(اعلم): أن "العزل" - بفتح العين المهملة، وسكون الزاي -: مصدر عزل، من باب ضرب، يقال: عزَلتُ الشيءَ عن غيره عَزْلًا: إذا نحّيته عنه، ومنه عزَلتُ النائب، كالوكيل: إذا أخرجته عما كان له من الحُكم، وعزَلَ المجامِعُ: إذا قارب الإنزال، فنزع، وأمنى خارج الفرج.
[فائدة]: المجامِع إذا أمنى في الفرج الذي ابتدأ الجماع فيه، قيل: أَمَاهَ: أي ألقَى ماءه، وإن لم يُنزل، فإن كان لإعياء وفُتُور، قيل: أَكْسَلَ، وأقحَطَ، وفَهَّرَ تفهيرًا، وإن نزع، وأمنى خارج الفرج، قيل: عزل، وإن أولج في فرجٍ آخر، وأمنى فيه، قيل: فَهَرَ فَهْرًا، من باب نفع، ونُهي عن ذلك، وإن أمنى قبل أن يُجامع، فهو الزُّمَّلِقُ - بضمّ الزاي، وفتح الميم، مشدّدةً، وكسر اللام - ذكره الفيّوميّ (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٦٢ - ١٦٣.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٠٧ - ٤٠٨.
[ ٢٥ / ٤٩٧ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٤٤] (١٤٣٨) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَة بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَن ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا، وَأَبُو صِرْمَةَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، فَسَأَلَهُ أَبُو صِرْمَةَ، فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَذْكُرُ الْعَزْلَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - غَزْوَةَ بَلْمُصْطَلِقِ، فَسَبَيْنَا كَرَائِمَ الْعَرَبِ، فَطَالَتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ، وَرَغِبْنَا فِي الْفِدَاءِ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَسْتَمْتِعَ، وَنَعْزِلَ، فَقُلْنَا: نَفْعَلُ (^١)، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَ أَظْهُرِنَا، لَا نَسْأَلُهُ؟ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، مَا كتَبَ اللهُ خَلْقَ نَسَمَةٍ، هِيَ كَائِنَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا سَتَكُونُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) وله (٧٧) سنةً (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (عَلِيُّ بْن حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظ، من صغار [١٠] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٥ - (رَبِيعَةُ) بن أبي عبد الرحمن التيميّ مولاهم، أبو عثمان المدنيّ المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فَرُّوخ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ، كانوا يتّقونه لموضع الرأي [٥] (ت ١٣٦) على الصحيح (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ١١/ ١٦٥٢.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) - بفتح الحاء - ابن مُنقذ الأنصاريّ
_________________
(١) وفي نسخة: "أنفعل؟ ".
[ ٢٥ / ٤٩٨ ]
المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٤] (ت ١١٢١) وله (٧٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠.
٧ - (ابْنُ مُحَيْرِيزٍ) هو: عبد الله بن مُحيريز بن جُنادة بن وهب الْجُمَحيّ المكيّ، كان يتيمًا في حِجْر أبي محذورة بمكة، ثم نزل بيت المقدس، ثقةٌ عابدٌ [٣] (ت ٩٩) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠.
٨ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك ذُكر في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم؛ لِمَا مرّ قريبًا.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وابن حُجر، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه، وابن مُحَيريز، كما أسلفته آنفًا أيضًا.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: ربيعة، عن محمد بن يحيى، عن ابن محيريز.
٥ - (ومنها): أن أبا سعيد - ﵁ -، من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَن ابْنِ مُحَيْرِيزٍ) قال في "الفتح": - بحاء مهملة، ثم راء، ثم زاي، مصغرًا - اسمه عبد الله، ووقع كذلك في رواية يونس، عن الزهريّ: "أخبرني عبد الله بن مُحيريز الْجُمَحيّ"، وهو مدنيّ سكن الشام، ومحيريز أبوه هو ابن جُنَادة بن وهب، وهو من رهط أبي مَحذورة المؤذن - ﵁ -، وكان يتيمًا في حِجْره (^١). (أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا، وَأَبُو صِرْمَةَ) - بكسر الصاد المهملة، وسكون الراء - المازنيّ الأنصاريّ الصحابيّ، اسمه: مالك بن قيس، وقيل: ابن أبي قيس، وقيل: ابن أسعد، وقيل: قيس بن مالك بن أبي أنس، من بني مازن بن
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٤٥ - ٦٤٦.
[ ٢٥ / ٤٩٩ ]
النَّجّار، وقيل: من بني عديّ بن النجار، شهد بدرًا، وما بعدها، وكان شاعرًا، قال ابن عبد البرّ: لم يُختلف في شهوده بدرًا.
روى عن النبيّ - ﷺ -، وعن أبي أيوب، وروى عنه محمد بن كعب القُرَظيّ، ومحمد بن قيس المدنيّ، وعبد الله بن مُحيريز، وزياد بن نعيم الحضرميّ، ولؤلؤة مولاة الأنصار، وصحح الحافظ أبو أحمد الدمياطيّ أن اسمه قيس بن صِرْمة بن أبي صِرْمة بن مالك بن عديّ بن النّجّار، وكذا نسبه ابن الْبَرْقيّ، وابن قانع، وذكره محمد بن الربيع الْجِيزيّ فيمن قَدِم مصر من الصحابة، وأما ابن إسحاق، وموسى بن عقبة، والواقديّ، وأبو معشر، فلم يذكروه في البدريين، قال الحافظ: فيُحَرَّر قول ابن عبد البرّ. انتهى (^١).
تفرّد به البخاري في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وله عنده في هذا الكتاب حديث واحد، سيأتي في "كتاب التوبة" برقم (٢٧٤٨): "لولا أنكم تُذنبون لخلق الله خلقًا يُذنبون، فيغفر لهم"، وأعاده بعده بلفظ: "لو أنكم لم تكن لكم ذنوبٌ، يغفرها الله لكم، لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم".
(عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - ﵁ - (فَسَأَلَهُ أَبُو صِرْمَةَ) وفي رواية للبخاريّ في "المغازي" عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن مُحيريز، أنه قال: "دخلت المسجد، فرأيت أبا سعيد الخدريّ، فجلست إليه، فسألته عن العزل"، وقد وقع في رواية للنسائيّ من طريق الضحاك بن عثمان، عن محمد بن يحيى، عن ابن مُحيريز، عن أبي سعيد، وأبي صِرْمة قالا: أصبنا سبايا. . .، والمحفوظ الأول (^٢).
وقوله: (فَقَالَ) تفسير وبيان للسؤال (يَا أَبَا سَعِيدٍ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَذْكُرُ الْعَزْلَ؟) أي نَزْعَ الذَّكَر من الفرج بعد الإيلاج؛ ليُنزل خارجه، والمراد بيان حكمه (فَقَالَ) أبو سعيد - ﵁ - (نَعَمْ) أي سمعته - ﷺ - يذكره، ثم بيّن كيفيّة سماعه، فقال: (غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - غَزْوَةَ بَلْمُصْطَلِقِ) منحوت من بني الْمُصْطَلِق، كما يقال: بلعنبر، أي بني العنبر، وهي غزوة الْمُريسيع، قال القاضي عياض: قال أهل الحديث: هذا أولى من رواية موسى بن عقبة أنه كان
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٤/ ٥٤٠.
(٢) "الفتح" ١١/ ٦٤٦.
[ ٢٥ / ٥٠٠ ]
في غزوة أوطاس. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قال أبو عمر: بنو المصطلق قوم من خُزاعة، كانت الوقعة بهم في موضع يقال له: الْمُرَيسيع، من نحو قُديد، في سنة ستّ من الهجرة، وتُعرف هذه الغزوة بغزوة بني الْمُصْطَلِق، وبغزوة الْمُرَيسيع، قال: وقد روى هذا الحديث موسى بن عقبة، عن ابن مُحيريز، عن أبي سعيد، قال: أصبنا سَبْيًا من سبي أوطاس، قال: وهو سبيُ هَوَازن، وكان ذلك يوم حنين في سنة ثمان من الهجرة، قال: فوهِمَ ابن عقبة في ذلك، والله تعالى أعلم، قال: وقد رواه أبو إسحاق السَّبِيعيّ، عن أبي الْوَدّاك، عن أبي سعيد، قال: لَمّا أصبنا سبي حُنين، سألنا رسول الله - ﷺ - عن العزل، فقال: "ليس من كلّ الماء يكون الولد. . ." الحديث.
وتعقّبه القرطبيّ، فقال: الذي في مسلم في كتابه عن عليّ بن أبي طلحة، عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد في هذا الحديث: سئل رسول الله - ﷺ - عن العزل، فقال: "ليس من كلّ الماء يكون الولد"، ولم يذكر فيه سبي حنين، ولا غيره، وكذلك ما ذكره أبو عمر من رواية ابن عقبة، عن ابن مُحيريز، ذكره مسلم أيضًا، ولم يذكر فيه: من سبي أوطاس، ولا غيره، وإنما ذكر مسلم يوم أوطاس في حديث أبي علقمة الهاشمىّ، عن أبي سعيد في قضيّة تحرّج أصحابه من وطء المسبيّات من أجل أزواجهنّ، على ما يأتي، وهي قصّة أخرى، في زمان آخر غير زمان بني المصطلِق، والصحيح في الحديث الأول رواية من رواه: بني المصطلِق، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^٢)، وهو تحقيق مفيد.
(فَسَبَيْنَا) أي أَسَرْنا، قال المجد - ﵀ -: سَبَى العدُوّ سَبْيًا، وسِبَاءً: أسره، كاستباه، فهو سبيّ، وهي سَبِيٌّ أيضًا، والجمع سَبَايَا. انتهى (^٣).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: سَبيتُ العدُوَّ سَبيًا، من باب رَمَى، والاسم السِّبَاءُ، وزانُ كتاب، والقصر لغةٌ، وأسبيته بالألف مثله، فالغلام سَبِيٌّ، ومَسْبيّ،
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٤/ ٦١٥.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٦٤.
(٣) "القاموس المحيط" ٤/ ٣٤٠.
[ ٢٥ / ٥٠١ ]
والجارية سَبيّةٌ، ومسبيّةٌ، وجمعها سَبَايَا، مثلُ عطيّة وعَطَايَا، وقوم سَبْيٌ، وصفٌ بالمصدر، قال الأصمعيّ: لا يقال للقوم إلا كذلك. انتهى (^١).
(كَرَائِمَ الْعَرَبِ) جميع كريمة، أي النفيسات منهم، وقال القرطبيّ: أي كبراءهم، وخيارهم، قال: وبنو المصطلق وثنيّون بلا شكّ. انتهى (^٢). (فَطَالَتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ) أي لتعذّر النكاح عليهم بتعذّر أسبابه، لا لطول إقامتهم في تلك الغزوة، فإن غيبتهم فيها عن المدينة لم تكن طويلة، قاله القرطبيّ - ﵀ - (^٣).
و"الْعُزْبَة": بضمّ، فسكون: أي البعد عن الأهل، يقال: عَزَبَ الرجل يَعْزُبُ، من باب قتل عُزْبةً، وزانُ غُرْفة، وعُزُوبةً: إن لم يكن له أهل، فهو عَزَبٌ بفتحتين، وامرأةٌ عَزَبٌ أيضًا كذلك، قال الشاعر [من الرجز]:
يَا مَنْ يَدُلُّ عَزَبًا عَلَى عَزَبْ … عَلَى ابْنَةِ الْحُمَارِسِ (^٤) الشَّيخِ الأَزِبْ (^٥)
وجمع الرجل عُزّابٌ، باعتبار بنائه الأصليّ، وهو عازبٌ، مثلُ كافر وكُفّار، قال أبو حاتم: ولا يقال: رجلٌ أعزب، قال الأزهريّ: وأجازه غيره، وقياس قول الأزهريّ أن يقال: امرأة عَزْباءُ، مثلُ أحمر وحمراء. انتهى (^٦).
(وَرَغِبْنَا فِي الْفِدَاءِ) أي في أخذ المال عوضًا عنهنّ، يقال: فدى أسيره: إذا دفع فيه مالًا، وأخذه، وفاداه: إذا دفع فيه رجلًا، على ما حكاه أبو عمر (^٧).
قال النوويّ - ﵀ -: معناه: احتجنا إلى الوطء، وخِفْنا من الْحَبَل، فتصير أمَّ ولد، يمتنع علينا بيعُها، وأخذُ الفداء فيها، فيُستنبط منه منع بيع أم الولد، وأن هذا كان مشهورًا عندهم. انتهى.
(فَاَرَدْنَا أَنْ نَسْتَمْتِعَ) أي نُجامع المسبيّات (وَنَعْزِلَ) أي نُنزل المنيّ خارج فرجها؛ لئلا تَحمل، وقال القرطبيّ - ﵀ -: "الْعَزل": هو أن يُنحّي الرجل ماءه
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٦٥.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٦٤.
(٣) "المفهم" ٤/ ١٦٤.
(٤) "الْحُمَارسُ بالضمّ: الشديد، والأسدُ، والجريء الْمِقْدام.
(٥) "الأزبُ": الكريه الذي لا يُدْنَى من حُرْمَته.
(٦) "المصباح المنير" ٢/ ٤٠٧.
(٧) "المفهم" ٤/ ١٦٤.
