قال الفيّوميّ - ﵀ -: أفلس الرجل: كأنه صار إلى حالٍ ليس له فلوسٌ، كما يقال: أقهر: إذا صار إلى حال يُقْهَر عليه، وبعضهم يقول: صار ذا فُلُوس، بعد أن كان ذا دراهم، فهو مُفلِس، والجمع مَفَاليسُ، وحقيقته الانتقال من حالة الْيُسْر إلى حالة الْعُسْر، وفَلّسه القاضي تفليسًا: نادَى عليه، وشَهَرَه بين الناس بأنه صار مُفْلسًا، والفَلْسُ: الذي يُتعامَل به، جمْعه في القلّة: أَفْلُس، وفي الكثرة: فُلُوس. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": الْمُفْلِس شرعًا: من تزيد ديونه على موجوده، سُمّي مُفلِسًا؛ لأنه صار ذا فلوس، بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، إشارة إلى أنه صار لا يملك إلا أدنى الأموال، وهي الفلوس، أو سُمي بذلك؛ لأنه يُمنَع التصرف، إلا في الشيء التافه، كالفلوس؛ لأنهم ما كانوا يتعاملون بها إلا في الأشياء الحقيرة، أو لأنه صار إلى حالة، لا يملك فيها فَلْسًا، فعلى هذا فالهمزة في أفلس للسلب. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ - ﵀ - قوله: "أفلس الرجل": في اللغة: صار ذا فلوس، بعد أن كان ذا دنانير، كما يقال: أخبث الرجل؛ أي: صار أصحابه خُبَثاء، وأقطف الرجل: إذا صارت دابّته قَطُوفًا، والْمُفْلِس في عرف العرب: من لا مال له عينًا، ولا عَرَضًا، ولا غيره، ولذلك قال النَّبيّ - ﷺ - لأصحابه - ﵃ -: "أتدرون من المفلس؟ "، قالوا ما هو المعروف عندهم، فأجابوه بقولهم: من لا درهم له، ولا متاع، رواه مسلم، وهو في عرف الشرع: عبارة عن مِدْيان، قَصَر ما بيده عن وفاء ما عليه من الديون، فطَلَب الغرماء أخذ ما بيده، وإذا كان كذلك، فللحاكم أن يَحْجُر عليه، ويمنعه من التصرّف فيما بيده، ويحصِّلُهُ، ويجمع الغرماء، فيقسمه عليهم، وهذا مذهب الجمهور، من الصحابة،
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٨١.
(٢) "الفتح" ٦/ ٢٠٨.
[ ٢٧ / ٣٦٩ ]
وغيرهم. انتهى (^١).
وقال ابن قُدامة - ﵀ -: المفلس هو الذي لا مال له، ولا ما يدفع به حاجته، ولهذا لما قال النبي - ﷺ - لأصحابه: "أتدرون من المفلس؟ " قالوا: يا رسول الله، المفلس فينا من لا درهم له، ولا متاع، قال: "ليس ذلك المفلس، ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات، أمثال الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا، ولطم هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي عليه شيء أُخِذ من سيئاتهم، فردّ عليه، ثم صُك له صَكّ إلى النار"، أخرجه مسلم بمعناه، فقولهم ذلك إخبار عن حقيقة المفلس، وقول النَّبيّ - ﷺ -: "ليس ذلك المفلس"، تَجَوُّز لم يُرِد به نفي الحقيقة، بل أراد أن فلس الآخرة أشدّ وأعظم، بحيث يصير مفلس الدنيا، بالنسبة إليه كالغنيّ، ونحو هذا قوله - ﷺ -: "ليس الشديد بالصُّرَعَة، ولكن الشديد الذي يغلب نفسه عند الغضب"، متّفق عليه، وقولُهُ: "ليس السابق من سبق بعيرُهُ، وإنما السابق من غُفر له" (^٢)، وقوله: "ليس الغِنَى عن كثرة الغرض، إنما الغني غنى النفس"، متفق عليه، ومنه قول الشاعر [من الخفيف]:
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ … إِنَّما الْمَيْتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ
وإنما سُمِّي هذا مُفلسًا؛ لأنه لا مال له إلا الفلوس، وهي أدنى أنواع المال، والمفلس في عُرف الفقهاء: من دينه أكثر من ماله، وخَرْجُهُ أكثر من دَخْلِه، وسَمَّوه مُفلسًا، وإن كان ذا مال؛ لأن ماله مُسْتَحَقُّ الصرف في جهة دَينه، فكأنه معدوم، وقد دل عليه تفسير النبي - ﷺ - مُفْلِسَ الآخرة، فإنه أخبر أن له حسناتٍ، أمثالَ الجبال، لكنها كانت دون ما عليه، فقُسمت بين الغرماء، وبقي لا شيء له، ويجوز أن يكون سُمِّي بذلك لِمَا يؤول إليه، من عدم ماله
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤٣٠ - ٤٣١.
(٢) هذا ليس حديثًا مرفوعًا، بل هو من كلام عمر بن عبد العزيز - ﵀ -، قال في خطبته يوم عرفة: "ليس السابق من سبق بعيره وفرسه، ولكن السابق من غفر له"، قال في "الفتح": أخذه من قوله - ﷺ - لما سمع وراءه زجرًا شديدًا، وضربًا، وصوتًا للإبل: "أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البرّ ليس بالإيضاع".
[ ٢٧ / ٣٧٠ ]
بعد وفاء دينه، ويجوز أن يكون سُمِّي بذلك؛ لأنه يُمْنَع من التصرف في ماله، إلا الشيء التافه، الذي لا يعيش إلا به، كالفلوس ونحوها. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - (^١)، وسيأتي بيان مذهب العلماء في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: ترجم الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه" بقوله: باب إذا وَجَد ماله عند مُفلس في البيع، والقرض، والوديعة، فهو أحقّ به، وقال الحسن: إذا أفلس، وتبيَّن، لم يَجُزْ عتقُهُ، ولا بيعُه، ولا شراؤه". انتهى.
قال في "الفتح": قوله: "في البيع": إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه نصًّا.
وقوله: "والقرض": هو بالقياس عليه، أو لدخوله في عموم الخبر، وهو قول الشافعيِّ في آخرين، والمشهور عن المالكية التفرقة بين القرض والبيع.
وقوله: "والوديعة": هو بالإجماع، وقال ابن الْمُنَيِّر: أَدْخَلَ هذه الثلاثةَ، إما لأن الحديث مطلق، وإما لأنه وارد في البيع، والآخران أولى؛ لأن ملك الوديعة لم ينتقل، والمحافظة على وفاء من اصطنع بالقرض معروفًا مطلوب.
وقوله: "وقال الحسن: إذا أفلس إلخ": أما قوله: "وتبيّن"، فإشارة إلى أنه لا يمنع التصرف قبل حكم الحاكم، وأما العتق فمحله ما إذا أحاط الدين بماله، فلا ينفذ عتقه، ولا هبته، ولا سائر تبرعاته، وأما البيع والشراء، فالصحيح من قولي العلماء أنَّهما لا ينفذان أيضًا، إلا إذا وقع منه البيع لوفاء دين، وقال بعضهم: يوقف، وهو قول الشافعيّ، واختُلِف في إقراره، فالجمهور على قبوله، وكأن البخاريّ أشار بأثر الحسن إلى معارضة قول إبراهيم النخعيّ: بيع المحجور وابتياعه جائز.
