وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٥٠] (١٥٥٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَادُ بْنُ زيدٍ، عَمْرٍو؛ أَن مُجَاهِدًا قَالَ لِطَاوُسٍ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، فَاسْمَعْ الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ - فَانْتَهَرَهُ، قَالَ: إِني وَاللهِ لَوْ أعْلَمُ رَسُولَ الله - ﷺ - نَهَى عَنْهُ مَا فَعَلْتُهُ، وَلَكِنْ حَدَّثَنِي مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُمْ - يَعْني عَبَّاسٍ - أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لأَنْ يَمْنَحَ الرَّجُلُ أَخَاهُ أَرْضَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ يَأَخُذَ عَلَيْهَا خَرْجًا مَعْلُومًا").
رجال الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيىَ بْنُ يَحْيىَ) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (حَمَادُ بْنُ زيدٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (طَاوُسُ) بن كيسان تقدّم قريبًا.
_________________
(١) هكذا ترجم القرطبيّ ﵀، وترجم النووي، وغيره: "بَابُ الأرْضِ تُمْنَحُ"، والأولى أوضح، وأولى، والله تعالى أعلم.
[ ٢٧ / ٢٧٢ ]
٥ - (ابْنُ عَبّاسٍ) - ﵄ -، تقدّم أيضًا قريبًا.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو) بن دينار (أَن مُجَاهِدًا) هو ابن جَبر أبو الحجّاج المخزوميّ، تقدّم قريبًا (قَالَ لِطَاوُسِ) بن كيسان (انْطَلِقْ) أي: اذهب (بِنَا إِلَى ابْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) لم يُسمَّ، ولكن لا يضرّ ذلك بصحّة؛ لأنه في المتن، وليس في الإسناد، وإنما نبّهت عليه، وإن كان واضحًا؛ لأن بعض من لم يمارس هذا الفنّ ربّما يستشكل ذلك، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم.
وفي رواية النسائيّ: (عَنْ عَمْرِو بْن دِينَارٍ قَالَ: كَانَ طَاوُس يَكْرَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ أَرْضَهُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّة، وَلَا يَرَى بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ بَأسًا، فقال له مجاهد: اذهب بنا إلى ابن رافع بن خَديج …).
ولعل طاوسًا حَمَل النهي على المؤاجرة بالذهب والفضّة، وأباح بالثلث والربع؛ لأنه - ﷺ - عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها.
ثم إن الظاهر أن مجاهدًا إنما قال له ذلك؛ لئلا يتعامل بالمزارعة؛ لأنه كان يُزارع، ومجاهد لا يرى ذلك، فأراد أن يقيم عليه الحجة في ذلك بما يسمعه من حديث رافع بن خديج - ﵁ - بواسطة ابنه.
وهذا الذي رواه عمرو بن دينار مما جرى لمجاهد مع طاوس وقع له مثله معه، كما سيأتي في الرواية التالية.
(فَاسْمَعْ مِنْهُ الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أي: الحديث الذي يحدّث به عن أبيه، عنه - ﷺ - في النهي عن المخابرة، فإن المشهور في معنى المخابرة أنها المعاملة على الأرض ببعض ما يخرُج منها، فتدخل في النهي الصورة التي يتعامل بها طاوس، فأراد أن يَسْمَع الحديث، فيترك تلك المعاملة، والله تعالى أعلم.
وقال النووي ﵀: "قوله: "فاسمع منه" رُوي بوصل الهمزة مجزومًا على الأمر، وبقطعها مرفوعًا على الخبر، وكلاهما صحيح، والأول أجود. انتهى (^١).
_________________
(١) "شرح النوويّ"١٠/ ٢٠٧.
[ ٢٧ / ٢٧٣ ]
(قَالَ) عمرو بن دينار: (فَانْتَهَرَهُ) أي: زجر طاوس مجاهدًا عما طلب منه (قَالَ) طاوس: (إِني وَاللهِ لَوْ أَعْلَمُ أَن رَسُولَ الله - ﷺ - نَهَى عَنْهُ) أي: عن هذا التعامل الذي أتعامله أنا في مؤاجرة الأرض (مَا فَعَلْتُهُ) هذا دليلٌ على أن طاوسًا لم يصدّق بحديث النهي عن المخابرة على إطلاقه، وذلك لأنه يعتقد أن ابن عباس - ﵄ - أعلم من رافع بن خديج - ﵁ -، فرافع، وإن كان سمع ذلك إلا أنه أجراه على ظاهره، وابن عبّاس حمله على التنزيه، وهو أعلم منه، فيقدّم ما قاله، وقد سبق أن رافعًا - ﵁ - أيضًا قائل بهذا، على ما يدلّ عليه بعض رواياته، فقد تقدّم أن حنظلة بن قيس سأله عن كراء الأرض بالذهب والورِق، فقال: لا بأس به، والله تعالى أعلم.