[ ٢٥ / ٥٠٢ ]
عند الجماع عن الرحم، فيُلقيه خارجه. انتهى (^١). (فَقُلْنَا: نَفْعَلُ) وفي بعض النسخ: "أنفعل؟ " (وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ -) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (بَيْنَ أَظْهُرِنَا) أي بيننا، فـ "أظْهُر" مُقْحَمٌ، قال الفيّوميّ - ﵀ -: "هو نازلٌ بين ظَهْرانيهم" بفتح النون، قال ابن فارس: ولا تُكسر، وقال جماعة: الألف والنون زائدتان للتأكيد، و"بين ظَهْريهم"، و"بين أظهرهم" كلّها بمعنى "بينهم"، وفائدة إدخاله في الكلام أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم، والاستناد إليهم، وكأَنَّ المعنى أن ظهرًا منهم قُدّامه، وظهرًا وراءه، فكأنه مكنوفٌ من جانبيه، هذا أصله، ثم كثُر، حتى استُعمل في الإقامة بين القوم، وإن كان غير مكنوف بينهم. انتهى (^٢).
وقوله: (لَا نَسْأَلُهُ؟) جملة حاليّة، إما متداخلة، أو مترادفة، قال القرطبيّ - ﵀ -: والذي حرّكهم للسؤال عنه أنهم خافوا أنه يكون محرّمًا؛ لأنه قطعٌ للنسل، ولذلك أُطلق عليه: "الوأد الخفيّ". انتهى (^٣).
(فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) وفي رواية للبخاريّ: "إنا نُصيب سبيًا، ونحب المال، فكيف ترى في العزل؟ "، وفي رواية عبد الرحمن بن بشر عن أبي سعيد الآتية للمصنّف قال: ذُكر العزلُ عند رسول الله - ﷺ -، قال: "وما ذاكم؟ "، قالوا: الرجل تكون له المرأة، تُرضع له، فيصيب منها، ويكره أن تَحمِل منه، والرجل تكون له الأمة، فيصيب منها، ويكره أن تَحمل منه.
قال في "الفتح": ففي هذه الرواية إشارة إلى أن سبب العزل شيئان:
[أحدهما]: كراهة مجيء الولد من الأمة، وهو إما أَنَفَةٌ من ذلك، وإما لئلا يتعذر بيع الأمة إذا صارت أم ولد، وإما لغير ذلك، كما سيأتي بعدُ.
[والثاني]: كراهة أن تَحْمِل الموطوءة، وهي تُرضع، فيَضُرّ ذلك بالولد الْمُرْضَع. انتهى (^٤).
(فَقَالَ) - ﷺ - ("لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا) أي ليس عليكم ضرر في الترك، ففيه إشارةٌ أن ترك العزل أحسن من فعله.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٦٦.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣٨٧.
(٣) "المفهم" ٤/ ١٦٦.
(٤) "الفتح" ١١/ ٦٤٦.
[ ٢٥ / ٥٠٣ ]
أو المعنى على النهي: أي لا تفعلوا العزل، وفي رواية مالك، عن الزهريّ الآتية: "قال لنا: وإنكم لتفعلون؟، وإنكم لتفعلون؟ وإنكم لتفعلون؟ "، وفي رواية البخاريّ: "أوَ إنكم لتفعلون" بدون تكرار.
(مَا) نافية (كَتَبَ اللهُ خَلْقَ نَسَمَةٍ) بنصب "خَلْقَ" على المفعوليّة (هِيَ كَائِنَةٌ) أي مخلوقة، وقوله: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) متعلّق بـ "كتب"، أو بـ "خَلْق"، أو بـ "كائنة" (إِلَّا سَتَكُونُ) أي ستوجد، فـ "تكون" هنا تامّة.
قال النوويّ - ﵀ -: قوله: "لا عليكم أن لا تفعلوا. . . إلخ": معناه: ما عليكم ضرر في ترك العزل؛ لأن كلَّ نفس قَدَّرَ الله تعالى خلقها لا بد أن يخلقها، سواءٌ عَزَلتم أم لا، وما لم يُقَدِّر خلقها لا يقع، سواء عزلتم أم لا، فلا فائدة في عزلكم، فإنه إن كان الله تعالى قَدَّرَ خلقها سبقكم الماء، فلا ينفع حرصكم في منع الخلق. انتهى.
وفي الرواية الآتية: "لا عليكم أن لا تفعلوا، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ": أي إنما المؤثّر في وجود الولد وعدمه القدرُ، لا العزل، فأيّ حاجة إليه.
وقال الحافظ أبو عمر - ﵀ -: اختُلف في معنى قوله - ﷺ -: "ما عليكم ألا تفعلوا إلخ": فقيل: ما عليكم في العزل، ولا في امتناعكم منه شيء، فاعزلوا، أو لا تعزلوا، فقد فُرِغ من الخلق، وإعدادهم، وما قضي، وسَبَقَ في علم الله، فلا بدّ أن يكون لا محالة، قال الله - ﷿ -: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (٢٩)﴾ [النبأ: ٢٩]، وقال - ﷿ -: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر: ٥٢ - ٥٣].
وقيل: بل معنى قوله - ﷺ -: "أن لا تفعلوا": أي لا تفعلوا العزل، كأنه نهَى عنه. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - (^١).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: اختُلف في قوله: "لا عليكم ألا تفعلوا"، ففهمتْ طائفةٌ منه النهي والزجر عن العزل، كما حُكي عن الحسن، ومحمد بن المثنّى (^٢)، وكأن هؤلاء فَهِمُوا من "لا" النهي عما سُئل عنه، وحُذف
_________________
(١) "الاستذكار" ١٨/ ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٢) هكذا نسخة: "المفهم" "ابن المثنّى"، والظاهر أنه تصحيف من "ابن سيرين"، كما المنصوص عند مسلم، فليُحرّر.
[ ٢٥ / ٥٠٤ ]
بعد قوله: "لا"، فكأنه قال: لا تعزلوا، وعليكم ألّا تفعلوا، تأكيدًا لذلك النهي.
وفَهِمَت طائفةٌ أخرى منها الإباحة، وكأنها جعلت جواب السؤال قوله: "لا عليكم ألا تفعلوا": أي ليس عليكم جناحٌ في أن لا تفعلوا.
وهذا التأويل أولى بدليل قوله: "ما من نسمة كائنة إلا ستكون"، وبقوله: "لا عليكم ألا تفعلوا، فإنما هو القدر"، وبقوله: "إذا أراد الله خلقَ الشيء لم يمنعه شيء"، وهذه الألفاظ كلّها مصرّحةٌ بأن العزل لا يردّ القدر، ولا يضرّه، فكأنه قال: لا بأس به.
وبهذا تمسّك من رأى إباحة العزل مطلقًا عن الزوجة والسُّرِّيّة، وبه قال كثيرٌ من الصحابة، والتابعين، والفقهاء.
وقد كرهه آخرون من الصحابة، وغيرهم، متمسّكين بالطريقة المتقدّمة، وبقوله - ﷺ -: "ذلك الوأد الخفيّ".
ووقع في رواية مسلم لهذا الحديث من طريق أيوب، عن ابن سيرين ما نصّه: "قال محمد: وقوله: "لا عليكم" أقرب إلى النهي"، ومن طريق معاذ بن معاذ، عن ابن عون، عن ابن سيرين ما نصّه: قال ابن عون: فحدّثتُ به الحسنَ، فقال: والله لكأنّ هذا زجر.
قال في "الفتح": قال القرطبيّ: كأن هؤلاء فهموا من "لا" النهي عما سألوه عنه، فكأن عندهم بعد "لا" حذفًا، تقديره: لا تعزلوا، وعليكم أن لا تفعلوا، ويكون قوله: "وعليكم إلخ" تأكيدًا للنهي.
وتُعُقّب بأن الأصل عدم هذا التقدير، وإنما معناه: ليس عليكم أن تتركوا، وهو يساوي أن لا تفعلوا، وقال غيره: قوله: "لا عليكم أن لا تفعلوا" أي لا حرج عليكم أن لا تفعلوا، ففيه نفي الحرج عن عدم الفعل، فأفهم ثبوت الحرج في فعل العزل، ولو كان المراد نفي الحرج عن الفعل لقال: لا عليكم أن تفعلوا، إلا أن يُدّعَى أنّ "لا" زائدةٌ، فيقال: الأصل عدم ذلك.
ووقع في رواية مسلم الآتية من طريق مجاهد، عن قَزَعَةَ، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: ذُكر العزل عند رسول الله - ﷺ -، فقال: "ولِمَ يَفعَلُ ذلك أحدكم؟ "، ولم يقل: لا يفعلْ ذلك، فأشار إلى أنه لم يصرّح لهم بالنهي،
[ ٢٥ / ٥٠٥ ]
وإنما أشار أن الأَولى ترك ذلك؛ لأن العزل إنما كان خشية حصول الولد، فلا فائدة في ذلك؛ لأن الله إن كان قدّر خلق الولد لم يمنع العزل ذلك، فقد يسبق الماء، ولا يشعر العازل، فيحصل العلوق، ويلحقه الولد، ولا رادّ لما قضى الله، والفرار من حصول الولد يكون لأسباب:
(منها): خشية علوق الزوجة الأمةِ؛ لئلّا يصير الولد رقيقًا، أو خشية دخول الضرر على الولد المرضَع إذا كانت الموطوءة تُرضعه، أو فرارًا من كثرة العيال، إذا كان الرجل مُقِلًّا، فيرغب عن قلّة الولد؛ لئلّا يتضرّر بتحصيل الكسب، وكلُّ ذلك لا يُغني شيئًا.
وقد أخرج أحمد، والبزّار، وصحّحه ابن حبّان من حديث أنس - ﵁ -: أن رجلًا سأل عن العزل؟ فقال النبيّ - ﷺ -: "لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج الله منها ولدًا"، وله شاهدان في "الكبير" للطبرانيّ عن ابن عبّاس - ﵄ -، وفي "الأوسط" له عن ابن مسعود - ﵁ -.
قال الحافظ: وليس في جميع الصور التي يقع العزل بسببها ما يكون العزل فيه راجحًا، سوى الصورة الآتية عند مسلم من طريق عبد الرحمن بن بشر، عن أبي سعيد - يعني حديث الباب - وهي خشية أن يضرّ الحمل بالولد المرضَع؛ لأنه مما جُرّب، فضرّ غالبًا، لكن وقع في بقيّة الحديث عند مسلم أن العزل بسبب ذلك لا يفيد؛ لاحتمال أن يقع الحمل بغير الاختيار.
ووقع عند مسلم في حديث أُسامة بن زيد الآتي: جاء رجلٌ إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: إني أعزل عن امرأتي شفقةً على ولدها، فقال رسول الله - ﷺ -: "لا، إن كان كذلك، فلا، ما ضارّ ذلك فارس ولا الروم".
وفي العزل أيضًا إدخال ضرر على المرأة؛ لما فيه من تفويت لذّتها. انتهى (^١)، وسيأتي تحقيق الخلاف في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٤٧ - ٦٤٨.
[ ٢٥ / ٥٠٦ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٣٥٤٤ و٣٥٤٥ و٣٥٤٦ و٣٥٤٧ و٣٥٤٨ و٣٥٤٩ و٣٥٥٠ و٣٥٥١ و٣٥٥٢ و٣٥٥٣ و٣٥٥٤ و٣٥٥٥] (١٤٣٨)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢٢٢٩) و"العتق" (٢٥٤٢) و"المغازي" (٤١٣٨) و"النكاح" (٥٢١٠) و"القدر" (٦٦٠٣) و"التوحيد" (٧٤٠٩)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢١٧٠ و٢١٧٢)، و(الترمذيّ) في "النكاح" (١١٣٨)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٣٣٢٨)، وفي "الكبرى" (٥٤٨٦)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٩٢٦)، و(مالك) في "الموطإ" (١٢٦٢)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢١٧٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٢٢٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١١ و٢٣ و٥٣ و٦٣ و٦٨ و٧٢ و٧٨ و٨٨)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٢٢٣ و٢٢٢٤)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (٢٢١٧ و٢٢١٨ و٢٢١٩)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٣٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤١٩١ و٤١٩٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده) (٣/ ٩٥ و٩٦ و٩٧ و٩٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١١٤)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٧/ ٣٢٤) و"الصغير" (٢/ ١٣٩)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٢/ ٤٢٩ و٤٤٤)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ١٧٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٢٩) و"المعرفة" (٥/ ٣٦٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٢٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم العزل، وهو مختلف فيه، سيأتي بيانه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: في هذا الحديث دلالة لمذهب جماهير العلماء، أن العرب يَجرِي عليهم الرقّ، كما يجري على العجم، وأنهم إذا كانوا مشركين، وسُبُوا جاز استرقاقهم؛ لأن بني المصطلِق عرب صلبية، من خُزاعة، وقد استرقّوهم، ووَطِئوا سباياهم، واستباحوا بيعهنّ، وأخذ فدائهنّ، وبهذا قال مالك، والشافعيّ في قوله الصحيح الجديد، وجمهور العلماء، وقال
[ ٢٥ / ٥٠٧ ]
أبو حنيفة، والشافعيّ في قوله القديم: لا يَجري عليهم الرقّ؛ لشرفهم، والله أعلم. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): جواز كراهة الإنسان حمل زوجته؛ لسبب من الأسباب.
٤ - (ومنها): أن قوله - ﷺ -: "أوَ إنكم لتفعلون" يُشعر بأنه - ﷺ - ما كان يطّلع على فعلهم ذلك، ففيه تعقّبٌ على من قال: إن قول الصحابيّ: كنّا نفعل كذا في عهد رسول الله - ﷺ - مرفوعٌ؛ معتلًّا بأن الظاهر اطلاع النبيّ - ﷺ -، ففي هذا الخبر أنهم فعلوا العزل، ولم يعلم به حتى سألوه عنه.
ويُجاب عن هذا بأن دواعيهم كانت متوفّرةً على سؤاله - ﷺ - عن أمور الدين، فإذا فعلوا الشيء، وعلموا أنه لم يطّلع عليه بادروا إلى سؤاله عن الحكم فيه، فيكون الظهور من هذه الحيثيّة، أفاده في "الفتح".
