هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها: "كتاب المساقاة، والمزارعة"، ولا وجه له، فإن معظم الأحاديث الآتية إلى "كتاب الفرائض" متعلّق بالبيوع، وإنما أدخل أحاديث المساقاة، والمزارعة بينهما؛ لمناسبة رآه، فالمناسب هنا "باب المساقاة … إلخ"، فتأمله، والله تعالى أعلم.
و"المساقاة": مفاعلة من السقي، وهي أن يعامل إنسانًا على شجرة؛ ليتعهّدها بالسقي، والتربية، على أن ما رزق الله تعالى من الثمر يكون بينهما بجزء معيّن، وكذا المزارعة في الأراضي.
وقال القرطبيّ ﵀: "المساقاة": مأخوذة من السقي، وأصلها: تعاهد الأشجار بالماء، ثم قد صارت عبارة - بحكم العرف - عن العمل في الأشجار بما يُصلحها من سقي، وإِبَارٍ، وجِدَاد، وغير ذلك من العمل الذي تَصْلُح به الثمرة على جزء مسمى، يأخذه العامل من الثمرة.
وقد اختلف العلماء في حكمها، ومحلها، ووقتها، فأما حكمها: فالجواز عند مالك، والشافعيّ، وابن أبي ليلى، وكثير من الكوفيين، تمسّكًا بهذه الأحاديث المذكورة في هذا الباب، وبقياسها على القِرَاض، وهو متّفقٌ عليه؛ لأنها في معناه، ومنعها أبو حنيفة، وزفر من أصحابه لِمَا فيها من الغرر؛ ولأنها من باب: بيع الثمر قبل طيبه، وهو منهي عنه كما تقدَّم، وحَمَل أحاديث مساقاة خيبر على أن أهلها كانوا عبيدًا للنبيّ - ﷺ -، فما أخذ فهو له، وما أبقى فهو له، وهذا بناه على أن النبيّ - ﷺ - فتحها عنوة، وهذا غير مُسَلّم له، فإن خيبر
[ ٢٧ / ٢٨١ ]
كانت قرى كثيرة؛ فمنها ما فُتح عنوة، ومنها ما فُتح صلحًا؛ كذلك رواه مالك ومن تابعه، وهو قول ابن عقبة، ولو سُلِّم: أنه فتحها عنوة فلا نُسلّم أن السيد يجوز له أن يعامل عبده بالرِّبا، ولا أن يعاقده عقدًا فاسدًا بغرر أو مجهول، وقد نصَّ في هذه: أنه عاقدهم عليها، وشرط عليهم، وشرطوا عليه، ولا يجوز أن يُحْمَل ذلك على أنه انتزاع مال من أيديهم، لا لغةً، ولا عرفًا، فبطل ما قالوه.
وأما محلها: فمنعها داود في كل شيء إلا في النخل، والشافعي إلا في النخل، والكرم. وأجازها مالك في سائر الشجر؛ إذا احتاج للمساقاة، والمشهور عندنا - أي: المالكيّة -: منعها في الزرع إلا إذا عجز عنه أهله.
فأمَّا داود: فقصرها على محل ورودها، وأما الشافعيّ: فبناه على أنها رخصة، ولا تتعدى الرخص، لكنه قد ألحق بالنخيل الكرم، مع أنه ليس فيه حديث صحيح، فإن كان ثبتٌ عنده به نقل فقد صح له المشي على ذلك الأصل، وإن لم يثبت ذلك فليزمه مذهب داود، والإلحاق كما ذهب إليه مالك، لأن الشجر كله في معنى النخيل، من حيث إنه يحتاج إلى علاج، وعمل، وسقي إلى انتهاء الثمرة، وهي أصول قائمة ثابتة يدوم أمرها، وتدوم الحاجة إلى القيام عليها، ومن هنا فارقت الزرع القائم، فإن ألغينا هذا القيد؛ جازت فيه المساقاة على ما تقدَّم، والله تعالى أعلم.
وأما وقت انعقادها: فعند الشافعيّ ما لم تظهر الثمرة؛ لأنها إذا ظهرت فقد ملكها رب النخل، فإذا دفع جزءها في مقابلة العمل؛ فقد باع الثمرة قبل بدوِّ صلاحها، وعند مالك: ما لم تطب، وإن كانت قد ظهرت، وعنه في ذلك بعد الطيب قولان، وأصلها في ذلك: أن القراض، والمساقاة، عقدان مستثنيان من الإجارة المجهولة؛ للحاجة إلى ذلك، وللرفق الحاصل لرب المال والعامل؛ إذ ليس كل من له مال يحسن القيام عليه ولا العمل فيه، ثم من الناس من يحسن العمل ولا مال له، فاقتضت حكمة الشرع أن يرفق بكل واحد منهما على ما تيسّر غالبًا، ولمّا ظهر له ذلك طرد المعنى، فحيث دعت الحاجة إلى ذلك أعملها، وعلى هذا فتجوز المساقاة في النخل بعد الطيب، وفي الزرع
[ ٢٧ / ٢٨٢ ]
إذا عجز عنه أهله، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٥٥] (١٥٥١) - (حَدَّثَنَا أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - قَالَا: حَدثنا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ - عَنْ عُبَيْدِ الله، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أن رَسُولَ الله - ﷺ - عَامَلَ أهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، مِنْ ثَمَرٍ، أوْ زَرْعٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانيّ، أبو عبد الله المروزيّ، نزيل بغداد، أحد الأئمة، ثقةٌ حافظٌ فقيه حجة، رأس [١٠] (ت ٢٤١) وله (٧٧) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢٧.
والباقون تقدّموا قريبًا، و"عبيد الله" هو: ابن عمر العمريّ، وشرح الحديث، ومسائله تأتي في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -.
وبالسند المتصل إلى المؤلف: ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٥٦] (…) - (وَحَدَّثَنى عَليُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدثنَا عَليُّ - وَهُوَ ابْنُ مُسْهِرٍ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ، فَكَانَ يُعْطي أَزْوَاجَهُ كَل سَنَةٍ مِائَةَ وَسْقٍ، ثَمَانِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ، وَعِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ، فَلَمَّا وَليَ عُمَرُ قَسَمَ خَيْبَرَ، خَيرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ الأَرْضَ وَالْمَاءَ، أَوْ يَضْمَنَ لَهُنَّ الأَوْسَاقَ كُلَّ عَامٍ، فَاخْتَلَفْنَ، فَمِنْهُن مَنِ اخْتَارَ الأَرْضَ وَالْمَاء، وَمِنْهُن مَنِ اخْتَارَ الأَوْسَاقَ كلَّ عَامٍ، فَكَانَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ مِمَّنِ اخْتَارَتَا الأَرْضَ وَالْمَاءَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (عَليُّ بْنُ مُسْهِرٍ) تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤١٣ - ٤١٤.
[ ٢٧ / ٢٨٣ ]
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - أنه (قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ الله - ﷺ - خَيْبَرَ) وفي الرواية الماضية: "عامل أهل خيبر" (بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ) بالبناء للفاعل أي: بنصف الخارج منها، فشطر كل شيء: نصفه، قاله الفيّوميّ.
وفي الرواية الآتية من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله - ﷺ -: "أنه دفع إلى يهود خيبر، نخل خيبر، وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم، ولرسول الله - ﷺ - شطر ثمرها".
قال القرطبيّ ﵀: يعني به النفقة فيما تحتاج الثمرة إليه، من نفقة الأجراء، والدّوابّ، والعلوفة، والآلات، والأجر في العزاق، والجداد، وغير ذلك مما يذهب بذهاب المساقاة، وأما ما يبقى بعدها، كبناء حائط، أو حفر بئر، أو نحوه، فلا يلزم العامل. انتهى (^١).
وقوله: (مِنْ ثَمَرٍ، أَوْ زَرْعٍ) بيان لـ"ما يخرُج".
