصة لعموم الآية، وفي تخصيص عموم القرآن ببعض خبر الآحاد خلاف. انتهى.
وذهب جماعة من أئمة الحديث، كالبخاريّ، والذهليّ، والبزار، والنسائيّ، وأبي عليّ النيسابوريّ إلى أنه لا يثبت فيه شيءٌ.
قال الحافظ: لكن طرقها كثيرة، فمجموعها صالح للاحتجاج به، ويؤيد القول بالتحريم أنّا لو قَدَّمنا أحاديث الإباحة للزم أنه أبيح بعد أن حُرِّم، والأصل عدمه.
فمن الأحاديث الصالحة الإسناد حديث خزيمة بن ثابت، أخرجه أحمد، والنسائيّ، وابن ماجه، وصححه ابن حبان.
[ ٢٥ / ٤٧٤ ]
وحديث أبي هريرة، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وصححه ابن حبان أيضًا.
وحديث ابن عباس، وقد تقدمت الإشارة إليه، وأخرجه الترمذيّ، من وجه آخر، بلفظ: "لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلًا، أو امرأة في الدبر"، وصححه ابن حبان أيضًا، وإذا كان ذلك صلح أن يخصص عموم الآية، ويُحْمَل على الإتيان في غير هذا المحل؛ بناءً على أن معنى "أَنّى": "حيث"، وهو المتبادر إلى السياق، ويغني ذلك عن حملها على معنى آخر غير المتبادر، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ - ﵀ -، وهو بحثٌ نفيسٌ.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن إتيان المرأة في دبرها قد صحّ عن ابن عمر، وكذا عن أبي سعيد الخدريّ، وعن بعض طائفة من التابعين، إلا أن ما ذهب إليه الجمهور من التحريم هو الحقّ؛ لكثرة الأحاديث الواردة بذلك، وهي وإن كان في معظمها كلام، إلا أن مجموعها يفيد أن لها أصلًا، كما قال الحافظ.
والحاصل أنّ تحريم وطء النساء في الدبر، كما قال الجمهور هو الأولى والأحوط في الدين، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٣٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَن ابْنِ الْهَادِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ يَهُودَ كَانَتْ تَقُولُ: إِذَا أُتِيَت الْمَرْأَةُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا، ثُمَّ حَمَلَتْ كَانَ وَلَدُهَا أَحْوَلَ، قَالَ: فَأُنْزِلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ) بن المهاجر التجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث
[ ٢٥ / ٤٧٥ ]
المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
٤ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار الأعرج التمّار القاصّ المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (أَنَّ يَهُودَ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في النسخ "يَهُود" غير مصروف؛ لأن المراد قبيلة اليهود، فامتنع صرفه للتأنيث والعلميّة. انتهى (^١).
وقوله: (إِذَا أُتِيَت الْمَرْأَةُ) فعلٌ ونائب فاعله؛ أي: جُومعت (مِنْ دُبُرِهَا) أي: من جهة دُبرها (فِي قُبُلِهَا) أي: في فرجها، يعني أن الجماع، وإن كان من جهة الدبر إلا أنه في فرجها، لا في دبرها.
وقوله: (ثُمَّ حَمَلَتْ. . . إلخ) هذا يدلّ على أن الإتيان وقع في فرجها، لا في دبرها؛ لأن الحمل لا يكون إلا من الجماع في الفرج، فدلّ على أنه لا يجامعها في دبرها.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٣٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْن عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ أيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَأَبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٦.
[ ٢٥ / ٤٧٦ ]
أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ رَاشِدٍ، يُحَدِّثُ عَن الزُّهْرِيِّ (ح) وَحَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَهُوَ ابْنُ الْمُخْتَارِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ، عَن الزُّهْرِيِّ: "إِنْ شَاءَ مُجَبِّيَةً، وَإِنْ شَاءَ غَيْرَ مُجَبِّيَةٍ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِك فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة وعشرون:
١ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٢ - (عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ) بن عبد الوارث، أبو عبيدة البصريّ، صدوقٌ [١١] (تم ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣١١.
٣ - (أَبُوهُ) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد الْعَنْبريّ مولاهم التّنّوريّ، أبو سهل البصريّ، ثقة [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٢.
٤ - (جَدُّهُ) عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العَنبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
٥ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتيانيّ، تقدّم قبل بابين.
٦ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم، تقدّم قريبًا.
٧ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ، تقدّم قبل بابين.
٩ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) اليشكريّ، أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمونٌ سنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
١٠ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال، تقدّم قبل بابين.
١١ - (أبُو مَعْنٍ الرَّقَاشِيُّ) زيد بن يزيد الثقفىّ البصريّ، ثقةٌ [١١] (م) من أفراد المصنّف تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨.
١٢ - (جَريرُ) بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، والد وهب، ثقةٌ، إلا في قتادة [٦] (١٧٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١.
١٣ - (النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ) الْجَزَرجىّ، أبو إسحاق الرّقّيّ، الأمويّ
[ ٢٥ / ٤٧٧ ]
مولاهم، يقال: إنه أخو إسحاق بن راشد، وقال أبو حاتم: لم يصحّ عندي ذلك، صدوقٌ سيّئ الحفظ [٦].