وأيضًا على تقدير أنه - ﷺ - لا يطّلع عليه أن الوحي لا يسكت عنه، كما أفصح بذلك جابر - ﵁ -، حيث قال: "كنّا نَعزل، والقرآن يَنزل" رواه مسلم، فقد استدلّ الصحابيّ - ﵁ - على جواز العزل بعدم نزول القرآن بتحريمه، وهو استدلالٌ واضح.
وأخرج الدارقطنيّ، وغيره عن أبي ثعلبة الْخُشَنيّ، مرفوعًا: "إن الله تعالى فرض فرائض، فلا تضيّعوها، وحدّ حُدُودًا، فلا تعتدوها، وحرّم أشياء، فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها" (^٢).
٥ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن عبد البرّ - ﵀ -: في هذا الحديث إثبات قِدَم العِلْم، وأن الخلق يُجزَون في علم قد سبق، وجفّ به القلم في كتاب مسطور، على هذا أهل السنّة، وهم أهل الحديث، والفقه.
وجملة القول في الْقَدَر أنه علم الله، وسرّه، لا يُدرك بجَدَل، ولا تُشْفِي منه خُصُومةٌ، ولا احتجاج، وحسبُ المؤمن بالقدر أنه لا يقوم بشيء، دون إرادة الله، وأن الخلق كلهم خلقُهُ، ومُلكه، ولا يكون في ملكه إلا ما شاء،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١١ - ١٣.
(٢) حسّنه النوويّ في "أربعينيّه"، وأعلّه ابن رجب بالانقطاع بين مكحول، وأبي ثعلبة - ﵁ -.
[ ٢٥ / ٥٠٨ ]
وما نشاء إلا أن يشاء الله، ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩]، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وله الخلق، والأمرُ، له ما في السموات، وما في الأرض، وما بينهما، وما تحت الثرى، ولا يكون في شيء من ذلك إلا ما يشاء، يغفر لمن يشاء، ويُعذّب من يشاء، ومن عذّبه فبذنبه، ويعفو عمن يشاء من عباده، ومن لم يوفّقه، فليس بظالم له، لا يظلم مثقال ذرّة، وإن تك حسنةً يُضاعفها، وما ربّك بظلّام للعبيد. انتهى (^١).
٦ - (ومنها): ما قال في "الفتح": استُدِلّ بقوله: "وأصبنا كرائم العرب"، لمن أجاز استرقاق العرب، وبقوله: "أردنا أن نستمتع" لمن أجاز وطء المشركات بمِلك اليمين، وإن لم يكنّ من أهل الكتاب؛ لأن بني المصطلِق كانوا أهل أوثان، وقد انفصل عنه من منع باحتمال أن يكونوا ممن دان بدين أهل الكتاب، وهو باطل، وباحتمال أن يكون ذلك في أول الأمر، ثم نُسخ، وفيه نظر؛ إذ النسخ لا يثبت بالاحتمال، وباحتمال أن تكون المسبيات أسلمن قبل الوطء، وهذا لا يتم مع قوله في الحديث: "وأحببنا الفداء"، فإن المسلمة لا تعاد للمشرك، نعم يمكن حمل الفداء على مَعْنًى أخصّ، وهو أنهن يَفْدِين أنفسهنّ، فيُعْتَقْن من الرقّ، ولا يلزم منه إعادتهنّ للمشركين، وحمَله بعضهم على إرادة الثمن؛ لأن الفداء المتخوَّف من فوته هو الثمن، ويؤيد هذا الحمل قوله في الرواية الأخرى: "فقالوا: يا رسول الله إنا أصبنا سبيًا، ونحبّ الأثمان، فكيف ترى في العزل؟ "، وهذا أقوى مِن جميع ما تقدم، والله أعلم. انتهى (^٢) ما في "الفتح"، وهو بحث نفيسٌ.
وحاصله ترجيح تفسير الفداء في قوله: "ورغبنا في الفداء" بالثمن، أي أنهم يرغبون في بيعها، فإذا حَمَلت منهم امتنع عليهم بيعها، ففقدوا ثمنها، وهذا التأويل كما قال في "الفتح": أقوى من غيره؛ لقوله في الرواية المذكورة: "ونُحبّ الأثمان"، والرواية يفسّر بعضها بعضًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حُكم العزل:
_________________
(١) "الاستذكار" ١٨/ ٢٠٩ - ٢١٠.
(٢) "الفتح" ١١/ ٦٥١.
[ ٢٥ / ٥٠٩ ]
(اعلم): أنه اختلف السلف في حكم العزل، قال ابن عبد البرّ - ﵀ -: لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرّة إلا بإذنها؛ لأن الجماع من حقّها، ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل، ووافقه في نقل الإجماع ابن هُبيرة.
قال في "الفتح": وتُعُقّب بأن المعروف عند الشافعيّة أن المرأة لا حقّ لها في الجماع أصلًا (^١)، ثم في خصوص هذه المسألة عند الشافعيّة خلافٌ مشهور في جواز العزل عن الحرّة بغير إذنها، قال الغزاليّ وغيره: يجوز، وهو المصحّح عند المتأخّرين.
واحتجّ الجمهور لذلك بحديث عن عمر - ﵁ -، أخرجه أحمد، وابن ماجه بلفظ: "نُهي عن العزل عن الحرّة إلا بإذنها"، وفي إسناده ابن لهيعة، والوجه الآخر للشافعيّة الجزم بالمنع إذا امتنعت، وفيما إذا رضيت وجهان، أصحّهما الجواز، وهذا كلّه في الحرّة، وأما الأمة، فإن كانت زوجة، فهي مُرَتّبة على الحرّة، إن جاز فيها ففي الأمة أولى، وإن امتنع فوجهان، أصحّهما الجواز؛ تحرّزًا من إرقاق الولد، وإن كانت سُرّيّةً جاز بلا خلاف عندهم إلا في وجه حكاه الرويانيّ في المنع مطلقًا، كمذهب ابن حزم، وإن كانت السرّيّة مستولدةً، فالراجح الجواز فيه مطلقًا؛ لأنها راسخةٌ في الفراش، وقيل: حكمها حكم الأمة المزوّجة.
هذا: واتفقت المذاهب الثلاثة على أن الحرّة لا يعزل عنها إلا بإذنها، وأن الأمة يعزل عنها بغير إذنها، واختلفوا في المزوّجة، فعند المالكيّة يحتاج إلى إذن سيّدها، وهو قول أبي حنيفة، والراجح عن محمد، وقال أبو يوسف، وأحمد: الإذن لها، وهي رواية عن أحمد، وعنه: بإذنها، وعنه: يباح العزل مطلقًا، وعنه: المنع مطلقًا.
والذي احتجّ به من جنح إلى التفصيل لا يصحّ إلا عند عبد الرزّاق عنه بسند صحيح، عن ابن عبّاس، قال: "تُستأمر الحرّة في العزل، ولا تُستأمر
_________________
(١) قال الجامع: قد تقدّم لنا البحث في هذا، وأن الحقّ وجوب الجماع للزوجة إذا احتاجت إليه، فلا تغفل.
[ ٢٥ / ٥١٠ ]
الأمة السرّيّة، فإن كانت أمة تحت حرّ، فعليه أن يستأمرها"، وهذا نصّ في المسألة، فلو كان مرفوعًا لم يجُز العدول عنه.
وقد استنكر ابن العربيّ القول بمنع العزل عمن يقول بأن المرأة لا حقّ لها في الوطء، ونقل عن مالك أن لها حقّ المطالبة به إذا قصد بتركه إضرارها (^١)، وعن الشافعيّ، وأبي حنيفة: لا حقّ لها فيه إلا في وطأة واحدة يستقرّ بها المهر، قال: فإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون لها حقّ في العزل؟ فإن خصّوه بالوطئة الأولى، فيمكن، وإلا فلا يسوغ فيما بعد ذلك إلا على مذهب مالك بالشرط المذكور. انتهى.
وما نقله عن الشافعيّ غريبٌ، والمعروف عند أصحابه أنه لا حقّ لها أصلًا، نعم جزم ابن حزم بوجوب الوطء، وبتحريم العزل، واستند إلى حديث جُدامة بنت وهبٍ: "أن النبيّ - ﷺ - سُئل عن العزل، فقال: "ذلك الوأد الخفيّ"، أخرجه مسلم.
وهذا معارض بحديثين: أحدهما أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، وصححه من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر، قال: "كانت لنا جواري، وكنّا نعزل، فقالت اليهود: إن تلك الموءودة الصغرى، فسُئل رسول الله - ﷺ - عن ذلك؟ فقال: كذبت اليهود، لو أراد الله خلقه لم تستطع ردّه".
وأخرجه النسائيّ من طريق هشام، وعليّ بن المبارك، وغيرهما عن يحيى، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي مُطيع ابن رفاعة، عن أبي سعيد نحوه.
_________________
(١) قال الجامع: هذا هو الصواب الذي عليه النصوص، فقد أوجب الله تعالى لهنّ مثل ما عليهنّ في قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، فكما أن عليها التمكين من جماعها إذا أراد، فكذلك عليه أن يُجامعها إذا طلبت منه ذلك، وليس هناك مانع، من مرض، أو نحوه، لظاهر الآية المذكورة. والحاصل أن ما نقل عن مالك - ﵀ - هو الأرجح في المسألة، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
[ ٢٥ / ٥١١ ]
ومن طريق أبي عامر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - نحوه.
ومن طريق سليمان الأحول أنه سمع عمرو بن دينار يسأل أبا سلمة بن عبد الرحمن عن العزل؟ فقال: زعم أبو سعيد، فذكر نحوه، قال: فسألت أبا سلمة، أسمعته من أبي سعيد؟ قال: لا، ولكن أخبرني رجلٌ عنه.
والحديث الثاني: في النسائيّ من وجه آخر عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وهذه طرُقٌ يتقوّى بعضها ببعضٍ.
وجُمِعَ بينها وبين حديث جُدامة بحمل حديث جدامة على التنزيه، وهذه طريقة البيهقيّ.
ومنهم من ضعّف حديث جُدامة بأنه معارضٌ بما هو أكثر طرُقًا منه، وكيف يصرّح بتكذيب اليهود في ذلك، ثم يُثبته؟، وهذا دفعٌ للأحاديث الصحيحة بالتوهّم، والحديث صحيحٌ لا ريب فيه، والجمع ممكنٌ.
ومنهم من ادّعى أنه منسوخٌ، ورُدّ بعدم معرفة التاريخ، وقال الطحاويّ: يَحْتَمِل أن يكون حديث جُدامة على وفق ما كان عليه الأمر أوّلًا من موافقة أهل الكتاب، وكان - ﷺ - يُحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يُنْزَل عليه، ثم أعلمه الله بالحكم، فكذّب اليهود فيما كانوا يقولونه.
وتعقّبه ابن رُشد، ثم ابن العربيّ بأنه لا يَجزِم بشيء تبعًا لليهود، ثم يُصرّح بتكذيبهم فيه.
ومنهم: من رجّح حديث جدامة بثبوته في الصحيح، وضعّف مقابله بأنه حديث واحد، اختُلف في إسناده، فاضطَرَبَ.
وردّ بأن الاختلاف إنما يَقْدَح حيث لا يقوَى بعض الوجوه، فمتى قويَ بعضها عُمل به، وهو هنا كذلك، والجمع ممكن.
ورجّح ابن حزم العمل بحديث جدامة بان أحاديث غيرها توافق أصل الإباحة، وحديثها يدلّ على المنع، قال: فمن ادّعى أنه أُبيح بعد أن مُنع، فعليه البيان.
وتُعُقّب بأن حديثها ليس صريحًا في المنع، إذ لا يلزم من تسميته وأدًا خفيًّا على طريقة التشبيه أن يكون حرامًا.
[ ٢٥ / ٥١٢ ]
وخصّه بعضهم بالعزل عن الحامل؛ لزوال المعنى الذي كان يحذره الذي يَعزل من حصول الحمل. لكن فيه تضييعُ الحمل؛ لأن المنيّ يغذوه، فقد يؤدّي العزل إلى موته، أو إلى ضعفه المفضي إلى موته، فيكون وَأْدًا خفيًّا.
وجمعوا أيضًا بين تكذيب اليهود في قولهم: الموؤودة الصغرى، وبين إثبات كونه وأدًا خفيًّا في حديث جدامة بأن قولهم: الموؤودة الصغرى يقتضي أنه وأدٌ ظاهر، لكنه صغير بالنسبة إلى دفن المولود بعد وضعه حيًّا، فلا يعارض قوله: إن العزل وأدٌ خفيّ، فإنه يدلّ على أنه ليس في حكم الظاهر، فلا يترتّب عليه حكم، وإنما جعله وأدًا من جهة اشتراكهما في قطع الولادة.
وقال بعضهم: قوله: "الوأد الخفيّ" وَرَدَ على طريقة التشبيه؛ لأنه قطع طريق الولادة قبل مجيئه، فأشبه قتل الولد بعد مجيئه.
قال ابن القيّم: الذي كُذِّبَت فيه اليهودُ زعمهم أن العزل لا يُتصوّر معه الحمل أصلًا، وجعلوه بمنزلة قطع النسل بالوأد، فأكذبهم، وأخبر أنه لا يمنع الحمل إذا شاء الله خلقه، وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأدًا حقيقةً، وإنما سمّاه وأدًا خفيًّا في حديث جدامة؛ لأن الرجل إنما يعزل هربًا من الحمل، فأجرى قصده لذلك مجرى الوأد، لكن الفرق بينهما أن الوأد ظاهر بالمباشرة، اجتمع فيه القصد والفعل، والعزل يتعلّق بالقصد صِرْفًا، فلذلك وصفه بكونه خفيًّا.