وقوله: "وقال سعيد بن المسيِّب: قضى عثمان إلخ" أي: ابن عفان إلخ، وصله أبو عبيد في "كتاب الأموال"، والبيهقيّ بإسناد صحيح إلى سعيد، ولفظه: "أفلس مولى لأم حبيبة، فاختصم فيه إلى عثمان، فقضى"، فذكره،
_________________
(١) "المغني" ٦/ ٥٣٦ - ٥٣٧.
[ ٢٧ / ٣٧١ ]
وقال فيه: "قبل أن يَبِين إفلاسُهُ" بدل قوله: "قبل أن يُفلس"، والباقي سواء. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٨٠] (١٥٥٩) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنِي أبو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ؛ أَن عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ؛ أَن أَبا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَوْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ -: "مَنْ أدرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفلَسَ - أوْ إِنْسَانٍ قَدْ أفلَسَ - فَهُوَ أَحَق بِهِ مِنْ غيْرِهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) التميمى اليربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقة حافظ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وله (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة ثبت [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
[تنبيه]: يوجد في معظم النسخ: "زُهير بن حرب"، وهو غلط فاحشٌ، والصَّواب ابن معاوية، فليُتنبّه.
٣ - (يَحْيىَ بنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ، تقدَّم في الباب الماضي.
٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ القاضي، اسمه كنيته، وقيل: يُكنى أبا محمد، ثقةٌ عابد [٥] (ت ١٢٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢٢.
٥ - (عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأمويّ الخليفة الراشد [٤] (ت ١٠١) (ع) تقدَّم في "المقدّمة" ٦/ ٤٦.
٦ - (أبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ) بن المغيرة المخزوميّ المدنيّ، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه،
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩.
[ ٢٧ / ٣٧٢ ]
وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٠.
٧ - (أَبُو هُرَيرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بثقات المدنيين، غير شيخه، وزهير، فكوفيّان.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن فيه أربعة من التابعين المدنيين الأثبات روى بعضهم عن بعض: يحيى، عن أبي بكر بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال في "الفتح": وكلهم قد وَليَ القضاءَ، وكلهم سوى أبي بكر بن عبد الرحمن من طبقة واحدة. انتهى (^١).
٦ - (ومنها): أن فيه راويين اشتهرا بالكنية، ويقال: ليس لهما اسم غير النية: أبو بكر بن حزم، وأبو بكر بن عبد الرحمن.
٧ - (ومنها): أن فيه أبا بكر بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة، على بعض الأقوال.
٨ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة - ﵁ - من المكثرين السبعة، وقد تقدَّم هذا كلّه غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا، وتنبيهًا؛ لطول العهد به، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن أبي بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ؛ أنه (أَخْبَرَهُ؛ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَوْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) وللبخاريّ: "أو قال: سمعت رسول الله - ﷺ -"، وهو شكّ من أحد رواته، قال الحافظ - ﵀ -: وأظنه من زهير، فإنِّي لم أر في رواية أحد ممن رواه عن يحيى
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٢٠٩.
[ ٢٧ / ٣٧٣ ]
مع كثرتهم فيه التصريح بالسماع، وهذا مشعر بأنه كان لا يرى الرواية بالمعنى أصلًا (^١).
(يَقُولُ: "مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ) استُدِلَّ به على أن شرط استحقاق صاحب المال دون غيره أن يجد ماله بعينه لم يتغير، ولم يتبدل، وإلا فإن تغيرت العين في ذاتها بالنقص مثلًا، أو في صفة من صفاتها فهي أسوة للغرماء، وأصرح منه رواية ابن أبي حسين، عن أبي بكر بن محمد بلفظ: "إذا وُجِدَ عنده المتاعُ، ولم يُفَرِّقه"، ووقع في رواية مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث مرسلًا: "أيما رجل باع متاعًا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض البائع من ثمنه شيئًا، فوجده بعينه، فهو أحق به"، فمفهومه أنه إذا قَبَضَ من ثمنه شيئًا كان أُسوة الغرماء، وبه صرح ابنُ شهاب فيما رواه عبد الرزاق، عن معمر، عنه، وهذا وإن كان مرسلًا، فقد وصله عبد الرزاق في "مصنفه" عن مالك، لكن المشهور عن مالك إرساله، وكذا عن الزهري، وقد وصله الزبيديّ، عن الزهري، أخرجه أبو داود، وابن خزيمة، وابن الجارود، ولابن أبي شيبة، عن عمر بن عبد العزيز أحدِ رواة هذا الحديث، قال: قَضَى رسول الله - ﷺ - أنه أحقّ به من الغرماء، إلا أن يكون اقتضى من ماله شيئًا، فهو أسوة الغرماء، وإليه يشير اختيار البخاري؛ لاستشهاده بأثر عثمان - ﵁ -، وهو ما علّقه البخاريّ عن ابن المسيِّب، قال: قضى عثمان من اقتضى من حقّه قبل أن يُفلس فهو له، ومن عَرَف متاعه بعينه فهو أحقّ به، (^٢) وكذلك رواه عبد الرزاق، عن طاوس، وعطاء، صحيحًا، وبذلك قال جمهور من أخذ بعموم حديث الباب، إلا أن للشافعيّ قولًا هو الراجح في مذهبه؛ أن لا فرق بين تَغَيُّر السلعة، أو بقائها، ولا بين قبض بعض ثمنها، أو عدم قبض شيء منه
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٢٠٩.
(٢) وصله أبو عبيد في "كتاب الأموال"، والبيهقي بإسناد صحيح إلى سعيد، ولفظه: "أَفْلَس مولى لأم حبيبة، فاختصم فيه إلى عثمان، فقضى … "، فذكره، وقال فيه: "قبل أن يبين إفلاسه" بدل قوله: "قبل أن يفلس"، والباقي سواء. انتهى. "الفتح" ٦/ ٢٠٩.
[ ٢٧ / ٣٧٤ ]
على التفاصيل المشروحة في كتب الفروع (^١).
(عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفلَسَ، أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أفلَسَ) شكّ من الراوي أيضًا، وقوله: "قد أفلس" أي: تبيّن إفلاسه، يقال: أفلس الرجل: إذا صار إلى حال لا فلوس له، أو صار ذا فلس، بعد أن كان ذا دنانير، ودراهم، وحقيقته: الانتقال من اليسر إلى العسر، وقيل: المفلس: من لا عين له، ولا عَرَضَ، وشرعًا: من قصر ما بيده عما عليه من الديون، وقد تقدَّم في شرح الترجمة بأتمّ من هذا، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(فَهُوَ أَحَقُّ به) أي: بذلك الموجود عند الْمُفْلِسِ (مِنْ غيْرِهِ") أي: من سائر الناس، كائنًا من كان، وارثًا، أو غريمًا، وبهذا قال جمهور العلماء، وخالف الحنفية، فتأولوه؛ لكونه خبر واحد خالف الأصول؛ لأن السلعة صارت بالبيع ملكًا للمشتري، ومن ضمانه، واستحقاقُ البائع أخذَها منه نَقْضٌ لملكه، وحملوا الحديث على صورة، وهي ما إذا كان المتاع وديعةً، أو عاريةً، أو لقطةً.
وتُعُقِّب بأنه لو كان كذلك لم يُقَيَّد بالفَلْس، ولا جُعِل أحقّ بها؛ لِمَا يقتضيه صيغة أفعل من الاشتراك، وأيضًا فما ذكروه ينتقض بالشفعة.
وأيضًا فقد ورد التنصيص في حديث الباب على أنه في صورة المبيع، وذلك فيما رواه سفيان الثوريّ في "جامعه"، وأخرجه من طريقه ابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهما، عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد، بلفظ: "إذا ابتاع الرجل سلعةً، ثم أَفْلَس، وهي عنده بعينها، فهو أحقّ بها من الغرماء"، ولابن حبان، من طريق هشام بن يحيى المخزوميّ، عن أبي هريرة، بلفظ: "إذا أفلَس الرجل، فوجد البائعُ سلعته"، والباقي مثله.
