وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٨٣] (١٥٠٦) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِي، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَن ابْنِ عُمَرَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاء، وَعَنْ هِبَتِهِ. قَالَ مُسْلِمٌ: النَّاسُ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ في هَذَا الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيىَ بْنُ يَحْيىَ التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) المدنيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العدويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٤ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله - ﵄ - المتوفّى سنة (٣ أو ٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
[ ٢٦ / ٥٥٨ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رُباعيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عمرَ - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى (٢٦٣٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ -، وفي رواية الإسماعيلي، من طريق أحمد بن سنان، عن عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة وسفيان، عن ابن دينار: سمعت ابن عمر، وفي مسند الطيالسيّ، عن شعبة: قلت لعبد الله بن دينار: أنت سمعت هذا من ابن عمر؟ قال: نعم سأله ابنه عنه، وذكره أبو عوانة عن بهز بن أسد، عن شعبة: قلت لابن دينار: أنت سمعته من ابن عمر؟ قال: نعم وسأله ابنه حمزة عنه، وكذا وقع في رواية عفان، عن شعبة، عند أبي نعيم، وأخرجه من وجه آخر؛ أن شعبة قال: قلت لابن دينار: الله لقد سمعت ابن عمر يقول هذا؟ فيحلف له، وقيل لابن عيينة: إن " شعبة يستحلف عبد الله بن دينار، قال: لكنا لم نستحلفه، سمعته منه مرارًا، رواه الحميديّ في مسنده عن سفيان، وأخرجه الدارقطنيّ في "غرائب مالك" من طريق الحسن بن زياد اللؤلؤيّ، عن مالك، عن ابن دينار، عن حمزة بن عبد الله بن عمر؛ أنه سأل أباه عن شراء الولاء؟ فذكر الحديث، فهذا ظاهره أن ابن دينار لم يسمعه من ابن عمر، وليس كذلك، قاله في "الفتح" (^١).
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاء، وَعَنْ هِبَتِهِ) قال الخطّابيّ - ﵀ -: قال ابن الأعرابيّ، محمد بن زياد (^٢): كانت العرب تبيع ولاء مواليها:
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ٤٨٣ - ٤٨٤.
(٢) بدل من "ابن الأعرابيّ"؛ لأنه اسمه.
[ ٢٦ / ٥٥٩ ]
فَبَاعُوهُ مَمْلُوكًا وَبَاعُهُ مُعْتَقًا … فَلَيْسَ لَهُ حَتَّى الْمَمَاتِ خَلَاصُ
فنهاهم رسول الله - ﷺ - عن ذلك، وهذا كالإجماع من أهل العلم، إلا أنه قد رُوي عن ميمونة لأنه كانت وهبت ولاء مواليها من العبّاس، أو من ابن عباس - ﵄ -، قال: وسمعت أبا الوليد حسّان بن محمد يذكر أن الذي وهبته ميمونة من الولاء، كان ولاء سابية، وولاء السابية قد اختلف فيه أهل العلم. انتهى (^١).
وقال السنديّ - ﵀ - في "شرح النسائيّ": ليس المراد به المال بعد موت المعتَق بالفتح، وانتقاله إلى المعتِق بالكسر، بل المراد هو السبب الذي بين المعتِق، والمعتَق الذي هو سبب لانتقال هذا المال. انتهى.
(قَالَ مُسْلِمٌ): ابن الحجّاج، صاحب الكتاب: (النَّاسُ) المراد بهم رواة هذا الحديث (كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ) معناه أنه انفرد بروايته عن ابن عمر - ﵄ -، فلم يشاركه فيه أحد من أصحاب ابن عمر - ﵄ -.
وهذا الذي قاله مسلم: قاله غيره من العلماء أيضًا، فقال في "الفتح": وقد اشتَهَر هذا الحديث عن عبد الله بن دينار، حتى قال مسلم لَمّا أخرجه في "صحيحه": الناس في هذا الحديث عيال عليه، وقال الترمذي بعد تخريجه: حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار، رواه عنه سعيد، وسفيان، ومالك، ويُرْوَى عن شعبة أنه قال: وَدِدْتُ أن عبد الله بن دينار، لما حَدّث بهذا الحديث، أَذِنَ لي حتى كنت أقوم إليه، فأقبّل رأسه، قال الترمذيّ: وروى يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار.