قال الحافظ: فهذه عدّة أجوبة يقف معها الاستدلال بحديث جدامة على المنع.
قال: وقد جنح إلى المنع من الشافعيّة ابن حبّان (^١)، فقال في "صحيحه":
_________________
(١) قال الجامع: في جعله ابن حبّان من مقلّدي الشافعيّ نظر لا يخفى؛ لأن من تتبّع مذهبه في "صحيحه" يعلم يقينًا أنه لا يقلّد الشافعيّ ولا غيره، بل هو كسائر أهل الحديث مجتهد، يتبع الدليل، ولا ينظر إلى قول أحد بلا دليل، وهذا هو مذهب الشيخين، وأصحاب السنن، وقد قدّمت هذا البحث مستوفًى في "شرح المقدّمة" (١/ ١٢ - ١٤) عند ذكر مذهب الإمام مسلم - ﵀ -، فراجعه، وكذا حقّقت البحث في التقليد في "التحفة المرضيّة" و"شرحها" (٣/ ٥٣٥) بما فيه الكفاية، فراجعه تستفد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[ ٢٥ / ٥١٣ ]
[ذكرُ الخبر الدّالّ على أن هذا الفعل مزجورٌ عنه، لا يُباح استعماله]، ثم ساق حديث أبي ذرّ رفعه: "ضعه في حلاله، وجنّبه حرامه، وأقرره، فإن شاء الله أحياه، وإن شاء أماته، ولك أجر". انتهى.
ولا دلالة فيما ساقه على ما ادّعاه من التحريم، بل هو أمر إرشاد لما دلّت عليه بقيّة الأخبار، والله أعلم.
وعند عبد الرزّاق وجة آخر عن ابن عبّاس أنه أنكر أن يكون العزل وأدًا، وقال: "المنيّ يكون نطفةً، ثم علقة، ثم مضغةً، ثم عظمًا، ثم يُكسى لحمًا، قال: والعزل قبل ذلك كله".
وأخرج الطحاويّ من طريق عبد الله بن عديّ بن الخيار عن عليّ نحوه في قصّة حرب عند عمر، وسنده جيّد. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الأرجح قول من قال بجواز العزل للحاجة، وأن الأولى عدم فعله، وبهذا تجتمع الأدلة في هذا الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: اختلف القائلون بالنهي عن العزل في علّة النهي، فقيل: لتفويت حقّ المرأة، وقيل: لمعاندة القَدَر، وهذا الثاني هو الذي تقتضيه معظم الأخبار الواردة في ذلك، والأول مبنيّ على صحّة الخبر المفرّق بين الحرّة والأمة، وقال إمام الحرمين: موضع المنع أنه ينزع بقصد الإنزال خارج الفرج خشية العلوق، ومتى فُقِد ذلك لم يُمنع، وكأنه راعى سبب المنع، فإذا فُقد بقي أصل الإباحة، فله أن ينزع متى شماء حتى لو نزع، فأنزل خارج الفرج اتفاقًا، لم يتعلّق به النهي. قاله في "الفتح" (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في حكم معالجة إسقاط النطفة، واستعمال الأدوية لذلك، أو لمنع الحمل، وحكم تحديد النسل:
قال في "الفتح" بعد ذكر ما تقدّم في المسألة الماضية ما نصّه: ويُنتزع من حكم العزل حكم معالجة المرأة إسقاط النطفة قبل نفخ الروح، فمن قال بالمنع
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٤٨ - ٦٥١.
(٢) "الفتح" ١١/ ٦٥١.
[ ٢٥ / ٥١٤ ]
هناك، ففي هذه أولى، ومن قال بالجواز يمكن أن يلتحق به هذا، ويمكن أن يُفرّق بأنه أشدّ؛ لأن العزل لم يقع فيه تعاطي السبب، ومعالجة السقط تقع بعد تعاطي السبب.
ويلتحق بهذه المسألة تعاطي المرأة ما يقطع الْحَبَل من أصله، وقد أفتى بعض متأخّري الشافعيّة بالمنع، وهو مشكلٌ على قولهم بإباحة العزل مطلقًا. انتهى (^١).
وقد صدرت قرارات من هيئة كبار العلماء في هذا الموضوع، أحببت إيرادها هنا تتميمًا للفائدة، وهذا نصّها:
وهذا قرار رقم ٤٢ بتاريخ ١٣/ ٤/ ١٣٩٦ هـ.
الحمد لله، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده، وعلى آله وصحبه، وبعد:
ففي الدورة الثامنة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة في النصف الأول من شهر ربيع الآخر عام ١٣٩٦ هـ بَحَثَ المجلسُ موضوع منع الحمل، وتحديد النسل، وتنظيمه، بناءً على ما تقرّر في الدورة السابعة للمجلس المنعقدة في النصف الأول من شهر شعبان ١٣٩٥ هـ من إدراج موضوعها في جداول أعمال الدورة الثامنة، وقد اطّلع المجلس على البحث المعدّ في ذلك، من قِبَل اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء، وبعد تداول الرأي، والمناقشة بين الأعضاء، والاستماع إلى وجهات النظر، قرّر المجلس ما يلي:
نظرًا إلى أن الشريعة الإسلاميّة تَرغب في انتشار النسل، وتكثيره، وتعتبر النسل نعمةً كبرى، ومنّةً عظيمةً، مَنَّ اللهُ بها على عباده، فقد تضافرت بذلك النصوص الشرعيّة، من كتاب الله، وسنّة رسوله - ﷺ -، مما أوردته اللجنة الدائمة للبحوث العلميّة، والإفتاء في بحثها المعدّ للهيئة، والمقدّم لها، ونظرًا إلى أن القول بتحديد النسل، أو منع الحمل مصادم للفطرة الإنسانيّة التي فطر الله الخلق عليها، وللشريعة الإسلاميّة التي ارتضاها الربّ لعباده، ونظرًا إلى أن دعاة القول بتحديد النسل، أو منع الحمل فئة تهدف بدعوتها إلى الكيد
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٥١.
[ ٢٥ / ٥١٥ ]
للمسلمين بصفة عامة، وللأمة العربيّة المسلمة بصفة خاصّة، حتى تكون لديهم القدرة على استعمار البلاد، واستعمار أهلها، وحيث إن في الأخذ بذلك ضربًا من أعمال الجاهليّة، وسوء ظنّ بالله تعالى، وإضعافًا للكيان الإسلاميّ المتكوّن من كثرة اللبنات البشريّة، وترابطها؛ لذلك كلّه، فإن المجلس يقرّر بأنه لا يجوز تحديد النسل مطلقًا، ولا يجوز منع الحمل إذا كان القصد منه خشية الإملاق؛ لأن الله تعالى هو الرزّاق ذو القوّة المتين ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وأما إذا كان منع الحمل لضرورة محقّقة، ككون المرأة لا تلد ولادة عاديّةً، وتضطرّ معها إلى إجراء عمليّة جراحيّة لإخراج الولد، أو كان تأخيره لفترة ما؛ لمصلحة يراها الزوجان، فإنه لا مانع حينئذ من منع الحمل، أو تأخيره، عملًا بما جاء في الأحاديث الصحيحة، وما روي عن جمع من الصحابة - ﵃ - من جواز العزل، وتمشّيًا مع ما صرّح به بعض الفقهاء من جواز شرب الدواء لإلقاء النطفة قبل الأربعين، بل قد يتعيّن منع الحمل في حالة ثبوت الضرورة المحقّقة، وقد توقّف فضيلة الشيخ عبد الله بن غديان في حكم الاستثناء، وصلى الله على محمد.
"هيئة كبار العلماء".
وهذا نصّ قرار مجمع الفقه الإسلاميّ رقم (١) د ٥/ ٠٩/ ٨٨ بشأن تنظيم النسل:
إن مجلس مجمع الفقه الإسلاميّ المنعقد في دورة المؤتمر الخامس بالكويت من (١) إلى (٦) جمادى الأولى ١٤٠٩ هـ - ١٠ إلى ١٥ كانون الأول (ديسمبر) ١٩٨٨ م - بعد اطلاعه على البحوث المقدّمة من الأعضاء، والخبراء في موضوع تنظيم النسل، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، وبناءً على أن من مقاصد الزواج في الشريعة الإسلاميّة الإنجاب، والحفاظ على النوع الإنسانيّ، وأنه لا يجوز إهدار هذا المقصد؛ لأن إهداره يتنافى مع نصوص الشريعة، وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النسل، والحفاظ عليه، والعناية به باعتبار حفظ النسل أحد الكليّات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها، قرّر ما يلي:
١ - لا يجوز إصدار قانون عامّ يحد من حرّية الزوجين في الإنجاب.
[ ٢٥ / ٥١٦ ]
٢ - يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل، أو المرأة، وهو ما يُعرف بـ "الإعقام"، أو "التعقيم" ما لم تدع إلى ذلك الضرورة بمعاييرها الشرعيّة.
٣ - يجوز التحكّم المؤقّت في الإنجاب بقصد المباعدة بين فترات الحمل، أو إيقافه لمدّة معيّنة من الزمان، إذا دعت حاجة معتبرةٌ شرعًا بحسب تقدير الزوجين عن تشاور بينهما، وتراضٍ، بشرط أن لا يترتّب على ذلك ضررٌ، وأن تكون الوسيلة مشروعةً، وأن لا يكون فيها عدوانٌ على حمل قائم، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قرّره هيئة كبار العلماء، ومجمع الفقه الإسلامي بالكويت، ونحوهما ما قرره مجلس المجمع الفقه الإسلاميّ بمكة المكرمة، تقرير حسنٌ جدًّا، ينبغي التمسّك به، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: ومما له صلةٌ بالمسألة ما قرّره مجلس المجمع الفقه الإسلاميّ لرابطة العالم الإسلاميّ بشأن تحويل الذكر إلى الأنثى، وبالعكس، فقد قرّر في دورته الحادية عشرة المنعقدة بمكة المكرّمة في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩ م إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ٢٦ فبراير ١٩٨٩ م، قد نظر في موضوع تحويل الذكر إلى الأنثى، وبالعكس، وبعد البحث والمناقشة بين أعضائه قرّر ما يلي:
١ - الذكر الذي كملت أعضاء ذكورته، والأنثى التي كملت أعضاء أنوثتها، لا يحلّ تحويل أحدهما إلى النوع الآخر، ومحاولة التحويل جريمة يستحقّ فاعلها العقوبة؛ لأنه تغيير لخلق الله، وقد حرّم الله - ﷾ - هذا التغيير بقوله تعالى، مخبرًا عن قول الشيطان: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، فقد جاء في "صحيح مسلم" (^١) عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: "لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والنامصات، والمتنمّصات، والمتفلّجات للحسن، المغيّرات
_________________
(١) هكذا عزوه إلى "صحيح مسلم" فقط، والصواب أنه متّفقٌ عليه، فقد أخرجه البخاريّ في "التفسير"، و"اللباس"، من "صحيحه"، فليُتنبّه.
[ ٢٥ / ٥١٧ ]
خلق الله - ﷾ -"، ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله - ﷺ - وهو في كتاب الله - ﷾ -؟ - يعني قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].
٢ - أما من اجتمع في أعضائه علامات النساء والرجال، فينظر فيه إلى الغالب من حاله، فإن غلبت عليه الذكورة، جاز علاجه طبيًّا بما يُزيل الاشتباه في أنوثته، سواء كان العلاج بالجراحة، أو بالهرمونات؛ لأن هذا المرض والعلاج يُقصد به الشفاء منه، وليس تغييرًا لخلق الله - ﷾ -.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلّم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله ربّ العالمين (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٤٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الزِّبْرِقَانِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فِي مَعْنَى حَدِيثِ رَبِيعَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ مَنْ هُوَ خَالِقٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْفَرَجِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ) هو: محمد بن الفَرَج بن عبد الوارث، أبو جعفر، ويقال: أبو عبد الله البغداديّ القرشيّ، مولى بني هاشم، كان جار أحمد بن حنبل، صدوقٌ [١٠].
رَوَى عن خاله أبي همام محمد بن الزِّبْرِقان، وهشيم، وابن عيينة، وزيد بن الْحُبَاب، وعبد الوهاب بن عطاء، وحجاج بن محمد، وأسود بن عامر شاذان، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وأبو داود، وإبراهيم الحربيّ، وعبد الله بن أحمد، وأبو زرعة الرازيّ، وموسى بن هارون، والحسن بن علي المعمري، وغيرهم.
_________________
(١) راجع: "توضيح الأحكام" للشيخ عبد الله البسّام - ﵀ - ٤/ ٤٥٩ - ٤٦٣.
[ ٢٥ / ٥١٨ ]
قال عبد الله بن أحمد: سألت ابن معين عنه، فقال: ليس به بأسٌ، وقال أبو زرعة: صدوقٌ، وقال محمد بن عبد الله الحضرميّ: ثنا محمد بن الفرج البغداديّ في شارع الدقيق، وكان من الثقات، وقال السراج: بغداديّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال أبو القاسم البغويّ: مات سنة ست وثلاثين ومائتين.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب حديثان فقط (^١)، هذا برقم (١٤٣٨) وحديث (٢٤٥٧): "أُريت الجنة، فرأيت امرأة أبي طلحة، ثم سمعتُ خَشْخَشَةً أمامي، فإذا بلالٌ".
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ) أبو هَمّام الأهوازيّ، صدوقٌ (^٢) [٨].
رَوَى عن سليمان التيميّ، وعبيد الله بن عمر، وموسى بن عقبة، وموسى بن عُبيدة، وعبد الله بن عون، ويونس بن عبيد، وأبي حيان التيميّ، وغيرهم.