قال القرطبيّ ﵀: وقوله: "من ثمر أو زرع"؛ بإثبات لفظ: "أو" التي للتنويع، أو بمعنى: الواو، كما قال في الرواية الأخرى: "على نصف ما يخرج منها من الثمر والزرع"؛ بغير ألف.
قال: وظاهر هذا الحديث: أن أرض خيبر -. أعني: بياضها - كان كثيرًا، وأنه كان مقصودًا له - ﷺ - ولهم، وأنه ضم المساقاة في الأصول وكراء الأرض بما يخرج منها في عقد واحد.
وتمسَّك به من قال: يجوز كراء الأرض بجزء مما تنبت، كما تقدم، ويتمسَّك به أيضًا من يجوِّز أن يضم إلى المساقاة عقد غيرها.
قال: والجمهور على ترك هذا الظاهر؛ لِمَا تقدَّم في منع كراء الأرض بجزء مما يخرج منها. وإذا منع ذلك منفردًا للغرر والرِّبا؛ كان أحرى، وأولى أن يمنع إذا اجتمع مع غيره مما يكثر فيه الغرر، ولمّا كان ذلك حمل الجمهور هذا على أحد محملين:
فأمَّا مالك فقال: إن بياض خيبر كان قليلًا تابعًا للأصول بين أضعاف
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤١٨.
[ ٢٧ / ٢٨٤ ]
السواد، فجاز ذلك فيه لتبعية الأصول، وشرط في الجواز اتفاق البياض والأصول في الجزء، فلو اختلفا في الجزء لم يجز لزوال التبعية.
وقال غيره: يجوز أن يكون الذين ساقوا غير الذين زارعوا، وتكون مزارعته لمن زارعه منهم على الوجه الجائز فيها، ثم إن الراوي نقل ذلك جملة، ولم يفصّل كيف وقعت المزارعة، ولا من الذين ساقوا من الذين زورعوا. انتهى (^١).
(فَكَانَ) - ﷺ - (يُعْطِي أَزْوَاجَهُ كل سنَةٍ) بنصب "كلَّ" على الظرفيّة و"يُعطي"، وقوله: (مِائَةَ وَسْقٍ) منصوب على أنه مفعول ثان لـ"يُعطي"، والأول "أزواجه"، وقوله: (ثَمَانِينَ وَسْقًا) بنصب "ثمانين" على البدليّة من "مائة وسق"، وتقدَّم أن الوسق، بفتح الواو وكسرها: ستون صاعًا بصاع النبي - ﷺ -، أو حِمْلُ بعير، وقوله: (مِنْ تَمْرٍ) بيان للوسق (وَعِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ) قال القرطبيّ ﵀: يريد - ﷺ - بقسمته بينهن أن لا تطالبه واحدة منهن بنفقة تلك السنة، وهذا - والله أعلم - كان بعد أن كان أزواجه طالبنه بالنفقة، وأكثرن عليه، كما تقدَّم في "كتاب النكاح"، ويدلّ هذا على أن ادّخار ما يحتاج الإنسان إليه، ويُعِدّه للحاجات المتوقعة في الاستقبال ليس قادحًا في التوكل، ولا منقصًا منه. انتهى (^٢).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "وعشرين وسقًا من شعير" قال العلماء: هذا دليل على أن البياض الذي كان بخيبر الذي هو موضع الزرع أقل من الشجر.
قال: وفي هذه الأحاديث دليل لمذهب الشافعيّ، وموافقيه أن الأرض التي تُفتح عنوةً تُقْسَم بين الغانمين الذين افتتحوها، كما تقسم بينهم الغنيمة المنقولة بالإجماع؛ لأن النبيّ - ﷺ - قسم خيبر بينهم، وقال مالك، وأصحابه: يَقِفها الإمام على المسلمين، كما فعل عمر - ﵁ - في أرض سواد العراق، وقال أبو حنيفة، والكوفيون: يتخير الإمام بحسب المصلحة في قسمتها، أو تركها في أيدي من كانت لهم بخراج يوظفه عليها، وتصير ملكًا لهم، كأرض
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤١٥.
(٢) "المفهم" ٤/ ٤١٦.
[ ٢٧ / ٢٨٥ ]
الصلح. انتهى (^١).
(فَلَمَّا وَليَ) بفتح الواو، وكسر اللام، وَيحْتَمل أن يكون بضمّ الواو، وتشديد اللام، مبنيًّا للمفعول (عُمَرُ) بن الخطاب ﵁ (قَسَمَ خَيْبَرَ) أي: بعد أن أجلى اليهود منها، وإنما أجلى عمر بن الخطاب - ﵁ - اليهود والنصارى من الحجاز؛ لأنهم لم يكن لهم عهد من النبي - ﷺ - على بقائهم بالحجاز دائمًا، بل ذلك كان موقوفًا على مشيئته، ولَمّا عهد النبيّ - ﷺ - عند موته بإخراجهم من جزيرة العرب، وانتهت النوبة إلى عمر، أخرجهم من الحجاز إلى تيماء، وأريحاء، على ما يأتي - إن شاء الله تعالى - (^٢).
[تنبيه]: كان قَسْمُ عمر - ﵁ - لخيبر بين من كان له سهم منها، وقال القرطبي، وتبعه الأبيّ، وغيره: قسم سهم النبيّ - ﷺ - الذي كان له بخيبر الذي وقفه النبيّ - ﷺ - لمؤونة عياله وعامله، وهذا غير صحيح، بل الأول هو الصواب، وهو الذي شرح عليه النوويّ ﵀، ونصّه: يعني قسمها بين المستحقّين، وسلّم إليهم نفس الأرض حين أخذها من اليهود حين أخرجهم منها. انتهى.
وقد أخرج الحديث ابن حبّان في "صحيحه" مطوّلًا، ودونك نصّه:
(٥١٩٩) - أخبرنا خالد بن النضر بن عمرو القرشيّ أبو يزيد المعدل بالبصرة، قال: حدثنا عبد الواحد بن غياث، قال: حدّثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا عبيد الله بن عمر فيما يحسب أبو سلمة، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله - ﷺ - قاتل أهل خيبر حتى ألجأهم إلى قصرهم، فغَلَب على الأرض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يُجْلَوا منها، ولهم ما حَمَلت ركابهم، ولرسول الله - ﷺ - الصفراء والبيضاء، ويخرجون منها، فاشترط عليهم أن لا يكتموا، ولا يُغَيِّبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم، ولا عصمة، فغيّبوا مَسْكًا فيه مال، وحليّ لحييّ بن أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أُجليت النضير، فقال رسول الله - ﷺ - لعم حييّ: "ما فعل مسك حييّ الذي جاء به من النضير؟ " فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال - ﷺ -: "العهد قريب، والمال
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٢١١ - ٢١٢.
(٢) "المفهم" ٤/ ٤١٦.
[ ٢٧ / ٢٨٦ ]
أكثر من ذلك"، فدفعه رسول الله - ﷺ - إلى الزبير بن العوّام، فمسّه بعذاب، وقد كان حييّ قبل ذلك قد دخل خربة، فقال: قد رأيت حييًا يطوف في خربة ها هنا، فذهبوا، فطافوا، فوجدوا المسك في خربة، فقَتَل رسول الله - ﷺ - ابني أبي حُقَيق، وأحدهما زوج صفية بنت حييّ بن أخطب، وسبى رسول الله - ﷺ - نساءهم، وذراريهم، وقسم أموالهم؛ للنكث الذي نكثوه، وأراد أن يُجليهم منها، فقالوا: يا محمد دعنا، نكون في هذه الأرض نصلحها، ونقوم عليها، ولم يكن لرسول الله - ﷺ -، ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، فكانوا لا يتفرغون أن يقوموا، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع، ونخل، وشيء، ما بدا لرسول الله - ﷺ -.
وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم كلَّ عام يخرصها عليهم، ثم يُضَمِّنهم الشطر، قال: فشكوا إلى رسول الله - ﷺ - شدّة خَرْصه، وأرادوا أن يَرْشُوه، فقال: يا أعداء الله أتطعموني السُّحْت؟ والله لقد جئتكم من عند أحب الناس إليّ، ولأنتم أبغض إليّ من عِدّتكم من القردة والخنازير، ولا يحملني بغضي إياكم، وحبي إياه، على أن لا أعدل عليكم، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض.
