(اعلم): أن "الجوائح" جمع جائحة، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الجائحة: الآفة، يقال: جاحت الآفةُ المالَ تَجُوحه جَوْحًا، من باب قال: إذا أهلكته، وتَجِيحه جِيَاحَةً لغةٌ، فهي جائحة، والجمع الجوائح، والمالُ مجوحٌ، ومَجِيحٌ، وأجاحته بالألف لغة ثالثة، فهو مجاحٌ، واجتاحت المالَ، مثلُ جاحَتْه، قال الشافعيّ: الجائحة: ما أذهب الثمر بأمر سماويّ، وفي حديثٍ: "أمر بوضع الجوائح": والمعنى: بوضع صدقات ذات الجوائح، يعني ما أُصيب من الثمار بآفة سماويّة، لا يؤخذ منه صدقة فيما بقي. انتهى.
وقال في "اللسان": الْجَوْحةُ، والجائحةُ: الشدّةُ، والنازلةُ العظيمة التي تجتاح المالَ من سنة، أو فتنة، وكلّ ما استأصله، فقد جاحه، واجتاحه، وجاح الله ماله، وأجاحه بمعنىً؛ أي: أهلكه بالجائحة، وقال الأزهريّ، عن
_________________
(١) هو ابن الإمام أحمد راوي "المسند" عنه، فتنبّه.
[ ٢٧ / ٣٢٨ ]
أبي عُبيد: الجائحة: المصيبة تحُلّ بالرجل في ماله، فتجتاحه كلَّه، قال: والجائحة تكون بالبَرَد يقع من السماء، إذا عظُم حَجمه، فكثر ضرره، وتكون بالْبَرْد المحرِق، أو الحرّ المفرط، حتى يَبطُل الثمر. انتهى. باختصار.
[٣٩٦٨] (١٥٥٤) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ؛ أَن أبا الزُّبَيْرِ أخْبَرَهُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "إِنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا" (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ؛ أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا، فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِل لَكَ أَنْ تَأخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ ").
رجال هذا الإسنادين: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرقان المكيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ يَهِم [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
٢ - (أَبُو ضَمْرَةَ) أنس بن عياض الليثيّ المدنيّ، ثقة [٨] (ت ٢٠٠) وله (٩٦) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
والباقون كلّهم تقدّموا في البابين الماضيين.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ (عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ (أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) - ﵁ - (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَوْ بعْتَ) وفي رواية ابن وهب السابقة: "إن بعت"، وقوله: (مِنْ أَخِيكَ) مفعولٌ أولُ لـ"بعتَ"، دخلت عليه "من" توكيدًا؛ لأنه يتعدّى بنفسه إلى مفعولين، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وبعتُ زيدًا الدار يتعدّى إلى مفعولين، قال: وقد تدخل "من" على المفعول الأول على وجه التوكيد، فيقال: بِعْتُ من زيد الدارَ، كما يقال: كتمته الحديثَ، وكتمت منه الحديثَ، وربّما دخلت اللام مكان "من"، فيقال: بعتك الشيءَ، وبعته لك، فاللام زائدة، زيادتها في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الآية
[ ٢٧ / ٣٢٩ ]
[الحج: ٢٦]، والأصل بوّأنا إبراهيمَ. انتهى (^١).
وقوله: (ثَمَرًا) هو المفعول الثاني لـ"بعتُ" (فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ) أي: أصابت ذلك الثمرَ آفةٌ، قال القرطبيّ - ﵀ -: الجائحة ما اجتاحت المالَ، وأتلفته إتلافًا ظاهرًا؛ كالسيل، والمطر، والحرق، والسرق، وغلبة العدوّ، وغير ذلك، مما يكون إتلافه للمال ظاهرًا.
وقال أيضًا في موضع آخر: واختلف أصحابنا - يعني المالكيّة - في حدّها، فرُوي عن ابن القاسم أنها ما لا يمكن دفعه، وعلى هذا الخلاف، فلا يكون السارق جائحة، وكذا في كتاب محمد، وفي الكتاب: إنه جائحة، وقال مطرّفٌ، وابن الماجشون: الجائحة: ما أصاب الثمرة من السماء، من عَفَنٍ، أو برد، أو عطش، أو حرّ، أو كسر الشجر بما ليس بصنع آدميّ، والجيش ليس بجائحة، وفي رواية ابن القاسم: إنه جائحة. انتهى (^٢).
وقال ابن قُدامة - ﵀ -: الجائحة كل آفة، لا صُنع للآدمي فيها، كالريح، والبرد، والجراد، والعطش؛ لما روى الساجي بإسناده، عن جابر: أن النبيّ - ﷺ -، قضى في الجائحة، والجائحة تكون في البرد، والجراد، وفي الحبق، والسيل، وفي الريح. وهذا تفسير من الراوي لكلام النبيّ - ﷺ -، فيجب الرجوع إليه.
وأما ما كان بفعل آدمي، فقال القاضي: المشتري بالخيار، بين فسخ العقد، ومطالبة البائع بالثمن، وبين البقاء عليه، ومطالبة الجاني بالقيمة؛ لأنه أمكن الرجوع ببدله، بخلاف التالف بالجائحة. انتهى (^٣).
(فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأخُذَ مِنْهُ) أي: من أخيك (شَيْئًا) هذا صريح في تحريم أخذه، فهو دليل واضح في وجوب وضع الجائحة، كما سيأتي تحقيقه قريبًا (بِمَ تَأخُذُ مَالَ أَخِيكَ) أي: في مقابلة الثمر الذي أصابته الجائحة.
وقوله: (بِغَيْرِ حَقٍّ؟ ") تأكيد للإنكار في أخذه، وذلك أن أخذه للثمن في مقابلة الثمر الهالك يكون أخذًا بغير حقّ؛ إذ لم يأخذ هو مقابله.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٦٩.
(٢) "المفهم" ٤/ ٤٢٦.
(٣) "المغني" ٦/ ١٧٩.
[ ٢٧ / ٣٣٠ ]
وظاهره حرمة الأخذ، ووجوب وضع الجائحة، وبه يقول أحمد، وأصحاب الحديث، قالوا: وضع الجائحة لازم بقدر ما هلك.
وقال الخطّابيّ: هي لندب الوضع من طريق المعروف، والإحسان عند الفقهاء.
وقيل: هو محمول على ما هلك قبل تسليم المبيع إلى المشتري، فإنه في ضمان البائع، بخلاف ما هلك بعد التسليم؛ لأن المبيع قد خرج عن عُهْدة البائع بالتسليم إلى المشتري، فلا يلزمه ضمان ما يَعتريه بعده، واستُدلّ على ذلك بحديث أبي سعيد - ﵁ - الآتي في الباب التالي؛ لأنه لو كانت الجوائح موضوعةً، لم يصر مديونًا بسببها، وسيأتي تمام البحث في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢٥/ ٣٩٦٨ و٣٩٦٩] (١٥٥٤)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٣٧٤ و٣٤٧٠)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٢٦٤ و٢٦٥) و"الكبرى" (٤/ ١٩)، و(ابن ماجه) في "التجارات" (٢٢١٩)، و(أحمد) في "مسنده" (١٣٩٠٨)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٥٢)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٦٣٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٠٣٤ و٥٠٣٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٣٣٣)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٣/ ٣٠ و٣١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٠٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن أخذ شيء في مقابل ما أصابه الجوائح، من الثمار؛ لقوله - ﷺ -: "فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا".
٢ - (ومنها): بيان وجوب وضع الجائحة، وبه يقول بعض أهل العلم، وهو الراجح، كما سيأتي بيانه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
[ ٢٧ / ٣٣١ ]
٣ - (ومنها): جواز بيع الثمار، ولا خلاف فيه في الجملة، وإنما الخلاف فيما إذا كان قبل بدوّ الصلاح، وقد تقدّم بيان ذلك مستوفًى قريبًا.
٤ - (ومنها): تحريم أخذ مال المسلم بغير حقّ، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم وضع الجائحة:
قال في "الفتح": استُدِلّ بهذا الحديث على وضع الجوائح في الثمر يُشتَرى بعد بُدُوّ صلاحه، ثم تصيبه جائحة، فقال مالك: يضع عنه الثلث، وقال أحمد، وأبو عبيد: يضع الجميع، وقال الشافعي، والليث، والكوفيون: لا يرجع على البائع بشيء، وقالوا: إنما ورد وضع الجائحة، فيما إذا بيعت الثمرة، قبل بُدُوّ صلاحها بغير شرط القطع، فيُحمَل مطلق الحديث، في رواية جابر، على ما قُيِّد به في حديث أنس، والله أعلم.
واستدلّ الطحاويّ، بحديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - الآتي في الباب التالي، قال: فلما لم يبطل دينُ الغرماء بذهاب الثمار، وفيهم باعتها، ولم يؤخذ الثمن منهم، دَلَّ على أن الأمر بوضع الجوائح، ليس على عمومه، والله تعالى أعلم. انتهى.
وقال ابن قُدامة - ﵀ -: ما تهلكه الجائحة من الثمار، من ضمان البائع، وبهذا قال أكثر أهل المدينة، منهم: يحيى بن سعيد الأنصاريّ، ومالك، وأبو عبيد، وجماعة من أهل الحديث، وبه قال الشافعيّ في القديم.
وقال أبو حنيفة، والشافعيّ في الجديد: هو من ضمان المشتري؛ لما رُوي؛ أن امرأة أتت النبيّ - ﷺ -، فقالت: إن ابني اشترى ثمرة من فلان، فأذهبتها الجائحة، فسأله أن يضع عنه، فتألى أن لا يفعل، فقال النبيّ - ﷺ -: "تألّى فلان أن لا يفعل خيرًا؟ "، ولو كان واجبًا لأجبره عليه، ولأن التخلية يتعلق بها جواز التصرف، فتعلّق بها الضمان؛ كالنقل، والتحويل، ولأنه لا يضمنه إذا أتلفه آدمي، كذلك لا يضمنه بإتلاف غيره.
ولنا ما رَوَى مسلم في "صحيحه" عن جابر - ﵁ -؛ أن النبيّ - ﷺ - أمر بوضع الجوائح، وعنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك، بغير حق؟ "، رواه مسلم، وأبو داود، ولفظه: "من باع ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يأخذ من
[ ٢٧ / ٣٣٢ ]
مال أخيه شيئًا، علام يأخذ أحدكم، من مال أخيه المسلم؟ "، وهذا صريح في الحكم، فلا يعدل عنه.
