[٣٩٧٤] (١٥٥٦) - (حَدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنا لَيْثٌ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُول اللهِ - ﷺ -: في ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ"، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْه، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاء دَيْنِه، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِغُرَمَائِهِ: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ").
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٤٩١.
(٢) هكذا ترجم القرطبيّ - ﵀ -، وترجم النوويّ بـ"باب استحباب الوضع من الدين، وهما متقاربان.
[ ٢٧ / ٣٤٧ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ المشهور، تقدّم أيضًا قبل باب.
٣ - (بُكَيْرُ) بن عبد الله بن الأشجّ المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٥] (ت ١٢٠) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٤ - (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن سَعْد بن أبي سَرْح القرشيّ العامريّ المكيّ، ثقة [٣] تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٥ - (أبو سعيد الخدريّ) سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنهما تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٨٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمصريين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وكلّ من قتيبة، وبُكير، وعياض، ممن دخل مصر أيضًا.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (١١٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - ﵁ - أنه (قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ) قيل: هو معاذ بن جبل - ﵁ -، قاله النوويّ، وقال القرطبيّ - ﵀ -: هذا الرجل هو معاذ بن جبل، وكان غرماؤه يهودَ، فكلمهم النبيّ - ﷺ - في أن يخفّفوا عنه، أو يُنظروه، فأبوا، فحكم النبيّ - ﷺ - بما ذُكر، وظاهر هذا الحديث أن الجائحة أتت على كل الثمرة، حتى لم يَبْقَ له منها ما يباع عليه، فقد ثبتت عسرته، فحكمه الإنظار إلى الميسرة، كما قال الله تعالى (^١)، فمن كان كذلك فلا يحبس مثله خلافًا لشريح؛ فإنه قال: يحبس أبدًا، ولا يلازَم، خلافًا لأبي حنيفة؛ فإنه قال: يلازَم
_________________
(١) يعني قوله: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠].
[ ٢٧ / ٣٤٨ ]
لإمكان أن يظهر له مال، ولا يكلَّف أن يكتسب، لا هو ولا مستولدته. وهذا كلّه مردود بنصّ القرآن، وبقوله - ﷺ - لغرماء معاذ: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك"، ولا يجب أن يُتَصَدَّق عليه، ومن فعل ذلك، أو حضَّ عليه كان خيرًا له، وفيه ثواب كثير؛ لأنه سعى في تخليص ذمة المسلم من المطالبة المستقبلة، أو من الإثم اللاحق بتأخير الأداء عند الأمكان إن كان قد وقع ذلك، وفعل النبيّ - ﷺ - ذلك بمعاذ ليتبيّن خصومه أنه ليس عنده شيء، ولتطيب قلوبهم بما أخذوا، فيسهل عليهم ترك ما بقي، وليخفف الدَّين عن معاذ، وليتشارك المتصدقون في أجر المعونة وثوابها، وليكون ذلك سُنَّة حسنةً.
وفيه ما يدلّ على نسخ بيع الجزء في الدَّين، كما كان في أول الإسلام، وعلى نسخه تدل الآية، والإجماع. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
[تنبيه]: قصّة معاذ - ﵁ - المذكورة ساقها عبد الرزّاق في "مصنّفه" ٨/ ٢٦٨ فقال:
(١٥١٧٧) - أخبرنا (^٢) عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه (^٣)، قال: كان معاذ بن جبل رجلًا سمحًا شابًّا جميلًا، من أفضل شباب قومه، وكان لا يُمسك شيئًا، فلم يزل يَدَّانُ حتى أَغْلَق ماله كلَّه من الدَّين، فأتى النبيّ - ﷺ - يطلب إليه أن يسأل غرماءه أن يضعوا له، فأبوا، فلو تركوا لأحد من أجل أحد تركوا لمعاذ بن جبل من أجل النبيّ - ﷺ -، فباع النبيّ - ﷺ - كلَّ ماله في دَينه، حتى قام معاذ بغير شيء، حتى إذا كان عام فتح مكة بعثه النبيّ - ﷺ - على طائفة من اليمن أميرًا؛ لِيَجْبُره، فمكث معاذ باليمن، وكان أوّلَ من تجر في مال الله هو، ومكث حتى أصاب، وحتى قُبِض النبيّ - ﷺ -، فلما قُبض، قال عمر لأبي بكر: أرسل إلى هذا الرجل، فدع له ما يعيشه، وخذ سائره منه، فقال أبو بكر: إنما بعثه النبيّ - ﷺ - ليجبره، ولست بآخذ منه شيئًا إلا أن يعطيني، فانطلق عمر إلى معاذ؛ إذ لم
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤٢٧.
(٢) قائل "أخبرنا" هو الراوي عن عبد الرزّاق، فتنبّه.
(٣) وهذا إسناد صحيح.
[ ٢٧ / ٣٤٩ ]
يطعه أبو بكر، فذكر ذلك عمر لمعاذ، فقال معاذ: إنما أرسلني رسول الله - ﷺ - ليجبرني، ولست بفاعل، ثم لقي معاذٌ عمرَ، فقال: قد أطعتك، وأنا فاعل ما أمرتني به، إني أريت في المنام أني في حَوْمة ماء، قد خَشِيت الغرقَ، فخلَّصتني منه يا عمر، فأتى معاذ أبا بكر، فذكر ذلك له، وحَلَف له أنه لم يكتمه شيئًا حتى بَيَّن له سوطه، فقال أبو بكر: لا والله لا آخذه منك، قد وهبته لك، قال عمر: هذا حين طاب، وحَلَّ، قال: فخرج معاذ عند ذلك إلى الشام.