قال: ورأى رسول الله - ﷺ - بعيني صفية خُضْرة، فقال: "يا صفية ما هذه الخضرة؟ " فقالت: كان رأسي في حجر ابن أبي حُقَيق، وأنا نائمة، فرأيت كأن قمرًا وقع في حجري، فأخبرته بذلك، فلطمني، وقال: تَمَنَّين ملك يثرب، قالت: وكان رسول الله - ﷺ - من أبغض الناس إليّ، قَتَل زوجي، وأبي، وأخي، فما زال يعتذر إليّ، ويقول: "إن أباك ألَبَّ عليَّ العرب، وفَعَل، وفَعَل"، حتى ذهب ذلك من نفسي.
وكان رسول الله - ﷺ - يعطي كل امرأة من نسائه ثمانين وَسْقًا من تمرٍ كلَّ عام، وعشرين وسقًا من شعير.
فلما كان زمن عمر بن الخطاب غَشُّوا المسلمين، وألقوا ابن عمر من فوق بيت، فقال عمر بن الخطاب: من كان له سهم من خيبر فليحضر، حتى نقسمها بينهم، فقسمها عمر بينهم، فقال رئيسهم: لا تخرجنا دَعْنا نكون فيها، كما أقرّنا رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، فقال عمر لرئيسهم: أتراه سقط عني قول
[ ٢٧ / ٢٨٧ ]
رسول الله - ﷺ - لك: "كيف بك إذا أفضت بك راحلتك نحو الشام يومًا، ثم يومًا"؟.
وقسمها عمر بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية. انتهى (^١).
فبهذا تبيّن أن الذي قسمه عمر - ﵁ - ليس سهم النبيّ - صلى الله عليه وسل - فقط، بل أسهم الغانمين كلّهم، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(خَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ -) هكذا وقع في النسخ، "خَيَّرَ" بدون عاطف، فيكون بدلًا من "قسم"، وفي رواية البخاريّ: "وقسم عمر خيبر، فخيّر أزواج النبيّ - ﷺ - (أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ) بضمّ حرف المضارعة، من الإقطاع رباعيًّا، قال الفيّوميّ ﵀: وأَقْطَعَ الإمامُ الْجُندَ البلدَ إقطاعًا: جَعَلَ لهم غَلَّتها رِزْقًا، واستقطعته: سألته الإقطاعَ، واسم ذلك الشيء الذي يُقْطَعُ قَطِيعَة. انتهى (^٢).
وقوله: (الأَرْضَ وَالْمَاءَ) منصوب على المفعوليّة لـ" يُقطع" (أَوْ يَضْمَنَ) بفتح حرف المضارعة، مضارع ضَمِنَ، كتَعِبَ، يقال: ضَمِنتُ المالَ، وبه ضَمَانًا، فأنا ضامنٌ، وضَمِينٌ: التَزَمته، ويتعدّى بالتضعيف، فيقال: ضَمَّنته المالَ: ألزمته إياه، قاله الفيّوميّ ﵀ (^٣). (لَهُنَّ الأَوْسَاقَ) بالفتح: جمع وَسْقٍ، وهو مفعول "يَضْمَنَ"، وتقدّم معناه قريبًا، وقوله: (كُلَّ عَامٍ) منصوب على الظرفيّة لـ "يَضْمَنَ" (فَاخْتَلَفْنَ) أي: في قبول هذا التخيير، ثمّ بيّن وجه اختلافهنّ بقوله: (فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَرْضَ وَالْمَاءَ، وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَوْسَاقَ كُلَّ عَامٍ، فَكَانَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ) - ﵄ - (مِمَّنِ اخْتَارَتَا الأَرْضَ وَالْمَاءَ) قال القرطبيّ ﵀: وإنما خيّر عمر - ﵁ - أزواج النبيّ - ﷺ - بين إقطاع الأرض، وبين ضمان الأوساق مبالغةً في صيانتهن، وكفايتهن التبذل في تحصيل ذلك، فسلك معهنّ ما يطيب قلوبهن ويصونهن، ولم يكن هذا الإقطاع لمن اختاره منهنّ إقطاع تمليك؛ لأنه لو كان ذلك منه لكان تغييرًا لِمَا فعله النبيّ - ﷺ -، وقد قال عمر لعليّ والعباس - ﵃ -: لا أغيّر من أمره شيئًا، إني أخاف إن غيّرت من أمرها شيئًا أن أزيغ، وقد كان النبيّ - ﷺ - قال: "ما تركت بعد نفقة عيالي، ومؤونة عاملي فهو صدقة"، ووقف
_________________
(١) "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" ١١/ ٦٠٧ - ٦٠٩.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٠٩.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٣٦٤.
[ ٢٧ / ٢٨٨ ]
الأرض لذلك، وإنما كان ذلك إقطاع اغتلال، وذلك أنه قسم عدد الأوساق المائة على عدد أزواج النبيّ - ﷺ -، فمن اختارت الأوساق ضمنها لها، ومن اختارت النخل أقطعها قدر ذلك؛ لتتصرف فيها تصرف المستغل، لا المالك. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢٣/ ٣٩٥٥ و٣٩٥٦ و٣٩٥٧ و٣٩٥٨ و٣٩٥٩ و٣٩٦٠] (١٥٥١)، و"البخاريّ) في "الإجارة" (٢٢٨٦) و"المزارعة" (٢٣٢٨ و٢٣٢٩ و٢٣٣١ و٢٣٣٨) و"الشركة" (٢٤٩٩) و"الشروط" (٢٧٢٠) و"فرض الخمس" (٣١٥٢) و"المغازي" (٤٢٤٨)، و(أبو داود) في "الخراج" (٣٠٠٨) و"البيوع" (٣٤٠٨ و٣٤٠٩)، و(الترمذيّ) في "الأحكام" (١٣٨٣)، و(النسائيّ) في "المزارعة" (٧/ ٥٣) و"الكبرى" (٣/ ١٠٨)، و(ابن ماجه) في "الرهون" (٢٤٦٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ١٧٨ و١٨٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٧ و٢٢ و٣٧)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٦١٤)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٦٦ و١٧٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٣٠٩ و٣١٠)، و(الطبرانيّ) في "الصغير" (١/ ٥٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥١٩٩)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (٤/ ١١٣) و"مشكل الآثار" (٣/ ٢٨٢)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٣/ ١٣٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ١١٣ و١١٥) و"دلائل النبوّة" (٤/ ٢٣٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢١٧٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز المزارعة، قال في "الفتح": هذا الحديث عمدة من أجاز المزارعة، والمخابرة؛ لتقرير النبيّ - ﷺ - لذلك، واستمراره على عهد
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤٥٠.
[ ٢٧ / ٢٨٩ ]
أبي بكر - ﵁ - إلى أن أجلاهم عمر - ﵁ -. انتهى (^١).
وقال النوويّ ﵀: قوله: "من ثمر، أو زرع" يَحتَجّ به الشافعيّ، وموافقوه، وهم الأكثرون في جواز المزارعة؛ تبعًا للمساقاة، وإن كانت المزارعة عندهم لا تجوز منفردة، فتجوز تبعًا للمساقاة، فيساقيه على النخل، ويزارعه على الأرض، كما جرى في خيبر.
وقال مالك: لا تجوز المزارعة، لا منفردةً، ولا تبعًا، إلا ما كان من الأرض بين الشجر.
وقال أبو حنيفة، وزفر: المزارعة، والمساقاة فاسدتان، سواء جمعهما، أو فرّقهما، ولو عُقِدتا فسختا.
وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد، وسائر الكوفيين، وفقهاء المحدثين، وأحمد، وابن خزيمة، وابن شريح (^٢) وآخرون: تجوز المساقاة، والمزارعة، مجتمعتين، وتجوز كل واحدة منهما منفردةً، وهذا هو الظاهر المختار؛ لحديث خيبر، ولا يُقبَل دعوى كون المزارعة في خيبر إنما جازت تبعًا للمساقاة، بل جازت مستقلةً، ولأن المعنى المجوِّز للمساقاة موجود في المزارعة؛ قياسًا على القِراض، فإنه جائز بالإجماع، وهو كالمزارعة في كل شيء، ولأن المسلمين في جميع الأمصار والأعصار مستمرون على العمل بالمزارعة.
وأما الأحاديث السابقة في النهي عن المخابرة، فسبق الجواب عنها، وأنها محمولة على ما إذا شَرَطا لكل واحد قطعة معيَّنة من الأرض، وقد صَنَّف ابن خزيمة كتابًا في جواز المزارعة، واستقصَى فيه، وأجاد وأجاب عن الأحاديث التي جاءت بالنهي. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): بيان جواز المساقاة، وبه قال مالك، والثوريُّ، والليث، والشافعيُّ، وأحمد، وجميع فقهاء المحدثين، وأهل الظاهر، وجماهير
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ١٢٦.
(٢) كذا في النسخة، ولعله: وابن سُريج، بالسين المهملة، والجيم، فليُحّزر.
[ ٢٧ / ٢٩٠ ]
العلماء، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وتأوَّل هذه الأحاديثَ على أن خيبر فُتِحت عَنْوَةً، وكان أهلها عَبيدًا لرسول الله - ﷺ -، فما أخذه فهو له، وما تركه فهو له.
واحتَجَّ الجمهور بظواهر هذه الأحاديث، وبقوله - ﷺ -: "أُقِرُّكم ما أقركم الله"، وهذا حديث صريح في أنهم لم يكونوا عَبيدًا.
قال القاضي عياض ﵀: وقد اختلفوا في خيبر، هل فُتِحت عَنْوَةً، أو صلحًا، أو بجلاء أهلها عنها بغير قتال، أو بعضها صلحًا، وبعضها عنوةً، وبعضها جلا عنه أهله، أو بعضها صلحًا، وبعضها عنوةً؛ قال: وهذا أصح الأقوال، وهي رواية مالك، ومن تابعه، وبه قال ابن عيينة، قال: وفي كلّ قول أثر مرويّ، وفي رواية لمسلم؛ أن رسول الله - ﷺ - لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض حين ظهر عليها لله، ولرسوله، وللمسلمين، وهذا يدل لمن قال: عنوةً؛ إذ حق المسلمين إنما هو في العنوة، وظاهرُ قول من قال: صلحًا أنهم صولحوا على كون الأرض للمسلمين، والله أعلم.
واختلفوا فيما تجوز عليه المساقاة من الأشجار، فقال داود: يجوز على النخل خاصةً، وقال الشافعي: على النخل، والعنب خاصةً، وقال مالك: تجوز على جميع الأشجار، وهو قول للشافعيّ، فأما داود، فرآها رخصةً، فلم يتعد فيه المنصوص عليه، وأما الشافعيّ، فوافق داود في كونها رخصةً، لكن قال: حكم العنب حكم النخل في معظم الأبواب، وأما مالك، فقال: سبب الجواز الحاجة والمصلحة، وهذا يشمل الجميع، فيقاس عليه، والله أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه مالك: من شمول الرخصة لجميع الأشجار هو الأرجح؛ لرواية: "بشطر ما يخرج منها، من نخل وشجر"، وفي رواية: "على أن لهم الشطر، من كلّ زرع، ونخل، وشجر"، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": استُدلّ بالحديث على جواز المساقاة في النخل،
_________________
(١) "شرح مسلم" ١٠/ ٢٠٩.
[ ٢٧ / ٢٩١ ]
والكرْم، وجميع الشجر الذي من شأنه أن يُثمر بجزء معلوم، يُجعل للعامل من الثمرة، وبه قال الجمهور، وخصّه الشافعيّ في الجديد بالنخل والكرم، وألحق المُقْل بالنخل لِشَبَهِهِ به، وخصّه داود بالنخل.
وقال أبو حنيفة، وزفر: لا يجوز بحال؛ لأنها إجارة بثمرة معدومة، أو مجهولة.
وأجاب من جوّزه بأنه عقد على عمل في المال ببعض نمائه، فهو كالمضاربة؛ لأن المضارب يعمل في المال بجزء من نمائه، وهو معدوم، ومجهول، وقد صح عقد الإجارة، مع أن المنافع معدومة، فكذلك هنا، وأيضًا فالقياس في إبطال نصّ، أو إجماع مردود.
وأجاب بعضهم عن قصّة خيبر بأنها فُتحت صُلحًا، وأُقِرّوا على أن الأرض مُلكهم بشرط أن يُعطوا نصف الثمرة، فكان ذلك يؤخذ بحق الجزية، فلا يدل على جواز المساقاة.
وتُعُقب بأن معظم خيبر فتح عنوة، وبأن كثيرًا منها قُسم بين الغانمين، وبأن عمر - ﵁ - أجلاهم منها، فلو كانت الأرض مُلكهم ما أجلاهم عنها. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): أنه استَدَلّ به من أجاز المساقاة في جميع الثمار - وهو المذهب الراجح -؛ لأن في بعض طرقه: "بشطر ما يخرُج منها من نخل، وشجر"، وفي رواية حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر في حديث الباب: "على أن لهم الشطر من كلّ زرع، ونخل، وشجر"، وهو عند البيهقيّ من هذا الوجه.
٤ - (ومنها): أن قوله: "بشطر ما يخرج" يدلّ على أنه لا تجوز المزارعة، والمساقاة، إلا على جزء معلوم، لا مجهول، قال النوويّ ﵀: فيه بيان الجزء المساقَى عليه، من نصف، أو ربع، أو غيرهما، من الأجزاء المعلومة، فلا يجوز على مجهول، كقوله: على أن لك بعض الثمر، واتَّفَق المجوّزون للمساقاة على جوازها بما اتَّفَقَ المتعاقدان عليه، من قليل، أو
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ١٢٧.
[ ٢٧ / ٢٩٢ ]
كثير. انتهى (^١)
٥ - (ومنها): أنه يدل على جواز كون البذر، من أحد المتعاقدين، إما صاحب الأرض، أو العامل؛ لعدم تقييده بشيء من ذلك في هذا النصّ.
واحتَجَّ من منع كونه من العامل بأن العامل حينئذ كأنه باع البذر من صاحب الأرض بمجهول من الطعام نسيئةً، وهو لا يجوز.
وأُجيب بأنه مستثنى من النهي عن بيع الطعام بالطعام نسيئة، جمعًا بين الحديثين، وهو أولى من إلغاء أحدهما.
٦ - (ومنها): أنه يدلّ على جواز دفع النخل مساقاة، والأرض مزارعة من غير ذكر سنين معلومة، فيكون للمالك أن يُخرج العامل متى شاء، وعلى ذلك ترجم الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
١٧ - "باب إذا قال ربّ الأرض: أُقرّك ما أقرّك الله، ولم يذكر أجلًا معلومًا، فهما على تراضيهما"، ثم أخرج بسنده من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن عمر بن الخطاب - ﵁ -، أجلى اليهود والنصارى، من أرض الحجاز، وكان رسول الله - ﷺ -، لَمّا ظهر على خيبر، أراد إخراج اليهود منها، وكانت الأرض حين ظهر عليها، لله ولرسوله - ﷺ -، وللمسلمين، وأراد إخراج اليهود منها، فسألت اليهود رسول الله - ﷺ -؛ ليُقِرَّهم بها؛ أن يَكْفُوا عملها، ولهم نصف الثمر، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: "نُقِرُّكم بها على ذلك، ما شئنا"، فَقَرُّوا بها، حتى أجلاهم عمر، إلى تَيْمَاء، وأريحاء.
وقد أجاز ذلك من أجاز المخابرة، والمزارعة.