رَوَى عن الزهريّ، وأخيه عبد الله بن مسلم بن شهاب، وعبد الملك بن أبي محذورة، وميمون بن مِهران.
ورَوَى عنه ابن جريج، وهو من أقرانه، ووهيب بن خالد، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وجرير بن حازم، وحماد بن زيد.
قال عليّ ابن المدينيّ: ذكره يحيى القطان فضعّفه جدًّا، وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عنه، فقال: مضطرب الحديث، روى أحاديث مناكير، وقال ابن معين: ضعيفٌ، وقال مرةً: ليس بشيء، وقال البخاريّ، وأبو حاتم: في حديثه وَهَمٌ كثير، وهو في الأصل صدوق، وقال ابن أبي حاتم: أدخله البخاري في "الضعفاء"، فسمعت أبي يقول: يُحَوَّل منه، وقال أبو داود: ضعيفٌ، وقال النسائيّ: ضعيفٌ كثير الغلط، وقال في موضع آخر: أحاديثه مقلوبةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال النسائيّ: صدوقٌ، فيه ضعفٌ، قال: وقال ابن معين مرة: ضعيفٌ، مضطرب الحديث، وقال مرةً: ثقةٌ، وقال العقيليّ: ليس بالقويّ، يُعرف فيه الضعف، وقال ابن عديّ: احتمله الناس.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٤٣٥)، وحديث (٢٤٤٩): "أما بعد، فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع. . ." الحديث.
١٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدِ) بن كوسجان المروزيّ، أبو داود السِّنجيّ، ثقةٌ صاحب حديث، رحّالٌ أديبٌ [١١] (ت ٢٥٧) (م ت س) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ١٤/ ١٦٧٤.
١٥ - (مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) الْعَمّيّ، أبو الهيثم البصريّ، أخو بهز، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢١٨) (خ م قد ت س ق) تقدم في "الطهارة" ٣٤/ ٦٨٤.
١٦ - (عَبْدُ الْعَزِيزُ بْنُ الْمُخْتَارِ) الدبّاغ البصريّ، مولى حفصة بنت سيرين، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ١٤/ ١٦٧٤.
١٧ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السمّان، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ تغيّر بآخره [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
[ ٢٥ / ٤٧٨ ]
والباقون ذُكروا في الباب، البابين قبله.
وقوله: (قَالُوا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) فاعل "قالوا" يعود للثلاثة: عبيد الله بن سعيد، وهارون بن عبد الله، وأبي معن الرّقَاشيّ، يعني أن هؤلاء الثلاثة رووا عن وهب بن جرير.
وقوله: (كُلّ هَؤُلَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ) الإشارة إلى الستة، وهم: أبو عوانة، وأيوب السختيانيّ، وشعبة، وسفيان الثوريّ، والزهريّ، وسهيل بن أبي صالح، فكلهم رووا هذا الحديث عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -.
وقوله: (وَزَادَ فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ، عَن الزُّهْرِيِّ إِنْ شَاءَ مُجَبِّيَةً. . . إلخ) قال في "الفتح": هذه الزيادة يُشبه أن تكون من تفسير الزهريّ؛ لخلوّها من رواية غيره، من أصحاب ابن المنكدر، مع كثرتهم. انتهى (^١).
وقوله: (إِنْ شَاءَ مُجَبِّيَةً) بصيغة اسم الفاعل، من جبّى بالتشديد، قال في "القاموس": وجَبَّى تَجْبيةً: وَضَع يديه على ركبتيه، أو على الأرض، أو انكَبَّ على وجهه. انتهى (^٢).
وقال النوويّ - ﵀ -: الْمُجَبِّية - بميم مضمومة، ثم جيم مفتوحة، ثم باء موحدة مشدّدة مكسورة، ثم ياء مثناة من تحتُ - أي: مكبوبة على وجهها. انتهى (^٣).
وقوله: (وَإِنْ شَاء غَيْرَ مُجبِّيَة) هذا يشمل الاستلقاء، والاضطجاع، والتجبية، وغير ذلك.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ. . . إلخ) بنصب "غيرَ" على الاستثناء.
وقوله: (فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ) بكسر الصاد المهملة، وتخفيف الميم: هو المنفذ، قاله في "الفتح" (^٤).
وقال النوويّ - ﵀ -: "في صمام واحد" - بكسر الصاد -: أي: في ثُقْبٍ واحد، والمراد به القُبُل. انتهى (^٥).
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٦٨٦ "كتاب التفسير" رقم (٤٥٢٨).
(٢) "القاموس المحيط" ٤/ ٣١٠.
(٣) "شرح النوويّ" ١٠/ ٦.
(٤) ٩/ ٦٨٦.
(٥) "شرح النوويّ" ١٠/ ٦.
[ ٢٥ / ٤٧٩ ]
وقال ابن الأثير - ﵀ -: "في صمام واحد": أي: مَسلك واحد، والصمام: ما تُسدّ به الْفُرجة، فسُمِّي الفرج به، ويجوز أن يكون في موضع صِمَامٍ، على حذف المضاف، ويُروى بالسين (^١).