قال الحافظ: وصل رواية يحيى بن سليم ابن ماجه، ولم ينفرد به يحيى بن سليم، فقد تابعه أبو ضمرة، أنس بن عياض، ويحيى بن سعيد الأمويّ، كلاهما عن عبيد الله بن عمر، أخرجه أبو عوانة، في "صحيحه" من طريقهما، لكن قَرَن كل منهما نافعًا بعبد الله بن دينار، وأخرجه ابن حبان في "الثقات" في ترجمة أحمد بن أبي أوفى، وساقه من طريقه عن شعبة، عن عبد الله بن دينار، وعمرو بن دينار جميعًا، عن ابن عمر، وقال: عمرو بن دينار غريب.
_________________
(١) "معالم السنن" ٤/ ١٨٧.
[ ٢٦ / ٥٦٠ ]
وقد اعتنى أبو نعيم الأصبهانيّ، بجمع طرقه، عن عبد الله بن دينار، فأورده عن خمسة وثلاثين نفسًا، ممن حَدَّث به عن عبد الله بن دينار، منهم من الأكابر: يحيى بن سعيد الأنصاري، وموسى بن عقبة، ويزيد بن الهاد، وعبيد الله العمريّ، وهؤلاء من صغار التابعين، وممن دونهم: مِسْعَر، والحسن بن صالح بن حيّ، وورقاء، وأيوب بن موسى، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وعبد العزيز بن مسلم، وأبو أويس، وممن لم يقع له ابن جريج، وهو عند أبي عوانة، وسليمان بن بلال، وهو عند مسلم، وأحمد بن حازم المغافريّ، في "جزء الهرويّ" من طريق الطبرانيّ.
وقال ابن العربيّ في "شرح الترمذيّ": تفرد بهذا الحديث عبد الله بن دينار، وهو من الدرجة الثانية من الخبر؛ لأنه لم يذكر لفظ النبيّ - ﷺ -، وكأنه نقل معنى قول النبيّ - ﷺ -: "إنما الولاء لمن أعتق".
قال الحافظ: ويؤيده أن ابن عمر روى هذا الحديث عن عائشة، في قصة بريرة، كما مضى في "العتق"، لكن جاءت عنه صيغة الحديث من وجه آخر، أخرجه النسائيّ، وأبو عوانة، من طريق الليث، عن يحيى بن أيوب، عن مالك، ولفظه: "سمعت النبيّ - ﷺ -، ينهى عن بيع الولاء، وعن هبته".
ووقع في رواية محمد بن أبي سليمان، بلفظ: "الولاء لا يباع، ولا يوهب"، وفي رواية عتبان بن عبيد، عن شعبة مثله، ذكره أبو نعيم، وزاد محمد بن سليمان في السند: "عن ابن عمر، عن عمر"، فوَهِمَ، أخرجه الدارقطنيّ أيضًا، وضعّفه.