قال الشافعي: لم يثبت عندي أن رسول الله - ﷺ - أمر بوضع الجوائح، ولو ثبت لم أَعْدُهُ، ولو كنت قائلًا بوضعها، لوضعتها في القليل والكثير.
قلنا: الحديث ثابت، رواه الأئمة، منهم الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وعليّ بن حرب، وغيرهم، عن ابن عيينة، عن حميد الأعرج، عن سليمان بن عتيق، عن جابر، ورواه مسلم في "صحيحه" وأبو داود في "سننه"، وابن ماجه، والنسائيّ، وغيرهم، ولا حجة لهم في حديثهم، فإن فعل الواجب خير، فإذا تألى أن لا يفعل الواجب، فقد تألى ألا يفعل خيرًا، فأما الإجبار فلا يفعله النبيّ - ﷺ -، بمجرد قول المدَّعي، من غير إقرار من البائع، ولا حضور، ولأن التخلية ليست بقبض تام، بدليل ما لو تلفت بعطش، عند بعضهم، ولا يلزم من إباحة التصرف تمام القبض، بدليل المنافع في الإجارة، يباح التصرف فيها، ولو تلفت كانت من ضمان المؤجر، كذلك الثمرة، فإنها في شجرها كالمنافع قبل استيفائها، توجد حالًا فحالًا، وقياسهم يبطل بالتخلية في الإجارة. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - (^١).
وقد حقّق المسألة العلامة ابن القيّم - ﵀ - في كتابه "إعلام الموقّعين"، فقال:
[المثال الرابع والأربعون]: ردّ السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وضع الجوائح بأنها خلاف الأصول، كما في "صحيح مسلم" عن جابر - ﵁ - يرفعه: "لو بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حقّ؟ "، ورَوَى سفيان بن عيينة، عن حميد، عن سليمان، عن جابر - ﵁ -: "أن رسول الله - ﷺ - نَهَى عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح"، فقالوا: هذه خلاف الأصول، فإن المشتري قد ملك الثمرة، وملك التصرف فيها، وتَمّ نقل الملك إليه، ولو ربح فيها كان الربح له، فكيف تكون من ضمان البائع؟
_________________
(١) "المغني" ٦/ ١٧٧ - ١٧٩.
[ ٢٧ / ٣٣٣ ]
وفي "صحيح مسلم" عن أبي سعيد - ﵁ - قال: أصيب رجل في عهد رسول الله - ﷺ - في ثمار ابتاعها، فكثُر دينه … الحديث.
وروى مالك عن أبي الرجال، عن أمه عمرة؛ أنه سمعها تقول: ابتاع رجل ثمر حائط في زمن رسول الله - ﷺ - … الحديث.
قال: والجواب أن وضع الجوائح لا يخالف شيئًا من الأصول الصحيحة، بل هو مقتضى أصول الشريعة، ونحن - بحمد الله - نُبَيِّن هذا بمقامين: أما الأول فحديث وضع الجوائح لا يخالف كتابًا، ولا سنةً، ولا إجماعًا، وهو أصل بنفسه، فيجب قبوله، وأما ما ذكرتم من القياس فيكفي في فساده شهادة النصّ له بالإهدار، كيف وهو فاسد في نفسه؟ وهذا يتبين بالمقام الثاني، وهو أن وضع الجوائح كما هو موافق للسنة الصحيحة الصريحة، فهو مقتضى القياس الصحيح، فإن المشتري لم يتسلم الثمرة، ولم يقبضها القبض التامّ الذي يوجب نقل الضمان إليه، فإن قبض كل شيء بحسبه، وقبض الثمار إنما يكون عند كمال إدراكها شيئًا فشيئًا، فهو كقبض المنافع في الإجارة، وتسليم الشجرة إليه كتسليم العين المؤجرة من الأرض والعقار والحيوان، وعُلَقُ البائع لم تنقطع عن المبيع، فإن له سقي الأصل، وتعاهده، كما لم تنقطع عُلَق المؤجر عن العين المستاجرة، والمشتري لم يتسلم التسليم التائم كما لم يتسلم المستأجر التسليم التامّ، فإذا جاء أمر غالب اجتاح الثمرة من غير تفريط من المشتري، لم يحلّ للبائع إلزامه بثمن ما أتلفه الله - ﷺ - منها قبل تمكنه من قبضها القبض المعتاد، وهذا معنى قول النبيّ - ﷺ -: "أرأيت إن منع الله الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حقّ؟ "، فذكر الحكم، وهو قوله: "فلا يحل له أن يأخذ منه شيئًا"، وعلة الحكم وهو قوله: "أرأيت إن منع الله الثمرة … " إلى آخره، وهذا الحكم نصّ لا يَحْتمل التأويل، والتعليل وصف مناسب لا يقبل الإلغاء، ولا المعارضة، وقياس الأصول لا يقتضي غير ذلك، ولهذا لو تمكن من القبض المعتاد في وقته، ثم أخّره لتفريط منه، أو لانتظار غلاء السعر، كان التلف من ضمانه، ولم توضع عنه الجائحة.