ولمسلم في رواية ابن أبي حسين الآتية: "إذا وجِد عنده المتاعُ أنه لصاحبه الذي باعه". وفي مرسل ابن أبي مليكة، عند عبد الرزاق: "من باع سلعةً من رجل، لم يَنْقُده، ثم أَفْلَس الرجل، فوجدها بعينها، فليأخذها من بين الغرماء".
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٢ - ٩.
[ ٢٧ / ٣٧٥ ]
وفي مرسل مالك المشار إليه: "أيما رجل باع متاعًا"، وكذا هو عند من قَدَّمنا أنه وصله.
فظهر أن الحديث وارد في صورة البيع، ويَلتحق به القرضُ، وسائرُ ما ذكر من بابِ أولى (^١).
وقال السنديّ - ﵀ -: قوله: "فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ" أي: يجوز له أن يأخذه بعينه، ولا يكون مشتركًا بينه وبين سائر الغرماء، وبهذا يقول الجمهور، خلافًا للحنفيّة، فقالوا: إنه كالغرماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠]. وَيحْمِلون الحديث على ما إذا أخذه على سوم الشراء مثلًا، أو على البيع بشرط الخيار للبائع؛ أي: إذا كان الخيار للبائع، والمشتري مُفلس، فالأنسب أن يختار الفسخ، وهو تأويل بعيد.
وقولهم: إن الله تعالى لم يَشْرَع للدائن عند الإفلاس إلا الانتظار.
فجوابه أن الانتظار فيما لا يوجد عند المفلس، ولا كلام فيه، وإنما الكلام فيما وُجد عند المفلس، ولا بُدّ أن الدائنين يأخذون ذلك الموجود عنده، والحديث يُبيّن أن الذي يأخذ هذا الموجود هو صاحب المتاع، ولا يُجعَل مقسومًا بين تمام الدائنين، وهذا لا يُخالف القرآن، ولا يقتضي القرآن خلافه، والله تعالى أعلم. انتهى كلام السنديّ - ﵀ - (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا من السنديّ - ﵀ - غاية الإنصاف، حيث لم يتكلّف في ترجيح مذهبه بما فيه تعسّف، كما فعله جُلّ الحنفيّة، ولا سيّما المتأخّرون، ويا ليت الحنفيّة كلهم كانوا مثله - ﵀ - في نصرة الأحاديث، وترك التعصّب لمذهبهم، فالله تعالى المستعان على من خالف منهج السلف في نصر السنّة، وترك الآراء، نسأل الله تعالى أن يسلك بنا مسلكهم، إنه قريبٌ مجيب.
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٢١٠.
(٢) "شرح السنديّ على النسائيُّ" ص ٣١١ - ٣١٢.
[ ٢٧ / ٣٧٦ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٣٩٨٠ و٣٩٨١ و٣٩٨٢ و٣٩٨٣ و٣٩٨٤ و٣٩٨٥] (١٥٥٩)، و(البخاريّ) في "الاستقراض" (٢٤٠٢)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٥١٩ و٣٥٢٢)، و(التِّرمذيّ) في "البيوع" (١٢٦٢)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٣١١) و"الكبرى" (٦٢٧٢ و٦٢٧٣)، و(ابن ماجه) في "الأحكام" (٢٣٥٨ و٢٣٥٩ و٢٣٦٠ و٢٣٦١)، و(مالك) في "الموطّإ" (٢/ ٦٧٨)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ١٦٢)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٥١٦٠)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٥٠٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٣٥ و٣٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٢٨ و٢٤٧ و٢٤٩ و٢٥٨)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ١٦٢ و١٦٣)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٦٢)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٦٣٠)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (٢/ ٣٣٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٠٣٦)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٣/ ٣٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٤٤ و٤٥) و"الصغرى" (٥/ ٢٨١ و٢٨٣) و"المعرفة" (٤/ ٤٤٧ و٤٤٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢١٣٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم الرجل الذي اشترى سلعة، ثم أفلس، فوجد البائع متاعه بعينه، لم يتغيّر، وهو أنه أولى به من الغرماء الآخرين، وهو مذهب الجمهور، وهو الحقّ، كما سنحقّقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على حلول الدَّين المؤجل بالفلس، من حيث إن صاحب الدَّين، أدرك متاعه بعينه، فيكون أحقّ به، ومن لوازم ذلك أن يجوز له المطالبة بالمؤجل، وهو قول الجمهور، لكن الراجح عند الشافعية؛ أن المؤجل لا يَحِلُّ بذلك؛ لأن الأجل حقّ مقصود له، فلا يفوت، ولا يخفى أن مذهب الجمهور هو الموافق لظاهر الحديث، فتبصّر.
[ ٢٧ / ٣٧٧ ]
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به أيضًا على أن لصاحب المتاع أن يأخذه، وهو الأصح من قولي العلماء، والقول الآخر يتوقف على حكم الحاكم، كما يتوقف ثبوت الفلس، والأول أرجح؛ لإطلاق النصّ.
٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به أيضًا على فسخ البيع إذا امتنع المشتري من أداء الثمن، مع قدرته بِمَطْل، أو هَرَب، قياسًا على الفلس، بجامع تعذر الوصول إليه حالًا، والأصح من قولي العلماء؛ أنه لا يُفسخ.
٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الرجوع، إنما يقع في عين المتاع، دون زوائده المنفصلة؛ لأنها حَدَثت على ملك المشتري، وليست بمتاع البائع.
٦ - (ومنها): ما قالوا: إن من فروع المسألة: ما إذا أراد الغرماء، أو الورثة إعطاء صاحب السلعة الثمن، فقال مالك: يلزمه القبول، وقال الشافعيّ، وأحمد: لا يلزمه ذلك؛ لما فيه من الْمِنّة، ولأنه ربما ظهر غريم آخر، فزاحمه فيما أخذ، وأغرب ابن التين، فحَكَى عن الشافعيّ أنه قال: لا يجوز له ذلك، وليس له إلا سلعته، وَيلتحِق بالمبيع المؤجر، فيرجع مكتري الدابة، أو الدار، إلى عين دابته وداره، ونحو ذلك، وهذا هو الصحيح عند الشافعية، والمالكية، وإدراج الإجارة في هذا الحكم، متوقف على أن المنافع يُطلق عليها اسم المتاع، أو المال، أو يقال: اقتضى الحديث أن يكون أحقّ بالعين، ومن لوازم ذلك الرجوع في المنافع، فثبت بطريق اللزوم، قاله في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيمن وجد متاعه بعينه عند رجل أفلس:
قال النوويّ - ﵀ -: اختَلَف العلماء فيمن اشترى سلعةً، فأفلس، أو مات قبل أن يؤدّي ثمنها، ولا وفاء عنده، وكانت السلعة باقيةً بحالها، فقال الشافعيّ، وطائفة: بائعها بالخيار، إن شاء تركها، وضارب مع الغرماء بثمنها، وإن شاء رجع فيها بعينها في صورة الإفلاس، والموت.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٦/ ٢١١ - ٢١٢.
[ ٢٧ / ٣٧٨ ]
وقال أبو حنيفة: لا يجوز له الرجوع فيها، بل تتعيّن المضاربة، وقال مالك: يرجع في صورة الإفلاس، ويُضارب في الموت.
