وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٦١] (١٥٥٢) - (حَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثنَا أَبي، حَدَّثنَا عَبْدُ الْمَلِك، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ فَرْسًا، إِلَّا كانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَة، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَة، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ) بن أبي سليمان ميسرة الْعَرْزميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
_________________
(١) وقع في النسخة: ابن مالك، وهو غلط، فتنبّه.
(٢) "معجم البلدان" ١/ ١٦٥.
(٣) "الفتح" ٦/ ١٤٢.
[ ٢٧ / ٣٠٧ ]
٢ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٣ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ) بن عبد الله - ﵄ - أنه قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ) "ما" نافيةٌ، و"من" زائدة، كما قال في "الخلاصة":
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كـ"مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ"
وقوله: "ما من مسلم" أخرج الكافر؛ لأنه رَتَّبَ على ذلك كون ما أُكل منه يكون له صدقةً، والمراد بالصدقة الثواب في الآخرة، وذلك يختصّ بالمسلم، نعم ما أُكل من زرع الكافر يثاب عليه في الدنيا، كما ثبت من حديث أنس - ﵁ - عند مسلم، وأما من قال: إنه يُخَفَّف عنه بذلك من عذاب الآخرة، فيحتاج إلى دليل، ولا يبعد أن يقع ذلك لمن لم يُرزَق في الدنيا، وفَقَد العافية، قاله في "الفتح" (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: إنما خَصَّ المسلم بالذكر؛ لأنه ينوي عند الغرس غالبًا أن يتقوَّى بثمر ذلك الغرس المسلمون على عبادة الله تعالى، ولأن المسلم هو الذي يحصل له ثواب، وأما الكافر فلا يحصل له بما يفعله من الخيرات ثواب، وغايته أن يُخَفَّف العذاب عنه، وقد يُطْعَم في الدنيا، ويعطى بذلك؛ كما تقدَّم في "كتاب الإيمان".
ويعني بالصدقة هنا: ثواب صدقة مضاعفًا، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]. انتهى (^٢).
وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "ما من مسلم يغرس غرسًا" قال المظهر: بأيّ
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ١١١.
(٢) "المفهم" ٤/ ٤٢١.
[ ٢٧ / ٣٠٨ ]
سبب يؤكل مال الرجل يحصل له الثواب، قال الطيبيّ: نكّر "مسلمًا"، وأوقعه في سياق النفي، وزاد "من" الاستغراقيّة، وخصّ الغرس والزرع، وعمّ الحيوان؛ ليدلّ على سبيل الكناية الإيمائيّة على أن أيّ مسلم، سواء كان حرًّا، أو عبدًا، مطيعًا، أو عاصيًا يعمل أيّ عَمَل من المباح ينتفع بما عمله أي حيوان كان يرجع نفعه إليه، ويثاب عليه.
[حكاية]: رُوي أن رجلًا مرّ بأبي الدرداء - ﵀ -، وهو يغرس جَوزةً، فقال: أتغرس هذه، وأنت شيخ كبير تموت غدًا، أو بعد غد، وهي لا تُطعم إلا في كذا وكذا عامًا؟ فقال له: وما عليّ أن يكون لي أجرها، ويأكل منها غيري.
[حكاية أخرى]: ذكر أبو الوفاء البغداديّ في "كتاب المقامات" أنه مرّ أنوشروان على شيخ يغرس شجرة الزيتون، فقال له: ليس هذا أوان غرسك شجرة الزيتون، وهو شجر بطيء الإثمار، وأنت شيخ هَرِمٌ.
فأجاب: غَرَس من قبلنا وأكلنا، ونغرس ليأكل من بعدنا، فقال أنوشروان: "زه"؛ أي: أحسنت، وكان إذا قال: "زه" يُعطى من قيلت له أربعة آلاف درهم، فقال: أيها الملك كيف تتعجب من غراسي، واستبطاء ثمره؟ فما أسرع ما أثمرت، فقال: "زه"، فزيد أربعة آلاف أخرى، فقال: أيها الملك كلّ شجرة تثمر في العام مرّةً، وقد أثمرت شجرتي في ساعة مرّتين، فقال: "زه"، فزيد مثلها، ومضى أنوشروان، وقال: إن وقفنا عليه لم يكفه ما في خزائننا. ذكره الطيبيّ - ﵀ - (^١).
(يَغْرِسُ غَرْسًا) بفتح أوله، وكسر ثالثه، يقال: غَرَسْتُ الشجرةَ غَرْسًا، من باب ضَرَب، فالشجر مغروسٌ، ويُطلق عليه أيضًا: غَرْسٌ، وغِرَاسٌ بالكسر، فِعالٌ بمعنى مفعول، مثلُ كتاب، وبساط، ومهادٍ، بمعنى مكتوب، ومبسوطٍ، وممهود، وهذا زمنُ الْغِرَاس، كما يقال: زمن الْحِصَاد بالكسر، قاله الفيّوميّ (^٢).
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٥/ ١٥٤٨.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٥.
[ ٢٧ / ٣٠٩ ]
فال الجامع عفا الله عنه: يُستفاد مما ذكره الفيّوميّ: أن "غَرْسًا" هنا يَحْتَمِل أن يكون مفعولًا مطلقًا؛ لأنه مصدر، وأن يكون مفعولًا به؛ لأنه بمعنى مغروس، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(إلَّا كَانَ مَا أُكِلَ) بالبناء للمفعول (مِنْهُ) أي: من ذلك الغرس (لَهُ) أي: للمسلم (صَدَقَةً) بالنصب على الخبريّة لـ"كان"، يعني أنه يحصل للغارس ثواب التصدّق بالمأكول، قيل: هذا إذا لم يضمنه الآكل، لكن ظاهر النص مطلقٌ، فليُتأمّل (وَمَا سُرِقَ) بالبناء للمفعول أيضًا (مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ) يَحْتَمِل أن يكون بالرفع على أنه خبر و"ما"، ويَحْتَمِل نصبه عطفًا على "صدقةً"، وعلى هذا فـ"ما" تكون معطوفة على "ما" التي هي اسم "كان"، فيكون من عطف المعمولين على معمولي عامل واحد، وهو جائز بلا خلاف، كما هو معروف في محلّه من كتب النحو، فتنبّه.