وأما معارضة هذه السنة بحديث الذي أصيب في ثمار ابتاعها، فمن باب رَدّ المحكم بالمتشابه، فإنه ليس فيه أنه أصيب فيها بجائحة، فليس في الحديث
[ ٢٧ / ٣٣٤ ]
أنها كانت جائحة عامّة، بل لعله أصيب فيها بانحطاط سعرها، وإن قُدِّر أن المصيبة كانت جائحة، فليس في الحديث أنها كانت جائحة عامّة، بل لعلها جائحة خاصة؛ كسرقة اللصوص التي يمكن الاحتراز منها، ومثل هذا لا يكون جائحة تُسقط الثمنَ عن المشتري، بخلاف نَهْب الجيوش، والتلف بآفة سماوية، وإن قُدِّر أن الجائحة عامة، فليس في الحديث ما يبين أن التلف لم يكن بتفريطه في التأخير، ولو قُدِّر أن التلف لم يكن بتفريطه، فليس فيه أنه طلب الفسخ، وأن توضع عنه الجائحة، بل لعله رضي بالمبيع، ولم يطلب الوضع، والحقّ في ذلك له، إن شاء طلبه، وإن شاء تركه، فأين في الحديث أنه طلب ذلك، وأن النبيّ - ﷺ - منع منه، ولا يتم الدليل إلا بثبوت المقدمتين، فكيف يعارض نصّ قوله الصحيح الصريح المحكم الذي لا يَحتَمِل غير معنى واحد، وهو نصّ فيه بهذا الحديث المتشابه.
ثم قوله فيه: "ليس لكم فيه إلا ذلك" دليل على أنه لم يبق لبائعي الثمار في ذمة المشتري غير ما أخذه، وعندكم المال كله في ذمته، فالحديث حجة عليكم.
وأما المعارضة بخبر مالك، فمن أبطل المعارضات، وأفسدها، فأين فيه أنه أصابته جائحة بوجه ما؟ وإنما فيه أنه عالجه، وأقام عليه حتى تبيّن له النقصان، ومثل هذا لا يكون سببًا لوضع الثمن، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن القيّم - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد حقّق العلامة ابن القيّم - ﵀ - هذا الموضوع، وبيّنه أتمّ بيان.
والحاصل أن أحاديث وضع الجائحة صحيحة واضحة الدلالة، فالأرجح القول بوجوب وضع الجائحة، وأما الاحتجاج بحديث أبي سعيد - ﵁ - الآتي في الرجل الذي أصيب في الثمار التي ابتاعها، فيجاب عنه بجوابين:
[أحدهما]: أن أحاديث وضع الجائحة ذُكرت لبيان القاعدة، وحكمِها، وهذا الحديث واقعة عين، فتكون هي أولى منه.
_________________
(١) "إعلام الموقّعين" ٢/ ٣٨١ - ٣٨٤.
[ ٢٧ / ٣٣٥ ]
[الثاني]: أنه يَحْتَمِل أن يكون اشتراؤه تلك الثمرة بعد تناهي طيبها، ودخول أوان جذاذها، فلا تحتاج إلى تبقية، ولا إلى سقي، فيكون المشتري مفرّطًا في تركها بعد ذلك على الشجر، فتكون من ضمانه، لا من ضمان البائع، ولهذا قال - ﷺ - في آخر الحديث: "ليس لكم إلا ذلك" فلو كانت الجوائح لا توضع، لكان لهم طلب بقيّة الدَّين، وجوابهم عن هذا بأن معناه: ليس لكم الآن إلا هذا، ولا يحلّ لكم مطالبته ما دام معسرًا، بل ينظر إلى ميسرة، خلاف الظاهر.
والحاصل أن وجوب وضع الجوائح هو الحقّ؛ لما ذكر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في مقدار الجوائح التي توضع:
قال ابن قُدامة - ﵀ -: إنّ ظاهر المذهب؛ أنه لا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها، إلا أنّ ما جرت العادة بتلف مثله؛ كالشيء اليسير، الذي لا ينضبط، فلا يلتفت إليه، قال أحمد: إني لا أقول في عشر ثمرات، ولا عشرين ثمرة، ولا أدري ما الثلث؟ ولكن إذا كانت جائحةً تُعرَفُ، الثلث، أو الربع، أو الخمس توضع.
وفيه رواية أخرى: أن ما كان دون الثلث، فهو من ضمان المشتري، وهو مذهب مالك، والشافعيّ في القديم؛ لأنه لا بُدَّ أن يأكل الطير منها، وتَنْثُرَ الريحُ، ويسقط منها، فلم يكن بدّ من ضابط واحد، فاصل بين ذلك، وبين الجائحة، والثلث قد رأينا الشرع اعتبره في مواضع، منها: الوصية، وعطايا المريض، وتساوي جراح المرأة وجراح الرجل إلى الثلث. قال الأثرم: قال أحمد: إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألة، ولأن الثلث في حد الكثرة، وما دونه في حد القلة، بدليل قول النبيّ - ﷺ - في الوصية: "الثلث، والثلث كثير"، متّفقٌ عليه، فيدل هذا على أنه آخِرُ حدّ الكثرة، فلهذا قدّر به.