قال معمر (^١): فأخبرني رجل من قريش، قال: سمعت الزهري يقول: لما باع النَّبيّ - ﷺ - مال معاذ أوقفه للناس، فقال: "من باع هذا شيئًا فهو باطل". انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: كون الرجل المبهم في هذا الحديث هو معاذ بن جبل - ﵁ - محلّ نظر؛ فإن سياق القصّة بعيد عن سياق حديث الباب، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(في عَهْدِ) أي: زمان (رَسُول اللهِ - ﷺ -، في ثِمَارٍ) متعلِّق بـ "أُصيب" (ابْتَاعَهَا) أي: اشتراها، يعني أنه لحقه خسران، بسبب إصابة آفة ثمارًا اشتراها، ولم ينقُد ثمنها (فَكَثُرَ) بضم الثاء المثلّثة (دَيْنُهُ) أي فطالبه البائع بثمن تلك الثمرة، وكذا طالبه بقيّة غرمائه، وليس له مال يؤديه (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) لأصحابه، أو لقوم ذلك الرجل: ("تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ) أي: على الرجل المدين ﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨] (فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ) فيه أن المسألة تحلّ لمثله (فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ) أي: ما تصدّقوا عليه (وَفَاءَ دَينِهِ) أي: لكثرته (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: لغرمائه: ("خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ) أي: مما تصدّق الناس عليه (وَلَيْسَ لَكُمْ اِلا ذَلِكَ") أي: إلا أخْذ ما وجدتم، والمعنى: أنه ليس لكم مطالبته بالباقي، بل الواجب عليكم مسامحته، أو إنظاره إلى الميسرة، كما قال - ﷿ -: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠].
وقال السنديّ - ﵀ - في حاشيته على النسائيّ": ظاهره أنه وضع الجائح، بمعنى أنه لا يؤخذ منه ما عجز عنه.
_________________
(١) وهذا الإسناد فيه مبهم، وفيه إرسال أيضًا، فتنبّه.
[ ٢٧ / ٣٥٠ ]
ويَحْتَمِل أن المعنى: ليس لكم في الحال إلا ذلك؛ لوجوب الإنظار في غيره؛ لقوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، وحينئذ فلا وضع أصلًا، وبالجملة، فهذا الحديث دليل لمن يقول بعدم الوضع، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد عرفت فيما سبق أن هذا الحديث محمول على أنها تَلِفت بعد أوان الجذاذ، وتفريط المشتري في تركها بعد ذلك على الشجر، فإنها حينئذ تكون من ضمان المشتري، وليس له حقّ في الوضع، فلا يكون الحديث معارضًا لتلك الأحاديث الكثيرة الموجبة وضع الجوائح، وعلى تقدير عدم حمله على هذه الصورة، فتلك الأحاديث ترجّح عليه؛ لقوّتها، فتأمل بالإنصاف.
[تنبيه]: زاد النسائيّ - ﵀ - في "السنن الكبرى" بعد إيراده حديث أبي سعيد - ﵁ - هذا، ما نصّه: قال أبو عبد الرحمن: هذا أصلح من حديث سليمان بن عَتِيق. انتهى.
وأشار به إلى ما تقدَّم من الكلام في سليمان بن عتيق، فقد ضعّفه بعضهم، إلا أن مسلمًا أخرج له الحديث المذكور، وغيره، كما سبق بيانه، ويشهد لحديثه حديث أنس - ﵁ -، وحديثًا جابر - ﵁ - المذكوران في الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢٦/ ٣٩٧٤ و٣٩٧٥] (١٥٥٦)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٤٦٩ و٣٤٧٠)، و(التِّرمذيّ) في "الزكاة" (٦٥٥)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٢٦٤ - ٢٦٥ و٣١٢) و"الكبرى" (٤/ ١٩ و٥٥)، و(ابن ماجه) في "التجارات" (٢٢١٩ و"الأحكام" (٢٣٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٥/
_________________
(١) "حاشية السنديّ على النسائيّ" ٧/ ٢٦٥ - ٢٦٦.
[ ٢٧ / ٣٥١ ]
١٣)، و(أحمد) في "مسند" (٣/ ٣٦ و٥٨)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٥٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٠٣٣)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٦٣٩)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٣٠٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٣٣٦)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٤٧)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٣/ ٣٠ و٣١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٠٥ و٣٠٦ و٦/ ٤٩ و٥٠) و"المعرفة" (٤/ ٣٠٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢١٣٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان عليه النَّبيّ - ﷺ - من الرأفة، والرحمة بأمته، حيث يهتمّ بتدبير شؤونهم، فيقوم بمساعدة الفقراء، والمحتاجين، إذا كان عنده شيء من المال، وإلا أمر أصحابه المياسير - ﵃ - أن يساعدوهم حتى يقضوا ديونهم، ويسدّوا حاجاتهم.
٢ - (ومنها): التعاون على البرّ، والتقوى، ومواساة المحتاج، ومن عليه دَين، والحثّ على الصدقة.
٣ - (ومنها): جواز المسألة لمن أصاب ماله جائحة، بقدر ما يؤدّي به دينه، ويسدّ حاجته.
٤ - (ومنها): أن المعسر لا تحلّ مطالبته، ولا ملازمته، ولا سَجْنه، وبه قال الشافعيّ، ومالك، وجمهور العلماء، وحكي عن شُريح حبسه حتى يقضي الدين، وإن كان قد ثبت إعساره، وعن أبي حنيفة: تجوز ملازمته.
٥ - (ومنها): أنه يسلّم إلى الغرماء جميع مال المفلس، ما لم يَقضِ دَينهم، ولا يُترك للمفلس سوى ثيابه، ونحوها. قاله النوويّ (^١).