وقال أبو ثور: إذا أطلقا حُمل على سنة واحدة، وعن مالك: إذا قال: ساقَيْتُك كلّ سنة بكذا جاز، ولو لم يذكر أمدًا، وحَمَل قصّة خيبر على ذلك (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الأرجح؛ لظاهر النصّ المذكور، والحمل الذي ذكره مالك: ﵀ فيه بُعْدٌ، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀: في الحديث دليل لمالك على قوله: إن بياض خيبر كان تابعًا لسوادها، ألا ترى: أن الشعير خمس، والتمر أربعة
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٢١٠.
(٢) راجع: "الفتح" ٦/ ١٢٦ - ١٢٧.
[ ٢٧ / ٢٩٣ ]
أخماس؛ ولذلك صحَّ أن يدخل في المساقاة بالشرط، ولكن بشرط اتفاق الجزء كما تقدَّم، وقد استحب مالك أن يلغيه للعامل رفقًا به، وإحسانًا إليه. انتهى (^١).
٨ - (ومنها): ما قال القرطبيّ ﵀ أيضًا: هذا الحديث وغيره دليل على أن النبيّ - ﷺ - كان قسم أرض خيبر على خمسة أخماس، على قسم الغنائم، وكذلك قال الشافعي، وهو مقتضى عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، ومالك وأصحابه يرون إيقاف الأرض للمسلمين ممن حضر وغاب، وممن يأتي بعدُ، تمسكًا بفعل عمر - ﵁ - في أرض العراق والشام ومصر، فإنه أقرها، ولم يقسمها، واحتَجّ بقوله تعالى؛ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]، وتأول عطفه على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]، وذهب الكوفيون إلى تخيير الإمام في قسمتها، أو إقرارها بأيدي أهلها، وتوظيف الخراج عليها، وتصييرها ملكًا لهم كارض الصلح.
[فإن قيل]: فكيف يُرفع فعل النبي - ﷺ - وعمله بمقتضى عموم الآية بقول عمر وفعله؟
[فالجواب]: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - فهم عن النبيّ - ﷺ - أن الذي فعله في قسم خيبر ليس على جهة التحتم الذي لا يجوز غيره، وإنما هو أحد الوجهين الجائزين، غير أن النبيّ - ﷺ - ظهر له أن الأولى قسمتها في ذلك الوقت؛ لشدَّة حاجة أولئك الغانمين، ولما كان زمن عمر - ﵁ - اتسعت أموال المسلمين؛ لكثرة الفتوحات عليهم، فرأى أن إيقافها لمصالح المسلمين أولى من قسمتها، وتابعه على ذلك أهل عصره، ولم يخالفه أحد من الصحابة، فصار كالإجماع على صحة ما فعل وجوازه، وعند هذا يظهر أن الأولى قول الكوفيين؛ الذي هو التخيير؛ لأنه جمع بين الأمرين، وهو الذي فهمه عمر - ﵁ - قطعًا، ولذلك قال عمر - ﵁ - فيما رواه عنه مالك: لولا أن أترك آخر الناس لا شيء لهم ما افتتح المسلمون قرية إلا قسمتها سهمانًا، كما قسم رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤١٨.
[ ٢٧ / ٢٩٤ ]
خيبر سهمانًا، فلم يُخْبِر بنسخ فعل النبيّ - ﷺ -، ولا بتخصيصه بهم، فلم يبق إلا ما ذكرناه، غير أن الكوفيين زادوا على فعل عمر، فإن عمر إنما وقفها على مصالح المسلمين، ولم يملّكها لأهل الصلح، وهم قالوا: للإمام أن يملّكها أهل الصلح، وأما من لم يسلك هذه الطريقة فيلزمه: إما نسخ فعل النبي - ﷺ - بفعل عمر - ﵁ -، وهو باطل قطعًا، وإما نسبة عمر - ﵁ -، ومن كان معه من الصحابة إلى الخطأ، حيث فعلوا ما لا يجوز، وهو باطل قطعًا، وقد استمر العمل بين الأمة بعد ذلك الصدر على استمرار وقف تلك الأراضي التي وقف عمر - ﵁ - إلى الآن، ولم يتعرضنَّ أحد إلى نقضها، ولا إلى تغييرها عما وضعها عليه عمر - فيما علمتُ - حتى اليوم، فتطابق إجماع السابقين واللاحقين، ولم يلتفت إلى من خالفهم من المتأخرين. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٥٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَن عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا خَرَجَ مِنْهَا، مِنْ زَرْعٍ أَوْ ثَمَرٍ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ: فَكَانَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ مِمَّنِ اخْتَارَتَا الأَرْضَ وَالْمَاءَ، وَقَالَ: خَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبيِّ - ﷺ - أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ الأَرْضَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَاء).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ إلخ) فاعل "اقتصَّ" ضمير عبد الله بن نُمير، وكذا فاعل: "ولم يذكر"، وفاعل "قال" من قوله: "وقال: خيّر إلخ".
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤١٨ - ٤٢٠.
[ ٢٧ / ٢٩٥ ]
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" ٢/ ٢٢ فقال:
(٤٧٣٢) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا ابن نمير، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله - ﷺ - عامل أهل خيبر بشطر ما خرج من زرع، أو تمر، فكان يعطي أزواجه كل عام مائة وسق: ثمانين وسقًا من تمر، وعشرين وسقًا من شعير، فلما قام عمر بن الخطاب قسَم خيبر، فخيَّر أزواج النبيّ - ﷺ - أن يُقطع لهن من الأرض، أو يَضْمَن لهنّ الوسوق، كلَّ عام، فاختلفوا، فمنهم من اختار أن يُقْطِع لها الأرض، ومنهم من اختار الوسوق، وكانت حفصة وعائشة ممن اختار الوسوق. انتهى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٥٨] (…) - (وَحَدَّثَني أَبُو الطَّاهِر، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أسَامَةُ بْنُ زيدٍ اللَّيْثِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا افْتُتِحَتْ خَيْبَرُ سَألتْ يَهُودُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُقِرَّهُمْ فِيهَا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا عَلَى نِصْفِ مَا خَرَجَ مِنْهَا مِنَ الثَّمَرِ وَالزَّرْع، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "أقِرُّكُمْ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا"، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَابْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله، وَزَادَ فِيهِ: وَكَانَ الثَّمَرُ يُقْسَمُ عَلَى السُّهْمَانِ مِنْ نِصْفِ خَيْبَرَ، فَيَأَخُذُ رَسُولُ الله - ﷺ - الْخُمُسَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أُسَامَة بْنُ زيدٍ اللَّيْثِيُّ) مولاهم، أبو زيد المدنيّ، صدوقٌ يهم [٧] (ت ١٥٣) (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٥.
والباقون بعضهم ذُكر قبله، وبعضهم تقدّم قريبًا، و"أبو الطاهر" هو: أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح، و"ابن وهب" هو: عبد الله.
وقوله: ("أُقِرُّكُمْ فِيهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا") وفي رواية "الموطإ": "أقِرّكم ما أقرَّكم الله"، قال العلماء: وهو عائد إلى مُدّة العهد، والمراد: إنما نُمَكِّنكم من الْمُقام في خيبر ما شئنا، ثم نُخرجكم إذا شئنا؛ لأنه - ﷺ - كان عازمًا على إخراج الكفار من جزيرة العرب، كما أَمَر به في آخر عمره، وكما دَلَّ عليه هذا الحديث وغيره.