والمعنى: أنه يحصل للغارس مثل ثواب التصدّق بالمسروق، وليس المعنى أن يكون المأخوذ ملكًا للآخذ، كما تُصُدّق به عليه.
(وَمَا) موصولة مبتدأ (أَكَلَ السَّبُعُ) بضمّ الموحّدة، وتُسكّن تخفيفًا، قال الفيّوميّ - ﵀ -: والسَّبُعُ بضم الباء: معروف، واسكان الباء لغةٌ، حكاها الأخفش وغيره، وهي الفاشية عند العامّة، ولهذا قال الصغانيّ: السَّبُعُ، والسَّبْعُ لغتان، وقرئ بالإسكان في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣]، وهو مرويّ عن الحسن البصريّ، وطلحة بن سليمان، وأبي حَيْوَة، ورواه بعضهم عن عبد الله بن كثير أحدِ السبعة، ويجْمَع في لغة الضمّ على سِبَاعٍ، مثلُ رَجُلٍ ورِجَالٍ، لا جمع له غير ذلك على هذه اللغة، قال الصغانيّ: وجمعه على لغة السكون في أدنى العدد أَسْبُعٌ، مثل فَلْس وأَفْلُسٍ، وهذا كما خُفِّف ضَبْعٌ، وجُمِع على أَضْبُع، ومن أمثالهم: "أَخَذَهُ أَخْذَ السَّبْعَةِ" بالسكون، قال ابن السِّكِّيت: الأصل بالضم، لكن أُسكنت تخفيفًا، والسَّبْعَةُ: اللَّبُؤَة (^١)، وهي أشدّ جَراءة من السبع، وتصغيرها: سُبَيْعَةٌ، وبها سميت المرأة، ويقع السَّبُعُ على كلّ ما له نابٌ يَعْدُو به، ويَفْتَرس؛ كالذئب، والفهد، والنَّمِر، وأما الثعلب فليس بسبعٍ، وإن كان له
_________________
(١) اللبُؤة بضم الباء: الأنثى من الأسد.
[ ٢٧ / ٣١٠ ]
ناب؛ لأنه لا يعدو به، ولا يفترس، وكذلك الضبع، قاله الأزهريّ، وأرض مَسْبَعَةٌ بفتح الأول والثالث: كثيرة السِّبَاعِ. انتهى (^١).
(مِنْهُ) أي: من ذلك الغرس، وقوله: (فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ) خبر "ما"، وكذا إعراب ما بعده (وَمَا أُكَلَتِ) بالبناء للفاعل (الطَّيْرُ) جمع طائر، وقيل: هو مفرد، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الطَّائِرُ على صيغة اسم الفاعل من طَارَ يَطِيرُ طَيَرَانًا، وهو له في الجوّ كمشي الحيوان في الأرض، ويُعَدَّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: طَيَّرْتُهُ، وأَطرْتُهُ، وجمع الطَّائِرِ: طَيْرٌ، مثلُ صَاحِبٍ وصَحْبٍ، ورَاكِب ورَكْبٍ، وجمع الطَّيْرِ: طُيُور، وأَطْيَارٌ، وقال أبو عبيدة، وقطرب: ويقع الطير على الواحد والجمع، وقال ابن الأنبارفي: الطَّيْرُ جماعة، وتأنيثها أكثر من التذكير، ولا يقال للواحد: طَيْرٌ، بل طَائِرٌ، وقلّما يقال للأنثى: طَائِرَةٌ. انتهى (^٢).
(فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرْزَؤُهُ) بفتح أوله، وثالثه، مضارع رزأ، بِراء، ثم زاي، ثم همزة، من باب فتح، وعَلِم؛ أي: ينقصه، ويأخذ منه، قال المجد - ﵀ -: رَزَأَهُ مالَهُ، كَجَعَلَهُ، وعَلِمَهُ، رُزْءًا بالضم: أصابَ منه شيئًا، كَارْتَزَأَهُ مَالَهُ، ورَزَأَهُ رُزْءًا، ومَرْزِئَةً: أصاب منه خَيْرًا، والشَّيءَ: نَقَصَهُ،
والرَّزِيئَةُ: المُصِيبَةُ، كالرُّزْء، والمَرْزِئَة، جمعه: أرْزَاءٌ، ورَزَايَا، وما رَزِئتُهُ بالكسر: ما نَقَصْتُهُ، وارْتَزَأَ: انْتَقَص. انتهى (^٣).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: الرَّزِّيَةُ: المصيبة، والجمع: رَزَايَا، وأصلها الهمز، يقال: رَزَأتَهُ تَرْزَؤُهُ، مهموزٌ، بفتحتين، والاسم: الرُّزْءُ، مثالُ قُفْل، ورَزَأتُهُ أنا: إذا أصبته بمصيبة، وقد يُخَفَّف، فيقال: رَزيتُهُ أَرْزَاهُ. انتهى (^٤).
(أَحَدٌ إلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَة) هكذا في النسخ مرفوعًا بضبط القلم، فتكون "كان" على هذا تامَّةً، كما قال الحريريّ - ﵀ - في "ملحة الإعراب":
وإنْ تَقُلْ يَا قَوْمُ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
وقال ابن مالك - ﵀ - في "الخلاصة":
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٦٤.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣٨٢.
(٣) "القاموس المحيط" ١/ ١٦.
(٤) "المصباح المنير" ١/ ٢٢٦.
[ ٢٧ / ٣١١ ]
… وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
والمعنى هنا: إلا حصل له ثواب صدقة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٣٩٦١ و٣٩٦٢ و٣٩٦٣ و٣٩٦٤ و٣٩٦٥] (١٥٥٢)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٠/ ٤٥٦)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٥/ ٩٣)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٥٣٦)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٤٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٣٣١)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٥/ ١٠٠ و١٠١)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ١٤٩)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٣١١ و٤٥٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ١٣٧) و"المعرفة" (٤/ ٥١٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الغرس والزرع، والحضّ على عمارة الأرض، قال النوويّ - ﵀ -: في هذه الأحاديث فضيلة الغرس، وفضيلة الزرع، وأن أجر فاعلي ذلك مستمرّ ما دام الغِراس والزرع، وما تولّد منه إلى يوم القيامة. انتهى (^١).