واحتجّ الشافعيّ بهذه الأحاديث مع حديثه في الموت في "سنن أبي داود"، وغيره، وتأوّلها أبو حنيفة تأويلات مردودة، وتعلّق بشيء يُروَى عن عليّ، وابن مسعود - ﵄ -، وليس بثابت عنهما. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقد اختَلَف العلماء في مُشتري السلعة إذا أفلس، أو مات، ولا وفاء عنده بثمنها، ووُجِدت، فقال الشافعيّ: صاحبها أحقّ بها في الفَلَس، والموت، وقال أبو حنيفة: صاحبها أسوة الغرماء فيها، وقال مالك: هو أحقّ بها في الْفَلَس، دون الموت. وسبب الخلاف معارضة الأصل الكلّيّ للأحاديث، وذلك أن الأصل أن الدين في ذمّة المفلس، والميت، وما بأيديهما محلٌّ للوفاء، فيشترك جميع الغرماء فيه بقدر رؤوس أموالهم، ولا فرق في هذا من أن تكون أعيان السِّلَع موجودةً، أو لا، إذ قد خرجت عن ملك بائعها، ووجبت أثمانها لهم في الذمّة بالإجماع، فلا يكون لهم إلا أثمانها، إن وُجدت، أو ما وُجد منها، فتمسّك أبو حنيفة بهذا، وردّ الأخبار بناءً على أصله في ردّ أخبار الآحاد عند معارضة القياس.
وأما الشافعيّ، ومالكٌ، فتمسّكا بالأخبار الواردة في الباب، وخصّصا بها تلك القاعدة، غير أن الشافعيّ تمسّك في التسوية بين الموت، والْفَلَس، بما رواه أبو داود من حديث أبي المعتمر، عن عمر بن خَلْد، قال: أتينا أبا هريرة - ﵁ - في صاحب لنا، قد أفلس، فقال: لأقضينّ فيكم بقضاء رسول الله - ﷺ -: "من أفلس، أو مات، فوَجَد رجلٌ متاعه بعينه، فهو أحقّ به"، وبإلحاق الموت بالفلس؛ لأنه في معناه، ولم ينقدح بينهما فرقٌ مؤثّرٌ عنده.
وأما مالكٌ، فإنه فرّق بينهما، لما رواه عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن: أن رسول الله - ﷺ - قال: "أيّما رجل باع متاعًا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يَقبِض من ثمنه شيئًا، فوجده بعينه، فهو أحقّ به، فإن مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع أسوة الغرماء"، وهذا مرسلٌ صحيحٌ، وقد أسنده أبو
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٢٢٢.
[ ٢٧ / ٣٧٩ ]
داود من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ -، وهو طريقٌ صحيح، وفيه زيادة ألفاظ، نذكرها بعدُ - إن شاء الله تعالى - ومذهب مالك أولى؛ لأن حديثه أصحُّ من حديث الشافعيِّ؛ لأن أبا المعتمر مجهولٌ على ما ذكره أبو داود، وللفرق بين الْفَلَس والموت، وذلك أن ذمّة المفلس باقيةٌ، غير أنها انعابت، ويُمكن أن يزول ذلك العيب بالإيسار، فيجد الغرماء الذين لم يأخذوا من السلعة شيئًا ما يرجعون عليه، وليس كذلك في الموت، فإن ذمّة الميت قد انعدمت، فلا يرتجعون شيئًا، فافترقا، والله تعالى أعلم.
وقد تعسّف بعض الحنفيّة في تأويل أحاديث الإفلاس تأويلات، لا تقوم على أساس، ولا تتمشّى على لغة، ولا قياس، فلنُضرِبْ عن ذكرها؛ لوضوح فسادها. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه القرطبيّ - ﵀ - حسن جدًّا، وحاصله أن الحق هو ما ذهب إليه مالك، والشافعيّ - رحمهما الله تعالى - من أن مشتري السلعة إذا أفلس، ووُجدت السلعة بعينها، فالبائع أحقّ بها من سائر الغرماء؛ لصحّة حديث الباب، وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة - ﵀ - من كونه أسوة للغرماء، فمجرّد قياس، في مقابلة النصّ، فيكون باطلًا، ثم إن ما ذهب إليه مالك من الفرق بين الإفلاس، والموت، فيكون في الإفلاس أحقّ من سائر الغرماء، وفي الموت أسوة لهم هو الأرجح؛ وذلك للفرق الذي ذُكر في الحديث الذي احتجّ به مالك، وهو حديث متّصلٌ صحيح، وأما الحديث الذي تمسّك به الشافعيّ في التسوية بين الإفلاس والموت، فلم يصحّ، كما تقدَّم، والله تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": وحمله بعض الحنفية، على ما إذا أفلس المشتري، قبل أن يقبض السلعة. وتُعُقّب بقوله في حديث الباب: "عند رجل"، ولابن جان من طريق سفيان الثوريّ، عن يحيى بن سعيد: "ثم أفلس، وهي عنده"، وللبيهقي من طريق ابن شهاب، عن يحيى: "إذا أفلس الرجل، وعنده متاع"، فلو كان لم يقبضه ما نَصَّ في الخبر على أنه عنده، واعتذارهم بكونه خبرَ واحد
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤٣٢ - ٤٣٣.
[ ٢٧ / ٣٨٠ ]
فيه نظر، فإنه مشهور من غير هذا الوجه، أخرجه ابن حبان من حديث ابن عمر، وإسناده صحيح، وأخرجه أحمد، وأبو داود من حديث سمرة، وإسناده حسن، وقضى به عثمان، وعمر بن عبد العزيز، كما مَضَى، وبدون هذا يخرج الخبر عن كونه فردًا غريبًا.
قال ابن المنذر - ﵀ -: لا نعرف لعثمان - ﵁ - في هذا مخالفًا من الصحابة.
وتُعُقّب بما رَوَى ابن أبي شيبة، عن عليّ - ﵁ - أنه أسوة الغرماء.
وأجيب بأنه اختُلِف على عليّ - ﵁ - في ذلك، بخلاف عثمان - ﵁ -.
وقال القرطبيّ في "المفهم": تعسّف بعض الحنفية في تأويل هذا الحديث بتأويلات لا تقوم على أساس، وقال النووي: تأولوه بتأويلات ضعيفة مردودة. انتهى.
واختلف القائلون في صورةٍ، وهي: ما إذا مات، ووُجدت السلعة، فقال الشافعيّ: الحكم كذلك، وصاحب السلعة أحقّ بها من غيره، وقال مالك، وأحمد: هو أسوة الغرماء، واحتجّا بما في مرسل مالك: "وإن مات الذي ابتاعه، فصاحب المتاع فيه أسوة الغرماء"، وفرقوا بين الفلس والموت، بأن الميت خربت ذمته، فليس للغرماء محل يرجعون إليه، فاستووا في ذلك، بخلاف المفلس.
واحتَجَّ الشافعيّ بما رواه من طريق عُمَر بن خَلْدَة، قاضي المدينة، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: "قضى رسول الله - ﷺ -، أَيُّما رجل مات، أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه، إذا وجده بعينه"، وهو حديث حسن، يُحْتَجّ بمثله، أخرجه أيضًا أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم، وزاد بعضهم في آخره: "إلا أن يترك صاحبه وفاء"، ورجحه الشافعيّ على المرسل، وقال: يَحْتَمِل أن يكون آخره من رأي أبي بكر بن عبد الرحمن؛ لأن الذين وصلوه عنه، لم يذكروا قضية الموت، وكذلك الذين رووا عن أبي هريرة وغيره، لم يذكروا ذلك، بل صرح ابن خَلْدة، عن أبي هريرة بالتسوية بين الإفلاس والموت، فتعيّن المصير إليه؛ لأنها زيادة من ثقة.
