وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٣٨] (١٤٣٦) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا بَاتَت الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس، من رؤوس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٢ - (زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى) العامريّ الْحَرَشيّ، أبو حاجب البصريّ قاضيها، ثقةٌ عابدٌ [٣] مات فَجْأةً في الصلاة سنة (٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨.
٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون ذُكروا في الباب، وفيما قبله.
[ ٢٥ / ٤٨٢ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتّحاد كيفيّة الأخذ والأداء منهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخيه من التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد نظمتهم بقولي:
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيوخِ الْمَهَرَهْ … النَّاقِدِينَ الْحَافِظينَ الْبَرَرَهْ
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي
وَابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … وَابْنُ الْعَلَاءِ وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته؛ تذكيرًا؛ لطول العهد به، فتنبّه.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، ومسلسلٌ أيضًا في معظمه بالتحديث والسماع.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة رأس المكثرين السبعة، من الصحابة - ﵃ -، وهم المجموعون في قولي:
الْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الْخَبَرْ … مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ
أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ … فَأنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرْ
ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ … وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ الآخِرُ
وقد تقدّم هذا أيضًا غيرة، وإنما أعدته؛ تذكيرًا؛ لطول العهد به، فتنبّه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا بَاتَت الْمَرْأَةُ) وفي رواية أبي حازم، عن أبي هريرة عند البخاريّ: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء. . ."، قال ابن أبي جمرة: الظاهر أن الفراش كناية عن الجماع، ويقوّيه قوله: "الولد للفراش"، أي: لمن يطأ في الفراش، والكناية عن الأشياء التي يُسْتَحَى منها كثيرة في القرآن والسنة، قال: وظاهر الحديث
[ ٢٥ / ٤٨٣ ]
اختصاص اللعن بما إذا وقع منها ذلك ليلًا؛ لقوله: "حتى تصبح"، وكأن السرّ تأكُّد ذلك الشأن في الليل، وقوّة الباعث عليه، ولا يلزم من ذلك أنه يجوز لها الامتناع في النهار، وإنما خص الليل بالذِّكر؛ لأنه المظنة لذلك. انتهى (^١).
وقد وقع في رواية يزيد بن كيسان، عن أبي حازم الآتية عند مسلم، بلفظ: "والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها، فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها، حتى يرضى عنها".
ولابن خزيمة، وابن حبان، من حديث جابر - ﵁ - رفعه: "ثلاثة لا تُقبل لهم صلاة، ولا يصعد لهم إلى السماء حسنة: العبد الآبق، حتى يرجع، والسكران حتى يصحو، والمرأة الساخط عليها زوجها، حتى يرضى"، فهذه الإطلاقات تتناول الليل والنهار.
وقوله: "فأبت أن تجيء" زاد أبو عوانة، عن الأعمش: "فبات غضبان عليها"، وبهذه الزيادة يتجه وقوع اللعن؛ لأنها حينئذ يتحقق ثبوت معصيتها، بخلاف ما إذا لم يغضب من ذلك، فإنه يكون إما لأنه عَذَرَها، وإما لأنه تَرَك حقه من ذلك.
(هَاجِرَةً) منصوب على الحال، وهو اسم فاعل من هَجَره، من باب نصر، هَجْرًا، وهِجْرَانًا بالكسر: إذا صَرَمه، والشيءَ: تركه، كأهجره (^٢).
وفي رواية البخاريّ بلفظ: "مهاجرةً"، قال في "العمدة": هو من باب المفاعلة في الأصل، ولكن هنا بمعنى هاجرةً؛ لأن فاعلَ قد يأتي بمعنى فَعَلَ، نحو قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٣]؛ أي: أسرعوا، قال: وتُوَضِّحه رواية مسلم: "إذا باتت المرأة هاجرةً"، وهو اسم فاعل من هَجَرَ، ومُهاجِرة: اسم فاعل من هاجر، وإذا كان الهجر منه، فلا يترتب عليها شيء من ذلك. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": قوله: "مهاجرةً" فليس هو على ظاهره في لفظ المفاعلة، بل المراد أنها هي التي هَجَرت، وقد تأتي لفظ المفاعلة، ويراد بها
_________________
(١) "بهجة النفوس" ٣/ ٢٢٩.
