وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٨٦] (١٥٦٠) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثنَا مَنْصُورٌ، عَنْ رِبْعيِّ بن حِرَاشٍ؛ أَن حُذَيْفَةَ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "تلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَقَالُوا: أَعمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: تَذَكَّرْ، قَالَ: كُنْتُ أُدَايِنُ الناسَ، فَآمُرُ فِتْيَاني أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ، وَيَتَجَوَّزُوا عَنِ الْمُوسِرِ. قَالَ: قَالَ اللهُ - ﷿ -: تَجَوَّزُوا عَنْهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السلميّ، أبو عتاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) ٢/ ٢ تقدم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٢ - (رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ) أبو مريم الْعَبْسيّ الكوفيّ، مخضرم ثقة عابد [٢] (ت ١٠٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حُسَيل، أو حِسْل بكسر، فسكون العبسيّ، حليف الأنصار الصحابيّ ابن الصحابيّ، من السابقين إلى الإسلام، مات سنة (٣٦) (ع) تقدَّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٧.
والباقيان تقدما في الباب الماضي، و"زُهير" هو: ابن معاوية.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه مسلسلٌ بالكوفيين، ورجاله كلهم من رجال الجماعة، وفيه حذيفة - ﵁ - صاحب سرّ رسول الله - ﷺ -، ففي "صحيح مسلم": "أن رسول الله - ﷺ - أعلمه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة".
شرح الحديث:
(عَنْ رِبْعِيِّ) بكسر الراء، وإسكان الموحّدة (ابْنِ حِرَاشٍ) بكسر الحاء المهملة، وآخره شين معجمة (أَنَّ حُذيْفَةَ) بن اليمان - ﵄ - (حَدَّثَهُمْ) أي: حدّث ربعيًّا ومن معه، وفي رواية نعيم بن أبي هند، عن ربعيّ التالية: "اجتَمَع حذيفة، وأبو مسعود، فقال حذيفة: رجل لقي ربه … " فذكر الحديث، وفي
[ ٢٧ / ٣٩٦ ]
آخره: "فقال أبو مسعود: هكذا سمعت رسول الله - ﷺ - " (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ) أي: استَقبلت (رُوحَ رَجُلٍ) عند الموت، وفي رواية للبخاريّ في "باب ما ذكر عن بني إسرائيل": "إن رجلًا كان فيمن كان قبلكم أتاه الملك ليقبض روحه" (مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أي: من الأمم السابقة (فَقَالُوا) أي: الملائكة (أَعَمِلْتَ) بكسر الميم (مِنَ الْخَيْرِ شَيئًا؟) (قَالَ) الرجل (لَا) أي: لم أعمل شيئًا، لا قليلًا ولا كثيرًا، وفي رواية عبد الملك بن عمير عند البخاريّ: "فقال: ما أعلم، قيل: انظر، قال: ما أعلم شيئًا، غير أني … " فذكره، وفي رواية شقيق، عن أبي مسعود الآتية هنا، رفعه: "حوسب رجل ممن كان قبلكم، فلم يوجد له من الخير شيء، إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرًا"، وفي رواية سعد بن طارق: "أُتِي الله بعبد من عباده، آتاه الله مالًا، فقال له: ما عملت في الدنيا؟ قال: ولا يكتمون الله حديثًا، قال: يا رب آتيتني مالك، فكنتُ أبايع الناس، وكان من خُلُقي الجواز … " الحديث، وفي رواية ابن أبي عمر في هذا الحديث: "فيقول: يا رب ما عملت لك شيئًا أرجو به كثيرًا، إلا أنك كنت أعطيتني فضلًا من مال … "، فذكره.
قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "فلم يوجد له شيء من الخير" هذا العموم مُخَصَّصٌ قطعًا بأنه كان مؤمنًا، ولولا ذلك لما تجاوز عنه، فـ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، وهل كان قائمًا بفرائض دِينه من الصلاة، والزكاة، وما أشبههما؟ هذا هو الأليق بحاله، فإن هذا الحديث يَشهد بأنه كان ممن وُقي شُحّ نفسه، وعلى هذا فيكون معنى هذا العموم أنه لم يوجد له شيء من النوافل إلا هذا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "هذا هو الأليق بحاله" فيه نظر لا يخفى؛ لأنه ينافيه قوله: "لم يعمل خيرًا قط"، فالظاهر أن النفي على عمومه عدا الإيمان، فيكون المعنى أنه لم يعمل خيرًا زائدًا على الإيمان، والله تعالى أعلم.
قال: ويَحْتَمِل أن يكون له نوافل أخَرُ، غير أن هذا كان الأغلب عليه، فنودي به، وجُوزي عليه، ولم يذكر غيره اكتفاء بهذا.
[ ٢٧ / ٣٩٧ ]
قال الجامع: هذا الاحتمال أبعد من الذي قبله، فتأمّله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
قال: ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالخير: المال، فيكون معناه أنه لم يوجد له فعل برّ في المال إلا ما ذُكر من إنظار المعسر. انتهى كلام القرطبيّ.
قال الجامع: هذا الاحتمال أيضًا مثل سابقه؛ لأنه لا دليل على هذا التخصيص، فتبصّر.
والحاصل أن الأظهر إجراؤه على عمومه، والله تعالى أعلم.