وجزم ابن العربي المالكي بأن الزيادة التي في مرسل مالك، من قول
[ ٢٧ / ٣٨١ ]
الراوي، وجمع الشافعيّ أيضًا بين الحديثين، بحمل حديث ابن خَلْدة على ما إذا مات مفلسًا، وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن، على ما إذا مات مليئًا، والله أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في كلام الحافظ هذا نظر لا يخفى، فإن تحسينه حديث الشافعيّ، وترجيحه على حديث مالك ليس كما ينبغي؛ فإنَّه ضعيف، لأن في إسناده أبا المعتمر، وهو مجهول الحال، كما نصّ هو عليه في "التقريب"، وأما حديث مالك، وإن رواه هو في "الموطإ" مرسلًا، لكنَّه روي متّصلا في غيره، ولقد أجاد ابن القيِّم - ﵀ - في "تهذيب السنن" في هذا البحث، ودونك نصّه:
وقد أعلّه الشافعيّ بأنه كالمدرج في حديث أبي هريرة - ﵁ - يعني قوله: "فإن كان قضى من ثمنها شيئًا … إلى آخره - قال الشافعيّ في جواب من سأله: لِمَ لَمْ تأخذ بحديث أبي بكر بن عبد الرحمن هذا - يعني المرسل - فقال: الذي أخذتُ به أولى مِنْ قِبَل أن ما أخذتُ به موصولٌ يَجمع فيه النَّبيّ - ﷺ - بين الموت والإفلاس، وحديث ابن شهاب منقطع؛ ولو لم يخالفه غيره لم يكن مما يُثبته أهل الحديث، ولو لم يكن في تركه حجة إلا هذا انتفى لمن عرف الحديث تَرْكه من الوجهين، مع أن أبا بكر بن عبد الرحمن يروي عن أبي هريرة حديثه، ليس فيما روى ابن شهاب عنه مرسلًا، إن كان رواه كله، ولا أدري عمن رواه، ولعلّه روى أول الحديث، وقال برأيه آخره، وموجود في حديث أبي بكر، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ -: أنه انتهى فيه إلى قوله: فهو أحقّ به، وأشبه أن يكون ما زاد على هذا قولًا من أبي بكر، لا رواية. تمّ كلامه.
وقد روى الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ -، يرفعه: "أيّما رجل أفلس، ثم وجد رجلٌ سلعته عنده بعينها، فهو أولى بها من غيره"، قال الليث: بلغنا أن ابن شهاب قال: "أما من مات ممن أفلس، ثم وجد رجلٌ سلعته بعينها، فإنه أُسوةُ الغرماء"، يحدّث بذلك عن أبي
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٢١٠ - ٢١١.
[ ٢٧ / ٣٨٢ ]
بكر بن عبد الرحمن، قال البيهقيّ: هكذا وجدته غير مرفوع إلى النَّبيّ - ﷺ - في آخره، وفي ذلك كالدلالة على صحّة ما قال الشافعيّ، وقال غيره: هذا الحديث قد رواه عبد الرزاق، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ - عن النَّبيّ - ﷺ -، قاله ابن عبد البرّ.
وقد رواه إسماعيل بن عيّاش، عن الزبيديّ، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ -، ومن هذه الطريق أخرجه أبو داود، والزبيديّ: هو محمد بن الوليد، شاميّ حمصيّ، وقد قال الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وغيرهما: حديث إسماعيل بن عيّاش، عن الشاميين صحيح، فهذا الحديث على هذا صحيح، وقد رواه موسى بن عُقبة، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النَّبيّ - ﷺ -، ذكره ابن عبد البرّ.
فهؤلاء ثلاثةٌ وصلوه عن الزهري: مالك، في رواية عبد الرزّاق، وموسى بن عقبة، ومحمد بن الوليد، وكونه مدرجًا لا يثبت إلا بحجة، فإن الراوي لم يقل: قال فلان بعد ذكره المرفوع، وإنما هو ظنّ. وأما قول الليث: بلغنا أن ابن شهاب قال: "أما من مات" إلى آخره، فهو مع انقطاعه ليس بصريح في الإدراج، فإنه فسّر قوله بأنه رواية عن أبي بكر، لا رأي منه، ولم يقل: إن أبا بكر قاله من عنده، وإنما قال: يحدّث بذلك عن أبي بكر، والحديث صالح للرأي، والرواية، ولعلّه في الرواية أظهر.
وبالجملة فالإدراج بمثل هذا لا يثبُت، ولا يُعلّل به الحديث، والله أعلم. انتهى كلام ابن القيّم - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن القيّم من تصحيح الحديث الذي فيه الفرق بين الإفلاس والموت، وهو قوله - ﷺ -: "أيما رجل باع متاعًا، فأفلس الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئًا، فوجد متاعه بعينه، فهو أحقّ به، وإن مات المشتري، فصاحب المتاع أسوة الغرماء"، هو الحقّ، فيُستفاد منه أن ما ذهب إليه مالك - ﵀ - من التفرقة بين الإفلاس والموت
_________________
(١) "تهذيب السنن" من هامش "عون المعبود" ٩/ ٤٣٤ - ٤٣٦.
[ ٢٧ / ٣٨٣ ]
هو الصواب، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: ذكر ابن قُدامة - ﵀ - أن استحقاق الرجوع في السلعة بخمس شرائط:
[أحدها]: أن تكون السلعة باقية بعينها، فلو تغيرت بأن تلف بعضها، لم يكن له الرجوع.
[الثاني]: أن لا يكون المبيع زاد زيادة متّصلةً؛ كالسِّمَن، والكِبَر، وتعلّم الصناعة، وإلا ففي الرجوع خلافٌ.
[الثالث]: أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئًا، وإلا فلا رجوع؛ لقوله في الحديث: "ولم يكن قبض من ثمنها شيئًا".
[الرابع]: أن لا يتعلّق بها حقّ الغير، فإن رهنها المشتري، ثم أفلس، أو وهذا، لم يكن له الرجوع.
[الخامس]: أن يكون المفلس حيًّا، فإن مات فالبائع أسوة الغرماء.
وقد ذكر ابن قُدامة - ﵀ - تفاصيل هذه الشروط، فمن أراد الاطلاع عليها، فليرجع إلى كتاب "المغني" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيما إذا تغيّرت السلعة:
قال ابن قُدامة - ﵀ -، ما حاصله: إنما يستحقّ الرجوع في السلعة إذا كانت باقية بعينها، لم يَتلَف بعضها، فإن تلف جزء منها، كبعض أطراف العبد، أو ذهبت عينه، أو تلف بعض الثوب، أو انهدم بعض الدار، أو اشترى شجرًا مثمرًا، لم تظهر ثمرته، فتلفت الثمرة، أو نحو هذا لم يكن للبائع الرجوع، وكان أسوة الغرماء، وبهذا قال إسحاق، وقال مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، والعنبريّ: له الرجوع في الباقي، ويضرب مع الغرماء بحصة التالف؛ لأنها عين يملك الرجوع في جميعها، فملك الرجوع في بعضها، كالذي له الخيار، وكالأب فيما وهب لولده.
_________________
(١) راجع: "المغني" لابن قُدامة ٦/ ٥٤٣ - ٥٩١.