(٢) راجع: "القاموس المحيط" ٢/ ١٥٧.
(٣) "عمدة القاري" ٢٠/ ١٨٥.
[ ٢٥ / ٤٨٤ ]
نفس الفعل، ولا يتجه عليها اللوم إلا إذا بدأت هي بالْهَجْر، فغضب هو لذلك، أو هجرها، وهي ظالمة، فلم تتنصل من ذنبها، وهِجْرتِهِ، أما لو بدأ هو بهجرها ظالِمًا لها، فلا.
(فِرَاشَ زَوْجِهَا) منصوب على المفعوليّة لـ "هاجرةً" (لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ) قال ابن أبي جمرة: هل الملائكة التي تلعنها هم الحفظة، أو غيرهم؟ يَحْتَمِل الأمرين.
وقال الحافظ: يَحْتَمِل أن يكون بعض الملائكة موكلًا بذلك، قال: ويرشد إلى التعميم قوله في رواية مسلم يعني الآتية: "الذي في السماء"، إن كان المراد به سُكانها.
(حَتَّى تُصْبِحَ") قال النوويّ - ﵀ -: معنى الحديث أن اللعنة تستمر عليها، حتى تزول المعصية بطلوع الفجر، والاستغناء عنها، أو بتوبتها، ورجوعها إلى الفراش. انتهى (^١).
وفي رواية خالد بن الحارث عن شعبة بلفظ: "حتى ترجع"، وهي أكثر فائدةً، والأُولى محمولة على الغالب، كما تقدم، وللطبرانيّ من حديث ابن عمر رفعه: "اثنان لا تجاوز صلاتهما رءوسهما: عبدٌ آبقٌ، وامرأة غَضِب زوجها، حتى ترجع"، وصححه الحاكم.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: هذا دليلٌ على تحريم امتناع المرأة على زوجها إذا أرادها، ولا خلاف فيه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والمرأة في ذلك بخلاف الرجل، فلو دعت المرأة زوجها إلى ذلك لم يجب عليه إجابتها، إلا أن يقصد بالامتناع مضارّتها، فيَحرُم عليه ذلك، والفرق بينهما أن الرجل هو الذي ابتغى بماله، فهو المالك للبُضع، والدرجة التي له عليها هي السلطة التي له بسبب مُلْكه، وأيضًا فقد لا ينشط الرجل في وقت تدعوه، فلا ينتشر، ولا يتهيّأ له ذلك، بخلاف المرأة. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٨.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٦٠ - ١٦١.
[ ٢٥ / ٤٨٥ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢١/ ٣٥٣٨ و٣٥٣٩ و٣٥٤٠ و٣٥٤١] (١٤٣٦)، و(البخاريّ) في "بدء الخلق" (٣٢٣٧)، و"النكاح" (٥١٩١ و٥١٩٤)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢١٤١)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣١٣)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤٥٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٥٥٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٥ و٣٤٨ و٣٤٦ و٤٣٩ و٤٦٨ و٤٨٠ و٥١٩ و٥٣٨)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ١٤٩ - ١٥٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤١٧٢ و٤١٧٣ و٤١٧٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٨٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١١٢)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ٥٨ و٧٦)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٢٤٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٩٢) و"الصغرى" (٦/ ١٧٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣٢٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تحريم امتناع المرأة من فراش زوجها، قال النوويّ - ﵀ -: هذا دليل على تحريم امتناعها من فراشه لغير عذر شرعيّ، وليس الحيض بعذر في الامتناع؛ لأن له حقًّا في الاستمتاع بها فوق الإزار. انتهى (^١).
٢ - (ومنها): ما قال المهلّب - ﵀ -: هذا الحديث يوجب أن منع الحقوق في الأبدان كانت، أو في الأموال مما يوجب سخط الله، إلا أن يتغمدها بعفوه.