٦ - (ومنها): ما قال القرطبي - ﵀ -: قوله: "خذوا ما وجدتم" يدلُّ على أن المفلس يؤخذ منه كل ما يوجد ما له، ويُستثنى من ذلك ما كان من ضرورته، ورَوَى ابن نافع عن مالك: أنه لا يترك له إلا ما يواريه، والمشهور: أنه يترك له كسوته المعتادة، ما لم يكن فيها فضل، ولا يُنْزَع منه رداؤه، إن كان ذلك مُزريًا به؛ أي: منقصًا، وفي ترك كسوة زوجته، وبيع كتبه إن كان
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٢١٧ - ٢١٨.
[ ٢٧ / ٣٥٢ ]
عالمًا خلاف، ولا يُترك له مسكن، ولا خاتم، ولا ثوب جُمْعَته، ما لم تقِلَّ قيمتها. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٧٥] (…) - (حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَني عَمْرُو بْنُ الْحَارِث، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجّ، بِهَذَا الإسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى) بن ميسرة الصَّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٤) وله (٩٦) سنةً (م س ق) تقدم في "الإيمان" ٧٥/ ٣٩٣.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدَّم في الباب الماضي.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقة حافظ فقيه [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
و"بُكير بن الأشجّ" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عمرو بن الحارث، عن بُكير بن الأشجّ هذه ساقها الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٤٧ فقال:
(٢٢٧٥) - حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر الخولانيّ، حدّثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بُكير بن الأشج، عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: أصيب رجل في عهد رسول الله - ﷺ - في ثمار ابتاعها، فكثُر دينه، فقال رسول الله - ﷺ -: "تصدقوا عليه"، فتصدقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاءَ دينه، فقال رسول الله - ﷺ: "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك"، هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^١). انتهى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٧٦] (١٥٥٧) - (وَحَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُويس، حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ - وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ - عَنْ
_________________
(١) فيه نظر لا يخفى، فقد أخرجه مسلم هنا، فتنبّه.
[ ٢٧ / ٣٥٣ ]
يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أمهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَن، قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صوْتَ خُصُومٍ بِالْبَاب، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُمَا، وَإذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ، وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَئ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أفعَلُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: "أينَ الْمُتَألي عَلَى اللهِ لَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟ "، قَالَ: أنا يَا رَسُولَ الله، فَلَهُ أَيُ ذَلِكَ أَحَبٍّ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (غيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا) قال النوويّ - ﵀ -: قال جماعة من الحفاظ: هذا أحد الأحاديث المقطوعة في "صحيح مسلم"، وهي اثنا عشر حديثًا، سبق بيانها في الفصول المذكورة في مقدمة هذا الشرح؛ لأن مسلمًا لم يذكر من سمع منه هذا الحديث.
قال القاضي عياض: إذا قال الراوي: حدّثني غير واحد، أو حدّثني الثقة، أو حدّثني بعض أصحابنا، ليس هو من المقطوع، ولا من المرسل، ولا من المعضل، عند أهل هذا الفنّ، بل هو من باب الرواية عن المجهول، وهذا الذي قاله القاضي هو الصواب، لكن كيف كان فلا يُحتجّ بهذا المتن من هذه الرواية، لو لم يثبت من طريق آخر، ولكن قد ثبت من طريق آخر، فقد رواه البخاري في "صحيحه" عن إسماعيل بن أبي أويس، ولعل مسلمًا أراد بقوله: "غيرُ واحد" البخاريّ وغيره، وقد حَدَّث مسلم عن إسماعيل هذا من غير واسطة، في "كتاب الحج"، وفي آخر "كتاب الجهاد"، وروى مسلم أيضًا عن أحمد بن يوسف الأزديّ، عن إسماعيل في "كتاب اللعان"، وفي "كتاب الفضائل"، والله أعلم. انتهى كلام النووي - ﵀ - (^١).
وقال في "الفتح": هذا الحديث أخرجه مسلم قال: حدّثنا غير واحد، عن إسماعيل بن أبي أويس، فعده بعضهم في المنقطع، والتحقيق أنه متصل في إسناده مبهم، وقد رواه عن إسماعيل أيضًا محمد بن يحيى الذهْليّ، أخرجه أبو عوانة، والإسماعيليّ، وغيرهما من طريقه، وأخرجه أبو عوانة أيضًا من طريق
_________________
(١) "شرح النووي" ١٠/ ٢١٩.
[ ٢٧ / ٣٥٤ ]
إبراهيم بن الحسين الكسائيّ، وإسماعيل بن إسحاق القاضي، ورويناه في "المحامليّات" عن عبد الله بن شَبِيب، فيَحْتَمِل أن يُفَسر من أبهمه مسلم بهؤلاء، أو بعضِهم، ولم ينفرد به إسماعيل، بل تابعه أيوب بن سفيان، عن أبي بكر بن أبي أويس، أخرجه الإسماعيلي أيضًا، ولا انفرد به يحيى بن سعيد، فقد أخرجه ابن حبان من طريق عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن أبيه. انتهى (^١).
٢ - (إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُويس) عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ، صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م د ت ق) تقدم في "الحج" ١٧/ ٢٩٢١.
٣ - (أَخُوهُ) عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو بكر بن أبي أُويس المدنيّ الأعشى، مشهور بكنيته كأبيه، ثقةٌ [٩].
رَوَى عن أبيه، وعم جدّه الربيع بن مالك، وابن أبي ذئب، وابن عجلان، ومالك بن أنس، وسليمان بن بلال، والثوريّ، وهشام بن سعد، وغيرهم.
ورَوى عنه أخوه إسماعيل، وأيوب بن سليمان بن بلال، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن رافع، ومحمد بن سعد، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وغيرهم.