ووجه الأول عموم الأحاديث، فإن النبيّ - ﷺ - أمر بوضع الجوائح، وما دون الثلث داخل فيه، فيجب وضعه، ولأن هذه الثمرة لم يتم قبضها، فكان ما تَلِف منها من مال البائع، وإن كان قليلًا؛ كالتي على وجه الأرض، وما أكله،
[ ٢٧ / ٣٣٦ ]
أو سقط، لا يؤثر في العادة، ولا يسمى جائحة، فلا يدخل في الخبر، ولا يمكن التحرز منه، فهو معلوم الوجود بحكم العادة، فكأنه مشروط. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول بوضع الجائحة مطلقًا، سواء كان قليلًا، أو كثيرًا، إلا ما جرى العرف بالتسامح في تلف مثله، هو الأرجح؛ عملًا بإطلاق النصّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال ابن قُدامة: إذا ثبت هذا، فإنه إذا تلف شيء، له قدر خارج عن العادة، وُضِع من الثمن بقدر الذاهب، فإن تلف الجميع بطل العقد، ويرجع المشتري بجميع الثمن، وأما على الرواية الأخرى، فإنه يعتبر ثلث المبلغ، وقيل: ثلث القيمة، فإن تلف الجميع، أو أكثر من الثلث رجع بقيمة التالف كله من الثمن، وإذا اختلفا في الجائحة، أو قدر ما أُتْلِف، فالقول قول البائع؛ لأن الأصل السلامة، ولأنه غارم، والقول في الأصول قول الغارم (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٦٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا حَسَن الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، بِهَذَا الإسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الخلّال، أبو عليّ، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (أَبُو عَاصِم) الضحّاك بن مَخْلَد الشيبانيّ النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
و"ابن جريج" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية أبي عاصم، عن ابن جريج هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" ٣/ ٣٣٣ فقال:
_________________
(١) "المغني" ٦/ ١٧٩ - ١٨٠.
[ ٢٧ / ٣٣٧ ]
وحدّثنا يزيد بن سنان، قثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال النبيّ - ﷺ -: "إن بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مالًا من مال أخيك بغير حقّ؟ ". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٧٠] (١٥٥٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أنسٍ؛ أن النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ حَتى تَزْهُوَ، فَقُلْنَا (^١) لأَنس: مَا زَهْوُهَا؟ قالَ: تَحْمَرُّ، وَتَصْفَرُّ، أرَأيْتَكَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أخِيكَ؟ ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (إسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (حُمَيْد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ٢ أو ١٤٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٣٩.
والباقون تقدّموا في البابين الماضيين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٦٥) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ) بن مالك - ﵁ - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ النَّخْلِ) أي: التي على رؤوسها (حَتى تَزْهُوَ) - بفتح أوله، من زهى يزهو، كغزا يغزو، وفي رواية للبخاريّ: "حتى تُزْهِيَ"، بضم أوله، من أزهى؛ أي: تحمرّ، أو تصفرّ، قال في "الفتح": قال الخطّابيّ: هذه الرواية هي الصواب، فلا يُقال في النخل: تَزْهُو، إنما يقال: تُزهي، لا غير، وأثبت غيره ما نفاه، فقال: زها: إذا طال، واكتمل، وأزهى: إذا احمرّ، واصفرّ. انتهى (^٢).
_________________
(١) وفي نسخة: "فقلت".
(٢) "الفتح" ٥/ ٦٧٥.
[ ٢٧ / ٣٣٨ ]
وقال المجد - ﵀ -: زها النخلُ: طال، كأزهى، وزَهَى البُسْر: تلوّن، كأزهى، وزَهَّى. انتهى (^١).
وقال الفيوميّ - ﵀ -: زها النخل يزهو زَهْوًا، والاسم الزُّهُوُّ بالضمّ: ظهرت الحمرة، والصُّفرة في ثمره، وقال أبو حاتم: وإنما يُسمّى زَهْوًا: إذا خَلَصَ لون الْبُسْرة في الحمرة، أو الصفرة، ومنهم من يقول: زها النخل: إذا نبت ثمره، وأزهى: إذا احمرّ، أو اصفرّ. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكره المجد والفيّوميّ أن ما نفاه الخطّابيّ ثابت لغةً، وليس غلطًا، فيقال: زها النخل، وأزهى، وزهّى - بالتشديد -: إذا احمرّ، أو اصفرّ، والله تعالى أعلم.
(فَقُلْنَا) وفي بعض النسخ: "فقلتُ"، وبهذا يتبيّن أن السائل لأنس هو حميد، ومن معه (لأَنَسٍ) - ﵁ - (مَا زَهْوُهَا؟) - بفتح الزاي، وسكون الهاء؛ أي: ما المراد بزهو النخل؟ وهذه الرواية صريحة في أن التفسير من أنس - ﵁ -، وكذلك رواه أحمد عن يحيى القطّان، عن حميد، لكن قال: "قيل لأنس: ما تزهو؟ ".
ووقع في رواية النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بلفظ: "قيل: يا رسول الله وما تُزهِي؟ قال: تحمرّ"، وهكذا أخرجه الطحاويّ من طريق يحيى بن أيوب، وأبو عوانة من طريق سليمان بن بلال كلاهما عن حُميد، وهذا ظاهر في الرفع.
ولا تعارض بين الروايتين؛ لأنه يجوز أن يرويه أنس - ﵀ - مرفوعًا أحيانًا، ويُسْأل عنه أحيانًا فيفسّره، دون أن يرفعه، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: تَحْمَرُّ، وَتَصْفَرُّ) يعني أنها لا تباع إلى أن يظهر احمرارها، واصفرارها.
وفيه دليل على أن المراد ببُدُوّ الصلاح، قدر زائد على ظهور الثمرة، وسبب النهي عن ذلك خوف الغرر؛ لكثرة الجوائح فيها، وقد بَيّن ذلك في حديث أنس المذكور هنا، فإذا احمرت، وأُكل منها، أَمِنت العاهة عليها، غالبًا، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٤/ ٣٤٠.