وقال في باب السين المهملة: "فأتوا حرثكم أنى شئتم سمامًا واحدًا": أي: مأتًى واحدًا، وهو من سِمام الإبرة، أي: ثُقبها، وانتصب على الظرف، أي في سمام واحد، لكنّه ظرف محدود، أُجري مُجرَى المبهم. انتهى (^٢).
[تنبيه]: رواية أبي عوانة، عن محمد بن المنكدر، ساقها النسائيّ - ﵀ - في "الكبرى" بسند المصنّف (٦/ ٣٠٢) فقال:
(١١٠٣٩) - أنا قتيبة بن سعيد، نا أبو عوانة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قالت اليهود: إذا أتى الرجل امرأته من قِبَل دبرها كان الْحَوَلُ من ذلك، فأنزل الله ﵎: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا﴾ قال: قائمًا، وقاعدًا، وباركًا، بعد أن يكون في المأتيّ. انتهى.
ورواية شعبة، عن محمد بن المنكدر، ساقها الطبريّ - ﵀ -، في "تفسيره" بسند المصنّف (٢/ ٣٩٧) فقال:
حدّثنا ابن المثنّى، قال: ثني وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن ابن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: إن اليهود كانوا يقولون: إذا أتى الرجل امرأته باركةً، جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. انتهى.
ورواية سفيان الثوريّ، عن محمد بن المنكدر، ساقها البيهقيّ - ﵀ - في "الكبرى" (٧/ ١٩٤) فقال:
(١٣٨٧٨) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب إملاءً، ثنا عليّ بن الحسن بن أبي عيسى، ثنا أبو نعيم، ثنا سفيان (ح) وأخبرنا أبو عليّ الروذباريّ، أنبأ محمد بن بكر، ثنا أبو داود، ثنا ابن بشار، ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابرًا يقول: إن اليهود يقولون: إذا جامع الرجل أهله في فرجها من ورائها، كان
_________________
(١) "النهاية" ٣/ ٥٤.
(٢) راجع: "النهاية" ٢/ ٤٠٤.
[ ٢٥ / ٤٨٠ ]
ولده أحول، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، لفظ حديث عبد الرحمن بن مهديّ، وفي حديث أبي نعيم: كانت اليهود يقولون: إذا جامع الرجل أهله من ورائها، جاء الولد أحول، فنزلت، فذكر الآية، رواه البخاريّ في "الصحيح" عن أبي نعيم، ورواه مسلم عن محمد بن المثنى، عن عبد الرحمن. انتهى.
ورواية الزهريّ، عن محمد بن المنكدر ساقها "البيهقيّ" - ﵀ - في "الكبرى" (٧/ ١٩٥) فقال:
(١٣٨٨٢) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو النضر الفقيه، ثنا أبو بكر بن رجاء، ثنا محمد بن أبي بكر، وهارون بن عبد الله، قالا: ثنا وهب بن جرير (ح) وأخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، أنبأ أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا عبيد الله بن سعيد أبو قدامة، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، عن النعمان بن راشد، عن الزهريّ، عن ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: "قالت اليهود: إذا أتى الرجل امرأته مُجَبِّيةً، كان الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، إن شاء مُجَبِّيةً، وإن شاء غير مُجَبِّية، غير أن ذلك في صمام واحد"، لفظ حديث أبي قدامة. انتهى.
ورواية سُهيل بن أبي صالح، عن محمد بن المنكدر، ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده" (٣/ ٨٤) فقال:
(٤٢٨٩) - حدّثنا يعقوب بن هاشم ببغداد في دار كعب، قثنا (^١) مُعَلَّى بن أسد، قثنا عبد العزيز، يعني ابن المختار (ح) وحدّثنا إبراهيم بن فهد، قثنا أبو سلمة، قثنا وهيبٌ كلاهما عن سهيل بن أبي صالح، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: لَمّا قَدِم النبيّ - ﷺ - المدينة، قالت اليهود: إن الذي يأتي أهله مُجَبِّيةً يكون ولده أحول، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية. انتهى.
وأما رواية أيوب السختيانيّ، عن محمد بن المنكدر، فلم أجد من ساقها
_________________
(١) هي في المواضع الأربعة مختصرة من "قال: حدّثنا"، فتنبّه.
[ ٢٥ / ٤٨١ ]
بمفردها، إلا أن أبا عوانة - ﵀ - ساقها مع رواية الزهريّ المتقدّمة، فقال في "مسنده" (٣/ ٨٤):
(٤٢٨٦) - حدّثنا إبراهيم بن فهد، قثنا أبو معمر، قثنا عبد الوارث، قثنا أيوب، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله (ح) وحدّثنا أبو الأزهر، والكزبرانيّ قالا: ثنا وهب بن جرير، قثنا أبي، عن النعمان بن راشد، عن الزهريّ، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قالت اليهود: مَن أَتَى امرأته مُجَبِّيةً، كان الولد أحول، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.