قال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقة، وقال آخر، عن يحيى: ليس به بأسٌ، وقال الآجريّ: قدّمه أبو داود على إسماعيل تقديمًا شديدًا، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال الحاكم عن الدارقطنيّ: حجةٌ، وقال الأزديّ: وما أظنه ظن إلا أنه غيره، فإنه إنما أطلق ذلك في أبي بكر الأعشى، وهو هو، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات ببغداد سنة اثنتين ومائتين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) المدنيّ، تقدَّم قريبًا.
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٥٨٧ "كتاب الصلح" رقم (٢٧٠٥).
[ ٢٧ / ٣٥٥ ]
٥ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ، تقدَّم أيضًا قريبًا.
٦ - (أَبُو الرجالِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن حارثة بن النُّعمان الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ [٥] (خ م س ق) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٤٦/ ١٨٩٠.
٧ - (أمهُ عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن سعد بن زُرَارة الأنصاريّة المدنية، ثقة [٣] ماتت قبل المائة، ويقال: بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٧.
٨ - (عَائِشَةُ) بنت أبي بكر الصدّيق - ﵄ - أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبي - ﷺ -، إلا خديجة، ففيها خلاف شهير، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح (ع) تقدَّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه مسلسل بالمدنيين غير شيوخه المبهمين.
٢ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: يحيى، وأبو الرجال، وأمه عمرة، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة.
٣ - (ومنها): أن فيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الحديث.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الرجَالِ) بكسر الراء، وتخفيف الجيم: لقبٌ بصورة الكنية؛ لُقّب بها؛ لأنه وُلد له عشرة من الذُكور، وبلغوا مبلغ الرجال، وهو من صغار التابعين، وكذا الراوي عنه، وقوله: (مُحَمَدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بالجرِّ بدل من "أبي الرجال" (أَن أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الأنصاريّة (قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ) أم المؤمنين - ﵂ - (تَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَوْتَ خُصُوم) بالضمّ: جمع خَصْم بفتح، فسكون، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الْخَصْم: يقع على المفرد وغيره، والذكر والأنثى بلفظ واحد، وفي لغة يُطابِقُ في التثنية والجمع، ويُجمَع
[ ٢٧ / ٣٥٦ ]
على خُصُوم، وخِصَار، مثلُ بحر، وبُحور، وبِحَار. انتهى (^١). وقوله: (بِالْبَابِ) متعلّقٌ بحال مقدّر؛ أي: كونهما كائنين بالباب، والمراد: باب حُجرة النَّبيّ - ﷺ -، وقوله: (عَالية أَصْوَاتهمَا) يجوز جر "عالية" صفة لـ "خصوم"، ونصبه على الحال، و"أصواتهما" مرفوع على الفاعليّة لعالية؛ لأنه اسم الفاعل يعمل عمل فعله، إذا اعتمد، وقد اعتمد هنا على الموصوف، قال في "الخلاصة":
كَفِعْلِهِ اسْمُ فَاعِل فِي الْعَمَلِ … إِنْ كَانَ عَنْ مُضِيِّهِ بِمَعْزِلِ
وَوَليَ اسْتِفْهَامًا أَوْ حَرْفَ نِدَا … أَوْ نَفْيًا أَوْ جَا صِفَةً أَوْ مُسْنَدَا
ويجوز رفع "عالية" خبرًا مقدّمًا لـ "أصواتهما"، والجملة حال، وإنما ثنى الضمير مع أنه يعود إلى الجمع باعتبار أنَّهما خصمان، أو على القول بأن أدنى الجمع اثنان.
ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: "عاليةً أصواتهم"، فقال في "الفتح": قوله: "عالية أصواتهم" في رواية: "أصواتهما"، وكأنه جُمع باعتبار من حضر الخصومة، وثُنِّي باعتبار الخصمين، أو كأن التخاصم من الجانبين بين جماعة، فجُمِع، ثم ثُنِّي باعتبار جنس الخصم، وليس فيه حجة لمن جَوَّز صيغة الجمع بالاثنين كما زعم بعض الشراح. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وليس فيه حجة إلخ" بلى فيه حجة ظاهرة، وقد حقّقت هذه المسألة في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها"، ورجّحت القول بأن أدنى الجمع اثنان؛ لوضوح أدلّته، فراجعه تستفد (^٢)، وبالله تعالى التوفيق.
(وَإذَا أَحَدُهُمَا) "إذا" هنا فُجائيّةٌ، و"أحدهما" مبتدأ، خبره قوله: "يستوضع"، وإنما قال: "أحدهما" بتثنية الضمير؛ لِمَا قدّمناه من أنه باعتبار الخصمين.
(يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ) أي: يطلب منه الوضيعة؛ أي: الحطيطة من الدَّين (ويسْتَرْفِقُهُ) أي: يطلب منه أن يرفق به في الاستيفاء، والمطالبة (فِي شَيْءٍ) أي: في حطّ شيء من الدين.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٧١.
(٢) راجع: "المنحة الرضية شرح التحفة المرضيّة" ٣/ ٢٢٩ - ٢٣٣.
[ ٢٧ / ٣٥٧ ]
وفي رواية ابن حبان: "دخلت امرأة على النَّبيّ - ﷺ -، فقالت: إني ابتعت أنا وابني من فلان تمرًا، فأحصيناه، لا والذي أكرمك بالحقّ ما أحصينا منه إلا ما نأكله في بطوننا، أو نُطعمه مسكينًا، وجئنا نستوضعه ما نقصنا … " الحديث، فظهر بهذا أن المخاصمة وقعت بين البائع وبين المشتريَيْن، قال الحافظ - ﵀ -: ولم أقف على تسمية واحد منهم، وأما تجويز بعض الشراح أن المتخاصمين هما المذكوران في الحديث الذي يليه - يعني قصّة كعب بن مالك وخصمه - ففيه بُعْدٌ؛ لتغاير القصتين، وعُرِف بهذه الزيادة أصل القصة. انتهى (^١).