(قَالُوا: تَذَكَّرْ) أي: تفكر في أعمالك لعلك تجد فيها خيرًا (قَالَ) بعد تذكّره (كُنْتُ أُدَايِنُ الناسَ) أي: أعاملهم بالدين، فأبيع لهم بالنسيئة (فَآمرُ فِتْيَانِي) بكسر الفاء: جمع فَتًى، وهو الخادم، حرًّا كان، أو مملوكًا، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الفتى: العبد، وجمعه في القلة: فِتْية، وفي الكثرة: فِتْيان، والأمة: فَتاةٌ، وجمعها فتياتٌ، والأصل فيه أن يقال للشابّ الْحَدَث: فَتًى، ثم استُعير للعبد، وإن كان شيخًا مجازًا؛ تسميةً باسم ما كان عليه. انتهى (^١).
(أَنْ يُنْظِرُوا) بضمّ حرف المضارعة، من الإنظار رباعيًّا، وهو الإمهال، والتأخير، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح أوله ثلاثيًّا، من باب نصر، وهو بمعناه، قال الفيّوميّ - ﵀ -: أنظرت الدَّينَ بالألف: أخّرته، والنَّظِرةُ، مثلُ كَلِمَةٍ بالكسر: اسم منه، وفي التنزيل: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]؛ أي: فتأخير، ونَظَرته الدينَ ثلاثيًّا لغة. انتهى (^٢).
(الْمُعْسِرَ) أي: الفقير، وقال القرطبي - ﵀ -: "المعسر" هنا هو الذي يتعذّر عليه الأداء في وقت دون وقت، فندب الشرع إلى تأخيره إلى الوقت الذي يُمكّن له ما يؤدي، وأما المعسر بالإفلاس، فتحرم مطالبته إلى أن يتبيّن يساره، قال: والمال كلُّ ما يُتموّل، أو يتملّك، من عين، وعَرَض، وحيوان، وغير ذلك، ثم قد يخُصّه أهل مال بما يكون غالب أموالهم، فيقول أصحاب الإبل: المال الإبلُ، وأصحاب النخل: المال النخل، وهكذا. انتهى (^٣).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٦٢.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦١٢.
(٣) "المفهم" ٤/ ٤٣٦.
[ ٢٧ / ٣٩٨ ]
[تنبيه]: قال في "الفتح": اختَلَفَ السلفُ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ الآية، فرَوَى الطبريّ وغيره من طريق إبراهيم النخعيّ، ومجاهد، وغيرهما أن الآية نزلت في دَين الرِّبا خاصةً، وعن عطاء أنها عامّة في دين الرِّبا وغيره، واختار الطبريّ أنها نزلت نصًّا في دين الرِّبا، وَيلتحق به سائر الديون؛ لحصول المعنى الجامع بينهما، فإذا أعسر المديون وجب إنظاره، ولا سبيل إلى ضربه، ولا إلى حبسه. انتهى (^١).
[تنبيه]: قوله: "أن يُنظروا المعسر": قال ابن التين - ﵀ -: رواية من روى "وأُنظِرُ الموسرَ" أولى من رواية من روى "وأُنظِرُ المعسرَ"؛ لأن إنظار المعسر واجب. انتهى.
وتعقّبه الحافظ، قائلًا: ولا يلزم من كونه واجبًا أن لا يؤجر صاحبه عليه، أو يُكفّر عنه بذلك من سيّئاته. انتهى (^٢).
(وَيَتَجَوَّزُوا عَنِ الْمُوسِرِ) وفي الرواية الآتية: "وأتجاوز عن المعسور"، والمراد أن يتسامحوا في الاقتضاء، والاستيفاء، وقبول ما فيه نقص يسير، قال في "الفتح": يدخل في لفظ التجوّز: الإنظار، والوضيعة، وحسن التقاضي. انتهى (^٣).
[تنبيه]: قال في "الفتح": اختَلَف العلماء في حدّ الموسر، فقيل: مَن عنده مؤنته، ومؤنة من تلزمه نفقته، وقال الثوريّ، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق: مَن عنده خمسون درهمًا، أو قيمتها من الذهب، فهو موسر، وقال الشافعيّ: قد يكون الشخص بالدرهم غنيًّا مع كسبه، وقد يكون بالألف فقيرًا مع ضعفه في نفسه، وكثرة عياله، وقيل: الموسر والمعسر يرجعان إلى العرف، فمن كان حاله بالنسبة إلى مثله يُعَدّ يسارًا، فهو موسر، وعكسه، وهذا هو المعتمد، وما قبله إنما هو في حدّ من تجوز له المسألة، والأخذ من الصدقة. انتهى (^٤)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٥٣٣ "كتاب البيوع" رقم (٢٠٧٨).
(٢) "الفتح" ٥/ ٥٣٣ "كتاب البيوع" رقم (٢٠٧٧).
(٣) "الفتح" ٥/ ٥٣٤.
(٤) "الفتح" ٥/ ٥٣١ "كتاب البيوع" رقم (٢٠٧٧).
[ ٢٧ / ٣٩٩ ]
(قَالَ) - ﷺ - (قَالَ اللهُ - ﵁ -) لملائكته (تَجَوَّزُوا عَنْهُ") أي: سامحوه فيما فرّط من عمله؛ جزاءَ تجوّزه عن عبادي، وفي رواية: "كنت أقبل الميسور، وأتجاوز عن المعسور"، وفي رواية: "كنت أُنظر المعسر، وأتجوز في السِّكّة، أو في النقد"، وفي رواية: "وكان من خُلُقي الجواز، فكنت أتيسر على الموسر، وأنظر المعسر".