ورَوى عنه عليّ ابن المدينيّ، وعبد الله بن محمد المسنديّ، وأبو خيثمة، وصدقة بن الفضل، وبندار، وابن أخته محمد بن الفرج البغداديّ، وغيرهم.
قال ابن المدينيّ: ثقةٌ، وقال أبو زرعة: صالحٌ وسطٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، صدوقٌ، وقال البخاريّ: معروف الحديث، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن معين: لم يكن صاحب حديث، ولكن لا بأس به، وقال الْبَرْقانيّ، عن الدارقطنيّ: ثقةٌ.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
_________________
(١) ونقل في "تهذيب التهذيب" عن "الزهرة" أن مسلمًا روى عنه أربعة أحاديث، وهذا يخالف ما قلته، والذي قلته هو الذي ذُكر في برنامج الحديث للكتب التسعة، والظاهر أنه أقرب للصواب، فليُتأمل.
(٢) في "التقريب": صدوقٌ ربّما وَهِمَ"، قوله: "ربما وَهِم" أخذه من "ثقات" ابن حبّان، لكن يُقدّم قول الأئمة الآخرين، فالأولى حذفها، فتنبّه.
[ ٢٥ / ٥١٩ ]
٣ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) تقدّم قريبًا.
و"محمد بن يحيى" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية موسى بن عُقبة عن محمد بن يحيى بن حبّان هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده" (٣/ ٧٢) فقال:
(١١٧٠٦) - حدّثنا عفّان، ثنا وُهيب، ثنا موسى بن عقبة، قال: حدّثني محمد بن يحيى بن حَبّان، عن ابن مُحَيريز، عن أبي سعيد الخدريّ، في غزوة بني المصطلِق: إنهم أصابوا سبايا، فأرادوا أن يستمتعوا بهنّ، ولا يَحْمِلنَ، فسألوا رسول الله - ﷺ - فقال: "ما عليكم أن لا تفعلوا، فان الله قد كَتَب من هو خالق إلى يوم القيامة". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٤٦] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَة، عَنْ مَالِكٍ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَن ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَصَبْنَا سَبَايَا، فَكُنَّا نَعْزِلُ، ثُمَّ سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَنَا: "وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ؟، وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ؟، وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ؟ مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا هِيَ كَائِنَةٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ جليلٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خم د س) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
٢ - (جُوَيْرِيَةُ) بن أسماء بن عُبيد الضُّبَعيّ البصريّ، صدوقٌ [٧] (ت ١٧٣) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٧٣/ ٣٩٠.
٣ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل بابين.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) - ﵁ - قال في "الفتح": هو ابن أسماء الضُّبَعيّ،
[ ٢٥ / ٥٢٠ ]
يشارك مالكًا في الرواية عن نافع، وتفرد عنه بهذا الحديث، وبغيره، وهو من الثقات الأثبات، قال الدارقطنيّ بعد أن أخرجه من طريقه: صحيحٌ، غريبٌ، تفرّد به جُويرية، عن مالك، قال الحافظ: ولم أره إلا من رواية ابن أخيه عبد الله بن محمد بن أسماء، عنه. انتهى (^١).
وقوله: (عَنْ مَالِكٍ، عَن الزُّهْرِيِّ، عَن ابْنِ مُحَيْرِيزٍ. . . إلخ) قال في "الفتح": وافق مالكًا على هذا السند شعيب، عند البخاريّ في "البيوع"، ويونس عنده أيضًا في "القدر"، وعُقيل، والزُّبَيديّ، كلاهما عند النسائيّ، وخالفهم معمر، فقال: عن الزهريّ، عن عطاء بن يزيد، عن أبي سعيد، أخرجه النسائيّ، وخالف الجميع إبراهيم بن سعد، فقال: عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي سعيد، أخرجه النسائيّ أيضًا، قال النسائيّ: رواية مالك، ومن وافقه أولى بالصواب. انتهى (^٢).
وقوله: (فَكُنَّا نَعْزِلُ) وتقدّم بلفظ: "فأردنا أن نستمتع، ونعزل"، قال القرطبيّ - ﵀ -: يعني أن منهم من وقج سؤاله قبل أن يعزل، ومنهم من وقع سؤاله بعد أن عَزَلَ، وَيحْتَمِل أن يكون معنى قوله: "كنا نعزل" أي عزمنا على ذلك، فيرجع معناه إلى الأول. انتهى (^٣).
وقوله: ("وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ؟، وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ؟، وَإِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ؟) قال القرطبيّ - ﵀ -: ظاهره الإنكار والزجر، غير أنه يضعّفه قوله: "ما من نسمة كائنة إلا وهي كائنة" على ما قرّرناه آنفًا، فإذًا معناه: الاستبعاد لفعلهم له، بدليل ما جاء في الرواية الأخرى: "ولمَ يَفْعَلُ ذلك أحدكم؟ "، قال الراوي: ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم، ففُهم أنه ليس بنهي، وهو أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، انتهى (^٤).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٤٥.
(٢) "الفتح" ١١/ ٦٤٥ - ٦٤٦.
(٣) "المفهم" ٤/ ١٦٦.
(٤) "المفهم" ٤/ ١٦٧ - ١٦٨.
[ ٢٥ / ٥٢١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٤٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) تقدّم قريبًا.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب.
٤ - (أنَسُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أبو موسى، أو أبو حمزة، أو أبو عبد الله البصريّ، أخو محمد بن سيرين، ثقةٌ [٣] (١١٨) وقيل: (١٢٠) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٤٧/ ١٤٩٤.
٥ - (مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ البصريّ، مولى أنس، أكبر إخوته، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن عمر بن الخطاب، وأبي سعيد الخدريّ.
ورَوى عنه أخوه أنس، ومحمد، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان أقدم بني سيرين موتًا، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ، ثقةٌ، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وقال: كان ثقةً، وقد رَوَى أحاديث، وذكر ابن أبي خيثمة أنه رَوَى أيضًا عن أنس، وقال يحيى بن معين: يُعْرَفُ ويُنكِر (^١).
مات على رأس المائة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا
_________________
(١) كلام ابن معين هذا يحتاج إلى تأكّد صحته عنه، فإن معبدًا وثّقه في "التقريب" بالإطلاق، فليُنظر.
[ ٢٥ / ٥٢٢ ]
الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٤٣٨) وأعاده بعده، وحديث (٢٢٠١): "ما كان يدريه أنها رقية، اقسموا، واضربوا لي بسهم معكم".
والصحابيّ - ﵁ - ذُكر قبله.
[فائدة]: ذكر ابن الجعد ﵀ في "مسنده" (١/ ١٧٩) فقال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال سمعت عليّ ابن المدينيّ، يقول: محمدٌ، ومعبدٌ، وأنسٌ، ويحيى بن سيرين، ولم يرو عن يحيى أحدٌ إلا أخوه محمد، ولم يرو عن معبد إلا أخوه أنس، وحفصة بنت سيرين أختهم، وفي غير حديث ابن المدينيّ: وكريمة بنت سيرين أختهم.
قال: وكان أنس بن سيرين يكنى أبا موسى، حدّثنا بذلك صالح بن أحمد، عن أبيه، وقد قيل: إنه يكنى بأبي حمزة، وإنه سُمِّي حين وُلد باسم أنس بن مالك، وكُني بكنيته.
قال: ورَوَى حماد بن زيد، عن أنس بن سيرين، قال: وُلدت لسنة بقيت من خلافة عثمان، بلغني ذلك عن حماد بن زيد.
قال: حدّثنا عباس بن محمد، نا أبو بكر بن أبي الأسود، عن سعيد بن عامر، قال: كان سيرين أبو محمد بن سيرين قَيْنًا حَدّادًا.
قال: حدّثنا محمد بن عليّ الجوزجانيّ، قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: مات أنس بن سيرين سنة عشرين. انتهى.
وقوله: (قَالَ: قُلْتُ لَهُ: سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ) القائل شعبة، ففي الرواية التالية: "قال شعبة: قلت له: سمعته من أبي سعيد؟ قال: نعم"، والظاهر أن الضمير في "له" لمعبد بن سيرين، ومعناه أن شعبة لقيه بعد أن سمع الحديث بواسطة أخيه أنس، فسأله للتأكّد، فقال: أسمعته من أبي سعيد الخدريّ مباشرة؟ فقال له: نعم.
ويَحْتَمل أن يكون الضمير لأنس بن سيرين شيخ شعبة، فيكون مما سمعه عن أخيه، عن أبي سعيد، ثم سمعه من أبي سعيد نفسه، ويقوّي هذا الاحتمال ما تقدّم عن ابن المدينيّ أنه لم يرو عن معبد إلا أخوه أنس، والله تعالى أعلم.
لكن أخرج الحديث أبو عوانة في "مسنده" (٣/ ٩٥) فقال:
[ ٢٥ / ٥٢٣ ]
(٤٣٣٤) - حدثنا عباس الدُّوريّ، قثنا (^١) شبابة، قثنا شعبة، عن أنس بن سيرين، عن أخيه معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ - ﷺ - في العزل قال: "لا عليكم ألا تفعلوا، فإنما هو قدر".
قال شعبة: قلت لأنس بن سيرين: أسمعه معبد من أبي سعيد؟ قال: نعم. انتهى.
وهذه الرواية واضحة لا إشكال فيها، ولعلّ نُسخ "صحيح مسلم" دخلها التصحيف، والأصل في الأول: "قال: قلت له: سمعه من أبي سعيد. . . إلخ"، أي قال شعبة: قلت لأنس بن سيرين: أسمع معبد هذا الحديث من أبي سعيد الخدري؟، قال: نعم، وفي الثاني: قال شعبة: قلت له: سمعه من أبي سعيد؟، أي قلت لأنس: أسمعه معبد من أبي سعيد؟، فليُتأمل، والله تعالى أعلم.
وقوله: (لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ) أي ما عليكم ضررٌ في الترك، فأشار به إلى أن ترك العزل أحسن.
وقوله: (فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ) أي المؤثّر في وجود الولد وعدمه هو قدر الله، لا العزل، فأيّ حاجة إليه؟، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٤٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَبَهْزٌ، قَالُوا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ: عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ فِي الْعَزْلِ: "لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ"، وَفِي رِوَايَةِ بَهْزٍ: قَالَ شُعْبَةُ: قُلْتُ لَهُ: سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ).
_________________
(١) منحوت الموضعين من قوله: "قال: حدّثنا"، فتنبّه.
[ ٢٥ / ٥٢٤ ]
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
وقوله: (قَالُوا جَمِيعًا) الضمير يرجع على الأربعة: محمد بن جعفر غُندر، وخالد بن الحارث الْهُجَيميّ، وعبد الرحمن بن مهديّ، وبهز بن أسد.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر عن شعبة ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده" (٣/ ٢٢) فقال:
(١١١٨٨) - حدّثنا محمد بن جَعْفَرٍ، ثنا شُعْبَةُ، عن أَنَسِ بن سِيرِينَ، عن مَعْبَدٍ، عن أبي سَعِيدٍ الخدريّ، عَنِ النبيّ - ﷺ - أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعَزْلِ، أو قال في الْعَزْلِ: "لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَلِكُمْ، فَإِنَّمَا هو الْقَدَرُ".
ورواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة ساقها أبو يعلى - ﵀ - في "مسنده" (٢/ ٣٨٤) فقال:
(١١٥٤) - حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا عبد الرحمن بن مهديّ، حدّثنا شعبة، عن أنس بن سيرين، عن أخيه معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدريّ، عن النبيّ - ﷺ - قال: "لا عليكم ألا تفعلوا، فإنما هو القدر".
ورواية بهز، عن شعبة ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده" (٣/ ٤٩) فقال:
(١١٤٧٦) - حدّثنا بَهْزٌ، ثنا شُعْبَةُ، قال: حدّثني أَنَسُ بن سِيرِينَ، عن أَخِيهِ مَعْبَدِ بن سِيرِينَ، عن أبي سَعِيدٍ الخدريّ، قال شُعْبَةُ: قلت له: سَمِعْتَهُ من أبي سَعِيدٍ؟ قال: نعم، عَنِ النبيّ - ﷺ - في الْعَزْلِ، قال: "لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَلِكُمْ، فَإِنَّمَا هو الْقَدَرُ".
وأما رواية خالد بن الحارث عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٢٥ / ٥٢٥ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٤٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كَامِلٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَدَّهُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَن الْعَزْلِ، فَقَالَ: "لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ"، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَوْلُهُ (^١): "لَا عَلَيْكُمْ" أَقْرَبُ إِلَى النَّهْيِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود العَتَكيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ) تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (أَيُّوبُ) السختيانيّ، تقدّم قبل بابين.
٥ - (مُحَمَّدُ) بن سيرين، تقدّم قريبًا.
٦ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَسْعُودٍ) الأنصاريّ، أبو بشر الأزرق المدنيّ، مقبول [٣].
رَوَى عن أبي مسعود الأنصاريّ، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وخَبّاب بن الأرتّ.
وروى عنه إبراهيم النخعيّ، ومحمد بن سيرين، وموسى بن عبد الله بن يزيد الخطميّ، وجعفر بن أبي وَحْشيّة، ورجاء الأنصاريّ، وأبو الحصين.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال الدارقطنيّ: أرسل عن النبيّ - ﷺ -.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده، وله عند النسائيّ هذا، وآخر في كيفية الصلاة عليه - ﷺ -، وعند أبي داود في كراهة التسرع إلى الحكم.
_________________
(١) وفي نسخة: "قوله" بحذف العاطف.
[ ٢٥ / ٥٢٦ ]
[تنبيه]: إنما أخرج المصنّف طريق عبد الرحمن بن بشر، مع أنه مقبول؛ لأنها متابعة لما سبق من الروايات، فتنبّه.
و"أبو سعيد" - ﵁ - ذُكر قبله.