واتّفق جميع من ذكرنا على هذا اللفظ، وخالفهم أبو يوسف القاضي، فرواه عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، بلفظ: "الولاء لُحمة كلحمة النسب"، أخرجه الشافعيّ، ومن طريقه الحاكم، ثم البيهقيّ، وأدخل بشر بن الوليد بين أبي يوسف، وبين ابن دينار عبيد الله بن عمر، أخرجه أبو يعلى في "مسنده" عنه، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" عن أبي يعلى، وأخرجه أبو نعيم من طريق عبد الله بن جعفر بن أعين، عن بشر، فزاد في المتن: "لا يباع، ولا يوهب"، ومن طريق عبد الله بن نافع، عن عبد الله بن دينار: "إنما الولاء نسب، لا يصح بيعه، ولا هبته"، والمحفوظ في هذا ما أخرجه عبد الرزاق،
[ ٢٦ / ٥٦١ ]
عن الثوري، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيِّب، موقوفًا عليه: "الولاء لُحمة كلحمة النسب"، وكذا ما أخرجه البزار، والطبرانيّ، من طريق سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جدّه، رفعه: "الولاء ليس بمنتقل، ولا متحوِّل"، وفي سنده المغيرة بن جميل، وهو مجهول، نعم عن ابن عباس، من قوله: "الولاء لمن أعتق، لا يجوز بيعه، ولا هبته". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٣٧٨٣ و٣٧٨٤] (١٥٠٦)، و(البخاريّ) في "العتق" (٢٥٣٥)، و(أبو داود) في "الفرائض" (٢٩١٩)، و(الترمذيّ) في "البيوع" (١٢٣٦) و"الولاء والهبة" (٢١٢٦)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٤٦٥٩ و٤٦٦٠ و٤٦٦١) وفي "الكبرى" (٦٢٥٣ و٦٢٥٤)، و(مالك) في "الموطإ" (١٥٢٢)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٨٨٥)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ٧٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٧٩ و١٠٧)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٤٥٩ و٣٠٢٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٩٤٨)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٣٦٢٥)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٢٣٣)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٢٤٥)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (١/ ١١٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٣٨ و٢٣٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٢٩٢) و"الصغرى" (٩/ ٣٠١) و"المعرفة" (٧/ ٢٠٥ - ٢٠٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٢٢٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم بيع الولاء، وهو المنع، قال النوويّ - ﵀ -: فيه تحريم بيع الولاء وهبته، وأنهما لا يصحّان، وأنه لا ينتقل الولاء عن مستحقّه،
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ٤٨٣ - ٤٨٥ "كتاب الفرائض" رقم (٦٧٥٦).
[ ٢٦ / ٥٦٢ ]
بل هو لُحمة كلحمة النسب، وبهذا قال جماهير العلماء من السلف، والخلف، وأجاز بعض السلف نقله، ولعلهم لم يبلغهم الحديث. انتهى (^١).
٢ - (ومنها): ما قاله ابن بطال - ﵀ -: أجمع العلماء على أنه لا يجوز تحويل النسب، فإذا كان حكم الولاء حكم النسب فكما لا ينتقل النسب لا ينتقل الولاء، وكانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره فنهى الشرع عن ذلك (^٢).
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: إنما لم يجز بيع الولاء، ولا هبته؛ للنهي عن ذلك، ولأنه أمر وجوديّ، لا يتأتّى الانفكاك عنه كالنسب، ولذلك قال - ﷺ -: "الولاء لُحمة كلُحمة النسب"، فكما لا تنتقل الأبوّة، والجدودة، كذلك لا ينتقل الولاء، قال: غير أنه يصحّ في الولاء جرّ ما يترتّب عليه الميراث، ومثاله أن يتزوّج عبدٌ مُعتقةً، فيولد له منها ولدٌ، فيكون حرًّا بحرّية أمه، ويكون ولاؤه لمواليها، ما دام أبوه عبدًا، فلو أعتقه سيّده عاد ولاؤه لمعتِق أبيه بالاتفاق. انتهى (^٣).
قال الحافظ بعد أن ذكر كلام القرطبيّ هذا ما نصّه: وهذا لا يقدح في الأصل المذكور: أن الولاء لحمة كلحمة النسب؛ لأن التشبيه لا يستلزم التسوية من كل وجه. انتهى (^٤).
[تنبيه]: قال القرطبيّ - ﵀ -: للولاء أحكام خاصّة ثبتت بالسنّة:
[منها]: أنه لا يَرِث به إلا العصبات الذكور، ولا مدخل للنساء فيه، إلا فيما أعتقن، أو أعتق من أعتقن.
[ومنها]: أن لا يُورث إلا بالكِبَر، فلا يستحقّ البطن الثاني منه شيئًا ما بقي من البطن الأول شيء، وتفصيل ذلك في الفروع، وقد حُكي عن بعض السلف أن الولاء ينتقل، ولعله إنما يعني به الجرّ. انتهى (^٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "شرح مسلم" ١٠/ ٣٨٧.
(٢) "الفتح" ١٥/ ٤٨٥.
(٣) "المفهم" ٤/ ٣٣٩.
(٤) "الفتح" ١٥/ ٤٨٥.
(٥) "المفهم" ٤/ ٣٣٩.