٢ - (ومنها): أنه يُستَنْبَط منه اتخاذ الضَّيْعة، والقيام عليها، وفيه فساد قول من أنكر ذلك، من المتزهِّدة، ويحْمَل ما ورد من التنفير عن ذلك على ما إذا شَغَلَ عن أمر الدين، فمنه حديث ابن مسعود - ﵁ - مرفوعًا: "لا تتخذوا الضَّيْعة فترغبوا في الدنيا"، الحديث.
قال القرطبيّ: وفيه دليل على أن الغِراس، واتخاذ الضياع مباح، وغير قادح في الزهد، وقد فعله كثير من الصحابة، وقد ذهب قوم من المتزهدة إلى
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٢١٣.
[ ٢٧ / ٣١٢ ]
أن ذلك مكروه وقادح، ولعلّهم تمسكوا في ذلك بما قد خرَّجه الترمذيّ من قوله - ﷺ -: "لا تتخذوا الضيعة، فتركنوا إلى الدنيا"، خرَّجه من حديث ابن مسعود - ﵁ -، وقال فيه: حديث حسن.
والجواب: أن هذا النهي محمول على الاستكثار من الضياع، والانصراف إليها بالقلب الذي يُفضي بصاحبه إلى الركون للدنيا، فأما إذا اتخذها غير مستكثر، وقفَل منها، وكانت له كفافًا وعفافًا فهي مباحة، غير قادحة في الزهد، وسبيلها كسبيل المال الذي استثناه النبيّ - ﷺ - بقوله: "إلا من أخذه بحقه، ووضعه في حقه" رواه مسلم، فأمَّا لو غرس، أو اتخذ الضيعة ناويًا بذلك معونة المسلمين، وثواب ما يؤكل ويتلف له منها، ويفعل بذلك معروفًا، فذلك من أفضل الأعمال، وأكرم الأحوال، ولا بُعْد في أن يقال: إن أَجْرَ ذلك يعود عليه أبدًا دائمًا، وإن مات وانتقلت إلى غيره، ولولا الإكثار لذكرنا فيمن اتخذ الضياع من الفضلاء، والصحابة جملة من صحيح الأخبار. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ -، وهو بحث مفيد، والله تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): أن مقتضى ما في الرواية الآتية بلفظ: "إلا كان له صدقةً إلى يوم القيامة" أن أجر ذلك يستمرّ ما دام الغرس، أو الزرع مأكولًا منه، ولو مات زارعه، أو غارسه، ولو انتقل ملكه إلى غيره.
٤ - (ومنها): أن الثواب المترتِّب على أفعال البرّ في الآخرة يختص بالمسلم دون الكافر؛ لأن القُرَب إنما تصح من المسلم، فإن تصدق الكافر، أو بَنَى قَنْطَرة للمارة، أو شيئًا من وجوه البر لم يكن له أجر في الآخرة، وورد في حديث آخر أنه يُطْعَم في الدنيا بذلك، ويجازى به مِنْ دَفْع مكروه عنه، ولا يُدَّخَر له شيء منه في الآخرة.
[فإن قلت]: قال - ﷺ - في بعض طرق هذا الحديث: "ما من عبد"، وهو يتناول المسلم والكافر.
[أجيب]: بأنه يُحمَل المطلق على المقيد، قاله في "العمدة" (^١).
٥ - (ومنها): أن المرأة تدخل في قوله: "ما من مسلم"؛ لأن هذا اللفظ
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٢/ ١٥٥.
[ ٢٧ / ٣١٣ ]
من الجنس الذي إذا كان الخطاب به يدخل فيه المرأة؛ لأنه - ﷺ - لم يُرد بهذا اللفظ أن المسلمة إذا فعلت هذا الفعل لم يكن لها هذا الثواب، بل المسلمة في هذا الفعل في استحقاق الثواب مثل المسلم سواءً.
٦ - (ومنها): حصول الأجر للغارس والزارع، وإن لم يقصدا ذلك، حتى لو غَرَس، وباعه، أو زرع وباعه، كان له بذلك صدقة؛ لتوسعته على الناس في أقواتهم، كما ورد الأجر للجالب، وإن كان يفعله للتجارة والاكتساب (^١).
٧ - (ومنها): أن ظاهر الحديث أن الأجر يحصل لمتعاطي الزرع أو الغرس، ولو كان مُلكه لغيره؛ لأنه أضافه إلى أم مبشر، ثم سألها عمن غرسه، قال الطيبيّ: نَكر مسلمًا، وأوقعه في سياق النفي، وزاد "مِن" الاستغراقية، وعَمّ الحيوان؛ ليدل على سبيل الكناية على أن أيّ مسلم، كان حرًّا، أو عبدًا، مطيعًا، أو عاصيًا، يعمل أيّ عمل من المباح ينتفع بما عمله أيّ حيوان كان يرجع نفعه إليه، ويثاب عليه.
٨ - (ومنها): أن فيه جوازَ نسبة الزرع إلى الآدميّ، وقد ورد في المنع منه حديثٌ غيرُ قويّ، أخرجه ابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: "لا يقل أحدكم: زَرَعْتُ، ولكن ليقل: حَرَثت، ألم تسمع لقول الله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ [الواقعة: ٦٤]، ورجاله ثقات، إلا أن مسلم بن أبي مسلم الجرميّ قال فيه ابن حبان: ربما أخطأ، ورَوَى عبد بن حميد من طريق أبي عبد الرحمن السُّلَميّ مثله من قوله، غير مرفوع.
٩ - (ومنها): ما قاله ابن أبي جمرة: يدخل الغارس في عموم قوله: "إنسان"، فإن فضل الله واسع.
قال: وفيه التنويه بقدر المؤمن، وأنه يحصل له الأجر، وإن لم يقصد إليه عينًا.