وقوله: (سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَن الْعَزْلِ) السائل هو أبو سعيد، ومن معه من الصحابة - ﵁ -، كما قال في الرواية السابقة: "فسألنا رسول الله - ﷺ -".
وقوله: (قَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابن سيرين.
وقوله: (لَا عَلَيْكُمْ أَقْرَبُ إِلَى النَّهْيِ) يعني أنه يُفهم من قوله - ﷺ -: "لا عليكم" النهي عن فعل العزل، قال القرطبيّ بعد ذكره أن طائفة فهمت النهي عن العزل، ومنهم الحسن البصريّ، ومحمد بن سيرين، قال: وكأن هؤلاء فَهِموا من "لا" النهي عما سُئل عنه، وحذف بعد قوله: "لا"، فكأنه قال: لا تعزلوا، وقوله: "وعليكم ألا تفعلوا" تأكيد لذلك النهي.
وفهمت الطائفة الأخرى الإباحة، وكأنها جَعَلت جواب السؤال قوله: "لا عليكم ألا تفعلوا"، أي ليس عليكم جُناح في أن لا تفعلوا، وهذا التأويل أولى، وقد تقدّم وجه أولويّته قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٥٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: فَرَدَّ الْحَدِيثَ، حَتَّى رَدَّهُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: ذُكِرَ الْعَزْلُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: "وَمَا ذَاكُمْ؟ "، قَالُوا: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ تُرْضِعُ، فَيُصِيبُ مِنْهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ، وَالرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْأَمَةُ، فَيُصِيبُ مِنْهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ، قَالَ: "فَلَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ"، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ الْحَسَنَ، فَقَالَ: وَاللهِ لَكَأَنَّ هَذَا زَجْرٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُعَاذُ بْنُ مُعَاذِ) بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
[ ٢٥ / ٥٢٧ ]
٢ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أَرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٣.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابن سيرين.
وقوله: (قَالَ: فَرَدَّ الْحَدِيثَ) الظاهر أن القائل هو ابن عون، وفي رواية أبي عوانة من طريق عبد الله بن حُمران، عن ابن عون: "رفع الحديث، حتى ردّه إلى أبي سعيد الخدريّ".
وقوله: (حَتَّى رَدَّهُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) يعني أنه نسبه إلى أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، وإنما عدل عن قوله: "سمعت أبا سعيد" أو نحو ذلك؛ لكونه نسي الصيغة، فأتى بما يشمل جميع الصيغ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ذُكِرَ الْعَزْلُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -) ببناء الفعل للمفعول، والذاكر هو أبو سعيد، ومن معه من الصحابة، كما قال في الرواية السابقة: "فسألنا رسول الله - ﷺ -".
وقوله: (الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ تُرْضِعُ، فَيُصِيبُ مِنْهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ) معناه أن الرجل تكون امرأة حرّة، وهي ترضع ولده، فيجامعها، ويكره أن تحمل من ذلك الجماع، زعمًا منهم أن لبن الحامل في حال الإرضاع مضرّ بالولد المحمول، كما سيأتي بعد باب - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (وَالرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الْأَمَةُ، فَيُصِيبُ مِنْهَا، وَيَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ مِنْهُ) أي لئلا يمتنع عليه بيعها، إن حَمَلت منه؛ لكونها أم ولد له.
قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا دليلٌ على أن قوله - ﷺ -: "فلا عليكم ألا تفعلوا" خرج جوابًا عن سؤالين: العزلِ عن الحرّة، وعن الأمة، فلا بُعْد أن يذكر الراوي في وقتٍ أحد السؤالين، ويسكت عن الآخر، ويذكرهما جميعًا في وقت آخر، كما قد جاءت في هذه الروايات، ولا يُعدّ مثل هذا اضطرابًا. انتهى (^١).
وقوله: (قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ الْحَسَنَ) أي البصريّ (فَقَالَ) أي
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٦٨.
[ ٢٥ / ٥٢٨ ]
الحسن (وَاللهِ لَكَأَنَّ هَذَا زَجْرٌ) يعني أنه فَهِم من هذا الحديث ما فهمه ابن سيرين، من معنى النهي عن العزل، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٥١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَن ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثْتُ مُحَمَّدًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ، يَعْنِي حَدِيثَ الْعَزْلِ، فَقَالَ: إِيَّايَ حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديّ الواشحيّ البصريّ، ثم المكيّ قاضيها، ثقةٌ إمامٌ حافظٌ [٩] (ت ٢١٤) وله (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَالَ: حَدَّثْتُ مُحَمَّدًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ. . . إلخ) القائل هو ابن عون، يعني أنه حدّث محمد بن سيرين بهذا الحديث عن إبراهيم النخعيّ، فقال له محمد بن سيرين: إياي حدّث هذا الحديث عبد الرحمن بن بشر الذي رواه عنه إبراهيم النخعيّ، فصار لابن عون فيه سندان، سند إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن أبي سعيد، وسند ابن سيرين، عن عبد الرحمن، عن أبي سعيد - ﵁ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٥٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قُلْنَا لِأَبِي سَعِيدٍ: هَلْ سَمِعْتَ
[ ٢٥ / ٥٢٩ ]
رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَذْكُرُ فِي الْعَزْلِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عَوْنٍ إِلَى قَوْلِهِ: "الْقَدَرُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
٢ - (هِشَامُ) بن حسّان الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
والباقون ذُكروا في الباب، و"محمدّ" هو ابن سيرين.
وقوله: (وساق الحديث. . . إلخ) فاعل "ساق" ضمير هشام بن حسّان.
[تنبيه]: رواية هشام بن حسّان، عن محمد بن سيرين، هذه ساقها النسائيّ - ﵀ - في "الكبرى" (٣/ ٢٠١) فقال:
(٥٠٤٧) - أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: ثنا يزيد، قال: أنا هشام، عن محمد، عن أخيه معبد (^١) بن سيرين، قال: قلت لأبي سعيد الخدريّ: هل سمعت من رسول الله - ﷺ - في العزل شيئًا؟ قال: نعم، سألنا رسول الله - ﷺ - عن العزل، فقال: "وما هو؟ " فقلنا: الرجل تكون له المرأة المرضع، فيَكْرَه أن تَحْمِل، فيَعْزِل عنها، أو تكون الجارية له، ليس له مال غيرها، فيصيب منها، فيَكْرَه أن تَحْمِل، فيَعْزِل عنها، فقال: "لا عليكم أن لا تفعلوا ذلكم، فإنما هو القدر". انتهى.
[تنبيه آخر]: تكلّم الدارقطنيّ - ﵀ - في سند هذا الحديث، فقال: وأخرج مسلم عن ابن المثنّى، عن عبد الأعلى، عن هشام، عن محمد، عن أخيه معبد، أبي سعيد في "العزل"، قال: لم يُتابع هشام، وخالفه أيوب، وابن عون، عن محمد، عن عبد الرحمن بن بِشْر، عن أبي سعيد، فلعلّ ابن سيرين حفظه عنهما - والله أعلم - وأخرجهما كليهما مسلم. انتهى.
حاصل ما أشار إليه الدارقطنيّ - ﵀ - أن هشام بن حسّان تفرّد بروايته عن
_________________
(١) وقع في النسخة: "سعيد"، وهو غلط بلا شكّ، فتنبّه.
[ ٢٥ / ٥٣٠ ]
محمد بن سيرين، عن أخيه معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، وخالف في ذلك أيوب السختيانيّ، وعبد الله بن عون، فإنهما روياه عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن بشر، عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -.
لكن هذا الخلاف لا يؤثّر في صحة الحديث، كما أشار إليه الدارقطنيّ في آخر كلامه، حيث قال: فلعلّ ابن سيرين حفظه عنهما.
والحاصل أن الحديث صحيح محفوظ من الطريقين المذكورين، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٥٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَ ابْنُ عَبْدَةَ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ قَزْعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: ذُكِرَ الْعَزْلُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - (^١)، فَقَالَ: "وَلِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ؟ - وَلَمْ يَقُلْ: فَلَا يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ - فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ، إِلَّا اللهُ خَالِقُهَا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) بن موسى الضبّيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٤٥) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين.
٤ - (ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ) هو: عبد الله بن أبي نَجِيح يسار الثقفيّ مولاهم، أبو يسار المكيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر، وربّما دلّس [٦] (ت ١٣١) أو بعدها (ع) تقدم في "الجنائز" ٦/ ٢١٣٤.
٥ - (مُجَاهِدُ) بن جبر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام
_________________
(١) وفي نسخة: "ذُكر العزل لرسول الله - ﷺ -".
[ ٢٥ / ٥٣١ ]
مشهورٌ [٣] (ت ١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) وله (٨٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٦ - (قَزْعَةُ) بن يحيى، أبو الغادية البصريّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الصلاة" ٣٥/ ١٠٢٥
و"أبو سعيد" - ﵁ - ذُكر قبله.
وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ: فَلَا يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ) أراد به إلى أنه لم يُصرّح بالنهي، وإنما أشار إلى أن الأولى ترك ذلك؛ لأن العزل إنما كان خشيةَ حصول الولد، فلا فائدة في ذلك؛ لأن الله تعالى إن كان قدّر خلق الولد لم يمنع العزل منه، فقد يَسبق الماء، ولا يشعر العازل، فيحصل العلوق، ويَلحقه الولد، ولا رادّ لما قضاه الله.
وقوله: (فَإِنَّهُ لَيْسَتْ نَفْسٌ مَخْلُوقَةٌ، إِلَّا اللهُ خَالِقُهَا) الضمير في "فإنه" للشأن، "ليست نفس مخلوقة"، أي قدّر الله تعالى أن تُخلق "إلا الله خالقها"، أي مبرزها من العدم إلى الوجود، و"ليس" قد تُحمَل على "ما" في الإهمال عند انتقاض النفي، كقولهم: "ليس الطيب إلا المسكُ" بالرفع، كما تُحمَل "ما" على "ليس" عند استيفاء الشروط، كقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ الآية [يوسف: ٣١]، وكقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ الآية [المجادلة: ٢] (^١).
والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، وقد تقدّم تمام البحث فيه قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٥٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ، يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، سَمِعَهُ يَقولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَن الْعَزْلِ؟ فَقَالَ: "مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ خَلْقَ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) نزيل مصر السعديّ مولاهم، أبو جعفر، ثقةٌ
_________________
(١) راجع: "شرح ابن عقيل على الخلاصة"، مع "حاشية الخضريّ" ١/ ١٢٩.
[ ٢٥ / ٥٣٢ ]
فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قريبًا.
٣ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحِ) بن حُدير الحضرميّ، أبو عمر، أو أبو عبد الرحمن الحمصيّ، قاضي الأندلس، ثقةٌ له أفراد [٧] (ت ١٥٨) أو بعد السبعين (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
٤ - (عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ) واسمه سالم بن المخارق الهاشميّ، يُكْنَى أبا الحسن، وقيل: غير ذلك، أصله من الجزيرة، وانتقل إلى حمص، وأرسل عن ابن عبّاس، ولم يره، صدوق، قد يُخطئ [٦]
رَوَى عن ابن عباس، ولم يسمع منه بينهما مجاهدٌ، وأبي الوَدّاك جَبْر بن نَوْف، وراشد بن سعد المقرئيّ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وغيرهم.
وروى عنه الحكم بن عتيبة، وهو أكبر منه، وداود بن أبي هند، ومعاوية بن صالح الحضرميّ، وأبو بكر بن أبي مريم، ومحمد بن الوليد الزُّبَيديّ، وسفيان الثوريّ، وغيرهم.
قال الميمونيّ عن أحمد: له أشياء منكرات، وهو من أهل حمص، وقال الآجريّ عن أبي داود: وهو إن شاء الله مستقيم الحديث، ولكن له رأي سوء، كان يرى السيف (^١)، وقد رآه حجاج بن محمد، وقال النسائيّ: ليس به بأس،
_________________
(١) قال الحافظ - ﵀ -: وقد وقفت على السبب الذي قال فيه أبو داود: يرى السيف، وذلك في ما ذكره أبو زرعة الدمشقيّ، عن عليّ بن عيّاش الحمصيّ، قال: لقي العلاء بن عتبة الحمصيّ عليّ بن أبي طلحة تحت القبة، فقال: يا أبا محمد تؤخذ قبيلة من قبائل المسلمين، فيقتل الرجل، والمرأة، والصبيّ، لا يقول أحد: الله الله، والله لئن كانت بنو أمية أذنبت، لقد أذنب بذنبها أهل المشرق والمغرب، يشير إلى ما فعله بنو العباس، لما غلبوا على بني أمية، وأباحوا قتلهم على الصفة التي ذكرها، قال: فقال له علي بن أبي طلحة: يا عاجزُ أوَ ذنبٌ على أهل بيت النبيّ - ﷺ - أن أخذوا قومًا بجرائرهم، وعفوا عن آخرين؟ قال: فقال له العلاء: وإنه لرأيك؟ قال: نعم، فقال له العلاء: لا كلّمتك من فمي بكلمة أبدًا، إنما أحببنا آل محمد بحبه، فإذا خالفوا سيرته، وعملوا بخلاف سنته فهم أبغض الناس إلينا. انتهى "تهذيب التهذيب" ٣/ ١٧١ - ١٧٢.
[ ٢٥ / ٥٣٣ ]
وقال دُحَيم: لم يسمع التفسير من ابن عباس، وقال صالح بن محمد: روى عنه الكوفيون، والشاميون، وغيرهم، وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف الحديث، منكرٌ، ليس محمود المذهب، وقال في موضع آخر: شاميّ ليس هو بمتروك، ولا هو حجةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات، وقال: روى عن ابن عباس ولم يره، ووثّقه العجليّ.