(٢) "المصباح" ١/ ٢٥٨.
[ ٢٧ / ٣٣٩ ]
("أَرَأَيْتَكَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ) أي: من الإدراك، وفي الرواية التالية: "إذا منع الله الثمرة". وقال القرطبيّ: أي إذا مَنَعَ تكاملها، وطِيبها؛ لأن الثمرة قد كانت موجودة، مُزهية حين البيع، كما قال في الرواية الأخرى: "إن لم يُثمرها الله" أي: لم يُكمل ثمرتها. انتهى (^١).
(بِمَ) أي: بأيّ وجه؛ أي: في مقابلة أيّ شيء (تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟ ") أي: الثمن الذي يدفعه في مقابلة هذه الثمرة التالفة، يعني أنه لو تَلِفَت الثمرة، لانتَفَى في مقابلتها العوضُ، فكيف تأكله بغير عوض؟ والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ٣٩٧٠ و٣٩٧١ و٣٩٧٢] (١٥٥٥)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٨٨) و"البيوع" (٢١٩٥ و٢١٩٧ و٢١٩٩ و٢٢٠٨)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٢٧١)، و(الترمذيّ) في "البيوع" (٦٢٢٨)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٢٦٤)، و(ابن ماجه) في "التجارات" (٢٢١٧)، و(مالك) في "الموطّإ" (٢/ ٦١٨)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ١٤٨ - ١٤٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١١٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٩٩٠)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (٢/ ٢٤)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٦٠٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٠٠ و٣٠١) و"الصغرى" (٥/ ٨٦) و"المعرفة" (٤/ ٣٢١)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٠٨١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه استُدِلّ به على وضع الجوائح في الثمر، يُشتَرى بعد بُدُوّ صلاحه، ثم تصيبه جائحة، وقد اختلف فيه العلماء، وقد مضى بيانه مستوفًى في شرح حديث جابر - ﵁ - المذكور قبل هذا.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤٢٦.
[ ٢٧ / ٣٤٠ ]
٢ - (ومنها): جواز بيع الثمار، ولا خلاف فيه في الجملة، وإنما الخلاف فيما إذا كان قبل بُدُوّ الصلاح، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى، وبالله تعالى التوفيق.
٣ - (ومنها): تحريم أخذ مال المسلم بغير حقّ.
٤ - (ومنها): أن هذا دليل على أن الحكم يُجرى على الغالب؛ لأن تطرُّق التلف إلى ما بدا صلاحه ممكن، وعدم التطرق إلى ما لم يبد صلاحه ممكن، فأنيط الحكم بالغالب في الحالتين، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الرابعة): ظاهر رواية المصنّف هنا أن قوله: "أرأيت إن منع الله الثمرة إلخ" من تمام قول أنس - ﵁ -، لكن الرواية الثالثة من طريق محمد بن عبّاد، عن الدراورديّ، عن حميد بلفظ: "أن النبيّ - ﷺ - قال: إن لم يُثمرها الله فبم يستحلّ أحدكم مال أخيه"، صريحة في كونه مرفوعًا، وكذا هو عند البخاريّ من طريق مالك، عن حميد، ولفظه: "فقال رسول الله - ﷺ -: أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ "، فهذا صريح في الرفع.
قال في "الفتح": قوله: وقال رسول الله - ﷺ -: "أرأيت إذا منع الله الثمرة" الحديث، هكذا صرح مالك، برفع هذه الجملة، وتابعه محمد بن عَبّاد، عن الدَّرَاوردي، عن حميد (^١)، مقتصرًا على هذه الجملة الأخيرة، وجزم الدارقطني، وغير واحد، من الحفاظ، بأنه أخطأ فيه، وبذلك جزم ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه، وأبي زرعة، والخطأ في رواية عبد العزيز، من محمد بن عباد، فقد رواه إبراهيم بن حمزة، عن الدراورديّ، كرواية إسماعيل بن جعفر - يعني المذكورة هنا -.
ورواه معتمر بن سليمان، وبشر بن المفضل، عن حميد، فقال فيه: قال: "أفرأيت" إلخ، قال: فلا أدري، أنس قال: "بم يستحل؟ "، أو حَدّث به عن النبيّ - ﷺ -، أخرجه الخطيب، في "المدرج"، ورواه إسماعيل بن جعفر، عن حميد، فعطفه على كلام أنس، في تفسير قوله: "تُزهي"، وظاهره الوقف، وأخرجه الْجَوْزقيّ من طريق يزيد بن هارون، والخطيب من طريق أبي خالد
_________________
(١) هي رواية مسلم الثالثة هنا.
[ ٢٧ / ٣٤١ ]
الأحمر، كلاهما عن حميد، بلفظ: قال أنس: "أرأيت إن منع الله الثمرة" الحديث، ورواه ابن المبارك، وهشيم، كما تقدم آنفًا عن حميد، فلم يذكر هذا القدر المختلف فيه، وتابعهما جماعة من أصحاب حميد عنه، على ذلك.