قال: وفيه الترغيب في التصرف على لسان المعلِّم، والحضّ على التزام طريق المصلحين، والإرشاد إلى ترك المقاصد الفاسدة، والترغيب في المقاصد الصالحة الداعية إلى تكثير الثواب، وأن تعاطي الأسباب التي اقتضتها الحكمة
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٢/ ١٥٥.
[ ٢٧ / ٣١٤ ]
الربانية من عمارة هذه الدار، لا ينافي العبادة، ولا طريق الزهد، ولا التوكل.
قال: وفيه التحريض على تعلم السنّة؛؛ ليعلم المرء ما له من الخير، فيرغبَ فيه؛ لأن مثل هذا الفضل المذكور في الغرس لا يُدْرَك إلا من طريق السنّة.
قال: وفيه إشارة إلى أن المرء قد يَصِل إليه من الشر ما لم يَعْمَل به، ولا قصد إليه، فيحذر من ذلك؛ لأنه لما جاز حصول هذا الخير بهذا الطريق، جاز حصول مقابله. انتهى كلام ابن أبي جمرة - ﵀ - ملخصًا، نقله في "الفتح" (^١).
١٠ - (ومنها): أن المهلَّب استَنْبَط منه أن من زرع في أرض غيره كان الزرع للزارع، وعليه لرب الأرض أجرة مثلها، قال الحافظ: وفي أخذ هذا الحكم من هذا الحديث بُعْدٌ انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في أفضل المكاسب:
قال النوويّ - ﵀ -: قد اختلف العلماء في أطيب المكاسب، وأفضلها، فقيل: التجارة، وقيل: الصَّنعة باليد، وقيل: الزرا عة، وهو الصحيح. انتهى.
وقال في "شرح المهذب": قال الماورديّ: أصول المكاسب الزراعة، والتجارة، والصَّنعة، وأيها أطيب؟ فيه ثلاثة مذاهب للناس: أشبهها بمذهب الشافعيّ أن التجارة أطيب، قال: والأشبه عندي أن الزراعة أطيب؛ لأنها أقرب إلى التوكل، وذكر الشاشيّ، وصاحب "البيان"، وآخرون نحو ما ذكره الماورديّ وأخذه عنه.
قال النوويّ: في "صحيح البخاريّ" عن المقدام بن معديكرب - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبيّ الله داود - ﵇ - كان يأكل من عمل يده"، فالصواب ما نصّ عليه رسول الله - ﷺ -، وهو عمل اليد، فإن كان زرعًا، فهو أطيب المكاسب وأفضلها؛ لأنه عمل يده، ولأن فيه توكلًا كما ذكره الماورديّ، وقال: لأن فيه
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٣/ ٥٥٧ "كتاب الأدب" رقم (٦٠١٢).
(٢) "الفتح" ٦/ ١١٢.
[ ٢٧ / ٣١٥ ]
نفعًا عامًّا للمسلمين، والدواب، ولأنه لا بُدّ في العادة أن يؤكل منه بغير عوض، فيحصل له أجره، وإن لم يكن ممن يعمل بيده، بل يعمل له غلمانه، وأجراؤه فاكتسابه بالزراعة أفضل؛ لِمَا ذكرناه. ثم أورد الأحاديث التي أوردها مسلم في هذا الباب (^١).
وقال في "الفتح": قال الماورديّ: أصول المكاسب: الزراعة، والتجارة، والصَّنعة، والأشبه بمذهب الشافعيّ أن أطيبها التجارة، قال: والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة؛ لأنها أقرب إلى التوكل.
وتعقبه النوويّ بحديث المقدام الذي تقدّم، وأن الصواب أن أطيب الكسب ما كان بعمل اليد، قال: فإن كان زرّاعًا فهو أطيب المكاسب؛ لِمَا يشتمل عليه من كونه عمل اليد، ولمَا فيه من التوكل، ولما فيه من النفع العامّ للآدميّ وللدواب، ولأنه لا بدّ فيه في العادة أن يؤكل منه بغير عوض.
قال الحافظ: وفوق ذلك من عمل اليد ما يُكتسب من أموال الكفار بالجهاد، وهو مكسب النبيّ - ﷺ - وأصحابه، وهو أشرف المكاسب؛ لما فيه من إعلاء كلمة الله تعالى، وخِذلان كلمة أعدائه، والنفع الأخرويّ.
قال: ومن لم يعمل بيده فالزراعة في حقه أفضل؛ لما ذكرنا.
قال الحافظ: وهو مبنيّ على ما بَحث فيه من النفع المتعدي، ولم ينحصر النفع المتعدي في الزراعة، بل كل ما يُعمل باليد فنفعه متعدّ؛ لما فيه من تهيئة أسباب ما يحتاج الناس إليه، والحقّ أن ذلك مختلف المراتب، وقد يَختلف باختلاف الأحوال، والأشخاص، والعلم عند الله تعالى.
قال ابن المنذر - ﵀ -: إنما يَفْضُل عملُ اليد سائرَ المكاسب إذا نصح العامل، كما جاء مصرَّحًا به في حديث أبي هريرة - ﵁ -.
قال الحافظ: ومن شرطه أن لا يعتقد أن الرزق من الكسب، بل من الله تعالى بهذه الواسطة، ومِن فَضْل العمل باليد الشغلُ بالأمر المباح عن البطالة واللهو، وكسر النفس بذلك، والتعفف عن ذِلَّة السؤال، والحاجة إلى الغير.
_________________
(١) راجع: "المجموع شرح المهذّب" ٩/ ٥٤.
[ ٢٧ / ٣١٦ ]
انتهى كلام الحافظ - ﵀ - (^١).
وقال في "العمدة": واختُلف في أفضل المكاسب، فقال النوويّ: أفضلها الزراعة، وقيل: أفضلها الكسب باليد، وهي الصَّنعة، وقيل: أفضلها التجارة، وأكثر الأحاديث تدلّ على أفضلية الكسب باليد، وروى الحاكم في "المستدرك" من حديث أبي بردة، قال: سئل رسول الله - ﷺ -: أيُّ الكسب أطيب؟ قال: "عَمَلُ الرجل بيده، وكل بيع مبرور"، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد (^٢).