(وَهُوَ) أي: الآخر (يَقُولُ: وَاللهِ لَا أفعَلُ) أي: أضع من دَيني شيئًا، ولا أرفق بك (فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: "أينَ الْمُتَألِّي عَلَى اللهِ) - بضمّ الميم، وفتح المثناة، والهمزة، وتشديد اللام المكسورة - أي: الحالف المبالغ في اليمين، مأخوذٌ من الأَلِيّة - بفتح الهمزة، وكسر اللام، وتشديد التحتانية - وهي اليمين، قاله في "الفتح".
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: "الأليّةُ": الحلِفُ، والجمع ألايا، مثلُ عَطِيّة وعطايا، قال الشاعر [من الطويل]:
قَلِيلُ الألَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ … فَإِنْ سَبَقَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ
وآلى إيلاء، مثلُ أتى إيتاء: إذا حَلَفَ، فهو مُؤلٍ، وتألَّى، وائتلى كذلك. انتهى (^٢).
وقوله: (لَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ؟ ") بتقدير حرف مصدريّ؛ أي: أن لا يفعل المعروف، وهو في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ مقدّر؛ أي: على عدم فعل المعروف.
وفي رواية ابن حبان: "فقال: آلى أن لا يصنع خيرًا ثلاث مرات، فبلغ ذلك صاحب التمر".
(قَالَ: أنا يَا رَسولَ الله، فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ) أي: فلخصمي؛ أيُّ شيء من
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٥٨٨ "كتاب الصلح" رقم (٢٧٠٥).
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٠.
[ ٢٧ / ٣٥٨ ]
الحط، أو الرفق أحبّ، وفي رواية ابن حبان: "فقال: إن شئت وضعتُ ما نقصوا، وإن شئت من رأس المال، فوضع ما نقصوا"، قال الحافظ - ﵀ -: وهو يُشعِر بأن المراد بالوضع الحط من رأس المال، وبالرفق الاقتصار عليه، وترك الزيادة، لا كما زعم بعض الشراح أنه يريد بالرفق الإمهال. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٣٩٧٦] (١٥٥٧)، و(البخاريّ) في "الصلح" (٢٧٠٥)، و(مالك) في "الموطّإ" (٢/ ٦٢١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٠٣٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٣٣٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٠٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه الحضَّ على الرفق بالغريم، والإحسان إليه بالوضع عنه.
٢ - (ومنها): جواز طلب الرفق في المطالبة والاستيفاء، وأنَّه لا بأس به، ولكن بشرط أن لا ينتهي إلى الإلحاح، وإهانة النفس، أو الإيذاء، ونحو ذلك، إلا من ضرورة. قاله النوويّ - ﵀ - (^٢).
٣ - (ومنها): الزجر عن الحلف على ترك فعل الخير، وإنكار ذلك، قال الداوديّ: إنما كَرِه ذلك؛ لكونه حلف على ترك أمر عسى أن يكون قد قدَّر اللهُ وقوعه، وعن المهلَّب نحوه، وتعقبه ابن التين بأنه لو كان كذلك لكره الحلف لمن حلف ليفعلنّ خيرًا، وليس كذلك، بل الذي يظهر أنه كره له قطع نفسه عن فعل الخير.
قال: ويشكل في هذا قوله - ﷺ - للأعرابي الذي قال: والله لا أزيد على
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٥٨٨.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ٢٢٠.
[ ٢٧ / ٣٥٩ ]
هذا، ولا أنقص منه: "أفلح إن صدق"، ولم ينكر عليه حلفه على ترك الزيادة، وهي من فعل الخير.
ويمكن الفرق بأنه في قصة الأعرابي كان في مقام الدعاء إلى الإسلام، والاستمالة إلى الدخول فيه، فكان يَحْرِص على ترك تحريضهم على ما فيه نوع مشقة مهما أمكن، بخلاف من تمكّن في الإسلام، فيَحُضُّه على الازدياد من نوافل الخير. انتهي (^١).
٤ - (ومنها): أنه ينبغي لمن حلف أن لا يفعل خيرًا أن يحنث، ويكفّر عن يمينه.
٥ - (ومنها): استحباب الشفاعة إلى أصحاب الحقوق، وقبول الشفاعة في الخير.
٦ - (ومنها): أن فيه سرعةَ فهم الصحابة لمراد الشارع، وطواعيتهم لما يشير به، وحرصهم على فعل الخير.
٧ - (ومنها): أن فيه الصفح عما يجري بين المتخاصمين من اللغط، ورفع الصوت عند الحاكم.
٨ - (ومنها): أن فيه جواز سؤال المدين الحطيطة من صاحب الدَّين خلافًا لمن كرهه من المالكية، واعتَلَّ بما فيه من تحمّل المنّة، وقال القرطبيّ: لعل من أطلق كراهته أراد أنه خلاف الأولى.
٩ - (ومنها): أن فيه هبةَ المجهول، كذا قال ابن التين، وفيه نظر؛ لما قدّمناه من رواية ابن حبان، قاله في "الفتح" (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٧٧] (١٥٥٨) - (حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ؛ أنهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْه، فِي عَهْدِ رَسُول اللهِ - ﷺ - فِي
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٥٨٨.
(٢) "الفتح" ٦/ ٥٨٨ - ٥٨٩.