٣ - (ومنها): ما قال المهلّب أيضًا: فيه جواز لعن العاصي المسلم، إذا كان على وجه الإرهاب عليه؛ لئلا يواقع الفعل، فإذا واقعه، فإنما يدعى له بالتوبة والهداية.
وتعقّبه الحافظ، فقال: ليس هذا التقييد مستفادًا من هذا الحديث، بل من أدلة أخرى.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٧ - ٨.
[ ٢٥ / ٤٨٦ ]
قال: وقد ارتضى بعض مشايخنا ما ذكره المهلَّب من الاستدلال بهذا الحديث على جواز لعن العاصي المعيَّن، وفيه نظرٌ، والحقّ أن من منع اللعن أراد به معناه اللغويّ، وهو الإبعاد من الرحمة، وهذا لا يليق أن يُدْعَى به على المسلم، بل يطلب له الهداية والتوبة والرجوع عن المعصية، والذي أجازه أراد به معناه العرفيّ، وهو مطلق السبّ، ولا يخفى أن محله إذا كان بحيث يرتدع العاصي به، وينزجر، وأما حديث الباب فليس فيه إلا أن الملائكة تفعل ذلك، ولا يلزم منه جوازه على الإطلاق. انتهى.
٤ - (ومنها): بيان أن الملائكة تدعو على أهل المعصية، ما داموا فيها، وذلك يدلّ على أنهم يدعون لأهل الطاعة ما داموا فيها، قال الحافظ: كذا قال المهلَّب، وفيه نظر أيضًا.
٥ - (ومنها): أن فيه دليلًا على قبول دعاء الملائكة من خير أو شرّ؛ لكونه - ﷺ - خَوَّف بذلك.
٦ - (ومنها): أن فيه الإرشادَ إلى مساعدة الزوج، وطلب مرضاته.
٧ - (ومنها): بيان أن صبر الرجل على ترك الجماع أضعف من صبر المرأة، وفيه أن أقوى التشويشات على الرجل داعية النكاح، ولذلك حَضّ الشارعُ النساءَ على مساعدة الرجال في ذلك، قاله ابن أبي جمرة - ﵀ - (^١).
قال الحافظ: أو السبب فيه الحضّ على التناسل، ويرشد إليه الأحاديث الواردة في الترغيب في ذلك، كما تقدم في أوائل "النكاح".
٨ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى ملازمة طاعة الله، والصبر على عبادته؛ جزاءً على مراعاته لعبده، حيث لم يترك شيئًا من حقوقه إلا جعل له من يقوم به، حتى جعل ملائكته تلعن من أَغضَبَ عبده بمنع شهوة من شهواته، فعلى العبد أن يوفي حقوق ربه التي طلبها منه، وإلا فما أقبح الجفاء من الفقير المحتاج إلى الغني الكثير الإحسان، قاله ابن أبي جمرة - ﵀ - أيضًا (^٢).
٩ - (ومنها): أن إغضاب المرأة لزوجها حتى يبيت ساخطًا عليها من الكبائر، وهذا إذا غضب بحقّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "بهجة النفوس" ٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠.
(٢) "بهجة النفوس" ٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠.
[ ٢٥ / ٤٨٧ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٣٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: "حَتَّى تَرْجِعَ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ) بن عربىّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجيمىّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
و"شعبة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية خالد بن الحارث، عن شعبة هذه ساقها النسائيّ - ﵀ - في "الكبرى" (٥/ ٣١٣) فقال:
(٨٩٧٠) - أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، قال: نا شعبة، عن قتادة، عن زُرارة، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا باتت المرأة هاجرة لفراش زوجها، لعنتها الملائكة حتى ترجع". انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٤٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ يَزِيدَ، يَعْنى ابْنَ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا، فَتَأْبَى عَلَيْهِ، إِلَّا كانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا، حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنىّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (مَرْوَانُ) بن معاوية بن الحارث بن أسماء الفزاريّ، أبو عبد الله
[ ٢٥ / ٤٨٨ ]
الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظ، كان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو إسماعيل، أو أبو مُنين الكوفيّ، صدوقٌ يخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٤ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ، مولى عزّة الأشجعيّة الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
و"أبو هريرة" - ﵁ - ذُكر قبله.