[ ٢٦ / ٥٦٣ ]
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم بيع الولاء:
قال العلامة ابن قُدامة - ﵀ -: ولا يصح بيع الولاء، ولا هبته، ولا أن يأذن لمولاه، فيوالي من شاء، رُوي ذلك عن عمر، وعليّ، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر - ﵃ -، وبه قال سعيد بن المسيِّب، وطاوس، وإياس بن معاوية، والزهريّ، ومالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابه، وكَرِه جابر بن عبد الله بيع الولاء، قال سعيد: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: "إنما الولاء كالنسب، أفيبيع الرجل نسبه؟ "، وقال: حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار: أن ميمونة وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس، وكان مكاتَبًا، وروي أن ميمونة وهبت ولاء مواليها للعباس، وولاؤهم اليوم لهم، وأن عروة ابتاع ولاء طهمان، لورثة مصعب بن الزبير، وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أذنتُ لمولاي أن يوالي من شاء، فيجوز؟ قال: نعم.
واحتجّ الأولون بأن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الولاء، وعن وهبته، وقال: "الولاء لُحْمة كلحمة النسب"، وقال: "لعن الله من تولى غير مواليه"، ولأنه معنى يورث به فلا ينتقل كالقرابة، وفعل هؤلاء شاذّ يخالف قول الجمهور، وتردّه السنة، فلا يعوّل عليه.
قال: ولا ينتقل الولاء عن المعتِق بموته، ولا يرثه ورثته، وإنما يرثون المال به، مع بقائه للمعتِق، هذا قول الجمهور، ورُوي نحو ذلك عن عمر، وعليّ، وزيد، وابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، وابن عمر، وأبي مسعود البدريّ، وأسامة بن زيد، وبه قال عطاء، وطاوس، وسالم بن عبد الله، والحسن، وابن سيرين، والشعبيّ، والزهريّ، والنخعيّ، وقتادة، وأبو الزناد، وابن نشيط، ومالك، والثوريّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وداود، وشذَّ شُرَيح، وقال: الولاء كالمال يورث عن المعتِق، فمن ملك شيئًا حياته، فهو لورثته، ورواه حنبل، ومحمد بن الحكم، عن أحمد، وغَلَّطهما أبو بكر، وهو كما قال، فإن رواية الجماعة عن أحمد، مثل قول الجماعة، وذلك لقوله - ﷺ -: "الولاء للمعتق"، وقوله: "الولاء لحمة كلحمة النسب"، والنسب لا يورَّث، وإنما يُورَث به، ولأنه معنى يُورَث به، فلا ينتقل كسائر الأسباب، والله
[ ٢٦ / ٥٦٤ ]
تعالى أعلم. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قال ابن عبد البرّ - ﵀ -: اتفق الجماعة على العمل بهذا الحديث، إلا ما رُوي عن ميمونة لأنها وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس - ﵁ -، ورَوَى عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء: يجوز للسيد أن يأذن لعبده أن يوالي من شاء.
وقال ابن بطال وغيره: جاء عن عثمان جواز بيع الولاء، وكذا عن عروة، وجاء عن ميمونة جواز هبة الولاء، وكذا عن ابن عباس، ولعلهم لم يبلغهم الحديث.
قال الحافظ: قد أنكر ذلك ابن مسعود في زمن عثمان، فأخرج عبد الرزاق عنه: أنه كان يقول: أيبيع أحدكم نسبه؟ ومن طريق عليّ: الولاء شعبة من النسب، ومن طريق جابر أنه أنكر بيع الولاء وهبته، ومن طريق عطاء أن ابن عمر كان ينكره، ومن طريق عطاء، عن ابن عباس: لا يجوز، وسنده صحيح، ومن ثَمّ فَصّلوا في النقل عن ابن عباس بين البيع والهبة.
وقال ابن العربيّ: معنى: "الولاء لحمة كلحمة النسب" أن الله أخرجه بالحرمة إلى النسب حكمًا، كما أن الأب أخرجه بالنطفة إلى الوجود حسًّا؛ لأن العبد كان كالمعدوم في حق الأحكام، لا يَقضي ولا يَلي ولا يَشهد، فأخرجه سيده بالحرية إلى وجود هذه الأحكام من عدمها، فلما شابه حكم النسب أُنيط بالمعتِق، فلذلك جاء: "إنما الولاء لمن أعتق"، وأُلحق برتبة النسب، فنُهِي عن بيعه وهبته. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من الحجج أن الصواب هو ما عليه الجمهور، من أنه لا يجوز بيع الولاء، ولا هبته، وأنه لا ينتقل عن المعتِق بموته إلى غيره؛ للأدلّة الصحيحة التي تقدّم بيانها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "المغني" لابن قُدامة - ﵀ - ٩/ ٢١٩ - ٢٢٠.