قال النوويّ - ﵀ -: فقوله: "فتياني" معناه: غلماني، كما صرح به في الرواية الأخرى، والتجاوز والتجوّز معناهما: المسامحة في الاقتضاء والاستيفاء، وقبول ما فيه نقص يسير، كما قال: "وأتجوّز في السكة"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حذيفة - ﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٣٩٨٦ و٣٩٨٧ و٣٩٨٨ و٣٩٨٩] (١٥٦٠)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢٠٧٧) و"الاستقراض" (٢٣٩١) و"أحاديث الأنبياء" (٣٤٥١)، و(ابن ماجه) (٢٤٢٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ١١٨ و٥/ ٣٩٥ و٣٩٩ و٤٠٧)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٢٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٣٤٦)، و(البيهقيّ) في "الصغرى" (٥/ ٢٠٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل إنظار المعسر، والوضع عنه إما كل الدَّين، وإما بعضه.
٢ - (ومنها): بيان أن شريعة من قبلنا شريعة لنا، إذا لم يَرِد في شرعنا ما يردّه، وهذا هو الصحيح من أقوال العلماء في المسألة، وهو مذهب البخاري، ومسلم، والنسائيّ، وغيرهم، حيث أوردوا هذا الحديث مستدلين به على ما ترجموا له.
٣ - (ومنها): بيان حسن المعاملة، والرفق في المطالبة.
[ ٢٧ / ٤٠٠ ]
٤ - (ومنها): فضل المسامحة في الاقتضاء، والاستيفاء، سواء كان من معسر أو موسر.
٥ - (ومنها): فضل الوضع من الدَّين، وأنه لا يُحتقَر شيء من أفعال الخير، فلعله سبب سعادة العبد، وسبب رحمة الله تعالى له.
٦ - (ومنها): أن اليسير من الحسنات إذا كان خالصًا لله، كفّر كثيرًا من السيّئات.
٧ - (ومنها): جواز توكيل العبيد، والإذن لهم في التصرّف.
٨ - (ومنها): أن الأجر يحصل لمن يأمر به، وإن لم يتولّ ذلك بنفسه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٨٧] (…) - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ حُجْرٍ - قَالَا: حَدَّثنا جَرِيرٌ، عَنِ الْمُغِيرَة، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، قَالَ: اجْتَمَعَ حُذَيْفَةُ، وَأَبُو مَسْعُودٍ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: "رَجُلٌ لَقِيَ رَبَّهُ، فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ؟ قَالَ: مَا عَمِلْتُ مِنَ الْخَيْر، إِلا أَنِّي كُنْتُ رَجُلًا ذَا مَالٍ، فَكُنْتُ أُطَالِبُ بِهِ النَّاسَ، فَكُنْتُ أَقْبَلُ الْمَيْسُورَ، وَأتجَاوَزُ عَنِ الْمَعْسُور، فَقَالَ: تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي"، قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (الْمُغِيرَةُ) بن مِقسم الضبيّ مولاهم، أبو هشام الكوفي الأعمى، ثقةٌ متقنٌ، إلا أنه يدلّس [٦] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٥ - (نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) النعمان بن أشيم الأشجعيّ، ثقةٌ رُمي بالنصب [٤] (ت ١١٠) (خت م مد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٨/ ٣٧٨.
٦ - (أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ البدريّ الصحابيّ
[ ٢٧ / ٤٠١ ]
الشهير، مات - ﵁ - قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (فَقَالَ حُذَيْفَةُ: "رَجُلٌ لَقِيَ رَبَّهُ) ظاهر هذه الرواية أنها موقوفة على حذيفة - ﵁ -، لكن الرواية السابقة، واللاحقة تبيّن أنها مرفوعة، فتنبّه.
وقوله: (فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ؟) "ما" هذه استفهاميّة مبتدأ خبرها جملة "عملتَ" بتاء الخطاب؛ أي: أيَّ شيء عملتَ؟
وقوله: (قَالَ: مَا عَمِلْتُ مِنَ الْخَيْرِ) "ما" هذه نافية، و"عملتُ" بتاء المتكلّم؛ أي: لم أعمل من الخير شيئًا.
وقوله: (فَكُنْتُ أقبَلُ الْمَيْسُورَ، وَأتجَاوَزُ عَنِ الْمَعْسُورِ) أي: آخذ ما تيسّر، وأسامح بما تعسّر.
وقال القرطبي - ﵀ -: رواية الجماعة: "أقبل" بالهمزة المفتوحة، وبالقاف ساكنةً، وبالباء الموحّدة المفتوحة، من القبول، و"الميسور": المتيسّر، ووقع لبعضهم بضمّ الهمزة، وكسر القاف، وياء تحتانيّة، من الإقالة، وفيه بُعْدٌ؛ لأنه لا يستقيم المعنى حتى يكون الميسور بمعنى الموسر، ولا يُعطيه قانون التصريف، ولا يَعْضِده نقل. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٨٨] (…) - (حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: (أَنَّ رَجُلًا مَاتَ، فَدَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا كنْتَ تَعْمَلُ؟ قَالَ: فَإِمَّا ذَكَرَ، وَإِمَّا ذُكرَ، فَقَالَ: إِنَي كُنْتُ أُبَايعُ الناسَ، فَكُنْتُ أنظِرُ الْمُعْسِرَ، وَأتجَوَّزُ فِي السَّكَّة، أَوْ في النَّقْد، فَغُفِرَ لَهُ"، فَقَالَ أبُو مَسْعُودٍ: وَأنا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُول اللهِ - ﷺ -).