قال الحافظ: وليس في جميع ما تقدم، ما يمنع أن يكون التفسير مرفوعًا؛ لأن مع الذي رفعه زيادة، على ما عند الذي وقفه، وليس في رواية الذي وقفه، ما ينفي قول من رفعه، وقد روى مسلم من طريق أبي الزبير، عن جابر - ﵁ -، ما يُقَوِّي رواية الرفع في حديث أنس - ﵁ -، ولفظه: قال رسول الله - ﷺ -: "لو بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته عاهة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك، بغير حق؟ ". انتهى كلام الحافظ - ﵀ -، وهو بحث نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٧١] (…) (حَدَّثَنِي أبو الطَّاهِر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أخْبَرَنِي مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيل، عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُزْهِيَ، قَالُوا: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: تَحْمَرُّ، فَقَالَ: "إذَا مَنَعَ اللهُ الثّمَرَةَ، فَبِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى وليّ التوفيق.
[تنبيه]: انتقد الدارقطنيّ - ﵀ - رواية مالك هذه، فقال: وقد خالف مالكًا جماعة، منهم إسماعيل بن جعفر، وابن المبارك، وهشيم، ومروان، ويزيد بن هارون، وغيرهم، قالوا فيه: قال أنس: "أرأيت إن منع الله الثمر … ". انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: أراد الدارقطنيّ أن رفع قوله: "أرأيت إن منع الله
_________________
(١) "التتبع" ص ٢٧١ بنسخة دراسة الشيخ ربيع المدخليّ.
[ ٢٧ / ٣٤٢ ]
الثمرة … " الحديث خطأ، والصواب أنه موقوف من قول أنس - ﵁ -، ثم ظاهر كلامه يوهم أن مالكًا تفرّد برفعه، وليس كذلك، فقد تابعه يحيى بن أيوب، عن حميد، وسليمان بن بلال، عن حميد، ومحمد بن عبّاد، عن الدراورديّ، عن حميد.
فأما رواية يحيى بن أيوب، عن حميد، فأخرجها الطحاويّ في "معاني الآثار" (^١).
وأما رواية سليمان بن بلال، عن حميد، فأخرجها أبو عوانة في "مسنده" ٣/ ٣٣٤.
وأما رواية محمد بن عبّاد، عن الدراوديّ، عن حميد، فهي الرواية التالية عند مسلم.
فتبيّن بهذا أن مالكًا لم ينفرد برفعها، فالأرجح صحة الرفع، كما هو رأي الشيخين، حيث أخرجا رواية مالك في "صحيحيهما"، وإلى هذا مال ابن عبد البرّ (^٢)، والقاضي عياض (^٣).
ومما يؤيّد هذا رواية جابر - ﵁ - المتقدّمة الصريحة في الربع، حيث قال: "قال رسول الله - ﷺ -: لو بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحةٌ، فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حقّ؟ ".
والحاصل أن الحديث صحيح مرفوعًا بهذه الزيادة، والله تعالى أعلم.
[٣٩٧٢] (…) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمّدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَن النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "إنْ لَمْ يُثْمِرْهَا اللهُ، فَبِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ ").
_________________
(١) "معاني الآثار" ٤/ ٢٤.
(٢) راجع: "التمهيد" ٢/ ١٩٠ - ١٩١.
(٣) راجع: "إكمال المعلم" (٥/ ٢١٨)، فقد قال فيه معلّقًا على رواية جابر - ﵁ -: وقوله: "إن بعت من أخيك ثمرًا، فأصابته جائحة، فلا يحلّ لك أن تأخذ منه شيئًا، بِمَ تأخذ مال أخيك بغير حقّ؟ " قال القاضي: وهذا يدل أن هذه اللفظة في الحديث الآخر: "أرأيت إن منع الله الثمرة" من كلام النبيّ - ﷺ -، أو بمعناه … وهذا الحديث الأول - يعني حديث جابر - يرفع الإشكال، ويصحّح رواية مالك. انتهى.
[ ٢٧ / ٣٤٣ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ الْعَزِيز بْنُ مُحَمّدِ) بن عُبيد الدّراورْديّ، أبو محمد الْجُهنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كُتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
والباقون ذُكروا في الباب، و"محمد بن عبّاد" بن الزِّبْرِقان ذُكر في حديث جابر أولَ الباب.
[تنبيه]: انتقد الدارقطنيّ - ﵀ - هذه الرواية، فقال في "التتبّع": وهذا وَهِمَ فيه ابن عبّاد على الدراورديّ حين سمعه ابن عبّاد منه؛ لأن إبراهيم بن حمزة رواه عن الدراورديّ، عن حُميد، عن أنس: "نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الثمرة حتى تزهو، قلنا لأنس: وما تزهو؟ قال: تحمرّ، قال: أرأيت إن منع الله الثمر، فبم يستحلّ مال أخيه؟ "، وهو الصواب، فأما ابن عبّاد، فإنه أسقط كلام النبيّ - ﷺ -، وأتى بكلام أنس، ورفعه، عن النبيّ - ﷺ -، وهو خطأ قبيحٌ. انتهى كلام الدارقطنيّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن الأرجح صحة كون قوله: "أرأيت إن منع الله الثمر … إلخ " مرفوعًا، كما صححه الشيخان، فأخرجاه في "صحيحيهما" (^٢)، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
٣٩٧ [٣] (١٥٥٤) - (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْحَكَم، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ - وَاللَّفْظُ لِبِشْرٍ - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَج، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَن النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِح، قَالَ أبو إِسْحَاقَ - وَهْوَ صاحِبُ مُسْلِم -: حَدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ سُفْيَانَ بِهَذَا).