(وَلَكِنْ حَدَّثَنِي مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُمْ) أي: من رافع بن خديج، وممن حدّث بمثل حديثه وقوله: (يَعْني ابْنَ عَبَّاسٍ) العناية من بعض الرواة، ولم يتبيّن لي من هو؟ (أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: "لَأَنْ يَمْنَّح) بفتح اللام؛ لأنها لام ابتداء، و"يمنح" بفتح النون، وكسرها؛ أي: يُعطي، قال الفيّوميّ: الْمِنْحَةُ بالكسر في الأصل: الشاة، أو الناقة، يُعطيها صاحبها رجلًا، يشرب لبنها، ثم يردّها إذا انقطع اللبن، ثم كثُر استعماله حتى أُطلق على كلّ عطاء، ومَنَحْتُهُ مَنْحًا، من بابي نفع، وضرب: أعطيتُهُ، والاسم الْمَنِيحَةُ. انتهى.
والمصدر الْمُؤَوَّل مبتدأ، خبره قوله: "خير له"، فهو نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤].
(الرَّجُلُ أَخَاهُ أرْضَهُ) فـ "الرجل" مرفوع على الفاعليّة لـ "يمنح"، وقوله: "أخاه" مفعول أول له، و"أرضه" مفعوله الثاني (خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأَخُذَ عَلَيْهَا خَرْجًا مَعْلُومًا") بفتح الخاء المعجمة، وسكون الراء؛ أي: أُجرة، قال الفيّوميّ: الْخَرَاج، والْخَرْجُ: ما يَحصُلُ من غلّة الأرض، ولذا أطلق على الجزية. انتهى.
والمعنى: أن إعطاءه الأرض لأخيه، لينتفع بها بدون عِوَضِ أعظم أجرًا عند الله تعالى من أخذه أجرًا معلومًا عليها، والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ٢٧ / ٢٧٤ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٢/ ٣٩٥٠ و٣٩٥١ و٣٩٥٢ و٣٩٥٣ و٣٩٥٤] (١٥٥٠)، و(البخاريّ) في "المزارعة" (٢٣٣٠ و٢٣٤٢) و"الهبة" (٢٦٣٤)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٣٨٩)، و(الترمذيّ) في "الأحكام" (١٣٨٥)، و(النسائيّ) في "المزارعة" (٧/ ٣٦) و"الكبرى" (٣/ ٩٢)، و(ابن ماجه) في "الأحكام" (٢٤٥٦ و٢٤٥٧ و٢٤٦٢ و٢٤٦٤)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٣٤٠)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٨/ ٩٨)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١/ ٢٣٦)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٨١)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٤/ ٢٦٥ و١١/ ١٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ١٣٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز المزارعة، لقول ابن عبّاس - ﵄ -، كما في رواية الشيخين: "إن النبي - ﷺ - لم يَنْهَ عنه"؛ أي: لم يحرّمه، كما صرّح الترمذيّ به في روايته.
٢ - (ومنها): استحباب المواساة بمنح الأرض لمن لا يجدها بدون عوض؛ لقوله - ﷺ - "لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه إلخ".
٣ - (ومنها): أنه يدلّ على أن طاوسًا يرى ابن عبّاس - ﵄ - أعلم من رافع بن خَدِيج - ﵁ -، وهو كذلك، فإنه كان يلقّب بالحبر والبحر؛ لسعة علمه بسبب دعوة النبيّ - ﷺ -، بقوله: "اللَّهم فقّهه في الدين، وعلّمه التأويل"، كما رواه أحمد في "مسنده"، وقد بُيّن سببُ ذلك فيما رواه الشيخان عن ابن عبّاس - ﵄ -، قال: إن النبي - ﷺ -، أتى الخلاء، فوضعت له وَضُوءًا، فلما خرج، قال: "من وضع هذا؟ "، قالوا: ابن عباس، قال: "اللَّهم فقّهه في الدين". وفي رواية ابن ماجه في "سننه": قال: ضمّني رسول الله - ﷺ - إليه، وقال: "اللَّهم علّمه الحكمة، وتأويل الكتاب".