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤٣٦.
[ ٢٧ / ٤٠٢ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) اللَّخْميّ الْفَرَسيّ الكوفيّ، ثقة فقية، تغيّر حفظه، وربما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وله (١٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (مَا كُنْتَ تَعْمَلُ؟) "ما" استفهاميّة.
وقوله: (قَالَ: فَإمَّا ذَكَرَ، وَإِمَّا ذُكِّرَ) هذا شكّ من الراوي، في أن الرجل هل ذَكَر مسامحته بنفسه، أو ذَكَّرته الملائكة، فـ "ذَكَرَ" الأول مخفّف الكاف، مبنيًّا للفاعل؛ أي: تذكّر بنفسه ما عمله في الدنيا، و"ذُكِّر" الثاني بتشديد الكاف، مبنيًّا للمفعول؛ أي: ذَكّرته الملائكة.
وقوله: (وَأتجَوَّزُ فِي السِّكَّةِ) بكسر السين المهملة، وتشديد الكاف؛ أي: في الدنانير والدراهم المضروبة، قال في "النهاية": يُسمّى كلّ واحد منهما سِكّةً؛ لأنه طُبع بالحديدة، واسمها السِّكّة والسِّكّ. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: السِّكّة: حديدة منقوشة تُطبع بها الدراهم والدنانير، والجمع: سِكَكٌ، مثلُ سِدرة وسِدَرٍ. انتهى (^٢).
وقوله: (أَوْ فِي النَّقْدِ) الظاهر أن "أو" هنا للشكّ من الراوي، و"النقد" بفتح، فسكون: تمييز الدراهم، قال الفيّوميّ: نقدتُ الدراهم نَقْدًا، من باب قَتَلَ، والفاعل ناقدٌ، والجمع نُقّاد، مثلُ كافر وكُفّار، وانتقدتُ كذلك: إذا نظرتَها؛ لتعرف جيّدها وزيفها. انتهى (^٣).
والحديث متّفق عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٨٩] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: "أُتي اللهُ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ آتاهُ اللهُ مَالًا، فَقَالَ لَهُ: مَاذَا عَمِلْتَ فِي الدُّنْيَا - قَالَ: وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا -
_________________
(١) "النهاية" ٢/ ٣٨٤.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٨٢، و"القاموس المحيط" ٣/ ٣٠٦.
(٣) "المصباح" ٢/ ٦٢٠.
[ ٢٧ / ٤٠٣ ]
قَالَ: يَا رَبِّ آتَيْتَني مَالَكَ، فَكُنْتُ أُبايعُ النَّاسَ، وَكَانَ مِنْ خُلُقِي الْجَوَازُ، فَكُنْتُ أتيَسَّرُ عَلَى الْمُوسِر، وَأُنظِرُ الْمُعْسِرَ، فَقَالَ اللهُ: أنَا أَحَق بِذَا مِنْكَ، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي"، فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الأنصَارِيُّ: هَكَذَا سَمِعْنَاهُ مِنْ في رَسُولِ اللهِ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنديّ الكوفيّ، ثقة، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوق يُخطئ [٨] (ت ١٩٠) أو قبلها، وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٣ - (سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ) أبو مالك الأشجعيّ الكوفيّ، ثقة [٤] مات في حدود (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أُتِيَ اللهُ … إلخ) ببناء الفعل للمفعول، و"الله" مرفوع على أنه النائب عن الفاعل؛ أي: جيء إليه - ﷾ -.
وقوله: (آتَاهُ اللهُ) بمدّ الهمزة: أي أعطاه الله - ﷿ -.
وقوله: (قَالَ: وَلَا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا) فاعل "قال" الظاهر أنه ضمير حذيفة - ﵁ -؛ أي: لا يستطيع أحد أن يكتم يوم القيامة شيئًا من أعماله، فإن كتم شهدت عليه جوارحه، كما سيأتي (^١).
وقوله: (مِنْ خُلُقِي الْجَوَازُ) بضمّ الخاء المعجمة، واللام؛ أي: من طبيعتي، وسجيّتي.
وقوله: (الجواز) أي: التساهل، والتسامح في البيع والشراء، كما بيّنه بقوله: (فَكُنْتُ أَتيَسَّرُ … إلخ) أي: أسهّل.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "وكان من خلقي الجواز" أي: التجاوز عن
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤٣٦.
[ ٢٧ / ٤٠٤ ]
حقوقه، فإما من حلول الأجل، فيؤخره، وإما من استيفاء الحقّ، فيُسقط بعضه، أو يسامع في الزَّيف. أنتهى (^١).
وقوله: (وَأنظِرُ الْمُعْسِرَ) هكذا في هذه الرواية.