وقد يقال: هذا أطيب من حيث الحلّ، وذاك أفضل من حيث الانتفاع العامّ، فهو نفع متعدّ إلى غيره، وإذا كان كذلك فينبغي أن يَختلف الحال في ذلك باختلاف حاجة الناس، فحيث كان الناس محتاجين إلى الأقوات أكثر كانت الزراعة أفضل؛ للتوسعة على الناس، وحيث كانوا محتاجين إلى المتجر؛ لانقطاع الطرق كانت التجارة أفضل، وحيث كانوا محتاجين إلى الصنائع أشدّ كانت الصنعة أفضل، وهذا حسن. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: إن أفضل المكاسب هو الذي نصّ عليه رسول الله - ﷺ -، وهو عمل اليد، فإن كان زرعًا، فهو أطيب المكاسب وأفضلها؛ لأنه عمل يده، وهذا ما رجحه النوويّ في كلامه السابق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٦٢] (…) - (حَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَى أُمِّ مُبَشِّرٍ الأنصَارِيَّة، فِي نَخْلٍ لَهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: "مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ، أَمُسْلِمٌ أَمْ كَافِرٌ؟ "، فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ، فَقَالَ: "لَا يَغرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا، وَلَا يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَان، وَلَا دَابَّةٌ، وَلَا شَيءٌ، إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ").
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٥٢٥ - ٥٢٦ "كتاب البيوع" رقم (٢٠٧٠ - ٢٠٧٥).
(٢) هو صحيح كما قال.
(٣) "عمدة القاري" ١٢/ ١٥٥.
[ ٢٧ / ٣١٧ ]
رجال هدا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوق يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
والباقون ذُكروا قبله، وقبل باب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٦٤) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (دَخَلَ عَلَى أُمِّ مُبَشَّرٍ الأنصَارِيّة) قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ - ﵀ - بعد أن ساق حديث مسلم هذا بلفظ: "أن النبيّ - ﷺ - دخل على أمّ بشر الأنصاريّة"، ما نصّه: هكذا في رواية أبي العلاء بن ماهان: "أن النبيّ - ﷺ - دخل على أم بشر"، وكذلك فِي حديث الليث بن سعد في ديوان "مسنده".
وعند أبي أحمد الجلوديّ عن جابر - ﵁ - قال: "دخل النبيّ - ﷺ - على أم مبشّر"، وفي النسخة عن أبي سعيد السجزيّ، وأبي العبّاس الرازيّ: "دخل على أم معبد، أو أم مبشّر" على الشكّ، وكذلك كان في نسخة شيخنا أبي العبّاس الدلائيّ: "أم معبد، أو أم مبشّر" على الشك، والمحفوظ في حديث الليث بن سعد: "أمّ بشر"، حدّثنا حَكَم بن محمد، نا أبو بكر بن إسماعيل، نا محمد بن زبان، قال: أنا محمد بن رُمح، قال: أنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر؛ أن النبيّ - ﷺ - دخل على أم بشر الأنصاريّة في نخل لها، فقال لها النبيّ - ﷺ -: "من غَرَس هذا النخل؟ أمسلم، أم كافر؟ فقالت: مسلم، فقال: "لا يغرس مسلم غرسًا، ولا يزرع زرعًا، فيأكل منه إنسان، ولا دابّة، ولا شيء، إلا كانت له صدقةً".
ذكر مسلم من حديث ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أخبرتني أم مبشّر أنها سمعت النبيّ - ﷺ - يقول عند حفصة: "لا يدخل النار من أصحاب الشجرة أحدٌ" (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم في "كتاب فضائل الصحابة" برقم (٢٤٩٦) رقم محمد فؤاد، ولفظه: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها".
[ ٢٧ / ٣١٨ ]
وقال لنا أبو عمر النمريّ: أم مبشّر الأنصاريّة امرأة زيد بن حارثة، يقال: إنها أم بشر بنت البراء بن مَعْرُور، وكانت من كبار الصحابة، روى عنها جابر بن عبد الله أحاديث. انتهى كلام أبي عليّ الجيّانيّ - ﵀ - (^١).
وقال في "تهذيب التهذيب": أم مبشر الأنصارية امرأة زيد بن حارثة، رَوَت عن النبيّ - ﷺ -، وعن حفصة بنت عمر، على خلاف في ذلك، وعنها جابر بن عبد الله الأنصاريّ، ومحمد بن عبد الرحمن بن خلاد الأنصاريّ، ومجاهد بن جبر، يقال: مرسل.
قال الحافظ: زعم الدمياطيّ أن اسمها جُهينة بنت صيفيّ بن صخر، وإنها زوجة البراء بن معرور، أم ولديه بشر ومبشر، قال: وخَلَفَ عليها بعده زيد بن حارثة، كذا قال.
وقد ذكر أبو جعفر الطبريّ، وأبو عليّ بن السكن: أن اسم أم بشر بن البراء خُليدة بنت قيس بن ثابت بن مالك الأشجعية، وقال ابن عبد البرّ: أم بشر بنت البراء بن معرور، ويقال لها: أم مبشر، اسمها خُليدة، كذا قال، وكأنه أراد أن يكتب أم بشر بن البراء، ولعله من طغيان القلم، وقد اعترض عليه ابن فتحون، وذكر خليفة بن خياط أن للبراء بن معرور بنتًا تسمى أم قيس، فالله تعالى أعلم. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما سبق أن أبا عليّ الجيّاني - ﵀ - ذكر أن الصواب في رواية الليث، عن أبي الزبير، عن جابر؛ أن النبيّ - ﷺ - دخل على أم بِشْر، وليس على أم مبشّر، لكن النسخ التي بين يديّ كلها متّفقة على أم مبشّر، وقد سبق في كلام ابن عبد البرّ وغيره أنها يقال لها: أم مبشر، وأم بشر، فالظاهر أنهما كنيتان لها، وكذا أم معبد في الرواية الآتية، إلا أن الذي صوّبه الجيّانيّ أن رواية الليث: أم بشر، لا أم مبشّر، واحتجّ على ذلك بأنه الذي ثبت في كتاب الليث بن سعد، يكون هو المعتمدَ، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (وَلَا دَابَّةٌ) إن كان مأخوذًا من دَبَّ على الأرض فهو مِنْ عطفِ
_________________
(١) "تقييد المهمل" ١/ ٨٦٣ - ٨٦٢.