٤ - (ومنها): ما كان عليه السلف من التباحث في المسائل الفقهيّة، واحتجاج بعضهم على بعض؛ إرادة التوصّل إلى ظهور الحقّ، لا لحبّ المحمدة، والتعالي على الأقران، والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ٢٧ / ٢٧٥ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٥١] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، وَابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ طَاوُسٍ؛ أنَّهُ كَانَ يُخَابِرُ، قَالَ عَمْرُو: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَن، لَوْ تَرَكْتَ هَذِهِ الْمُخَابَرَةَ، فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَن النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ الْمُخَابَرَة، فَقَالَ: أَيْ عَمْرُو، أَخْبَرَنِي أَعْلَمُهُمْ بِذَلِكَ - يَعْني ابْنَ عَبَّاسٍ - أَن النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَنْهَ عَنْهَا، إِنَّمَا قَالَ: "يَمْنَحُ أَحَدُكُمْ أخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأُخُذَ عَلَيْهَا خَرْجًا مَعْلُومًا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل باب.
٣ - (ابْنُ طَاوُسٍ) هو: عبد الله بن طاوس، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (لَمْ يَنْهَ عَنْهَا) أي: عن المخابرة - أي: المزارعة بجزء مما يخرُج من الأرض، ولم يُرِد ابن عباس بذلك نفي الرواية المثبتة للنهي مطلقًا، وإنما أراد أن النهي الوارد عنه ليس على حقيقته، وإنما هو على الأولويّة. وقيل: المراد أنه لم ينه عن العقد الصحيح، وإنما نهى عن الشرط الفاسد، لكن قد وقع في رواية الترمذيّ: "أن النبي - ﷺ - لم يُحرّم المزارعة"، فيقوّي التأويل الأول، أفاده في "الفتح" (^١).
وقوله: ("يَمْنَحُ) بتقدير حرف مصدريّ؛ أي: أن يمنح، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، ومنهم قولهم: "تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه".
وقوله: (خَرْجًا مَعْلُومًا) أي: أجرة، زاد ابن ماجه، والإسماعيليّ، عن طاوس: "وإن معاذ بن جبل أقرّ الناس عليها عندنا"، يعني باليمن.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ١٣٠.
[ ٢٧ / ٢٧٦ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٥٢] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا الثقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا؛ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ سُفْيَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدَّثَني عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ شُعْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى) السِّينانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٢) (ع) تقدم في "الجنائز" ٢٦/ ٢٢٣٦.
٢ - (شَرِيكُ) بن عبد الله النخعيّ الكوفيّ القاضي، أبو عبد الله، صدوق يُخطيء كثيرًا، وتغيّر منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البِدَع (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٣٦/ ١٠٣٠.
والباقون كلّهم تقدّموا قريبًا، و"الثقفيّ" هو: عبد الوهّاب بن عبد المجيد، و"أيوب" هو: السَّختيانيّ، و"سفيان" هو: الثوريّ.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ) أي: كلّ هؤلاء الأربعة، وهم: أيوب السختيانيّ، وسفيان الثوريّ، وابن جُريج، وشعبة رووا هذا الحديث عن عمرو بن دينار بسنده المذكور.
وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِهِمْ) هكذا النسخ بضمير الجماعة، وهو يرجع إلى حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة في الإسنادين السابقين، وهو جائز على قول من يرى أقل الجمع اثنين، وهو الصحيح، كما أوضحته في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها".
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن عمرو، ساقها ابن ماجه في "سننه" (٢/ ٨٢٣) فقال:
(٢٤٦٤) - حدثنا أبو بكر بن خَلّاد الباهليّ، ومحمد بن إسماعيل، قالا: ثنا وكيع، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، قال: قال ابن عباس:
[ ٢٧ / ٢٧٧ ]
إنما قال رسول الله - ﷺ -: "لأن يمنح أحدكم أخاه الأرض خير له من أن يأخذ خراجًا معلومًا". انتهى.
وأما رواية ابن جريج، عن عمرو، فقد ساقها أيضًا ابن ماجه - ﵁ - في "سننه" (٢/ ٨٢١) فقال:
(٢٤٥٦) - حدثنا محمد بن رُمح، أنا الليث بن سعد، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس؛ أنه لَمّا سَمِع إكثار الناس في كراء الأرض قال: سبحان الله، إنما قال رسول الله - ﷺ -: "أَلَا مَنَحَها أحدكم أخاه"، ولم ينه عن كرائها. انتهى.
وأما روايتا أيوب، وشعبة كلاهما عن عمرو بن دينار، فلم أر من ساقهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٥٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ - قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيه، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أن النّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "لأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أرْضَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا كَذَا وَكَذَا". لِشَيْءٍ مَعْلُوم، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ الْحَقْلُ (^١)، وَهُوَ بِلِسَانِ الأنصَارِ الْمُحَاقَلَةُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا قريبًا.