وقوله: (فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ، وَأَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ الخ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع النسخ: "فقال عقبة بن عامر وأبو مسعود"، قال الحفّاظ: هذا الحديث إنما هو محفوظ لأبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدريّ وحده، وليس لعقبة بن عامر فيه رواية، قال الدارقطنيّ: والوَهَمُ في هذا الإسناد من أبي خالد الأحمر، قال: وصوابه: عقبة بن عمرو أبو مسعود الأنصاريّ، كذا رواه أصحاب أبي مالك سعد بن طارق، وتابعهم نعيم بن أبي هند، وعبد الملك بن عُمير، ومنصور، وغيرهم، عن رِبعيّ، عن حذيفة، فقالوا في آخر الحديث: فقال: عقبة بن عمرو أبو مسعود، وقد ذكر مسلم في هذا الباب حديث منصور، ونعيم، وعبد الملك، والله أعلم. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب: "فقال عقبة بن عمرو أبو مسعود الأنصاريّ"، فيكون "أبو مسعود" بدلًا من عقبة بن عمرو، فليُتنبّه.
[تنبيه]: نقل الحافظ المزيّ - ﵀ - في "تحفته": عن خَلَف قوله: عقبة بن عامر وَهَمٌ، لا أعلم أحدًا قاله غيره - يعني الأشجّ - والحديث إنما يُحفظ من حديث عقبة بن عمرو أبي مسعود. انتهى.
وتعقّب الحافظ في "النكت الظراف" قول المزّيّ: "يعني الأشجّ"، فقال: قد تابع الأشجّ إسحاق ابن راهويه، فأخرجه في "مسنده" عن أبي خالد الأحمر، وقال في روايته: "فقال عقبة بن عامر، وأبو مسعود"، هكذا بالواو العاطفة، وهكذا أخرجه أبو نعيم في "مستخرجه" على مسلم من طريق إسحاق، وقد قال الدارقطنيّ في "العلل": إن الوهم فيه من أبي خالد، فيمكن أن يستقيم كلامه بأن يكون الضمير في قوله: لا أعلم قاله غيره، يعني أبا خالد، لا
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤٣٦.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ٢٢٥ - ٢٢٧.
[ ٢٧ / ٤٠٥ ]
الأشجّ، كما فسّره المزَيّ. انتهى (^١).
والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، وأخرجه أبو عوانة في "مسنده" (٣/ ٣٧٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٣٩٠] (١٥٦١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى - قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَفَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "حُوسِبَ رَجُلْ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا، فَكَانَ يَأمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِر، قَالَ: قَالَ اللهُ - ﷿ -: نَحْنُ أَحَق بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهران، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (شَقِيقُ) بن سلمة، أبو وائل الأسديّ الكوفيّ، مخضرم ثقةٌ [٢] (ت ٨٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، وفيه أبو كريب أحد مشايخ الجماعة، بلا واسطة، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، وفيه أبو مسعود المشهور بالبدريّ؛ لسُكناه بدرًا على المشهور، أو لشهوده وقعة بدر على ما قاله البخاريّ، وهو الصحيح.
_________________
(١) راجع: "تحفة الأشراف" مع "النكت الظراف" ٣/ ٢٥.
[ ٢٧ / ٤٠٦ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدريّ - ﵁ - (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "حُوسِبَ) قيل: معناه: يحاسب يوم القيامة، وإنما أورده بصيغة الماضي؛ لتحقّق وقوعه، كما في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١].
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن كونه بمعنى الماضي لا بُعد فيه، بل هو الأولى؛ فقد يُعذّب عند خروج روحه، أو في قبره، وقد سبق قوله - ﷺ -: "تلقت الملائكة روح رجل"، وقوله: "رجل لقي ربه، فقال: ما عملتَ؟ "، فكلّ هذا ظاهر أنه وقع في الدنيا قبل يوم القيامة، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أي: من الأمم السابقة؛ كبني إسرائيل (فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ) قال الأبيّ - ﵀ -: هذا عامّ مخصوص؛ لأن عنده الإيمان، ولذا يجوز العفو عنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، واللائق به أنه ممن قام بالفرائض؛ لأنه كان ممن وُقي شحّ نفسه، فالمعنى لم يوجد له من النوافل إلا هذا، ويَحْتَمِل أنه له نوافل أُخَر، لكن هذا غلب عليه، فلم يذكرها اكتفاءً بهذا، ويَحْتَمِل أن يكون المراد بالخير المال، فيكون المعنى أنه لم يوجد فعل برّ في المال إلا إنظار المعسر. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أنه لا حاجة إلى هذه الاحتمالات التي فيها تكلّف ظاهر، بل ما دلّ عليه ظاهر النصّ، من أنه لا خير عنده أصلًا، إلا الإيمان هو الأولى والأظهر، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(إِلَّا أنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ) أراد بمخالطتهم مخالطتهم بالتعامل معهم بالبيع والشراء (وَكَانَ مُوسِرًا) أي: غنيًّا (فَكَانَ يَأمُرُ غِلْمَانَهُ) بالكسر: جمع غلام؛ أي: خُدّامه (أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ) أي: الفقير، وفيه دليل على استحباب إذن السيّد لعبده في التجاوز (قَالَ: قَالَ اللهُ - ﷿ -: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ) أي: بالتجاوز (مِنْهُ) قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "نحن أحقّ بذلك منه" صدقٌ وحق؛ لأنه تعالى متفضّل ببذل ما لا يُستحقّ عليه، ومسقط بعفوه عن عبده ما يجب له من الحقوق عليه، ثم يتلافاه برحمته، فيُكرمه، ويقرّبه منه، وإليه، فله
_________________
(١) "شرح الأبيّ" ٤/ ٢٤٤.
[ ٢٧ / ٤٠٧ ]
الحمد كِفَاءَ إنعامه، وله الشكر على إحسانه. انتهى (^١).