[ ٢٧ / ٣٦٠ ]
الْمَسْجِد، فَارْتَفَعَتْ أَصوَاتُهُمَا (^١) حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ فِي بَيْتِه، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِه، وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، فَقَالَ: "يَا كعْبُ"، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسولَ الله، فَأشَارَ (^٢) إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ، قَالَ كَعْب: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ الله، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "قُمْ فَاقْضِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التّجيبيّ، تقدَّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب) ذُكر قبل حديث.
٣ - (يُونُسُ) الأيليّ، تقدَّم قريبًا.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري، تقدَّم أيضًا قريبًا.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ، يقال: له رؤيةٌ [٢] (ت ٧ أو ٩٨) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٠.
٦ - (أَبُوهُ) كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاريّ السلَميّ المدنيّ الصحابيّ الشهير، وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفُوا، مات في خلافة عليّ - ﵄ - (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ١٣/ ١٦٥٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرّد به هو والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من الزهري.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه هو أحد الثلاثة الذين نزلت فيهم آية: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الآية [التوبة: ١١٨]، رُوي له ثمانون حديثًا، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) وفي نسخة: "أصواتهم".
(٢) وفي نسخة: "قال: فأشار إليه".
[ ٢٧ / ٣٦١ ]
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهري؛ أنه قال: (حَدثَنى عَبْدُ اللهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) يقال: له رؤية (عَنْ أبِيهِ) كعب بن مالك - ﵁ - (أنهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ) أي: طالب أن يقضيه، وفي الرواية التالية من طريق عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك؛ "أنه كان له مال على عبد الله بن أبي حَدْرد الأسلميّ، فلقيه، فلزمه، فتكلّما حتى ارتفعت أصواتهما … ".
[تنبيه]: "ابن أبي حَدْرد" - بفتح الحاء المهملة، وسكون الدال المهملة، وفتح الراء، ثم دال مهملة - قال الجوهريّ وغيره: لم يأت من الأسماء على "فعلع" بتكرير العين غير حدرد. وهو عبد الله بن أبي حدرد، واسمه سلامة، وقيل: عُبيد بن عُمير بن أبي سلامة بن سعد بن شيبان بن الحارث بن قيس بن هوازن بن أسلم بن أفصى الأسلميّ، أبو محمد، له ولأبيه صحبة، وقال ابن منده: لا خلاف في صحبته، وقال ابن سعد: أول مشاهده الحديبية، ثم خيبر، مات سنة (٧١) عن (٨١) سنة، أفاده في "الإصابة" (^١).
وقوله: (دَيْنًا) منصوب على أنه مفعول ثان لـ "تقاضى"، والأول "ابنَ أبي حدرد"، وقوله: (كَانَ لَهُ عَلَيْهِ) جملة في محلّ نصب صفة لـ "دينًا"، وضمير "له" لكعب، و"عليه" لابن أبي حدرد، وفي رواية الطبرانيّ أنه كان أوقيّتين (في عَهْدِ رَسُول اللهِ - ﷺ -) أي: في زمانه (فِي الْمَسْجِدِ) النبويّ، وهو متعلّقٌ بـ "تقاضى" (فَارْتَفَعَتْ أصْوَاتُهُمَا) وفي بعض النسخ: "فارتفعت أصواتهم" (حتَّى سَمِعَهَ) أي: الأصوات، وفي رواية النسائيّ: "حتى سمعهما" (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وقوله: (وَهُوَ فِي بَيْتِهِ) جملة حالية من "رسول الله - ﷺ - " (فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: من حجرته، وفي رواية الأعرج، عن عبد الله بن كعب التالية: "فمرّ بهما رسول الله - ﷺ - " وظاهر الروايتين التخالف، وجمع بعضهم بينهما باحتمال أن يكون مرّ بهما أوّلًا، ثم إن كعبًا أشخص خصمه للمحاكمة، فسمعهما النَّبيّ - ﷺ - أيضًا، وهو في بيته، قال الحافظ: وفيه بُعد؛ لأن في الطريقين أنه - ﷺ - أشار
_________________
(١) راجع: "الإصابة" ٦/ ٥٢ - ٥٤.
[ ٢٧ / ٣٦٢ ]
إلى كعب بالوضيعة، وأمر غريمه بالقضاء، فلو كان أمره بذلك تقدَّم لهما لَمَا احتاج إلى الإعادة، والأَولى فيما يظهر لي أن يُحمَل المرور على أمر معنويّ، لا حسّيّ. انتهى. (حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ) - بكسر المهملة، وسكون الجيم، وحكي فتح أوله - وهو الستر، وقيل: أحد طرفي الستر الْمُفَرج، قاله في "الفتح" (^١).
وقال المجد - ﵀ -: "السِّجْفُ"، ويُكسر، وككتاب: السترُ، جمْعه سُجُوفٌ، وأَسْجافٌ، أو السَّجْف: السِّتران المقرونان بينهما فُرْجةٌ، أو كل بابٍ سُتِر بسترين مقرونين، فكلُّ شِقّ سَجْف، وسِجَافٌ، وأسجف السترَ: أرسله. انتهى (^٢).
(وَنَادَى كعْبَ بْنَ مَالِكٍ، فَقَالَ: "يَا كَعْبُ"، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله، فَأشَارَ) وفي نسخة: "قال: فأشار" (إِلَيْهِ بِيَده أَنْ ضَعِ الشطْرَ مِنْ دَيْنِكَ) أي: نصفه، و"أن" هنا يَحْتَمل أن تكون مصدريّة، ويقدّر الجار قبلها؛ أي: بأن ضع، وَيحْتَمل أن تكون تفسيرية؛ أي: فرع، و"أن" التّفسيريّة هي التي تقع بعد جملة فيها معنى القول، دون حروفه، وتتأخر عنها جملة، وأن لا يدخل عليها جارّ، كما هو مبسوط في "مغني اللبيب" لابن هشام الأنصاريّ - ﵀ - (^٣).