[ ٢٧ / ٢٩٦ ]
واحتَجَّ أهل الظاهر بهذا على جواز المساقاة مدة مجهولة، وقال الجمهور: لا تجوز المساقاة إلا إلى مدة معلومة، كالإجارة، وتأولوا الحديث على ما ذكرناه، وقيل: جاز ذلك في أول الإسلام خاصة للنبيّ - ﷺ -، وقيل: معناه أن لنا إخراجكم بعد انقضاء المدة المسماة، وكانت سُميت مدةٌ، ويكون المراد بيان أن المساقاة ليست بعقد دائم؛ كالبيع، والنكاح، بل بعد انقضاء المدة تنقضي المساقاة، فإن شئنا عقدنا عقدًا آخر، وإن شئنا أخرجناكم، وقال أبو ثور: إذا أطلقا المساقاة اقتضى ذلك سنة واحدة، ذكره النوويّ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه أهل الظاهر، من جواز المساقاة بلا تعيين المدّة هو الأرجح، لموافقته لظاهر هذا الحديث، حيث قال - ﷺ -: "نقرّكم ما شئنا"، ولم يعيّن المدّة، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ إلخ) فاعل "ساق" ضمير ابن وهب، وكذا فاعل "وزاد فيه".
وقوله: (وَكَانَ الثَّمَرُ يُقْسَمُ عَلَى السُّهْمَانِ إلخ) المراد أن أراضي خيبر كانت قد قُسمت على الغانمين حسب سهمانهم، وصار لكلّ واحد منهم سهم معلوم، وكانت المعاملة مع أهل خيبر برضًا منهم، فلما كان نصف ثمر خيبر يأتي إلى النبيّ - ﷺ - كان النبيّ - ﷺ - يَقسِمها على أصحاب السهام، ويأخذ منها الخمس لبيت المال، كما هو حكم كلّ غنيمة (^٢).
وقال النوويّ ﵀: هذا يدلّ على أن خيبر فُتحت عنوة؛ لأن السهمان كانت للغانمين.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن الأصحّ أن بعضها فتح عنوةً، وبعضها فُتح صلحًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَيَأَخُذُ رَسُولُ الله - ﷺ - الْخُمُسَ) أي: يدفعه إلى مستحقه، وهم الأصناف الخمسة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، فيأخذ لنفسه خُمسًا واحدًا من الْخَمْس،
_________________
(١) "شرح النووي" ١٠/ ٢١١.
(٢) "تكملة فتح الملهم" ١/ ٤٧٠.
[ ٢٧ / ٢٩٧ ]
ويَصرف الأخماس الباقية من الخمس إلى الأصناف الأربعة الباقين.
واعلم أن هذه المعاملة مع أهل خيبر كانت برضى الغانمين، وأهل السهمان، وقد اقتَسَم أهل السهمان سُهمانهم، وصار لكلّ واحد منهم سهم معلوم، قاله النوويّ ﵀ (^١).
[تنبيه]: رواية أسامة بن زيد، عن نافع هذه ساقها أبو عوانة ﵀ في "مسنده" ٣/ ٣١١ فقال:
(٥١٠٧) - حدّثنا الربيع بن سليمان، وعيسى بن أحمد، ويونس بن عبد الأعلى في "المغازي" قالوا: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لَمّا افتُتِحَت خيبرُ سألت يهود رسول الله - ﷺ - أن يقرّهم فيها، على أن يعملوا على نصف ما أخرج الله منها، من الثمر والزرع، فقال رسول الله - ﷺ -: " أقرُّكم فيها على ذلك ما شئنا"، فكانوا كذلك على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وطائفة من إمارة عمر، وكان الثمر يُقْسَم على السُّهْمان من نصف خيبر، فيأخذ رسول الله - ﷺ - الخمس. انتهى.
وساقه أيضًا أبو داود في "سننه" مطوّلًا ٣/ ١٥٨ فقال:
(٣٠٠٨) - حدّثنا سليمان بن داود الْمَهْريّ، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد الليثيّ، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: لَمّا افتُتِحَت خيبرُ سألت يهود رسول الله - ﷺ - أن يقرَّهم على أن يعملوا على النصف، مما خرج منها، فقال رسول الله - ﷺ -: "أُقِرُّكم فيها على ذلك ما شئنا"، فكانوا على ذلك، وكان التمر يُقْسَم على السُّهْمان من نصف خيبر، ويأخذ رسول الله - ﷺ - الخمس، وكان رسول الله - ﷺ - أطعم كل امرأة من أزواجه من الخمس مائة وسق تمرًا، وعشرين وسقًا شعيرًا، فلما أراد عمر إخراج اليهود، أرسل إلى أزواج النبيّ - ﷺ -، فقال لهنّ: من أحب منكنّ أن أَقْسِم لها نخلًا نخرصها مائة وسق، فيكون لها أصلها، وأرضها، وماؤها، ومن الزرع مزرعة خرص عشرين وسقًا فعلنا، ومن أحب أن نَعْزِل الذي لها في الخمس كما هو فعلنا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٢١٢.
[ ٢٧ / ٢٩٨ ]
وبالسند المتصل إلى المؤلف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٩٥٩] (…) - (وَحَدثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُول الله -ﷺ- أنَّهُ دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ، وَأَرْضَهَا، عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلِرَسُولِ الله -ﷺ- شَطْرُ ثَمَرِهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ رُمْحٍ) هو: محمد بن رُمح بن المهاجر، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الشهير، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن غَنَج - بفتح الغين المعجمة، والنون، بعدها جيم - ويقال: ابن يزيد بن غَنَج المدنيّ، نزيل مصر، مقبول [٧].
رَوَى عن نافع مولى ابن عمر، وروى عنه الليث بن سعد، قال الميموني، عن أحمد: شيخ مقارِب الحديث، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، لا أعلم أحدًا رَوَى عنه غير الليث، وقال أبو داود: ابن غنَج رجل من أهل المدينة، كان بمصر، رَوَى عنه الليث نحو ستين حديثًا، وقال ابن حبان في "الثقات": حدّث عن نافع بنسخة مستقيمة.
أخرج له المصنف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَما مِنْ أَمْوَالِهِمْ) أي: يعملوا فيها بأنفسهم، قال المجد ﵀: واعْتَمَل: عَمِلَ بنفسه. انتهى (^١).
وقال النوويّ ﵀: هذا بيان لوظيفة عامل المساقاة، وهو أنّ عليه كلَّ ما يُحتاج إليه في إصلاح الثمر، واستزادته، مما يتكرر كلَّ سنة؛ كالسقي، وتنقية
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٤/ ٢١.
[ ٢٧ / ٢٩٩ ]
الأنهار، وإصلاح منابت الشجر، وتلقيحه، وتنحية الحشيش، والقُضبان عنه، وحفظ الثمرة، وجِذاذها، ونحو ذلك، وأما ما يُقصَد به حفظ الأصل، ولا يتكرر كلَّ سنة؛ كبناء الحيطان، وحفر الأنهار، فعلى المالك. انتهى (^١).
وظاهر الحديث أن البذر والبقر والعمل كلّها كانت من قِبل اليهود، والأرض وحدها من قِبَل المسلمين، فدلّ على جواز هذه الصورة من المزارعة (^٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أول الكتاب قال:
[٣٩٦٠] (…) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَإسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ - قالَا: حَدَّثنَا عبْدُ الرَّزَّاق، أخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْج، حَدَّثَنى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِع، عنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أجْلَى اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَاز، وَأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أرَادَ إخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، وَكَانَتِ الأَرْضُ حِينَ ظُهِرَ عَلَيْهَا للهِ وَلرَسُوله، وَللْمُسْلِمِينَ، فَأَرَادَ إخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، فَسَأَلتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُقِرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا، وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَر، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا"، فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أجْلَاهُمْ عُمَرُ إلَى تَيْمَاء وَأَرِيحَاءَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، أبو عبد الله، ثقةٌ حافظٌ، عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (إسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ) بن بَهْرام الْكَوسج التميميّ، أبو يعقوب المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، أبو بكر، ثقة حافظٌ مصنّف، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) وله (٨٥) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (ابْنُ جُريجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم،
_________________
(١) "شرح النووي" ١٠/ ٢١١.
(٢) "تكملة فتح الملهم" ١/ ٤٧٠.