[ ٢٧ / ٣٨٤ ]
قال: ولنا قول النبيّ - ﷺ -: "من أدرك متاعه بعينه عند إنسان، قد أفلس، فهو أحق به"، فشرط أن يجده بعينه، ولم يجده بعينه، ولأنَّه إذا أدركه بعينه، حصل له بالرجوع فصل الخصومة، وانقطاع ما بينهما من المعاملة، بخلاف ما إذا وجد بعضه، ولا فرق بين أن يرضى بالموجود بجميع الثمن، أو يأخذه بقسطه من الثمن؛ لأنه فات شرط الرجوع. انتهى. من "المغني" باختصار (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الحنبليّة، من عدم استحقاق الرجوع في حالة تغيّر شيء من السلعة هو الأرجح؛ عملًا بظاهر قوله: "بعينه"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في حكم الحجر على المفلس:
قال في "الفتح"، ما حاصله: ذهب الجمهور إلى أن من ظهر إفلاسه، فعلى الحاكم الحجر عليه في ماله، حتّى يبيعه عليه، ويَقسمه بين غرمائه على نسبة ديونهم، وخالف الحنفية، واحتجّوا بقصّة جابر - ﵁ -، حيث قال في دين أبيه: "فلم يُعطهم الحائط، ولم يكسره لهم"، ولا حجة فيه؛ لأنه أخّر القسمة ليحضر، فتحصل البركة في الثمر بحضوره، فيحصل الخير للفريقين، وكذلك كان. انتهى (^٢).
وقال في "المفهم"، ما حاصله: إذا قصر ما بيده عن وفاء ما عليه من الديون، فللحاكم أن يحجر عليه، ويمنعه من التصرّف فيما بيده، ويحصّله، ويجمع الغرماء، فيقسّمه عليهم، وهذا مذهب الجمهور، من الصحابة، وغيرهم؛ كعمر، وعثمان، وعليّ، وابن مسعود، وعروة بن الزبير، والأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد.
وقال النخعيّ، والحسن البصريّ، وأبو حنيفة: للحاكم أن يحجر عليه، ولا يمنعه من التصرّف في ماله، لكن يحبسه ليوفي ما عليه، وهو يبيع ما عنده، والحجة للجمهور على هؤلاء حديث تفليس معاذ - ﵁ - الآتي، وقد قال الزهري: ادّان معاذ، فباع رسول الله - ﷺ - ماله حتى قضى دينه، وكذلك فعل
_________________
(١) راجع: "المغني" ٦/ ٥٤٣.
(٢) "الفتح" ٥/ ٣٤٧.
[ ٢٧ / ٣٨٥ ]
عمر بن الخطّاب - ﵁ - بالجهنيّ الذي قال فيه: "ألا إن أُسيفع جهينة رضي لِدِينه وأمانته أن يقال: سبق الحاجّ، ثم ادّان معرضًا، فمن كان له عليه دينٌ فليحضر، فإنا نبيع ماله"، ولم يخالفه أحدٌ، ثم يباع عليه كل ماله، وعقاره. وقال أبو حنيفة: لا يباع عليه عقاره، وقوله مخالفٌ للأدلّة التي ذكرناها، فإنها عامة لجميع الأموال، ولأن الدين حقّ ماليّ في ذمّته، فيباع عليه فيه عقاره، كما يباع في نفقة الزوجات، ولأن الْفَلَسَ معنى طارئ يوجب قسمة المال، فيباع فيه العقار كالموت. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
وقال ابن قُدامة - ﵀ -: ومتى لزم الإنسانَ ديون حالّة، لا يفي ماله بها، فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه، لزمته إجابتهم، ويستحب أن يظهر الحجر عليه؛ لتُجتنب معاملته، فإذا حُجر عليه ثبت بذلك أربعة أحكام:
[أحدها]: تعلق حقوق الغرماء بعين ماله.
[والثاني]: منع تصرفه في عين ماله.
[والثالث]: أن من وَجَد عين ماله عنده، فهو أحق بها من سائر الغرماء، إذا وجدت الشروط.
[الرابع]: أن للحاكم بيع ماله وإيفاء الغرماء، والأصل في هذا ما رَوَى كعب بن مالك: "أن رسول الله - ﷺ -، حجر على معاذ بن جبل، وباع ماله".
رواه الخلال بإسناده.
وعن عبد الرحمن بن كعب، قال: كان معاذ بن جبل - ﵁ - من أفضل شباب قومه، ولم يكن يُمسك شيئًا، فلم يزل يَدّانُ حتى أَغرَق ماله في الدين، فكلم النَّبيّ - ﷺ - غرماؤه، فلو تُرك أحد من أجل أحد، لتركوا معاذًا من أجل رسول الله - ﷺ -، فباع لهم رسول الله - ﷺ - ماله، حتى قام معاذ بغير شيء.
قال بعض أهل العلم: إنما لم يترك الغرماء لمعاذ حين كلمهم رسول الله - ﷺ -؛ لأنهم كانوا يهودًا. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الجمهور من جواز
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤٣١ - ٤٣٢.
(٢) "المغني" ٦/ ٥٣٧ - ٥٣٨.
[ ٢٧ / ٣٨٦ ]
حجر الحاكم على المفلس، إن طلب ذلك غرماؤه هو الأرجح؛ لظهور أدلّته، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف: - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٨١] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، جَمِيعًا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أبُو الرَّبِيع، وَبَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، قَالَا: حَدثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا عَبْدُ الْوَهَّاب، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فِي هَذَا الإسْنَاد، بِمَعْنَى حَدِيثِ زُهَيْرٍ، وَقَالَ ابْنُ رُمْحٍ مِنْ بَيْنِهِمْ في رِوَايَتِهِ: "أَيُّمَا امْرِئٍ فُلِّسَ") (^١).
رجال هذا الإسناد: خمسة عشر:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدَّم قبل بابين.
٢ - (هُشَيْمُ) بن بشير الواسطي، تقدم قريبًا.
٣ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدَّم في الباب الماضي.
٤ - (مُحَمَدُ بْنُ رُمْحٍ) تقدَّم قبل بابين.
٥ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) تقدَّم أيضًا قبل بابين.
٦ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ الزهرانيّ، تقدَّم قريبًا.
٧ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارثِيُّ) ابن عربيّ البصريّ، تقدَّم أيضًا قريبًا.
٨ - (حَمَادُ بْنُ زيد) تقدَّم أيضًا قريبًا.
٩ - (أبو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدَّم قبل بابين.
١٠ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدَّم قبل باب.
١١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَّى) تقدَّم قريبًا.
١٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ، تقدَّم أيضًا قريبًا.
١٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، تقدَّم قبل ثلاثة أبواب.
_________________
(١) وفي نسخة: "أيما امرئ أفلس".
[ ٢٧ / ٣٨٧ ]
١٤ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ) تقدَّم قبل بابين.
و"يحيى بن سعيد" الأنصاريّ ذُكر قبله.
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) أي: كلّ هؤلاء السبعة، وهم: هُشيم بن بشير، والليث بن سعد، وحمّاد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وعبد الوهّاب الثقفي، ويحيى بن سعيد القطّان، وحفص بن غياث رووا هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ بمعنى حديث زُهير بن معاوية المذكور قبله عنه.
وقوله: ("أَيُّمَا امْرِئٍ فُلِّسَ") بضم الفاء، وتشديد اللام المكسورة، مبنيًّا للمفعول، يقال: فَلَّسه القاضي تفليسًا: حكم عليه بالإفلاس، قاله المجد - ﵀ - (^١).
وفي بعض النسخ: "أيما امرئ أفلس" بالهمزة رباعيًّا، وهو مبنيٌّ للفاعل، يقال: أفلس الرجل: إذا لم يبق له ما لم، كأنَّما صارت دراهمه فُلُوسًا، أو صار بحيث يقال: ليس معه فَلْسٌ، قاله المجد - ﵀ - (^٢).
وكلمة "ما" في "أيّما" زائدة؛ لزيادة الإبهام، و"امرئ" مجرور بالإضافة.