وذكر الخطيب أن أحمد بن حنبل قال: إن علي بن أبي طلحة الذي رَوَى عنه الثوريّ، والحسن بن صالح، ورآه حجاج الأعور كوفيّ، غير الشاميّ، والصواب أنهما واحدٌ.
قال أبو بكر بن عيسى، صاحب "تاريخ حمص": مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، وذكر خليفة بن خياط أنه مات سنة (١٢٠)، والأول أصح.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وروى له الباقون حديثًا آخر في الفرائض، ونقل البخاريّ من تفسيره رواية معاوية بن صالح، عنه، عن ابن عباس شيئًا كثيرًا في التراجم وغيرها، ولكنه لا يسميه، يقول: قال ابن عباس، أو يُذْكَر عن ابن عباس، قاله في "تهذيب التهذيب" (^١).
٥ - (أَبُو الْوَدَّاكِ) - بفتح الواو، وتشديد الدال، آخره كاف - جَبْر بن نَوْف - بفتح النون، وسكون الواو، آخره فاء - الْهَمْدَانيّ الْبِكَاليّ - بكسر الموحّدة، وتخفيف الكاف - الكوفيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٤].
رَوَى عن أبي سعيد الخدريّ، وشُريح القاضي، وعنه مجالد، وقيس بن وهب، وأبو إسحاق، ويونس بن أبي إسحاق، وعلي بن أبي طلحة، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو التَّيّاح.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال النسائيّ: صالح، وقال البخاريّ في "تاريخه": قال يحيى القطان: هو أحبّ إلي من عطية، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال ابن أبي خيثمة: قيل لابن معين: عطية مثل أبي الوداك؟ قال: لا، قيل: فمثل أبي هارون؟ قال: أبو الوداك ثقة، ما له ولأبي هارون؟ وقال أبو حاتم:
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٣/ ١٧٢.
[ ٢٥ / ٥٣٤ ]
وأبو الوداك أحبّ إلي من شهر بن حوشب، وبشر بن حرب، وأبي هارون، وقال النسائيّ في "الجرح والتعديل": ليس بالقويّ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٤٣٨) وحديث (٢٩٣٨): "يخرج الدجال، فيتوجّه قِبَله رجل من المؤمنين. . ." الحديث.
٦ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابي ابن الصحابي - ﵄ - مات سنة ٣ أو ٤ أو ٦٥ هـ، تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
وقوله: (مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ) قال القرطبيّ - ﵀ -: يعني أنه ينعقد الولد في الرحم من جزء من الماء لا يشعر العازل بخروجه، فيظنّ أنه قد عَزَلَ كلّ الماء، وهو إنما عَزَلَ بعضه، فيخلق الله الولد من ذلك الجزء اللطيف الذي بادر بالخروج. انتهى (^١).
وقال الطيبيّ - ﵀ -: فإن قلت: كيف طابق هذا جوابًا للسؤال؟.
قلت: معنى السؤال أنهم استأذنوا في العزل مخافة الولد، فأجيبوا بأنكم زعمتم بأن صبّ الماء سبب للولد، والعزل لعدمه، وليس كذلك؛ إذ لا يكون الولد من كلّ الماء، فكم من صبّ لا يحدُث منه الولد، ومِنْ عَزْلٍ مُحْدِثٍ له؟ فقدّم خبر "يكون"؛ ليدلّ على الاختصاص، وأن تكوين الولد بمشيئة الله تعالى، لا بالماء، وكذا عدمه بها، لا بالعزل، وهذا معنى قوله: (وَإِذَا أَرَادَ اللهُ خَلْقَ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ)، أي من العزل وغيره. انتهى (^٢).
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الامام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٥٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي (^٣) أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْهَاشِمِيُّ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ).
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٦٩.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٧/ ٢٣٠٥ - ٢٣٠٦ بزيادة شيء من "المرقاة".
(٣) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ٢٥ / ٥٣٥ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْبَصْرِيُّ) أبو بكر الْقَزّاز، صدوقٌ [١١] قديم الموت، مات سنة (٢٣٥) (م) من أفراد المصنّف تقدم في "الصيام" ٢١/ ٢٦٦١.
٢ - (زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ) الْعُكليّ، أبو الحسين الخرسانيّ، ثم الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ في حديث الثوريّ [٩] (ت ٢٠٣) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٦٠.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية زيد بن حباب، عن معاوية بن صالح هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الامام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٥٦] (١٤٣٩) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: إِنَّ لِي جَارِيَةً، هِيَ خَادِمُنَا، وَسَانِيَتُنَا، وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ، فَقَالَ: "اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا"، فَلَبِثَ الرَّجُلُ، ثُمَّ أَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَبِلَتْ (^١)، فَقَالَ: "قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُدَيج الْجُعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قريبًا.
٤ - (جَابِرُ) بن عبد الله - ﵄ -، تقدّم قبل باب.
_________________
(١) وفي نسخة: "قد حَمَلت".
[ ٢٥ / ٥٣٦ ]
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) - ﵁ - (أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) لا يُعرف اسم الرجل، ولا الجارية (^١). (فَقَالَ: إِنَّ لي جَارِيَةً) أي أمة، قال صاحب "التنبيه": لا أعرف الرجل، ولا الجارية. انتهى (^٢). (هِيَ خَادِمُنَا) هكذا "خادمنا" بلا تاء، وهو الأفصح، قال الفيّوميّ - ﵀ -: خَدَمَهُ يَخْدُمَهُ خَدْمُةً، فهو خادمٌ، غلامًا كان، أو جاريةً، والخادمة بالهاء في المؤنّث قليلٌ، والجمع خَدَمٌ، وخُدّامٌ، وقولهم: فلانة خادمةٌ غدًا ليس بوصف حقيقيّ، والمعنى ستصير كذلك، كما يقال: حائضةٌ غدًا. انتهى (^٣).
(وَسَانِيَتُنَا) أي التي تَسقي لنا، شَبّهها بالبعير في ذلك، وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "وسانيتنا" هكذا مشهور الرواية عند كافّة الرواة، ويعني بالسانية: المستقية للماء، يقال: سَنَتِ الدابّة، فهي سانية: إذا استُقِي عليها، وعند ابن الحذّاء: "سايستنا"، اسم فاعل من ساس الفرس يسوسه: إذا خَدَمَهُ. انتهى (^٤).
(وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا) أي أجامعها (وَأَنَا أَكْرَهُ) بفتح الراء، يقال: كَرِهتُ الشيءَ أكرهه، من باب تَعِبَ كُرْهًا بضمّ الكاف، وفتحها: ضدّ أحببته (أَنْ تَحْمِلَ)، أي تحبل منّي (فَقَالَ) - ﷺ - ("اعْزِلْ) بكسر الزاي، من باب ضرب (عَنْهَا إِنْ شِئْتَ) هذا نصّ في إباحة العزل، أي إن شئت العزل، فاعزل؛ لأنه يجوز لك، ولكن لا ينفعك العزلُ، ثم علّله بقوله: (فَإِنَّه) الضمير للشأن، وهو ما تفسّره الجملة بعده (سَيَأْتِيهَا مَا) موصولة في محلّ رفع على الفاعليّة (قُدِّرَ لَهَا") ببناء الفعل للمفعول، أي ما قدّر الله تعالى لها أي من الحمل وغيره، سواء عَزَلتَ أم لم تعزل.
قال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "فإنه سيأتيها. . . إلخ" الضمير للشأن، وفيه مؤكِّداتٌ، "إنّ"، وضمير الشأن، وسين الاستقبال. انتهى (^٥).
_________________
(١) راجع: "تنبيه المعلم" ص ٢٤١.
(٢) "تنبيه المعلم" ص ٢٤١.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ١٦٥.
(٤) "المفهم" ٤/ ١٦٩.
(٥) "الكاشف عن حقائق السنن" ٧/ ٢٣٠٥.
[ ٢٥ / ٥٣٧ ]
(فَلَبِثَ الرَّجُلُ) بكسر الموحّدة، يقال: لَبِثَ في المكان لَبَثًا، من باب تَعِبَ، وجاء في المصدر السكون للتخفيف، واللَّبْثَةُ بالفتح للمرّة، وبالكسر للهيئة، والنوعُ والاسم: اللُّبْثُ بالضمّ، واللَّبَاثُ بالفتح، قاله الفيّوميّ - ﵀ - (^١). (ثُمَّ أَتَاهُ) أي أتى الرجلُ النبيّ - ﷺ - (فَقَالَ: إِنَّ الْجَارِيَةَ) أي التي يطوف عليها؛ لأن النكرة إذا أُعيدت معرفة تكون عين الأولى، كما قال السيوطيّ - ﵀ - في "عقود الْجُمان" [من الرجز]:
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ … إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ
تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْنَدَا … لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ أَبَدَا
وَأَبْطَلَ السُّبْكِيُّ ذِي بِأَمْثِلَهْ … وَقَالَ ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ
قال الجامع: قلت مجيبًا عن استشكال السبكيّ:
قُلْتُ وَلَا اسْتِشْكَالَ إِذْ ذِي تُحْمَلُ … عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ إِذْ تُسْتَعْمَلُ
وللأجهوري - ﵀ - في هذا المعنى [من الرجز] أيضًا:
وَإِنْ يُعَدْ مُنَكَّرٌ مُنَكَّرَا … فَالثَّانِ غَيْرُ أَوَّلٍ بِلَا امْتِرَا
وَفِي سِوَى ذَا الثَّانِ عَيْنُ الأَوَّلِ … وَتَحْتَهُ ثَلَاثَةٌ وَهْوَ جَلِي
قُلْتُ وَفِي "مُغْنِي اللَّبِيبِ" حَكَمَا … بأَنَّ هَذَا كُلَّهُ مَا سُلَّمَا
إِذْ قَوْلُهُ ﴿فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ أَبْطَلَهْ … ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قَدْ أَبَانَ خَلَلَهْ
وَقَوْلُهُ أَيْضًا ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ … لأَنَّ رَبِّي وَاحِدٌ بِلَا اشْتِبَاهْ
قال الجامع: قلت مجيبًا عن هذا أيضًا:
قُلْتُ يُجَابُ أَنَّ هَذِي الْقَاعِدَهْ … تُبْنَى عَلَى الْغَالِبِ خُذْهَا فَائِدَهْ
أَوْ قُلْ إِذَا قَرِينَةٌ لَمْ تَقْتَرِنْ … فَإِنْ بَدَتْ تَصْرِفُهَا فَلْتَسْتَبِنْ
(قَدْ حَبِلَتْ) بالباء الموحّدة، يقال: حَبِلَت المرأة، وكلُّ بهيمة تَلِدُ حَبَلًا، من باب تَعِبَ: إذا حَمَلت بالولد، فهي حُبْلَى، وشاةٌ حُبْلَى، وسِنَّوْرَةٌ حُبْلَى، والجمع حُبْلَيَاتٌ على لفظها، وحَبَالَى، قاله الفيّومي - ﵀ - (^٢)، وفي بعض النسخ: "حَمَلَت"، وهو من باب ضرب (فَقَالَ) - ﷺ - ("قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ) الضمير
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١١٩.
[ ٢٥ / ٥٣٨ ]
للشأن، كما مرّ آنفًا (سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا") أي ما قدّر الله تعالى لها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
[تنبيه]: هذا الحديث فيه عنعنة أبي الزبير، وهو مدلّس، لكنه لم ينفرد به، بل تابعه عروة بن عياض في الرواية التالية، وسالم بن أبي الجعد عن ابن حبّان في "صحيحه" (٩/ ٥٠٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢٣/ ٣٥٥٦ و٣٥٥٧ و٣٥٥٨] (١٤٣٩)، و(أبو داود) في "سننه" (٢١٧٣)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (٨٩)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٢٥٥١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٢٢٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣١٢ و٣٨٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٩٩)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ٣٨٥)، و(أبو يعلى)، في "مسنده" (١٩١٠)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (٣/ ٣٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٢٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز العزل عن الأمة، وكذا الحرّة على خلاف تقدّم بيانه.
٢ - (ومنها): ما قال الخطابيّ - ﵀ - في "المعالم": في هذا الحديث من العلم إباحة العزل عن الجواري، وقد رَخَّص فيه غير واحد من الصحابة والتابعين، وكرهه بعض الصحابة، ورُوي عن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: تُسْتَأْمَرُ الحرّة في العزل، ولا تُستَأمَر الجارية، وإليه ذهب أحمد بن حنبل، وقال مالك: لا يَعزِل عن الحرّة إلا بإِذنها، ولا يَعزل عن الجارية إذا كانت زوجة، إلا بإذن أهلها، ويَعْزِل عن أمته بغير إذن. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): أن فيه دلالةً على إلحاق النسب مع العزل؛ لأن الماء قد سبق.
_________________
(١) راجع: "عون المعبود" ٦/ ١٥٥.
[ ٢٥ / ٥٣٩ ]
٤ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أنه إن أقرّ بوطء أمته، وادَّعَى العزل، فإن الولد لاحِقٌ به، إلا أن يَدّعِي الاستبراء، وهذا على قول من يرى الأمة فراشًا، وإليه ذهب الشافعيّ - ﵀ - (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: الحديث دليلٌ على إلحاق الولد بمن اعترف بالوطء، وادَّعى العزل في الحرائر والإماء، وسببه تفلُّتُ الماء، ولا يَشْعُر به العازل، ولم يُختَلف عندنا - يعني المالكيّة - في ذلك إذا كان الوطء في الفرج، فإن كان في غير الفرج مما يقاربه، أو كان العزل البيِّن الذي لا شكّ فيه لم يلحقه، وفيه حجة على كون الأمة فراشًا إذا كان الوطء. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٥٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي جَارِيَةً لِي، وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّ ذَلِكَ لَنْ يَمْنَعَ شَيْئًا أَرَادَهُ اللهُ"، قَالَ: فَجَاءَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الْجَارِيَةَ الَّتِي كُنْتُ ذَكَرْتُهَا لَكَ حَمَلَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ) الْكِنْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٠) (م س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ حَسَّانَ) المخزوميّ المكيّ، قاصّ أهل مكة، ثقةٌ (^٣) [٦].