(تَجَاوَزُوا عَنْهُ") أمرٌ للملائكة الذين يحاسبونه في أعماله أن يسامحوه فيما فرّط فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مسعود - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٣٩٩٠] (١٥٦١)، و(الترمذيّ) في "البيوع" (١٣٠٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٥٤٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٢٠)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٢٩٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٣٧٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٧/ ٥٣٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٠٤٧)، و(الحاكم) في "مستدركه" (٢/ ٢٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٥٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف: - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٩١] (١٥٦٢) - (حَدَّثنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ مَنْصُورٌ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزهْرِيَّ، وَقَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ، وَهُوَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أَبِي هُريرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "كَانَ رَجُل يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أتيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللهَ يَتَجَاوَزُ عَئا، فَلَقِيَ اللهَ، فتَجَاوَزَ عَنْهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم) بشير التركيّ، أبو نصر البغداديّ الكاتب، ثقة [١٠] (ت ٢٣٥) وهو ابن (٨٠) سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٥.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ) الْوَرَكانيّ، أبو عمران الْخُرَاسانيّ، نزيل بغداد، ثقة [١٠] (ت ٢٢٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٥.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤٣٦.
[ ٢٧ / ٤٠٨ ]
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجةٌ [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٤٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه عبيد الله بن عبد الله أحد الفقهاء السبعة، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ) أي: يتعامل معهم بالدين، بأن يبيع لهم إلى أجل، وفي رواية النسائيّ: "إن رجلًا لم يعمل خيرًا قط، وكان يداين الناس".
(فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ) أي: لعبده، وفي رواية النسائيّ: "فيقول لرسوله: خذ ما تيسَّر، واترك ما عَسُر" (إِذَا أتيْتَ مُعْسِرًا) هو الذي لا يجد وفاء لدَينه (فَتَجَاوَزْ عَنْهُ) بنحو إنظار، وحسن تقاضٍ، والتجاوزُ: التسامح في التقاضي، وقبولُ ما فيه نقص يسير (لَعَلَّ اللهَ يَتَجَاوَزُ عَنَا) قال الطيبيّ - ﵀ -: أراد القائل نفسه، لكن جمع الضمير إرادةَ أن يتجاوز عمن فعل هذا الفعل؛ ليدخل فيه دخولًا أوليًّا، ولهذا استُحبّ للداعي أن يَعُمّ في الدعاء، ولا يخصّ نفسه، لعلّ الله تعالى ببركتهم يستجيب دعاءه. انتهى (^١). (فَلَقِيَ اللهَ) في القبر، أو في القيامة (فَتَجَاوَزَ عَنْهُ) أي: غَفَر له ذنوبه، ولم يؤاخذه بها؛ لحسن ظنه، ورجائه أنه يعفو عنه، مع إفلاسه من الطاعات.
وفي الحديث بيان فضل إنظار المعسر، والوضع عنه، ولو لِمَا قَلّ، وأنه
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٧/ ٢١٧٢.
[ ٢٧ / ٤٠٩ ]
مُكَفِّر للذنوب، وفضل المسامحة في الاقتضاء والاستيفاء، سواء عن الموسر، أو المعسر، وعدم احتقار شيء من أفعال الخير، وإن قَل، فلعلها تكون سببًا للرحمة والمغفرة، والله تعالى أعلم بالصواب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٢٩/ ٣٩٩١ و٣٩٩٢] (١٥٦٢)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢٠٧٨) و"الأنبياء" (٣٤٨٠)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٤٦٩٦ و٤٦٩٧) و"الكبرى" (٦٢٩٣ و٦٢٩٤)، و(الطيالسي) في "مسنده" (٢٥١٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٤٦٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٣٢ و٢٣٩ و٣٦١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٠٤٢ و٥٠٤٣ و٥٠٤٦)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٣٣ و٣٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٣٤٣ و٣٤٤)، و(البيهقي) في "الكبرى" (٥/ ٣٥٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢١٣٩)، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٩٢] (…) - حَدَّثَنِي (^١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَاب؛ أَن عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل باب.
[تنبيه]: رواية يونس، عن ابن شهاب هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" ٣/ ٣٤٣ فقال:
(٥٢٣٢) - حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، وبحر بن نصر الخولاني قالا: ثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ٢٧ / ٤١٠ ]
عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كان رجل يداين الناس، فإذا أعسر المعسر، قال لفتاه: تجاوز عنه، لعل الله يتجاوز عئا، فلقي الله، فتجاوز الله عنه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٩٣] (١٥٦٣) - (حَدَّثَنَا أَبْو الْهَيْثَمِ خَالِدُ بْنُ خِدَاشِ بْنِ عَجْلَانَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ؛ أَن أَبَا قَتَادَةَ طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ، فَتَوَارَى عَنْهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِني مُعْسِرٌ، فَقَالَ: الله؟ قَالَ: الله، قَالَ: فَإني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَة، فَلْيُنَفس عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الْهَيْثمِ خَالِدُ بْنُ خِدَاشِ (^١) بْنِ عَجْلَانَ) الْمُهَلَّبي مولاهم البصريّ، سكن بغداد، صدوق يُخطئ [١٠].
رَوَى عن حماد بن زيد، ومالك، ومهدي بن ميمون، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وروى له البخاريّ في "الأدب"، وأبو داود في "مسند مالك"، والنسائي بواسطة أبي قُدامة السرخسيّ، وهارون الحمال، والحسن بن إسحاق المروزيّ، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وأحمد بن حنبل، وغيرهم.