[تنبيه]: رواية هُشيم، عن يحيى الأنصاريّ، ساقها الإمام أحمد في "مسنده" ٢/ ٢٢٨ فقال:
(٧١٢٤) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا هشيم، ثنا يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد، يعني ابن عمرو بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من وجد عين ماله عند رجل، قد أَفْلَس، فهو أحقّ ممن سواه". انتهى.
ورواية الليث بن سعد، عن يحيى الأنصاريّ، ساقها ابن ماجه في "سننه" ٢/ ٧٩٠ فقال:
(٢٣٥٨) - وحدّثنا محمد بن رُمْح، أنبأنا الليث بن سعد، عن يحيى بن
_________________
(١) راجع: "القاموس المحيط" ٢/ ٢٣٨.
(٢) راجع: "القاموس المحيط" ٢/ ٢٣٨.
[ ٢٧ / ٣٨٨ ]
سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من وَجَد متاعه بعينه عند رجل قد أَفْلَس، فهو أحقّ به من غيره". انتهى.
ورواية سفيان بن عيينة، عن يحيى الأنصاريّ، ساقها للإمام أحمد في "مسنده" ٢/ ٢٤٧ فقال:
(٧٣٦٦) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا سفيان، عن يحيى، عن أبي بكر، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النَّبيّ - ﷺ -: "من وجد ماله عند رجل مُفْلِس، فهو أحقّ به". انتهى.
ورواية عبد الوهاب الثقفيّ، عن يحيى الأنصاريّ، ساقها الشافعيّ في "مسنده" ١/ ٣٢٩ فقال:
أخبرنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفيّ؛ أنه سمع يحيى بن سعيد، يقول: أخبرني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم؛ أن عمر بن عبد العزيز حدّثه؛ أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام حدّثه؛ أنه سمع أبا هريرة - ﵁ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد أَفْلَسَ، فهو أحقّ به من غيره".
ورواية يحيى القطّان، عن يحيى الأنصاري ساقها الإمام أحمد أيضًا في "مسنده" ٢/ ٤٧٤ فقال:
(١٠١٣٥) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا يحيى، عن يحيى (^١)، قال: حدّثني أبو بكر بن محمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النَّبيّ - ﷺ - قال: "من وجد ماله بعينه عند رجل قد أَفْلَس، فهو أحقّ به". انتهى.
وأما رواية حماد بن زيد، وحفص بن غياث كلاهما عن يحيى الأنصاريّ، فلم أجد من ساقهما بتمامهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) يحيى الأول هو القطّان، والثاني هو الأنصاريّ.
[ ٢٧ / ٣٨٩ ]
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٨٢] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَثنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ - وَهُوَ ابْنُ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيُّ - عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَني ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ؛ أَنَّ أبا بَكْرِ بْنَ مُحَمَدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أخْبَرَهُ؛ أن عمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَهُ، عَنْ حَدِيثِ أبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيّ - ﷺ - في الرَّجُلِ الَّذي يُعْدِمُ إِذَا وُجِدَ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ، وَلَمْ يُفَرِّقْهُ "أَنَّهُ لِصَاحِبِهِ الَّذي بَاعَهُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، تقدَّم قريبًا.
[تنبيه]: كون شيخ المصنف هنا هو ابن أبي عمر هو الصواب، ووقع عند بعضهم: "ابن نُمَير"، وهو غلط، قال القاضي عياض - ﵀ -: "خرّج مسلم في هذا الباب: حدّثنا ابن أبي عمر، حدّثنا هشام بن سليمان، عن ابن جُريج … الحديث، هكذا في رواية أبي العلاء بن ماهان، والكسائيّ، وأما في رواية الْجُلُوديّ، فجعل "ابن نُمير" بدل "ابن أبي عمر، والصَّواب "ابن أبي عمر"، وقد تقدَّم في "كتاب الحجِّ" حديثان: أولهما: حدّثنا ابن أبي عمر، حدّثني هشام بن سليمان، أحدهما في حديث حفصة: "ما شأن الناس حلّوا … "، والثاني: حديث: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم"، وفي "كتاب الأشربة" حديث آخر، رواه ابن أبي عمر، عن هشام بن سليمان، وابنُ أبي عمر هذا هو محمد بن يحيى الْعَدَنيّ، يُعَدّ في أهل مكة، وهشام بن سليمان مكيّ أيضًا. انتهى كلام عياض - ﵀ - (^١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
٢ - (هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيُّ) صدوقٌ [٨] (خت م ٤) تقدم في "الحج" ٢٣/ ٢٩٨٩.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج المكيّ، تقدَّم قبل باب.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٥/ ٢٢٧، بزيادة شيء من "تقييد المهمل" للجيّانيّ ٣/ ٨٦٤.
[ ٢٧ / ٣٩٠ ]
٤ - (ابْنُ أَبِي حُسَيْنٍ) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسين بن الحارث بن عامر بن نوف النوفليّ المكيّ، ثقة عالم بالمناسك [٥] (ع) تقدم في "الحج" ٣٦/ ٣٠٥٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فِي الرَّجُلِ الَّذِي يُعْدِمُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من أعدم الرباعيّ، يقال: أعلم الرجل يُعدِم إعدامًا: إذا افتقر، فهو مُعدِم، وعَدِيم (^١).
وقوله: (إذَا وُجِدَ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ) ببناء الفعل للمفعول.
وقوله: (وَلَمْ يُفَرِّقْهُ) أي: لم يتصرّف فيه بما يغيّره، أو لم يستهلكه ببيع، أو هبة، أو عتق، أو نحو ذلك.
والحديث بهذا اللفظ من أفراد المصنّف - ﵀ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٨٣] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَا: حَدثنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أنسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النبي - ﷺ - قَالَ: "إذَا أفلَسَ الرَّجُلُ، فَوَجَدَ الرَّجُلُ مَتَاعَهُ بِعَيْنِه، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدَّم قريبًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدَّم قريبًا.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الشهير، تقدَّم أيضًا قريبًا.
٥ - (قتَادَةُ) بن دِعامة السدُوسيّ البصريّ، تقدَّم قبل بابين.
٦ - (النَّضْرُ بْنُ أنسِ) بن مالك الأنصاريّ، أبو مالك البصريّ، ولد
_________________
(١) راجع: "المصباح" ٢/ ٣٩٧.
[ ٢٧ / ٣٩١ ]
الصحابيّ الجليل، ثقةٌ [٣] مات سنة بضع و(١٠٠) (ع) تقدم في "العتق" ٢/ ٣٧٦٧.
٧ - (بَشِيرُ بْنُ نَهِيكٍ) (^١) السدُوسيّ، ويقال: السلوليّ، أبو الثعثاء البصريّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "العتق" ٢/ ٣٧٦٧.
و"أبو هريرة - ﵁ -" ذُكر قبله.