وقوله: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) هو قَسَمٌ بالله تعالى، أي والذي هو مالك، أو قادر عليها، ففيه دليلٌ أن الحلف بالألفاظ المبهمة المراد بها اسم الله تعالى يمينٌ جائزة، حكمها حكم الأسماء الصريحة على ما يأتي، قاله القرطبيّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: وفيه أيضًا إثبات صفة اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله سبحانه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (إِلَّا كَانَ الّذِي فِي السَّمَاءِ) يعني الملائكة، كما فسّرت الرواية السابقة، واللاحقة، قال القرطبيّ: ظاهره أن المراد به الله تعالى، ويكون معناه بمعنى قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، ويَحْتَمِل أن يراد به هنا الملائكة، كما جاء في الرواية الأخرى: "لعنتها الملائكة حتى تصبح". انتهى (^٢).
وقال ابن العربيّ: قوله: "الذي في السماء" يعني في العلوّ والجلال؛ لأن الله تعالى لا يحويه مكان، فكيف يكون محاطًا به فيه؟ وهذا كرضاه بجواب الجارية السوداء حين سألها أين الله؟، فأشارت إلى السماء، تعني به الجلال والرفعة. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن العربيّ من تأويل قوله: "الذي في السماء" من أن المراد به العلو والرفعة، يريد به نفي إثبات صفة علوّه
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٦٠.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٦١.
(٣) "شرح الأبيّ" ٤/ ٦٢.
[ ٢٥ / ٤٨٩ ]
تعالى على السماء، وكذا استواءه على العرش، وقد تقدّم تفنيد هذا المذهب غير مرّة، وأن الحقّ أن الله تعالى استوى على العرش، كما أخبر به عن نفسه، وأنه على السماء، كما في هذا الحديث، وحديث الجارية، وأنه ينزل كلّ ليلة إلى سماء الدنيا، كما في حديث النزول، وله صفة المجيء يوم القيامة، كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر]، ونحو ذلك، فيجب علينا إثبات ذلك على ظاهر ما جاء به، وتنزيهه عن مشابهة خلقه، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
والحديث متّفقٌ عليه، إلا أنه بهذا اللفظ من أفراد المصنّف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٤١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، كُلُّهُمْ عَن الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَلَمْ تَأْتِهِ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حصين الْكِنْديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قريبًا.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
والباقون ذُكروا في الباب، والأبواب الثلاثة الماضية، و"أبو كُريب" هو: محمد بن العلاء، و"أبو معاوية" هو: محمد بن خازم الضرير، و"جرير" هو: ابن عبد الحميد.
[ ٢٥ / ٤٩٠ ]
وقوله: (فَبَاتَ غَضْبَانَ) وفي بعض النسخ: "غضبانًا" بالصرف، والظاهر أن الأولى هي الصحيحة؛ لأن غضبان مما لا يجوز صرفه؛ لأن مؤنّثه غَضْبى، لا غضبانة، وما كان كذلك يجب منع صرفه، كما قال في "الخلاصة":
وَزَائِدَا فَعْلَانَ فِي وَصْفٍ سَلِمْ … مِنْ أَنْ يُرَى بِتَاءِ تَأْنِيثٍ خُتِمْ
ثم وجدت المجد - ﵀ - نصّ على أنه يقال: غضبانة بالتاء على قلّة، ونصّه: وهي غَضْبَى، وغَضُوبٌ، وغَضْبَانَةٌ قليلةٌ. انتهى (^١)، وذكر الشارح المرتضى أنها لغة بني أسد، ونصّه: ولغة بني أسد امرأة غَضْبانةٌ، ومَلآنةٌ، وأشباههما، وهي لغة قليلةٌ، صرّح به ابن مالك، وابن هشام، وأبو حيّان. انتهى (^٢)، وعلى هذا فتصحّ النسخة الثانية - والحمد لله - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.