[ ٢٧ / ٣٠٠ ]
أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيه فاضلٌ يُدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠ أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٥ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأن له فيه شيخين، قرن بينهما؛ لاتحادهما في كيفيّة التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، ومن المشهورين بالفتوى، والمتشدّدين في اتباع الآثار - ﵁ -.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) - ﵁ - (أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى) أي: أخرجهم، قال الفيّوميّ - ﵀ -: جَلَوْتُ عن البلد جَلاءً بالفتح والمدّ: خرجتُ، وأَجْلَيْتُ مثله، ويُستعمَل الثلاثيّ والرباعيّ متعديين أيضًا، فيقال: جَلَوْتُهُ، وأجْلَيْتُهُ، والفاعل من الثلاثيّ جَال، مثلُ قاضٍ، والجماعة جَالِيَةٌ، ومنه قيل لأهل الذمة الذين أجلاهم عمر - ﵁ - عن جزيرة العرب: جَالِيَةٌ، ثم نُقِلت الجَالِيَةُ إلى الجزية التي أخذَتْ منهم، ثم استُعمِلت في كلّ جزية تؤخذ، وإن لم يكن صاحبها جَلا عن وطنه، فيقال: استُعْمِل فلان على الجَالِيَة، والجمع الجَوَالِي، وأَجْلَى القومُ عن القتيل: تفرّقوا عنه، بالألف لا غير، قاله ابن فارس، وقال الفارابيّ أيضًا: أَجْلَوا عن القتيل: انفرجوا وأَجْلَوا منزلهم: إذا تركوه من خوف، يتعدى بنفسه، فإن كان لغير خوف تعدى بالحرف، وقيل: أجْلَوا عن منزلهم، وتَجَلَّى الشيءُ: انكشف. انتهى (^١).
(مِنْ أرْضِ الْحِجَازِ) قال في "الفتح": الحجاز هي ما يَفصل بين نجد
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٠٦ - ١٠٧.
[ ٢٧ / ٣٠١ ]
وتهامة، قال الواقديّ: ما بين وجرة وغمس الطائف: نجد، وما كان من وراء وجرة إلى البحر: تهامة. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: يقال: سُمّي الحجاز حجزًا؛ لأنه فَصَل بين نجد والسَّرَاة، وقيل: بين الْغَوْر والشأم، وقيل: لأنه احتُجِز بالجبال. انتهى (^٢).
وقال في "العمدة": قال الواقديّ: الحجاز من المدينة إلى تبوك، ومن المدينة إلى طريق الكوفة، ومن وراء ذلك إلى مشارق (^٣) أرض البصرة فهو نجد، وما بين العراق وبين وجرة وعمرة الطائف: نجد، وما كان من وراء وجرة إلى البحر فهو تهامة، وما كان بين تهامة ونجد فهو حجاز، وإنما سُمِّي حجازًا؛ لأنه يَحجُز بين تهامة ونجد. انتهى (^٤).
(وَأنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا ظَهَرَ) أي: غلب، فالظهور هنا بمعنى الغلبة؛ لتعدّيه بـ "على"، والفعل مبنيّ للمعلوم (عَلَى خَيْبَرَ أرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا) وقوله: (وَكَانَتِ الأَرْضُ) علة لإرادته إخراجهم (حِينَ ظُهِرَ عَلَيْهَا) بضمّ الظاء، مبنيًّا للمفعول؛ أي: حين غَلَب عليها المسلمون (لِلَّهِ وَلرَسُوله، وَللْمُسْلِمِينَ) هذا صريحٌ في أن الأرض لم تبق مملوكة لليهود بعدما غلب عليها المسلمون، بل قسمها رسول الله - ﷺ - بين الغانمين، فأصبحت مملوكة لهم، والمراد من كونها مملوكة لله، ولرسوله أن بعض أسهمها صارت إلى بيت المال.
وتفصيل ذلك ما أخرجه أبو داود في "سننه" في "كتاب الخراج" عن يحيى بن زكريا، عن يحيى بن سعيد، عن بُشَير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، قال: قسم رسول الله - ﷺ - خيبر نصفين: نصفًا لنوائبه، ونصفًا بين المسلمين، قسمها بينهم على ثمانية عشر سهمًا. انتهى.
قال صاحب "التنقيح": إسناده جيِّد، ويحيى بن زكريا هو ابن أبي زائدة، وهو أحد الثقات. انتهى.
ثم أخرجه أبو داود عن محمد بن فُضيل، عن يحيى بن سعيد، عن
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ١٤١.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٢٢.
(٣) هكذا النسخة بالقاف، ولعله "مشارف" بالفاء، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
(٤) "عمدة القاري" ١٢/ ١٧٩.
[ ٢٧ / ٣٠٢ ]
بُشير بن يسار، عن رجال من أصحاب النبيّ - ﷺ -؛ أن رسول الله - ﷺ - لَمَّا ظهر على خيبر، قسمها على ستة وثلاثين سهمًا، جَمَعَ كلُّ سهم مائة سهم، فكان لرسول الله - ﷺ - وللمسلمين النصف من ذلك، وعَزَل النصف الباقي لمن نزل به من الوفود، والأمور، ونوائب الناس. انتهى.
ثم أخرجه عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن بُشَير بن يسار؛ أن رسول الله - ﷺ - لَمّا أفاء الله عليه خيبر قسمها ستة وثلاثين سهمًا جَمْعًا، فعَزَل للمسلمين الشطر ثمانية عشر سهمًا يَجْمَع كلُّ سهم مائةً، والنبيّ - ﷺ - معهم، له سهم كسهم أحدهم، وعَزَلَ رسول الله - ﷺ - ثمانية عشر سهمًا، وهو الشطر لنوائبه، وما ينزل به من أمر المسلمين، فكان ذلك الوَطِيح، والْكَتيبة، والسلالم، وتوابعها، فلما صارت الأموال بيد النبيّ - ﷺ - والمسلمين، لم يكن لهم عمال يكفونهم عملها، فدعا رسول الله - ﷺ - اليهود، فعاملهم. انتهى.
وزاد أبو عبيد في "كتاب الأموال"، فعاملهم على نصف ما يخرج منها، فلم يزل على ذلك حياة رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، حتى كان عمر، فكثُر العمال في المسلمين، وقَوُوا على العمل، فأجلى عمر اليهود إلى الشام، وقسم الأموال بين المسلمين إلى اليوم. انتهى.
وبُشَير بن يسار تابعيّ ثقة، يروي عن أنس وغيره، يروي هذا الخبر عنه يحيى بن سعيد، وقد اختُلِف عليه فيه، فبعض أصحاب يحيى يقول فيه: عن بُشير، عن سهل بن أبي حثمة، وبعضهم يقول: عن رجال من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ومنهم من يرسله، والله أعلم، ذكره الزيلعيّ - ﵀ - في "نصب الراية" (^١).
[فإن قلت]: وقع في رواية للبخاريّ ما يخالف هذه الرواية، ولفظه: "وكانت الأرض لَمّا ظُهِر عليها لليهود، وللرسول، وللمسلمين"، فإنه يدلّ على أن اليهود لهم مشاركة في الأرض مع المسلمين، فكيف الجمع؟
[قلت]: أجاب المهلَّب: بأنه يُجمَع بين الروايتين بأن تُحْمَل رواية الباب
_________________
(١) "نصب الراية" ٣/ ٣٩٧.
[ ٢٧ / ٣٠٣ ]
على الحال التي آل إليها الأمر بعد الصلح، ورواية البخاريّ على الحال التي كانت قبله، وذلك أن خيبر فُتح بعضها صلحًا، وبعضها عَنْوَةً، فالذي فُتح عنوةً كان جميعه لله، ولرسوله، وللمسلمين، والذي فُتح صلحًا كان لليهود، ثم صار للمسلمين بعقد الصلح، أفاده في "الفتح" (^١).