(٢) "تهذيب التهذيب" ٤/ ٧٠١.
[ ٢٧ / ٣١٩ ]
العامّ على الخاصّ، وإن كان المراد به الدابة في العرف، فهو من عطف جنس على جنس، وهو الظاهر هنا، قاله في "الفتح" (^١).
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٦٣] (…) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَابْنُ أَبِي خَلَفٍ، قَالَا: حَدَّثنا رَوْحٌ، حَدَّثنا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبو الزُّبَيْرِ؛ أنهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "لَا يَغْرِسُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ غَرْسًا (^٢)، وَلَا زَرْعًا، فَيَأْكُلَ مِنْهُ سَبُعٌ، أَوْ طَائِرٌ، أَوْ شَيءٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ"، وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَلَفٍ: طَائِرٌ شَيْءٌ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون، تقدّم قريبًا.
٢ - (ابْنُ أَبِي خَلَفٍ) هو: محمد بن أحمد بن أبي خلف، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (رَوْحُ) بن عُبادة بن العلاء القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم في الباب الماضي.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (غَرْسًا) وفي نسخة: "غِرَاسًا" بالكسر، وتقدّم أنه الشيء المغروس.
وقوله: (وَلَا زَرْعًا) عَطْفُه على ما قبله عطفُ مغاير؛ لأن الزرع غير الغرس.
وقوله: (فَيَأْكُلَ مِنْهُ) بالنصب بـ"أن" مضمرة بعد الفاء السببيّة في جواب النفي، كما قال في "الخلاصة":
_________________
(١) "الفتح" ١٣/ ٥٥٦ - ٥٥٧ "كتاب الأدب" رقم (٦٠٠ - ٦١٣).
(٢) وفي نسخة: "غِرَاسًا".
[ ٢٧ / ٣٢٠ ]
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
وقوله: (أَوْ طَائِرٌ، أَو شَيءٌ) "أو" هنا للتنويع، لا للشكّ، وعطف "شيء" على ما قبله من عطف العامّ على الخاصّ.
وقوله: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَلَفٍ: طَائِرٌ شَيءٌ) يعني شيخه ابن خلف لم يذكر العاطف، وعليه يكون "شيء" بدلًا من "طائرٌ"، فتنبّه.
والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، وتقدّم تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٦٤] (…) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ؛ أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: دَخَلَ النَّبِيُ - ﷺ - عَلَى أُمِّ مَعْبَدٍ حَائِطًا، فَقَالَ: "يَا أمّ مَعْبَدٍ مَنْ غَرَسَ هَذَا النَّخْلَ، أَمُسْلِمٌ، أَمْ كَافِرٌ؟ "، فَقَالَتْ: بَلْ مُسْلِمٌ، قَالَ: "فَلَا يَغرِسُ الْمُسْلِمُ غَرْسًا، فَيَأْكلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ، وَلَا دَابَّة، وَلَا طَيْرٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْن إِبْرَاهِيمَ) الرباطيّ الأشقر، أبو عبد الله المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ حافظٌ [١١].
رَوَى عن أبي أحمد الزبيريّ، وأبي داود الطيالسيّ، والنضر بن شُميل، ووهب بن جرير بن حازم، وروح بن عبادة، وغيرهم.
ورَوَى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وابن خزيمة، والسراج، والقبانيّ، وإبراهيم بن أبي طالب، وجماعة.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن خِرَاش: ثقة ثقة، وقال الخطيب: ورد بغداد في أيام أحمد، وجالس بها العلماء، وذاكرهم، وكان ثقةً فَهِمًا، عالِمًا، فاضلًا. وقال أبو حاتم الرازيّ: أدركته، ولم أكتب عنه، وكَتَبَ إليّ بأحاديث، وكان يتولى على الرباطات، وقال الخليليّ في "الإرشاد": ثقةٌ عالمٌ حافظٌ متقنٌ، وقال أبو عليّ الحافظ: كان والله من الأئمة المقتدى بهم، وقال محمد بن عبد السلام: لم أر بعد إسحاق بن إبراهيم مثله.
[ ٢٧ / ٣٢١ ]
مات في المحرم سنة (٢٤٦) بقُومَس.
روى عنه البخاريّ، والمصنف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٢ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ إسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ رُمي بالقدر [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٠.
٣ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الجمحيّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ٢١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: انتقد الحافظ أبو مسعود الدمشقيّ - ﵀ - هذا الإسناد، فقال: هكذا هذا الإسناد أيضًا عند أبي الأزهر (^١)، يعني عن روح بن عُبادة، عن زكريّا بن إسحاق، عن عمر، عن جابر، قال: والمشهور: عن زكريّا، عن أبي الزبير، عن جابر، لا عن عمرو بن دينار. انتهى (^٢).
وقوله: (إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) قال في "العمدة": [فإن قلت]: قوله: "إلى يوم القيامة" هل يريد به أن أجره لا ينقطع إلى يوم القيامة، وإن فَنِي الزرع والغراس، أو يريد ما بقي ذلك الزرع والغراس منتَفعًا به، وإن بقي إلى يوم القيامة؟
[قلت]: الظاهر أن المراد الثاني، وزاد النوويّ أن ما يولد من الغراس والزرع كذلك، فقال: فيه أن أجر فاعل ذلك مستمرّ ما دام الغِراس والزرع، وما تولّد منه إلى يوم القيامة. انتهى (^٣).