_________________
(١) "التتبّع" ص ٢٧٠ بنسخة دراسة الشيخ ربيع المدخلي.
(٢) راجع ما كتبه الشيخ ربيع المدخلي في دراسته على: "التتبع" للدارقطنيّ، فقد أجاد، وأفاد.
[ ٢٧ / ٣٤٤ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ) بن حبيب بن مِهْران الْعَبْديّ، أبو عبد الرحمن النيسابوريّ، ثقةٌ زاهدٌ فقيهٌ [١٠] (ت ٧ أو ٢٣٨) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٧.
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ) التمّار، أبو إسحاق البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (م) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٢.
٣ - (عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ) بن عبد الجبّار العطّار، أبو بكر البصريّ، مولى الأنصار، سكن مكة، لا بأس به، من صغار [١٠].
روى عن أبيه، وابن عيينة، وابن مهديّ، ومروان بن معاوية الفزاريّ، ووكيع، وأبي سعيد مولى بني هاشم، وبشر بن السريّ، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وروى النسائي أيضًا عن زكريا السِّجْزيّ، عنه، والحسن بن محمد بن الصباح الزعفرانيّ، وهو من أقرانه، وأبو حاتم، وابن خزيمة، وغيرهم.
قال سلمة بن شَبيب، عن أحمد: رأيته عند ابن عيينة حسن الأخذ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال مرة: شيخٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال مرةً: لا بأس به، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ سكن مكة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان مُتقنًا، سمعت ابن خزيمة يقول: ما رأيت أسرع قراءة منه، ومن بُندار.
قال محمد بن إسحاق السرّاج: مات بمكة أول جمادى الأولى سنة (٢٤٨).
تفرّد به المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (١٥٥٤)، و(١٩٣٥) وأعاده بعده، و(١٩٦٩)، و(٢٠٢٦)، و(٢٠٦٧).
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين.
٥ - (حُمَيْدٌ الأَعْرَجُ) ابن قيس، أبو صفوان المكيّ القارئ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الحج" ١٠/ ٢٨٨١.
٦ - (سُلَيْمَانُ بْنُ عَتِيقٍ) المدنيّ، صدوقٌ [٤] (م د س ق) تقدم في "البيوع" ١٨/ ٣٩٢٣.
و"جابر - ﵁ -" ذُكِر في الباب.
[ ٢٧ / ٣٤٥ ]
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرٍ) - ﵁ - (أَنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أمرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ) ولفظ النسائيّ: "أن النبيّ - ﷺ - وَضَعَ الجوائح"، و"الجوائح" جمع جائحة: وهي الآفة، وتقدم البحث عنها في أول الباب، ومعنى قوله: "أمر بوضع الجوائح" أي: أمر بإسقاطها، وعدم المطالبة بها، يعني أن من اشترى ثمارًا، فأصابتها آفة سماويّة؛ كالبرد - بفتحتين -، والبرد - بفتح، فسكون - والحرّ الشديدين، والجراد، ونحو ذلك، من الآفات التي تَعْرِض للثمار، فإنه لا يحلّ للبائع أن يُطالَب بثمنها، وقد تقدّم بيان اختلاف العلماء في وضع الجوائح قريبًا، فلا تنسَ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وقوله: (قَالَ أَبُو إسْحَاقَ) هذا ملحق من تلاميذ أبي إسحاق الراوي الكتاب عن مسلم، وهو: إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوريّ الفقيه الزاهد المتوفى في رجب سنة (٣٠٨) وقد تقدّمت ترجمته في "المقدّمة" ٦/ ٧٣.
وقوله: (وَهْوَ صَاحِبُ مُسْلِم) يعني أنه تلميذه، وراوي هذا الكتاب عنه (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ) بنً الحكم العبديّ، أبو محمد النيسابوريّ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٠) أو بعدها (خ م د ق) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٩٩، وهو ولد بشر بن الحكم شيخ مسلم المذكور قبله.
(عَنْ سُفْيَانَ) بن عيينة (بِهَذَا) الحديث، ومراد أبي إسحاق بهذا بيان أنه علا برجل، فصار في رواية هذا الحديث كشيخه مسلم، بينه وبين سفيان بن عيينة واحد فقط، قاله النوويّ - ﵀ - (^١).
وقد تقدّم في ترجمته عن إبراهيم بن أبي طالب أنه قال: سمعت عبد الرحمن بن بشر يقول: حَمَلني بشر بن الحكم على عاتقه في مجلس ابن عيينة، فقال: يا معشر أصحاب الحديث أنا بشر بن الحكم بن حبيب، سمع أبي الحكم بن حبيب من سفيان، وقد سمعت أنا منه، وحَدّثتُ عنه بخراسان،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٢١٨.
[ ٢٧ / ٣٤٦ ]
وهذا ابني عبد الرحمن قد سمع منه. انتهى (^١).
مسألتان كمعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢٥/ ٣٩٧٣] (١٥٥٤)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٢٧٤)، و(النسائيّ) في "البيوع) (٧/ ٢٦٥)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١٤٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٠٩)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٣٧٤)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٤٠ و٤١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٠٣١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٣٠٧ و٣٣٥ و٣٣٦)، و(الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (١/ ١٣٧)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٣/ ٣١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٠٦) و"الصغرى" (٥/ ٩٠) و"المعرفة" (٤/ ٣٣٢ و٣٣٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٠٨٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.