قال يحيى بن معين، وأبو حاتم، وصالح بن محمد البغداديّ: صدوقٌ، وقال ابن سعد: ثقةٌ، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقةَ صدوقًا، وقال ابن المدينيّ: ضعيف، وقال زكريا الساجيّ: فيه ضعف، وقال يحيى بن معين: قد كتبت عنه، ينفرد عن حماد بن زيد بأحاديث، وقال أبو داود: روى عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر حديث الغار، ورأيت سليمان بن حرب ينكره عليه، وقال أبو حاتم الرازيّ: سألت سليمان بن حرب عنه، فقال: صدوق، لا بأس به، كان يختلف معنا إلى حماد بن زيد، وأثنى عليه خيرًا.
قال مُطَيَّن وغيره: مات سنة (٢٢٣)، وذكره ابن حبان في "الثقات"،
_________________
(١) بكسر الخاء المعجمة، وتخفيف الدال، وآخره شين معجمة.
[ ٢٧ / ٤١١ ]
وقال: مات سنة (٢٢٤)، وكذا أَرَّخه ابن قانع، وقال: ثقةٌ، وفي كتاب الساجيّ أيضًا: كان أحمد يَلْزَمه.
أخرج له البخاري في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود في "مسند مالك"، والنسائي، وليس له عند المصنّف إلا هذا الحديث.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتياني، تقدّم قريبًا.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقة ثبتٌ يُدلس ويرسل [٥] (ت ١٣٢) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبي قتَادَةَ) الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٨/ ٦١٩.
٦ - (أَبُو قَتَادَةَ) الأنصاريّ الحارث، وقيل: عمرو، وقيل: النعمان بن رِبْعيّ بن بُلْدُمة الأنصاريّ السَلَميّ الصحابيّ الشهير، شَهِد أُحُدًا، وما بعدها، ومات سنة (٥٤) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٨/ ٦١٩.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة، وفيه رواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ؛ أَنَّ) أباه (أَبَا قَتَادَةَ) الأنصاريّ - ﵁ - (طَلَبَ غَرِيمًا لَهُ) أي: مدينًا له، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وأُغْرِم بالشيء، بالبناء للمفعول: أولعَ به، فهو مُغرَمٌ، والْغَريمُ: المدين، وصاحب الدين أيضًا، وهو الخصم، مأخوذ من ذلك؛ لأنه يصير بإلحاحه على خصمه ملازمًا، والجمع: غُرماء، مثلُ كريم وكُرَماء. انتهى (^١). (فتَوَارَى عَنْهُ) أي: اختفى عن أبي قتادة؛ لئلا
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٦.
[ ٢٧ / ٤١٢ ]
يلزمه (ثُمَّ وَجَدَهُ) بيّن الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده" هذه القصّة، فقد أخرج الحديث مطوّلًا ٥/ ٣٠٨ فقال:
(٢٢٦٧٦) حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عفان، ثنا حماد - يعني ابن سلمة - أنا أبو جعفر الخطميّ، عن محمد بن كعب القُرَظيّ؛ أن أبا قتادة كان له على رجل دين، وكان يأتيه يتقاضاه، فيختبئ منه، فجاء ذات يوم، فخرج صبيّ، فسأله عنه، فقال: نعم هو في البيت، يأكل خَزِيرةً، فناداه: يا فلان اخرُج، فقد أُخبرت أنك ههنا، فخرج إليه، فقال: ما يُغَيِّبك عني؟ قال: إني معسر، وليس عندي، قال: آلله إنك معسر؟ قال: نعم، فبكى أبو قتادة، ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "مَن نَفَّس عن غريمه، أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة". انتهى.
(فَقَالَ) ذلك الغريم؟ معتذرًا إليه (إِنِّي مُعْسِرٌ) أي: فقير لا أستطيع دفع دينك إليك (فَقَالَ) أبو قتادة - ﵁ - (اللهِ؟) هذا قسم سؤال؛ أي: أبالله، وباء القسم تُضمر كثيرًا مع "الله"، قال الرضيّ: وإذا حُذف حرف القسم الأصليّ - أعني الباء - فالمختار النصب بفعل القسم، ويختصّ لفظُ "الله" بجواز الجرّ مع حذف الجارّ بلا عوض، وقد يُعوّض من الجارّ فيها همزة الاستفهام، أو قطع همزة "الله" في الدرج. انتهى (^١).
(قَالَ) الرجل (الله) أي: والله أنا معسر (قَالَ: فَإِني سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) "الْكُرَب" بضمّ الكاف، وفتح الراء: جمع كُرْبة بضمّ، فسكون، وهي الشدّة، والفاقة، وكرب يوم القيامة: شدائدها، وأهوالها (فَلْيُنَفسْ) بتشديد الفاء، من التنفيس، وأصله من النَفَس - بفتحتين - يقال: أنت في نَفَسٍ - يعني في سعة، فكأن من كان في كربة ضاقت عليه مداخل الأنفاس، فإذا فُرّج عنه فُسحت (^٢).
وقال ابن الأثير - ﵀ -: هو مستعار من نَفَس الهَوَاء الذي يردّه التنفّس إلى الجوف، فيُبرد من حرارته، ويُعَدِّلها، أو من نَفَس الريح الذي يتنسّمه، فيَستروح
_________________
(١) من هامش نسخة المحقق محمد ذهني أفندي ٥/ ٣٣.