والحديث من أفراد المصنف كلدهُ، كما سبق بيانه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٥٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ (ح) وَحَدّثنَا أَبو كُرَيْبٍ، وَإسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، جَمِيعًا عَنْ أَبى مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدّثنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَمَارُ بْنُ مُحَمّدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا
_________________
(١) أبو الأزهر هو أحمد بن الأزهر بن منيع النيسابوري المتوفّى سنة (٢٦٣ هـ).
(٢) راجع: "تقييد المهمل" ٣/ ٨٦٣.
(٣) راجع: "عمدة القاري" ١٢/ ١٥٥.
[ ٢٧ / ٣٢٢ ]
ابْنُ فُضَيْلٍ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنِ الأَعْمَش، عَنْ أبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، زَادَ عَمْرٌو فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَمَّارٍ، وَأبو كُرَيْبٍ في رِوَايَتِهِ: عَنْ أبِي مُعَاوِيةَ، فَقَالَا: عَنْ أمِّ مُبَشِّرٍ، وَفَي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ: عَنِ امْرَأةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَفي رِوَايَةِ إسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ قَالَ: رُبَّمَا قَالَ: عَنْ أمَّ مُبَشَرٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْ، وَكُلُّهُمْ قَالُوا: عَنِ النَّبِي - ﷺ -، بِنَحْوِ حَدِيثِ عَطَاءٍ، وَأبي الزُّبَيْر، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) بن طلق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ تغيّر حفظه قليلًا [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
٢ - (أبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريبًا.
٣ - (أبو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٤ - (عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الثوريّ، أبو اليقظان الكوفيّ، ابن أخت سفيان الثوريّ، سكن بغداد، صدوق، وكان يُخطئ، وكان عابدًا [٨].
رَوَى عن خالد، والأعمش، ومنصور، وليث بن أبي سُليم، وعطاء بن السائب، وغيرهم.
وروى عنه أحمد بن حنبل، وأبو معمر القَطِيعيّ، وأبو كريب، وعمرو الناقد، ومحمد بن الصباح الجرجرائيّ، وعلي بن حجر، وغيرهم.
قال الدُّوريّ عن ابن معين: لم يكن به بأس، وقال يزيد بن الهيثم عن ابن معين: ليس به بأس، وأخوه سيف كذا، وعمار أكبرهما، وقال إبراهيم بن أبي داود عن ابن معين: ثقة، وقال أحمد بن عليّ الأبّار، عن علي بن حجر: كان ثبتًا ثقة، وعن أبي معمر القطيعيّ: ثقة، وقال البخاريّ: قال لي عمرو بن محمد: ثنا عمار بن محمد، وكان أوثق من سيف، وقال ابن أبي حاتم، عن الحسن بن عرفة: كنا لا نشك أنه من الأبدال، وقال الجوزجانيّ: عمار وسيف ليسا بالقويين في الحديث، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، يُكتب حديثه.
وقال ابن سعد: تُوُفّي في المحرم سنة اثنتين وثمانين ومائة، وكان
[ ٢٧ / ٣٢٣ ]
ثقةً، وقال ابن حبان: ممن فَحُش خطؤه، وكثُر وَهْمُه، فاستحقّ الترك.
قال الجامع عفا الله عنه: قول ابن حبّان: "فاستحقّ الترك" مما تشدّد فيه في غير موضعه، فيستحقّ الترك، فقد علمت كلام الأئمة قبله، فلا تلتفت إليه.
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة، رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٦ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهران، تقدّم قريبًا.
٧ - (أَبو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قريبًا.
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنِ الأَعْمَشِ) يعني أن هؤلاء الأربعة: حفص بن غياث، وأبا معاوية، وعمّار بن محمد، ومحمد بن فضيل، رووه عن الأعمش إلخ.
وقوله: (زَادَ عَمْرٌو فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَمَارٍ) "عمرو" هو: الناقد، و"عمار" هو: ابن محمد، يعني أن عمرًا الناقد زاد في روايته عن عمّار بن محمد بعد ذكر جابر، قوله: "عن أم مبشّر"، وكذا زاد أبو كريب في روايته عن أبي معاوية، فجعلاه من مسند أم مبشّر، لا من مسند جابر - ﵁ -.
وقوله: (وَأَبُو كُرَيْبٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ) هكذا في بعض النسخ: "وأبو كريب"، وهو الصواب، ووقع في بعضها: "وأبو بكر" بدل و"أبو كريب"، وهو غلط، وهذا هو الذي وقع في شرح النوويّ - ﵀ -، فقال النوويّ: قوله: "وأبو بكر في روايته عن أبي معاوية إلخ" هكذا وقع في نسخ مسلم، "وأبو بكر"، ووقع في بعضها: "وأبو كريب" بدل "أبي بكر" قال القاضي: قال بعضهم: الصواب أبو كريب؛ لأن أول الإسناد لأبي بكر بن أبي شيبة، عن حفص بن غِياث، ولأبي كريب، وإسحاق بن إبراهيم، عن أبي معاوية، فالراوي عن أبي معاوية هو أبو كريب، لا أبو بكر، وهذا واضح، وبَيِّنٌ، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٢١٥.
[ ٢٧ / ٣٢٤ ]
وقوله: (وَفَي رِوَايَةِ ابْنِ فُضَيْلٍ إلخ) يعني أن في رواية محمد بن فُضيل، عن الأعمش قال: "عن امرأة زيد بن حارثة" بدل أمّ مبشّر، وهي هي، كما تقدّم.
وقوله: (وَهي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ إلخ) يعني أن في رواية إسحاق ابن راهويه، عن أبي معاوية قال: (قَالَ: رُبَّمَا قَالَ: عَنْ أُمِّ مُبَشرٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَرُبَّمَا لَمْ يَقُلْ) يعني أنه ربما ذكر بعد جابر قوله: "عن أم مبشّر"، فجعله من مسندها، وربما لم يذكر ذلك، بل قال: عن جابر، عن النبيّ - ﷺ -، فجعله من مسنده.
وقوله: (وَكُلُّهُمْ قَالُوا: عَنِ النَّبِيّ - ﷺ - إلخ) يعني أن هؤلاء الذين اختلفوا هل الحديث من مسند أم مبشر، أو من مسند جابر؟ اتفقوا على رفعه إلى النبيّ - ﷺ -.