وقوله: (لِشَيْءٍ مَعْلُومٍ) تفسير من بعض الرواة لكناية "كذا وكذا".
وقوله: (هُوَ الْحَقْلُ) وفي بعض النسخ: "لهو الحقل"، يعني أن إكراء الأرض بشيء معيّن هو الحق المعبّر عنه في ألسنة الأنصار بالمحاقلة.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) وفي نسخة: "لهو الحقل".
[ ٢٧ / ٢٧٨ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٥٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زيدِ بْنِ أبِي أنيْسَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَبِي زيدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ، فَإِنَّهُ أنْ يَمْنَحَهَا (^١) أَخَاهُ خَيْرٌ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الله بْنُ عَبدِ الرَّحْمَنِ الدِّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنديّ، صاحب "المسند"، ثقةُ حافظٌ، متقن، فاضلٌ [١١] (ت ٢٥٥) (م دت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٢ - (عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ) أبو عبد الرحمن القرشيّ مولاهم، ثقةٌ تغيّر بآخره، ولم يفحش اختلاطه [١٠].
رَوَى عن عبيد الله بن عمرو، وأبي المليح الحسن بن عمر الرقيّ، وعبد العزيز الدَّراوَرْديّ، ومعتمر بن سليمان، وموسى بن أعين، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، وأبو الأزهر النيسابوريّ، وإسماعيل بن عبد الله الرقيّ، وعلي بن الحسين الرقيّ، والدارميّ، وعمرو الناقد، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقةٌ، وهو أحب إلي من عليّ بن معبد الذي كان بمصر، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال النسائيّ: ليس به بأس قبل أن يتغير، ووثقه العجليّ.
وقال هلال بن العلاء: ذهب بصره سنة (٢١٦) وتغيّر سنة (٢١٨) ومات سنة (٢٢٠)، وكذا أرّخ وفاته أبو داود وغيره، وكذا قال ابن حبان في "الثقات"، لكن لم يذكر تاريخ عماه، وقال: لم يكن اختلاطه فاحشًا، وربما خالف.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٥٥٠) و(١٧٢٣) و(٢٠٤٠) و(٢٩٤٦).
_________________
(١) وفي نسخة: "إن منحها".
[ ٢٧ / ٢٧٩ ]
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن أبي الوليد الأسديّ الجزريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (زيدُ بْنُ أَبِي أنيْسَةَ) تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (عَبْدُ الْمَلِكِ أَبو زيدٍ) هو: عبد الملك بن ميسر الهلاليّ، أبو زيد العامريّ الكوفيّ الزّرّاد، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وأبي الطُّفيل، وزيد بن وهب، وطاووس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، ومِسْعَر، ومنصور بن المعتمر، وزيد بن أبي أنيسة، وسليمان بن بلال، وموسى بن مسلم الصغير، وغيرهم.
قال ابن معين، وابن خِرَاش، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: هو مولى هلال بن عامر، وكان ثقةً كثير الحديث، تُوُفّي زمن خالد بن عبد الله، يعني القسريّ، وقال العجليّ، وابن نُمير: كوفيّ ثقةٌ، وذكره البخاريّ في "الأوسط" فيمن مات في العشر الثاني من المائة الثانية.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٥٥٠) و(٢٠٧١) و(٢٨٨٣).
[تنبيه]: وقع في النسخ التي بين يديّ كلها هنا غلط في هذا الاسم، فوقع في بعضها: "عن عبد الملك بن زيد"، وفي بعضها: "عن عبد الملك بن أبي زيد"، وكلاهما غلط، والصواب: "عن عبد الملك أبي زيد"، فابو زيد كنية عبد الملك، وأما أبوه، فاسمه ميسرة، كما مرّ آنفًا، وقد بيّن ذلك الحافظ المزّيّ: ﵀ في "تحفته" (^١)، فتنبّه.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَإِنَّهُ أَنْ يَمْنَحَهَا أَخَاهُ خَيْرٌ) ضمير "فإنه" للشأن، و"أن يمنحها" في تأويل المصدر مبتدأ، خبره "خيرٌ"، و"أخاه" مفعول أول لـ "يمنح"، والثاني قوله: "ها" مقدّمًا.
_________________
(١) راجع: "تحفة الأشراف" ٤/ ٤٢٢.
[ ٢٧ / ٢٨٠ ]
ووقعَ في بعض النسخ: "أن منحها" بصيغة الماضي.
وَيحْتَمل أن تكون "إن " فيهما بالكسر، وهي شرطيّة، و"يمنحها"، أو "منحها" فعل الشرط، و"خير" خبر لمحذوف مع الفاء الرابطة؛ أي: فهو خير له، والجملة جواب الشرط.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.