وقال شيخنا المناسيّ - ﵀ - في "نظمه":
وَثَالِثٌ (^٤) كـ "أَيْ" أَتَتْ مُفَسِّرَهْ … وَزُمْرَةُ الْكُوفَةِ فِيهَا مُنْكِرَهْ
وَشَرْطُهَا لِمُثْبِتٍ سَبْقُ الْجُمَلْ … وَبَعْدَهَا الْجُمَلُ مُطْلَقًا حَصَلْ
وَالْقَوْلُ مَعْنَاهُ بَدَا فِي السابِقَهْ … لَا لَفْظُهُ وَبَعْضُهُمْ قَدْ أَطْلَقَهْ
وَعَدَمُ الْخَافِضِ أَمَّا إِنْ قُرِنْ … بِهَا فَمَصْدَرِيةٌ عِنْدَ الْفَطِنْ
وفي رواية الأعرج التالية: "فقال: يا كعب، فأشار بيده، كأنه يقول: النصف، فأخذ نصفًا مما عليه، وترك نصفًا" (قَالَ كَعْب: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية للبخاريّ: "لقد فعلت"، وفيها مبالغة في امتثال الأمر (قالَ
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٠٥ "كتاب الصلاة".
(٢) "القاموس المحيط" ٣/ ١٥٠.
(٣) راجع: "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" ١/ ٧٤ - ٧٥.
(٤) أي ثالث الأوجه من معاني "أن".
[ ٢٧ / ٣٦٣ ]
رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) لابن أبي حدرد ("قُمْ فَاقْضِهِ") فيه إشارة إلى أنه لا يُجمع بين الوضيعة والتأجيل.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "قم، فاقضه": أمر على جهة الوجوب؛ لأن ربّ الدَّين لَمّا أطاع بوضع ما وَضَع تعيّن على الْمِدْيان أن يقوم بما بقي عليه؛ لئلا يُجمَع على ربّ الدَّين وَضِيعةٌ ومَطْلٌ، وهكذا ينبغي أن يُبَتّ الأمرُ بين المتصالحين، فلا يُترك بينهما عُلقة ما أمكن. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث كعب بن مالك - ﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٣٩٧٧ و٣٩٧٨ و٣٩٧٩] (١٥٥٨)، و(البخاريّ) في "المساجد" (٤٥٧) و"الخصومات" (٢٤١٨ و٢٤٢٤) و"الصلح" (٢٧٠٦ و٢٧١٠)، و(أبو داود) في "الأقضية" (٣٥٩٥)، و(النسائيّ) في "آداب القضاة" (٨/ ٢٣٩ و٢٤٤) وفي "الكبرى" (٣/ ٤٧٦)، و(ابن ماجه) في "الأحكام" (٢٤٢٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٥٤ و٤٦٠ و٦/ ٣٨٦ و٣٩٠)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٤٧٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٠٤٨)، و(الطبراني) في "الكبير" (١٩/ ١٢٦ و١٢٧ و١٢٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٣٣٨)، و(عبد بن حميد) (١/ ١٤٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٥٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢١٥١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الوضع من الدَّين.
٢ - (ومنها): جواز المخاصمة في المسجد في الحقوق، والمطالبة بالديون.
٣ - (ومنها): جواز ملازمة الغريم، والتقاضي منه.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤٣٠.
[ ٢٧ / ٣٦٤ ]
٤ - (ومنها): إرخاء الستر على الباب للحاجة.
٥ - (ومنها): بيان جواز حكم الحاكم في داره، وهذا إذا لم يؤدّ إلى تضرّر الناس بضيق المكان، أو نحوه، وإلا فعليه أن يحكم في محلّ واسع.
٦ - (ومنها): جواز رفع الصوت في المسجد، وقد بوّب الإمام البخاريّ في "صحيحه": "باب رفع الصوت في المسجد"، ثم أخرج بسنده عن السائب بن يزيد، قال: كنت قائمًا في المسجد، فحصبني رجل، فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما، قال: من أنتما؟ أو: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد، لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله - ﷺ -؟ ثم أخرج حديث كعب بن مالك المذكور في الباب، قال في "الفتح": أشار بالترجمة إلى الخلاف في ذلك، فقد كرهه مالك مطلقًا، سواء كان في العلم، أم في غيره، وفرّق غيره بين ما يتعلّق بغرض دنيويّ، أو نفع دنيويّ، وبين ما لا فائدة فيه، وساق حديث عمر الدالّ على المنع، وحديث كعب الدال على عدمه، إشارة منه إلى أن المنع فيما لا منفعة فيه، وعدمه فيما تُلجئ الضرورة إليه، ووردت أحاديث في النهي عن رفع الصوت في المساجد، لكنها ضعيفة، أخرج ابن ماجه بعضها، فكأن البخاريّ أشار إليها (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وعلى تقدير صحتها تُحْمَل على ما إذا كان الصوت متفاحشًا، وفي غير مصلحة، وأحاديث الإباحة على ما كان للمصلحة، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح" أيضًا في موضع آخر: قال المهلّب: لو كان رفع الصوت في المسجد لا يجوز لَمَا تركهما النَّبيّ - ﷺ -، ولبيّن لهما ذلك، قال الحافظ: ولمن منع أن يقول: لعله تقدَّم النهي عن ذلك، فاكتفى به، واقتصر على التوصّل بالطريق المؤدّية إلى ترك ذلك بالصلح المقتضي لترك المخاصمة الموجبة لرفع الصوت. انتهى.
_________________
(١) ذكرت في "شرح النسائيّ" هنا اختلاف العلماء في حكم التقاضي في المسجد، فراجعه ٣٩/ ٣١٩ رقم الحديث (٥٤١٠).