وخلاصة القول: أن هذا الحديث مما اختلف فيه الحفّاظ هل هو من مسند جابر - ﵁ -، أو من مسند أم مبشّر - ﵂ -، رواه عنها جابر - ﵁ -؟ والظاهر أن كلا الطريقين صحيحان، ولعل جابرًا - ﵁ - سمعه من أم مبشّر، ثم سمعه من النبيّ - ﷺ -، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية هؤلاء الذين أشار مسلم إلى اختلافهم في جعل الحديث من مسند جابر، أو من مسند أم مبشّر، لم أجد من ساقها بتمامها كما أشار إليه، بل الذي وجدته من رواياتهم على خلاف ما أشار إليه، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٦٦] (١٥٥٣) - (حَدَّثنَا يَحْيى بْنُ يَحْيى، وَقتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَان، أَوْ بَهِيمَة، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيى بْنُ يَحْيى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
[ ٢٧ / ٣٢٥ ]
٢ - (مُحَمّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْغُبَرِيُّ) البصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٣٨) (م د س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٣ - (أبو عوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٥ - (أنسُ) بن مالك بن النضر، أبو حمزة الصحابيّ الخادم الشهير، مات سنة (١ أو ٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٢.
و"قُتيبة" ذُكر في الباب، وشرح الحديث تقدّم في حديث جابر - ﵁ -.
وقوله: (فَيَأكُلُ مِنْهُ) الظاهر أنه بالنصب بـ"أن" مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببيّة، كما مرّ نظيره، لكن النسخ متّفقة على رفعه، فإن صحّ روايةً، فهو، وإلا فالأولى النصب، ووجه الرفع أن يُجعل من عطف الجملة على الجملة، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢٤/ ٣٩٦٦ و٣٩٦٧] (١٥٥٣)، و(البخاريّ) في "الحرث والمزارعة" (٢٣٢٠) و"الأدب" (٦٠١٢)، و(الترمذيّ) في "جامعه" (٣/ ٦٦٦)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٦٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٤٧ و٢٢٨ و٢٤٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٣٣٣)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٥/ ٢٣٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ١٣٧)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٦٧] (…) - (وَحَدّثنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثنَا مُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، حَدَّثنَا أبانُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثنَا قَتَادَةُ، حَدثنَا أنسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ نَخْلًا لأُمِّ مُبَشِّرٍ - امْرَأةٍ مِنَ الأنصَارِ - فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ فَرَسَ هَذَا النَّخْلَ، أَمُسْلِمٌ، أَمْ كَافِرٌ؟ "، قَالُوا: مُسْلِمٌ، بِنَحْوِ حَدِيثهِمْ).
[ ٢٧ / ٣٢٦ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهيمَ) الأزديّ الفراهيديّ مولاهم، أبو عمرو البصريّ الحافظ، ثقةٌ مأمونٌ مكثرٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢٢) وهو أكبر شيخ لأبي داود (ع).
رَوَى عن عبد السلام بن شداد، وجرير بن حازم، وأبان بن يزيد العطار، وأبي الأشهب العطارديّ، والأسود بن شيبان، وحماد بن سلمة، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، وأبو داود، وروى أبو داود أيضًا والباقون له بواسطة نصر بن عليّ الجهضميّ، ومحمد بن يحيى القطعيّ، وعبد بن حميد، والدارميّ، وأبو داود الحرانيّ، وأحمد بن الحسين بن خِرَاش، وحجاج بن الشاعر، وغيرهم.
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة مأمونٌ، وقال نصر بن عليّ: سمعت مسلم بن إبراهيم يقول: قعدت مرةً أذاكر شعبة، عن خالد بن قيس، فقال: كدت تَلْقَى أبا هريرة، وقال العجليّ: كان ثقةً عَمِي بآخره، وقال الفضل بن سهل الأعرج: سمعت ابن معين يقدِّم مسلم بن إبراهيم على معاذ بن هشام، ويقول: لا أجعل رجلًا لم يرو إلا عن أبيه، كرجل روى عن الناس، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ثقة صدوق، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كَتَب مسلم بن إبراهيم عن قريب من ألف شيخ، وقال أيضًا: ما رحل مسلم إلى أحد، وكان يحفظ حديث قرة وهشام وأبان العطار يَهُذُّهُ هَذًّا، وهو أحب إلينا من ابن كثير، كان ابن كثير لا يحفظ، وكانت فيه سلامة.
قال البخاريّ: مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين، زاد غيره في صفر، وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، ومات بالبصرة في صفر سنة اثنتين وعشرين، وقال ابن حبان في "الثقات": كان من المتقنين، وقال ابن قانع: بصريّ صالح.
روى له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (١٥٥٣)، و(٢١٨٨): "العين حق … " الحديث.
٣ - (أبانُ بْنُ يَزِيدَ) العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقةٌ له أفرادٌ [٧] مات في حدود (١٦٠) (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠.
[ ٢٧ / ٣٢٧ ]
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ) الظاهر أن الضمير لشيوخه الثلاثة المذكورين في السند الماضي، وهم: يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد، ومحمد بن عبيد الغبري، يعني أن عبد بن حميد روى هذا الحديث بنحو رواية هؤلاء الثلاثة.
[تنبيه]: رواية أبان بن يزيد، عن قتادة هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده" ٣/ ١٩٢ فقال:
(١٣٠٢٢) - حدّثنا عبد الله (^١) حدّثني أبي، ثنا بهز، وحدّثنا عفان قالا: ثنا أبان، ثنا قتادة، ثنا أنس بن مالك؛ أن رسول الله - ﷺ - دخل نخلًا لأم مبشر امرأة من الأنصار، فقال: "من غَرَس هذا الغرس، أمسلم أم كافر؟ " قالوا: مسلم، قال: "لا يغرس مسلم غَرْسًا، فيأكلَ منه إنسانٌ، أو دابةٌ، أو طائرٌ، إلا كان له صدقةً". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.