(فَأرَادَ إخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، فَسَأَلتِ الْيَهُودُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُقرَّهُمْ بِهَا عَلَى أَنْ يَكْفُوا) بفتح حرف المضارعة، وسكون الكاف، وتخفيف الفاء، من كفى يكفي، كرمى يرمي، يقال: كفاه مؤنته يكفيه كفايةً: إذا تولّاها بنفسه، وأغنى غيره عنها، وهو يتعدّى إلى مفعولين، وقد حُذف هنا أحدهما، وتقديره: على أن يكفوا المسلمين عملها، يعني يُغنوهم عنه (^٢). (عَمَلَهَا) أي: العمل في أراضيها بالزراعة، وفي أشجارها بالسقي والاستثمار (وَلَهُمْ) أي: لليهود (نِصْفُ الثَّمَر، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "نُقِرُّكُمْ) بضمّ أوله، من الإقرار؛ أي: نثبتكم (بِهَا) أي: بخيبر (عَلَى ذَلِكَ) أي: على الشرط الذي اشترطتموه من كفاية العمل فيها (مَا شِئْنَا") "ما" مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدّة مشيئتنا، وفي رواية للبخاريّ: "نُقرّكم ما أقرّكم الله، والمراد بقوله: "ما أقرّكم الله": ما قدّر الله أنّا نترككم فيها، فإذا شئنا، فأخرجناكم تبيّن أن الله قدَّر إخراجكم، قاله في "الفتح" (^٣).
وقد استدلّ بهذا القائلون بجواز المساقاة والمزارعة إلى مدّة مجهولة، وهو المذهب الراجع، وإليه ذهب البخاريّ، فقد قال في "صحيحه": "بابٌ إذا قال ربّ الأرض: أُقرّك ما أقرّك الله، ولم يذكر أجلًا معلومًا، فهما على تراضيهما"، ثمّ أورد هذا الحديث مستدلًّا به، وهو استدلال واضح، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": وفيه جواز الخيار في المساقاة للمالك لا إلى أمد، وأجاب من لم يجزه باحتمال أن المدّة كانت مذكورة، ولم تُنقَل، أو لم تُذكر،
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ١٤١.
(٢) راجع: "فتح الملهم" ١/ ٤٧١، و"القاموس المحيط" ٤/ ٣٨٣.
(٣) "الفتح" ٦/ ٦١٨.
[ ٢٧ / ٣٠٤ ]
لكن عُيِّنت كلَّ سنة بكذا، أو أن أهل خيبر صاروا عبيدًا للمسلمين، ومعاملة السيد لعبده لا يشترط فيها ما يشترط في الأجنبيّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعْدُ كلّ هذه الاحتمالات، فالقول الأول هو الأرجح، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(فَقَرُّوا) بفتح القاف، وتشديد الراء، من القرار؛ أي: استقرّت اليهود، ومكثت (بِهَا) أي: بخيبر (حَتَّى أَجْلَاهُمْ) أي: أخرجهم، والإجلاء: الإخراج عن المال، والوطن على وجه الإزعاج والكراهة (^١). (عُمَرُ) بن الخطّاب - ﵁ - في خلافته، وقد أخرج البخاريّ - ﵀ - سبب إخراجه لهم، فقال:
(٢٧٣٠) - حدّثنا أبو أحمد، حدّثنا محمد بن يحيى أبو غسان الكنانيّ، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - قال: لَمّا فَدَعَ (^٢) أهل خيبر عبدَ الله بن عمر، قام عمر خطيبًا، فقال: إن رسول الله - ﷺ - كان عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: "نُقِرُّكم ما أقرّكم الله"، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعُدِي عليه من الليل، ففُدِعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدوّ غيرهم، هم عدوّنا، وتُهْمَتُنا، وقد رأيت إجلاءهم، فلما أَجْمَع عمر على ذلك، أتاه أحد بني أبي الْحُقَيق، فقال: يا أمير المؤمنين أتخرجنا، وقد أقرّنا محمد - ﷺ -، وعاملنا على الأموال، وشرط ذلك لنا؟ فقال عمر: أظننت أني نَسِيتُ قول رسول الله - ﷺ -: "كيف بك إذا أُخرجت من خيبر، تَعْدُو بك قلوصك ليلة بعد ليلة؟ " فقال: كانت هذه هُزَيلة من أبي القاسم، قال: كَذَبتَ يا عدوّ الله، فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر مالًا، وإبلًا، وعُروضًا، من أقتاب، وحبال، وغير ذلك. انتهى.
وقال في "الفتح" بعد أن ذكر السبب المذكور: وهذا لا يقتضي حصر السبب في إجلاء عمر إياهم، وقد وقع لي فيه سببان آخران:
أحدهما: رواه الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، قال: ما زال
_________________
(١) (الفتح" ٦/ ٦١٩) "كتاب الشروط" رقم (٢٧٣٠).
(٢) الَفَدْع: ميل في المفاصل كلها، كان المفاصل قد زالت عن مواضعها، وأكثر ما يكون في الأرساغ، قاله في "عمدة القاري" ١٣/ ٣٠٥.
[ ٢٧ / ٣٠٥ ]
عمر حتى وجد الثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "لا يجتمع بجزيرة العرب دينان"، فقال: من كان له من أهل الكتابين عهد، فليأت به، أُنفذه له، وإلا فإني مُجْليكم، فأجلاهم. أخرجه ابن أبي شيبة وغيره.
ثانيهما: رواه عمر بن شَبَّة في "أخبار المدينة" من طريق عثمان بن محمد الأخنسيّ قال: لما كَثُر العيال - أي: الْخَدَم - في أيدي المسلمين، وقَوُوا على العمل في الأرض أجلاهم عمر.
ويَحْتَمِل أن يكون كلٌّ من هذه الأشياء جزءَ علةٍ في إخراجهم. انتهى (^١).
وفي قوله: "وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر إلخ" دليل على أن أرض خيبر كانت مملوكة للمسلمين دون اليهود؛ لأنها لو كانت لهم لأعطاهم عمر - ﵁ - قيمتها كما أعطاهم قيمة ثمرهم.
وأجاب العينيّ بأنه يجوز أنه ما أعطاهم زمان الإجلاء، وأعطاهم بعد ذلك. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله العينيّ تعسّف، لا يخفى على منصف، فتبصّر، وبالله تعالى التوفيق.
(إِلَى تَيْمَاءَ) بفتح المثنّاة، وسكون التحتانيّة، والمدّ (وَأَرِيحَاءَ) بفتح الهمزة، وكسر الراء، بعدها تحتانيّة ساكنة، ثم مهملة، وبالمدّ أيضًا: هما موضعان مشهوران بقرب بلاد طيّء على البحر، في أول طريق الشام من المدينة.
وذكر ياقوت في "معجم البلدان": أن تيماء بين الشام ووادي القرى، على طريق حاجّ الشام ودمشق، وذكر أيضًا أنها تسمّى تيماء اليهوديّ؛ لأن حِصن السموءل بن عاديا اليهوديّ مشرفٌ عليها (^٣).
وذكر أن أريحا بالقصر، قال: وقد رواه بعضهم بالخاء المعجمة لغة عبرانيّة، وهي مدينة الجبّارين في الغور من أرض الأردنّ بالشام، بينها وبين بيت المقدس يوم للفارس، في جبال صعبة المسلك، سُمّيت - فيما قيل -
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٦١٩ "كتاب الشروط" رقم (٢٧٣٠).
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ٧٢٤.
(٣) "معجم البلدان" ٢/ ٦٧.
[ ٢٧ / ٣٠٦ ]
بأريحا بن لمك (^١) بن أرفخشذ بن سام بن نوح. انتهى (^٢).
وقد ذكر البلاذريّ في "الفتوح": أن النبيّ - ﷺ - لَمّا غَلَبَ على وادي القُرَى بَلَغ ذلك أهل تيماء، فصالحوه على الجزية، وأقرَّهم ببلدهم، قاله في "الفتح" (^٣).
وقال النوويّ - ﵀ -: تيماء وأريحاء: هما ممدودتان، وهما قريتان معروفتان، وفي هذا دليل على أن مراد النبيّ - ﷺ - بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب إخراجهم من بعضها، وهو الحجاز خاصَّةً؛ لأن تيماء من جزيرة العرب، لكنها ليست من الحجاز. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله في ثاني أحاديث الباب [٣٩٥٦]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.