[ ٢٧ / ٣٦٥ ]
٧ - (ومنها): أن الإشارة بمنزلة الكلام إذا فُهمت؛ لأنها دالّة على الكلام؛ كالحروف والأصوات، فتصحّ شهادة الأخرس، ويمينه، ولعانه، وعُقُوده، إذا فُهم ذلك عنه.
٨ - (ومنها): استحباب الشفاعة إلى صاحب الحقّ.
٩ - (ومنها): إشارة الحاكم بالصلح بين المتخاصمين، على جهة الإرشاد، وهنا وقع الصلح على الإقرار، وهو متّفق على جوازه، وأما الصلح عن الإنكار فأجازه أبو حنيفة، ومالك، وهو قول الحسن، وقال الشافعيّ: هو باطل، وبه قال ابن أبي ليلى.
١٠ - (ومنها): قبول الشفاعة في غير معصية.
١١ - (ومنها): بيان ما كان عليه النَّبيّ - ﷺ - من الثقة بأصحابه، حيث أمر كعبًا - ﵁ - بوضع النصف من الدَّين في الحالة التي اشتدّ غضبه فيها، ولا يفعل ذلك إلا من كان على ثقة من أصحابه بأنهم يُؤْثرون أمره على كلّ شيء، ويقدّمونه على غرض أنفسهم، فلذا لم يكن جواب كعب - ﵁ - بعد هذه الشدّة إلا أن يقول: "قد فعلت يا رسول الله"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٧٨] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَخْبَرَهُ؛ أنَّهُ تَقَاضَى دَيْنًا لَهُ عَلَى ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدَّم قريبًا.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بن فارس الْعَبديّ البصريّ، بخاريّ الأصل، ثقة [٩] (ت ٢٠٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٩/ ٤١٧.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية عثمان بن عُمر، عن يونس هذه ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
[ ٢٧ / ٣٦٦ ]
(٤٥٧) - حدّثنا عبد الله بن محمد، قال: حدّثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا يونس، عن الزهريّ، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب؛ أنه تقاضى ابنَ أبي حدرد دينًا كان له عليه، في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله - ﷺ -، وهو في بيته، فخرج إليهما حتى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرته، فنادى: "يا كعبُ"، قال: لبيك يا رسول الله، قال: "ضَع من دَينك هذا"، وأومأ إليه؛ أي: الشطر، قال: لقد فعلت يا رسول الله، قال: "قم، فاقضه". انتهى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٧٩] (…) - (قَالَ مُسْلِمٌ: وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَالٌ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيَّ، فَلَقِيَهُ، فَلَزِمَهُ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا (^١)، فَمَرَّ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "يَا كَعْبُ"، فَأشَارَ بِيَدِه، كَأَنَّهُ يَقُولُ النِّصْفَ، فَأَخَدَ نِصْفًا مِمَّا عَلَيْه، وَتَرَكَ نِصْفًا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحبيل بن حَسَنَةَ الكِنديّ، أبو شُرَحْبيل المصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ) الأعرج، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كَانَ لَهُ مَالٌ) تقدَّم أن في رواية الطبرانيّ أنه كان أوقيّتين.
وقوله: (حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) وفي بعض النسخ: "حتى ارتفعت الأصوات".
وقوله: (فَمَرَّ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) ظاهره يخالف ما تقدَّم أنه - ﷺ - كان في حجرته، فسمع أصواتهما، وأوّله الحافظ بأن المراد من المرور في هذا
_________________
(١) وفي نسخة: "حتى ارتفعت الأصوات".
[ ٢٧ / ٣٦٧ ]
الحديث المرور المعنويّ، يعتي علمه بهما، ولا يبعد أن يكون - ﷺ - مرّ بهما أوّلًا، فلم يلتفت إليهما في أول الأمر حتى دخل حجرته، ثم لما ارتفعت أصواتهما كشف سَجْف حجرته، وقال ما قال (^١).
وقوله: (كَأنه يَقُولُ النِّصْفَ) بالنصب مفعولًا لمقدّر؛ أي: ضَع النصف.
[تنبيه]: ذكر الإمام مسلم - ﵀ - هذه الرواية معلّقة، قال النوويّ - ﵀ -: هذا أحد الأحاديث المقطوعة في "صحيح مسلم"، ويسَمَّى مُعَلَّقًا، وسبق في "التَّيمم" مثله بهذا الإسناد، وهذا الحديث المذكور هنا متصلٌ عن الليث، ورواه البخاريّ في "صحيحه" عن يحيى بن بُكير، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، بإسناده المذكور هنا، ورواه النسائيُّ عن الربيع بن سليمان، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن جعفر بن ربيعة. انتهى (^٢).
[تنبيه آخر]: هذا الحديث أخرجه البخاريّ في "صحيحه" متّصلًا من رواية الليث بن سعد، فقال:
(٢٢٩٢) - حدّثنا يحيى بن بكير، حدّثنا الليث، حدّثني جعفر بن ربيعة، وقال غيره: حدّثني الليث، قال: حدّثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاريّ، عن كعب بن مالك - ﵁؛ أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد الأسلميّ دَينٌ، فلقيه، فلزمه، فتكلما حتى ارتفعت أصواتهما، فمرّ بهما النَّبيّ - ﷺ -، فقال: "يا كعبُ"، وأشار بيده، كأنه يقول النصف، فأخذ نصف ما عليه، وترك نصفًا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) راجع: "تكملة فتح الملهم" ١/ ٤٩٣.
(٢) راجع ما تقدَّم في: "شرح المقدّمة" من كلام الحافظ رشيد الدين العطّار - ﵀ - في هذا الإسناد ١/ ٩٦.
[ ٢٧ / ٣٦٨ ]