وقوله: (فَوَجَدَ الرَّجُلُ) بالتعريف، وليس هو الأول، على خلاف القاعدة أنه إذا أعيد المعرفة معرفة كان عين الأول، لكن القاعدة أغلبيّة، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية [المائدة: ٤٨]، فإن ﴿الْكِتَابَ﴾ الثاني ليس هو الأول، وإلى القاعدة المذكورة أشار السيوطيّ - ﵀ - في "عقود الْجُمان" حيث قال:
ثُمَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُشْتَهِرَهْ … إِذَا أَتَتْ نَكِرَةٌ مُكَرَّرَهْ
تَغَايَرَا وَإِنْ يُعَرَّفْ ثَانِ … تَوَافَقَا كَذَا الْمُعَرَّفَانِ
شَاهِدُهَا الَّذِي رَوَيْنَا مُسْنَدَا … "لَنْ يَغْلِبَ الْيُسْرَيْنِ عُسْرٌ" أَبَدًا
وَأَبْطَلَ السُّبْكِي ذِي بِأمْثِلَهْ … وَقَالَ ذِي قَاعِدَةٌ مُسْتَشْكَلَهْ
قال الجامع عفا الله عنه: قلت معقّبًا على الاستشكال المذكور:
قُلْتُ وَلَا اسْتِشْكَالَ إِذِ ذِي تُحْمَلُ … عَلَى الَّذِي يَغْلِبُ إِذْ تُسْتَعْمَلُ
أَوْ قُلْ إِذَا قَرِينَةٌ لَمْ تَقْتَرِنْ … فَإنْ بَدَتْ تَصْرِفُهَا فَلْتَسْتَبِنْ
والحديث من هذا الوجه من أفراد المصنّف - ﵀ -، وتقدّم شرحه، وبيان مسائله في حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[٣٩٨٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْب أَيْضًا، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أبي، كِلَاهُمَا عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَا: "فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدَّم قبل ثلاثة أبواب.
_________________
(١) بفتح النون، وكسر الهاء.
[ ٢٧ / ٣٩٢ ]
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة، تقدَّم قريبًا.
٣ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة، تقدَّم أيضًا قريبًا.
٤ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، سكن اليمن، صدوقٌ ربَّما وَهِم [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٥ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقة ثبت، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
و"قتادة" ذُكر قبله.
وقوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا في الإسناد الأول: "شعبة" - بضم الشين المعجمة - وهو شعبة بن الحجاج، وفي الثاني: "سعيد" - بفتح السين المهملة - وهو سعيد بن أبي عروبة، وكذا نقله القاضي عن رواية الْجُلُودي، قال: ووقع في رواية ابن ماهان في الثاني: "شعبة" أيضًا بضم الشين المعجمة، قال: والصَّواب الأول. انتهى (^١).
[تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، ساقها أبو عوانة في "مسنده" ٣/ ٣٤٠ فقال:
(٥٢٢٣) - حدّثنا سعدان بن يزيد البزار، قثنا إسماعيل ابن علية، ويزيد بن هارون، قالا: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بَشِير بن نَهِيك، عن أبي هريرة، عن النَّبيّ - ﷺ - قال: "من أَفْلَس، فأدْرَك رجل متاعه عنده بعينه، فهو أحقّ به من الغرماء". انتهى.
ورواية هشام الدّستوائيّ، عن قتادة، ساقها ابن أبي شيبة في "مصنّفه" ٤/ ٢٧٨ فقال:
(٢٠١٠٠) - حدّثنا وكيع، عن هشام الدستوائيّ، عن قتادة، عن بَشِير بن نَهِيك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أفْلَس الرجلُ، فوجد الرجلُ سلعته قائمة بعينها، فهو أحقّ بها من الغرماء". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٥/ ٢٢٧، و"شرح النووي" ١٠/ ٢٢٣.
[ ٢٧ / ٣٩٣ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٨٥] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، وَحَجاجُ بْنُ الشَّاعِر، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِي - قَالَ حجَّاج: مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ (^١) - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ خُثَيْم بْنِ عِرَاكٍ، عنْ أبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "إِذَا أفلَسَ الرجُل، فَوَجَدَ الرَّجُلُ عِنْدَهُ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا، فَهُوَ أَحَقُّ بِها").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أبي خَلَفٍ) تقدَّم قبل بابين.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) تقدَّم قريبًا.
٣ - (أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِي مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ) بن عبد العزيز بن صالح البغداديّ، ثقة ثبت حافظ، من كبار [١٠].
رَوَى عن عبد الله بن عمر العُمَريّ، ويعقوب بن عبد الله الْعَميّ، وعبد الرحمن بن أبي الموال، ومالك، وسليمان بن بلال، وحماد بن سلمة، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد بن حنبل، ومحمد بن أحمد بن أبي خلف، وحجاج بن الشاعر، ومحمد بن إسحاق الصغانيّ، ومحمد بن عبد الرحيم البزاز، وغيرهم.
قال أبو بكر الأعين، عن أحمد: أبو سلمة الخزاعي من متثبتي أهل بغداد، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة، قال: ولما رجعنا من عنده قال لي: إني كتبت اليوم عن كبش نَطّاح، وقال الدارقطنيّ: أحد الثقات الحفاظ الرفعاء الذين كانوا يُسألون عن الرجال، ويؤخذ بقوله فيهم، أَخَذ عنه أحمد، وابن معين، وغيرهما عِلْمَ ذلك، وقال ابن عديّ: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال البخاريّ: يقال: مات سنة تسع، أو سبع ومائتين، بِطَرَسوس، وقال مُطَيَّن: مات سنة تسع، وقال مرةً: سنة عشرة، وفيها أرَّخه ابن سعد، وزاد:
_________________
(١) وفي نسخة: "قال حجاج: حدّثنا منصور بن سلمة".
[ ٢٧ / ٣٩٤ ]
كان ثقةً سمع من غير واحد، وكان يَتَمَنَّع بالحديث، ثم حَدَّث أيامًا، ثم خرج إلى الثَّغْر، فمات سنة عشر.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (١٥٥٩)، و(٢١٠٧)، و(١٣٣٧) (^١).
٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) المدنيّ، تقدَّم في الباب الماضي.
٥ - (خُثَيْمُ بْنُ عِرَاكِ) بن مالك الغفاريّ المدني، ثقة [٦] (خ م س) تقدم في "الزكاة" ٣/ ٢٢٧٥.
٦ - (أَبُوهُ) عِراك بن مالك الغفاري الكناني المدنيّ، ثقة فاضل [٣] مات في خلافة يزيد بن عبد الملك بعد المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
و"أبو هريرة - ﵁ -" ذُكر قبله.
وقوله: (قَالَ حجَّاجٌ: مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ) وفي بعض النسخ: "قال حجاج: حدّثنا منصور بن سلمة"، قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في معظم نسخ بلادنا، وأصولهم المحقّقة: "قال حجاج: منصورُ بن سلمة"، ومعناه: أن أبا سلمة الخزاعيّ هذا اسمه منصور بن سلمة، فذكره محمد بن أحمد بن أبي خَلَف بكنيته، وذكره حجاج باسمه، وهذا صحيح.
وقال القاضي عياض - ﵀ -: ذكر مسلم في الباب: حدّثنا محمد بن أحمد بن أبي خَلَف، وحجاج بن الشاعر، قالا: حدّثنا أبو سلمة الخزاعي، قال حجاج: حدّثنا منصور بن سلمة، كذا في أكثر نسخ مسلم، وكذا عند شيوخنا كلّهم، أما عند ابن عيسى: قال حجاج: هو منصور بن سلمة، وهو الصواب؛ لأن منصور بن سلمة اسم أبي سلمة الخزاعي، بيّنه حجاج في حديثه، وغير ذلك خطأ، إلا أن يُتأوّل قوله: "حدّثنا منصور بن سلمة" أن ابن أبي خَلَف وحده هو الذي كناه، فقد يُخَرَّج على هذا، إلا أنه بعيد بَعْد قوله: "قالا: حدّثنا أبو سلمة". انتهى كلام القاضي - ﵀ - (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) هذا الرقم مكرر، تقدَّم في "كتاب الحج"، فتنبّه.
(٢) "إكمال المعلم" ٥/ ٢٢٨، و"شرح النوويّ" ١٠/ ٢٢٣.
[ ٢٧ / ٣٩٥ ]