(٢) "الفتح" ١٥/ ٤٨٥ "كتاب الفرائض" رقم (٦٧٥٦).
[ ٢٦ / ٥٦٥ ]
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٨٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ (ح) وَحَدَّثنا يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، قَالُوًا: حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثنا عَبْدُ الْوَهَّاب، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ (ح) وَحَدَّثنا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ - يَعْنى ابْنَ عُثْمَانَ - كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِي - ﷺ - بِمِثْلِه، غَيْرَ أَنَّ الثَّقَفِئ لَيْسَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ إِلَّا الْبَيْعُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْهِبَةَ).
رجال هذا الإسناد: عشرون:
١ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان، تقدّم قريبًا.
٢ - (يَحْيى بْنُ أيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) عليّ بن حجر السعديّ المروزيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ) الثوريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٦ - (الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) الْحِزاميّ، أبو عثمان المدني، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤.
والباقون تقدّموا في الباب، وفي الأبواب الثلاثة قبله.
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ) يعني أن هؤلاء الستة، وهم: سفيان بن عيينة، وإسماعيل بن جعفر، وسفيان بن سعيد الثوريّ، وشعبة، وعبيد الله بن عمر العمريّ، والضحّاك بن عثمان رووا هذا الحديث عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ -.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ الثَّقَفِيَّ إلخ) هو عبد الله بن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ، روى هذا الحديث عن عبيد الله العمريّ بلفظ: "نهى عن بيع الولاء"، ولم يذكر النهي عن هبته.
[ ٢٦ / ٥٦٦ ]
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن دينار، ساقها أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنّفه" ٦/ ٢٩٩ فقال:
(٣١٦٠٨) - حدّثنا ابن عيينة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: "نَهَى رسول الله - ﷺ - عن بيع الولاء، وعن هبته". انتهى.
وأما رواية إسماعيل بن جعفر، عن عبد الله بن دينار، فقد ساقها النسائيّ في "الكبرى" ٤/ ٨٩ فقال:
(٦٤١٥) - أخبرنا عليّ بن حُجْر بن إياس المروزيّ، عن إسماعيل - يعني ابن جعفر - عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، قال: "نَهَى رسول الله - ﷺ - عن بيع الولاء، وعن هبته". انتهى.
وأما رواية سفيان الثوريّ، عن عبد الله بن دينار، فقد ساقها البخاريّ في "صحيحه" ٦/ ٢٤٨٢ فقال:
(٦٣٧٥) - حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵄ - قال: "نَهَى النبيّ - ﷺ - عن بيع الولاء، وعن هبته". انتهى.
وأما رواية شعبة، عن عبد الله بن دينار، فقد ساقها البخاريّ أيضًا ٢/ ٨٩٦ فقال:
(٢٣٩٨) - حدّثنا أبو الوليد، حدّثنا شعبة، قال: أخبرني عبد الله بن دينار، سمعت ابن عمر - ﵄ - يقول: "نَهَى رسول الله - ﷺ - عن بيع الولاء، وعن هبته". انتهى.
وأما رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، عن عُبيد الله بن عمر، عن عبد الله بن دينار، بحذف لفظ الهبة، فلم أجد من ساقها بتمامها، وإنما ساقها النسائيّ بذكر الهبة، فقال في "الكبرى" ٤/ ٥١:
(٦٢٥٣) - أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدّثنا خالد، قال: حدّثنا عبيد الله، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله - ﵁ -: "أن رسول الله - ﷺ - نَهَى عن بيع الولاء، وعن هبته". انتهى.
وأما رواية الضحّاك بن عثمان، عن عبد الله بن دينار، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرحع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ٢٦ / ٥٦٧ ]