رَوَى عن سالم بن عبد الله بن عمر، وابن أبي مليكة، ومجاهد بن جبر،
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ١٠/ ١٣.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٦٩ - ١٧٠.
(٣) قال في "التقريب": صدوقٌ له أوهامٌ، والحق ما قلناه، فقد وثقه الأئمة، ولم يتكلّم في أحد إلا ما روي عن أبي داود في رواية، انظر "تهذيب التهذيب" في ترجمته.
[ ٢٥ / ٥٤٠ ]
وعبد الحميد بن جبير بن شيبة، وعروة بن عياض، وأم صالح بنت صالح.
وروى عنه السفيانان، وابن المبارك، وأبو أحمد الزبيريّ، ووكيع، ومحمد بن يزيد بن خُنيس، وأبو نعيم.
قال ابن معين، وأبو داود، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووَثَّقه العجليّ، وابن سعد أيضًا، واختَلَف فيه قول أبي داود، فقال الآجريّ عنه: ثقة، وقال مرةً: وسألته عنه فلم يرضه.
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٣ - (عُرْوَةُ بْنُ عِيَاضِ) بن عمرو بن عبدٍ القاريّ - بالتشديد بلا همز - ويقال: عياض بن عروة، وقيل: عروة بن عياض بن عديّ بن الخيار - بكسر المعجمة، وتخفيف التحتانيّة - ابن عديّ بن نَوْفَل النوفليّ المكيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وابن عمرو، وأبي سعيد، وعائشة، وجابر - ﵃ -.
وروى عنه ابن أخيه محمد بن عبيد الله بن عياض، وسعيد بن حسان، ومحمد بن الحارث المخزوميان، وابن أبي مُليكة، وعطاء بن أبي رَبَاح، وعمرو بن دينار.
قال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له عندهما إلا هذا الحديث.
والباقيان ذُكرا في الباب.
وقوله: (أَنَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ) قال النوويّ - ﵀ -: معناه هنا: أن ما أقول لكم حقّ، فاعتمدوه، واستيقنوه، فإنه يأتي مثل فَلَق الصبح. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: هذا تنبيه منه - ﷺ - على صدقه، وصحّة رسالته، كما قال عند تكثير الطعام: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله". انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٣.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٧٠.
[ ٢٥ / ٥٤١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٥٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ حَسَّانَ، قَاصُّ أَهْلِ مَكَّةَ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ عِيَاضِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ النَّوْفَلِيُّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَى حَدِيثِ سُفْيَانَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمر بن درهم الأسديّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية أبي أحمد الزبيريّ، عن سعيد بن حسّان هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر.
[تنبيه آخر]: قال الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ الجيّاني بعد أن أورد رواية مسلم هذه ما نصّه: هكذا في الإسناد: "عروة بن عياض، كذلك رواه سفيان بن عيينة، وأبو أحمد الزبيريّ كلاهما قال: "عن سعيد بن حسّان، عن عروة بن عيَاض" مُسَمَّى، وقال البخاريّ: "عروة" أخشى أن لا يكون محفوظًا؛ لأن عروة هو ابن عياض بن عمرو القاري، ورواه أبو نعيم، عن سعيد بن حسّان، عن ابن عياض، عن جابر، هكذا قال: "ابن عياض"، لم يُسمّه. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٥٩] (١٤٤٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ، وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، زَادَ إِسْحَاقُ: قَالَ سُفْيَانُ: لَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى عَنْهُ، لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ).
_________________
(١) "تقييد المهمل" ٣/ ٨٥٣.
[ ٢٥ / ٥٤٢ ]
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (بَكْرُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) تقدّم قريبًا.
٣ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
والباقيان ذُكرا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو) بن دينار (عَنْ عَطَاءٍ) ابن أبي رَبَاح، وفي رواية للبخاريّ، عن علي ابن المدينيّ، حدّثنا سفيان، قال: قال عمروٌ، أخبرنا عطاء، سمع جابرًا - ﵁ -، قال في "الفتح": هذا مما نَزَل فيه عمرو بن دينار، فإنه سمع الكثير من جابر - ﵁ - نفسِهِ، ثم أدخل في هذا بينهما واسطة، وقد تواردت الروايات من أصحاب سفيان على ذلك، إلا ما وقع في "مسند أحمد" في النسخ المتأخرة، فإنه ليس في الإسناد عطاء، لكنه أخرجه أبو نعيم من طريق "المسند"، بإثباته، وهو المعتمد. انتهى (^١).
(عَنْ جَابِرٍ) ابن عبد الله - ﵄ -، وفي رواية معقل الآتية: "عن عطاء، قال: سمعت جابرًا" (قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ) أي نُنزل المنيّ خارج الفرج (وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (زَادَ إِسْحَاقُ) بن إبراهيم شيخه الثاني، وقوله: (قَالَ سُفْيَانُ) مفعول "زاد" محكيّ؛ لقصد لفظه (لَوْ كَانَ شَيْئًا يُنْهَى) بالبناء للمفعول (عَنْهُ، لَنَهَانَا عَنْهُ الْقُرْآنُ) أي لو كان حرامًا لنزل القرآن بتحريمه، قال الحافظ - ﵀ -: قوله: "قال سفيان. . . إلخ" هذا ظاهر في أن سفيان قاله استنباطًا، وأوهم كلام صاحب "العمدة"، ومن تبعه أن هذه الزيادة من نفس الحديث، فأدرجها، وليس الأمر كذلك، فإني تتبعته من المسانيد،
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٤٣ - ٦٤٤.
[ ٢٥ / ٥٤٣ ]
فوجدت أكثر رواته عن سفيان لا يذكرون هذه الزيادة، وشرحه ابن دقيق العيد على ما وقع في "العمدة"، فقال: استدلال جابر بالتقرير من الله غريب، ويمكن أن يكون استدلّ بتقرير الرسول - ﷺ -، لكنه مشروط بعلمه بذلك. انتهى.
قال الحافظ: ويكفي في علمه به قول الصحابيّ: إنه فعله في عهده - ﷺ -، والمسألة مشهورة في الأصول، وفي علم الحديث، وهي أن الصحابيّ إذا أضافه إلى زمن النبيّ - ﷺ - كان له حكم الرفع عند الأكثر؛ لأن الظاهر أن النبيّ - ﷺ - اطَّلَعَ على ذلك، وأقرّه؛ لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام، وإذا لم يضفه فله حكم الرفع عند قوم، وهذا من الأول، فإن جابرًا - ﵁ - صَرَّح بوقوعه في عهده - ﷺ -، وقد وردت عِدَّة طُرُق تصرّح باطّلاعه على ذلك، والذي يظهر لي أن الذي استنبط ذلك، سواء كان هو جابرًا، أو سفيان أراد بنزول القرآن ما يُقْرَأ، أعم من المتعبَّد بتلاوته، أو غيره مما يُوحَى إلى النبيّ - ﷺ -، فكأنه يقول: فعلناه في زمن التشريع، ولو كان حرامًا لم نُقَرَّ عليه، وإلى ذلك يُشير قول ابن عمر - ﵄ -: "كنّا نتقي الكلام، والانبساط إلى نسائنا هيبةَ أن ينزل فينا شيء على عهد النبيّ - ﷺ - فلما مات النبيّ - ﷺ - تكلمنا، وانبسطنا. أخرجه البخاريّ.
ثم ذكر حديث مسلم عن جابر، من رواية أبي الزبير، وغيره، فقال: ففي هذه الطرق ما أغنى عن الاستنباط، فإن في إحداها التصريح باطلاعه - ﷺ -، وفي الأخرى إذنه في ذلك، وإن كان السياق يُشعر بأنه خلاف الأولى. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٣٥٥٩ و٣٥٦٠ و٣٥٦١] (١٤٤٠)،
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٦٤٤ - ٦٤٥.
[ ٢٥ / ٥٤٤ ]
و(البخاريّ) في "النكاح" (٥٢٠٧ و٥٢٠٨)، و(الترمذيّ) (٣/ ٤٤٢) (١١٣٧)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٤٤)، و(ابن ماجه) (١/ ٦٢٠) (١٩٢٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٥١٠ - ٥١١)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٧٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٠٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١١٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢٢٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في قول الصحابيّ: كنا نفعل كذا، ونحوه:
قال الشيخ ابن الصلاح - ﵀ -: قول الصحابيّ: كنا نفعل كذا، أو كنا نقول كذا، إن لم يضفه إلى زمان رسول الله - ﷺ -، فهو من قبيل الموقوف، وإن أضافه إلى زمان رسول الله - ﷺ -، فالذي قَطَع به أبو عبد الله ابن الْبَيِّع الحافظ وغيره من أهل الحديث وغيرهم، أن ذلك من قبيل المرفوع، وبلغني عن أبي بكر الْبَرقانيّ أنه سأل أبا بكر الإسماعيليّ الإمام عن ذلك؟ فأنكر كونه من المرفوع، والأول هو الذي عليه الاعتماد؛ لأن ظاهر ذلك مشعرٌ بأن رسول الله - ﷺ - اطَّلَع على ذلك، وقرّرهم عليه، وتقريره أحد وجوه السنن المرفوعة، فإنها أنواع: منها أقواله - ﷺ -، ومنها أفعاله، ومنها تقريره وسكوته عن الإنكار بعد اطلاعه، ومن هذا القبيل قول الصحابيّ: كنا لا نرى بأسًا بكذا، ورسول الله - ﷺ - فينا، أو كان يقال كذا وكذا على عهده، أو كانوا يفعلون كذا وكذا في حياته - ﷺ -، فكل ذلك وشِبهه مرفوعٌ، مسندٌ مُخَرَّج في كتب المسانيد. انتهى (^١).
وكتب الحافظ - ﵀ - في "نكته" ما نصّه: حاصل كلامه حكاية قولين:
١ - [أحدهما]: أنه موقوف جزمًا.
٢ - [وثانيهما]: التفصيل بين أن يضيفه إلى زمن النبيّ - ﷺ -، فيكون مرفوعًا، وبه صَرّح الجمهور، ويدل عليه احتجاج أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - على جواز العزل بفعلهم له في زمن نزول الوحي، فقال: "كنا نَعْزِل، والقرآن ينزل، لو كان شيء يُنْهَى عنه لنهى عنه القرآن".
_________________
(١) مقدمة ابن الصلاح ١/ ٤٧.
[ ٢٥ / ٥٤٥ ]
وهو استدلال واضحٌ لأن الزمان كان زمان التشريع، وإن لم يضفه إلى زمنه فموقوف.
وأهمل المصنّف مذاهب:
[الأول]: أنه مرفوع مطلقًا، وقد حكاه شيخنا - يعني العراقيّ - وهو الذي اعتمده الشيخان في "صحيحيهما"، وأكثر منه البخاريّ.
[والثاني]: التفصيل بين أن يكون ذلك الفعل مما لا يَخْفَى غالبًا، فيكون مرفوعًا، أو يخفى، فيكون موقوفًا، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازيّ، وزاد ابن السمعانيّ في "كتاب القواطع"، فقال: إذا قال الصحابيّ: كانوا يفعلون كذا، وأضافه إلى عصر النبيّ - ﷺ -، وكان مما لا يخفى مثله، فيُحمل على تقرير النبيّ - ﷺ -، ويكون شرعًا، وإن كان مثله يخفى، فإن تكرر منهم حُمِل أيضًا على تقريره؛ لأن الأغلب فيما يكثر أنه لا يخفى، والله أعلم.
[الثالث]: إن أورده الصحابي في معرض الحجة حُمِل على الرفع، وإلا فموقوف، حكاه القرطبيّ.
قال الحافظ: وينقدح أن يقال: إن كان قائل: "كنا نفعل" من أهل الاجتهاد احْتَمَلَ أن يكون موقوفًا، وإلا فهو مرفوعٌ، ولم أر من صرّح بنقله.
قال: ومع كونه موقوفًا، فهل هو من قبيل نقل الإجماع أو لا؟ فط خلاف مذكور في الأصول، جزم بعضهم بأنه إن كان في اللفظ ما يُشعر به، مثل: كان الناس يفعلون كذا، فمن قبيل نَقْلِ الإجماع، وإلا فلا (^١).
وإلى ما ذُكر أشار السيوطيّ - ﵀ - في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعِ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ "مِنَ السُّنَّةِ" مِنْ صَحَابِي
كَذَا "أُمِرْنَا" وَكَذَا "كُنَّا نَرَى" … فِي عَهْدِهِ أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
ثَالِثُهَا إِنْ كَانَ لَا يَخْفَى وَفِي … تَصْرِيحِهِ بِعِلْمِهِ الْخُلْفُ نَفِي
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "النكت على ابن الصلاح" ٢/ ٥١٥ - ٥١٧.
[ ٢٥ / ٥٤٦ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٦٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرًا يَقُولُ: لَقَدْ كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقة، من كبار [١١] مات سنة بضع و(١٤٠) (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٠.
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين، أبو عليّ الْحَرّانيّ، نُسب لجدّه، صدوقٌ [٩] (ت ٢١٠) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٣ - (مَعْقِلُ) بن عُبيد الله الْعَبْسيّ مولاهم، أبو عبد الله الْجَزَريّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٦٦) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ -، فَلَمْ يَنْهَنَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوق ربما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
[ ٢٥ / ٥٤٧ ]
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
والباقيان ذُكرا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.