(٢) "تكملة فتح الملهم" ١/ ٤٠٦.
[ ٢٧ / ٤١٣ ]
إليه، أو من نَفَس الروضة: وهو طِيبُ روائحها، فيتفرّج به عنه، يقال: أنت في نَفَس من أمرك، واعْمَل وأنت في نفَس من عُمرك؛ أي: في سَعَة، وفُسْحة قبل المرَض، والْهَرَم، ونحوهما. انتهى (^١).
ومعنى "فليُنفس" هنا: فليمدّ، وليؤخّر المطالبة، وقيل: معناه: يُفرّج عنه، إما بإمهال، أو أداء، أو إبراء، أو وساطة، أو تأخير مطالبة، ونحوها (عَنْ مُعْسِرٍ) أي: فقير (أَوْ يَضَعْ عَنْهُ") بالجزم عطفًا على "يتنفّس"؛ أي: يحطّ بعض ديونه عن المعسر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي قتادة - ﵁ - هذا من أفراد المصنف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٣٩٩٣ و٣٩٩٤] (١٥٦٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٥٤٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٠٠ و٣٠٨)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٩٧)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٤٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٥٦ - ٣٥٧) و"المعرفة" (٤/ ٤٩٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل التنفيس عن المعسر بتأخير المطالبة إلى أن يتيسّر له القضاء.
٢ - (ومنها): بيان فضل وضع بعض الديون عن المدين.
٣ - (ومنها): الحثّ على التيسير، والترغيب فيه.
٤ - (ومنها): بيان فضل الصحابيّ الجليل أبي قتادة الأنصاريّ - ﵁ -، وشدّة رأفته بالمساكين، فقد بكى لَمّا ذكر له المديون كونه معسرًا، وتذكّر ما سمعه من النبيّ - ﷺ - من فضل التنفيس عن الغريم، والمحو عنه، ففعل ذلك، كما سيأتي في رواية أبي عوانة.
_________________
(١) "النهاية" ٥/ ٩٣.
[ ٢٧ / ٤١٤ ]
وقد اتّفق مثل هذه القصّة لأبي اليسر الصحابيّ - ﵁ -، فقد أخرج المصنّف، كما سيأتي في "كتاب الزهد والرقائق" عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحيّ من الأنصار، قبل أن يَهْلِكوا، فكان أول من لَقِينا أبا اليَسَر صاحب رسول الله - ﷺ -، ومعه غلام له، معه ضِمَامة من صحف (^١)، وعلى أبي اليسر بُرْدَة ومَعَافريّ (^٢)، وعلى غلامه بُرْدة ومَعَافريّ، فقال له أبي: يا عم إني أرى في وجهك سَفْعَةً (^٣) من غضب، قال: أَجَلْ، كان لي على فلان بن فلان الْحَرَاميّ مالٌ، فأتيت أهله، فسلمت، فقلت: ثَمَّ هو؟ قالوا: لا، فخرج على ابنٌ له جَفْرٌ (^٤)، فقلت: له أين أبوك؟ قال: سمع صوتك، فدخل أَرِيكة أمي (^٥)، فقلت: اخرُج إليَّ، فقد علمتُ أين أنت؟ فخرج، فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أُحَدِّثك، ثم لا أَكْذِبك، خَشِيتُ والله أن أحدِّثك، فأَكْذِبك، وأن أَعِدَك، فأخْلِفك، وكنت صاحب رسول الله - ﷺ -، وكنتُ والله معسرًا، قال: قلت: الله؟ قال: الله، قلت: الله؟ قال: الله، قلت: اللهِ؟ قال: الله، قال: فأتى بصحيفته، فمحاها بيده، فقال: إن وجدتَ قضاءً فأقضني، وإلا أنت في حِلّ، فأَشْهَدُ بَصَرُ عينيّ هاتين - وَوَضَع إصبعيه على عينيه - وسَمْعُ أذنيّ هاتين، ووعاه قلبي هذا - وأشار إلى مناط قلبه - رسول الله - ﷺ -، وهو يقول: "من أنظر معسرًا، أو وضع عنه، أظله الله في ظله". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٩٩٤] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَبُوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
_________________
(١) أي رزمة يضمّ بعضها إلى بعض.
(٢) "البردة": شملة مخطّطة، وقيل: كساء مربع فيه صفر، والمعافريّ: نوع من الثياب يُعمل بقرية تسمّى معافر.
(٣) أي تغيّر وعلامة.
(٤) مقارب البلوغ.
(٥) أي سريرها.
[ ٢٧ / ٤١٥ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح المصريّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ) بن زيد بن عبد الله الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ، في حديثه عن قتادة ضعف [٦] (ت ١٧٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١.
والباقيان ذُكرا في الإسنادين السابقين.
[تنبيه]: رواية جرير بن حازم، عن أيوب السختيانيّ هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" ٣/ ٣٤٤ فقال:
(٥٢٣٧) - حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى الصَّدَفيّ، قال: أنبا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه؛ أنه كان يطلب بحقّ، فاختبأ منه، فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: العُسْرة، فاستحلفه على ذلك، فحَلَف، فدعا بصَكَّة، ثم أعطاه إياه، وقال: سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: "من أنسا معسرًا، أو وضع عنه، أنجاه الله من كُرَب يوم القيامة". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