وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٨١] (١٤٧٥) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي، فَقَالَ: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي، حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ"، قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ
[ ٢٦ / ١٢١ ]
لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِه، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: "إِن اللهَ ﷿ قَالَ (^١): ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩] "، قَالَتْ: فَقُلْتُ: فِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ، وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِثْلَ مَا فَعَلْتُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سَرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوق [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٤ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل بابين.
٦ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، ذُكرت في الحديث الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان فصل بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا.
_________________
(١) وفي نسخة: "قال لي".
[ ٢٦ / ١٢٢ ]
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ) الزهريّ المدنيّ (أَنَّ عَائِشَةَ) - ﵂ - (قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ) ورد في سبب هذا التخيير اختلاف الروايات، وسيأتي البحث فيه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
(بَدَأَ بِي) أي: بدأ بالدخول عليها حين كَمُل الشهر، وأراد الرجوع إلى أزواجه، وفيه فضل عائشة - ﵂ -؛ لبداءته بها، كذا قرّره النوويّ ﵀.
قال الحافظ ﵀: لكن رَوَى ابن مردويه من طريق الحسن، عن عائشة - ﵂ - أنها طلبت من رسول الله - ﷺ - ثوبًا، فأمر الله نبيّه - ﷺ - أن يُخيّر نساءه: أَمَا عند الله تُردن، أم الدنيا؟ فإن ثبت هذا، وكانت هي السبب في التخيير، فلعلّ البداءة بها لذلك، لكن الحسن لم يسمع من عائشة، فهو ضعيف، وحديث جابر في أن النسوة كنّ يسألنه النفقة أصحّ طريقًا منه.
وإذا تقرّر أن السبب لم يتّحد فيها، وقُدّمت في التخيير دلّ على المراد، لا سيّما مع تقديمه لها أيضًا في البداءة بها في الدخول عليها. انتهى (^١).
(فَقَالَ: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي) أي: فلا بأس عليك في التأني، وعدم العجلة، حتى تشاوري أبويك (حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ) أي: تطلبي منهما أن يُبَيِّنا لك رأيهما في ذلك، ووقع في حديث جابر - ﵁ -: "حتى تستشيري أبويك"، زاد محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة: "إني عارض عليك أمرًا، فلا تفتاتي فيه بشيء، حتى تَعْرِضيه على أبويك: أبي بكر، وأُمّ رُومان"، أخرجه أحمد، والطبريّ، ويستفاد منه أن أم رُومان كانت يومئذ موجودة، فيُرَدّ به على من زعم أنها ماتت سنة ست من الهجرة، فإن التخيير
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٤٧٧ "كتاب التفسير".
[ ٢٦ / ١٢٣ ]
كان في سنة تسع (^١).
قال النوويّ ﵀: وقوله - ﷺ -: "فلا عليك أن لا تعجلي" معناه: ما يضرّك أن لا تعجلي، وإنما قال لها هذا شفقةً عليها، وعلى أبويها، ونصيحةً لهم في بقائها عنده - ﷺ -، فإنه خاف أن يَحمِلها صغر سنّها، وقلّة تجاربها على اختيار الفراق، فيجب فراقها، فتتضرّر هي وأبواها، وباقي النسوة بالاقتداء بها.
وفي هذا الحديث: منقبة ظاهرة لعائشة، ثم لسائر أمهات المؤمنين - ﵅ - وفيه المبادرة إلى الخير، وإيثار أمور الآخرة على الدنيا، وفيه نصيحة الإنسان صاحبه، وتقديمه في ذلك ما هو أنفع في الآخرة. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": قال العلماء: إنما أمر النبيّ - ﷺ - عائشة أن تستأمر أبويها؛ خشيةَ أن يحملها صغر السنّ على اختيار الشقّ الآخر؛ لاحتمال أن لا يكون عندها من المَلَكة ما يدفع ذلك العارض، فإذا استشارت أبويها، أوضحا لها ما في ذلك من المفسدة، وما في مقابله من المصلحة، ولهذا لما فطنت عائشة لذلك قالت: "قد علم أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه"، ووقع في رواية عمرة، عن عائشة في هذه القصّة: "وخشي رسول الله - ﷺ - حداثتي"، وهذا شامل للتأويل المذكور. انتهى (^٣).
(قَالَتْ) عائشة - ﵂ - (قَدْ عَلِمَ) - ﷺ -، وقولها: (أَنَّ أَبَوَيَّ) هذا هو الموافق للقواعد؛ لأن المثنّى يُجرّ، ويُنصب، بالياء، فإذا أضيف إلى ياء المتكلّم تدغم ياؤه في ياء المتكلّم، ووقع في بعض نسخ النسائيّ بلفظ "أن أبواي" بالألف، وَيحْتَمِل أن يكون له وجه صحيح، وهو أن يُخرّج على لغة من يُلزم المثنّى الألف في الأحوال كلها.
[فائدة]: ذكر ابن مالك قاعدةَ ما يُضاف إلى ياء المتكلم في "الخلاصة"، حيث قال:
آخِرَ مَا اُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ إِذَا … لَمْ يَكُ مُعْتَلًّا كَرَامٍ وَقَذَى
أَوْ يَكُ كَابْنَيْنِ وَزيدِينَ فَذِي … جَمِيعُهَا الْيَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٤٩٩.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ٧٨ - ٧٩.
(٣) "الفتح" ٩/ ٤٧٧.
[ ٢٦ / ١٢٤ ]
وَتُدْغَمُ الْيَا فِيهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ … مَا قَبْلَ وَاو ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ
وَأَلِفًا سَلِّمْ وَفِي الْمَقْصُورِ … عَنْ هُذَيْل انْقِلَابُهَا يَاءً حَسَنْ
(لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ) تعني أنه - ﷺ - إنما أمرها بعدم الاستعجال قبل استئمار أبويها؛ لأنه يعلم أنهما لا يريدان لها إلا الخير، فيختاران الله، ورسوله، والدار الآخرة لها، فيمنعانها من أن تختار نفسها عليه، بخلافها هي، فإنه ربما يدعوها صغرها، وعدم تجربتها الأمور إلى الميل للحظ الدنيوي العاجل، فتختار نفسها - أعاذها الله تعالى من ذلك - (قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللهَ ﷿ قَالَ) وفي نسخة: "قال لي" (﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب: ٢٨]) قال الحافظ ابن كثير ﵀ في "تفسيره": هذا أمر من الله ﵎ لرسوله - ﷺ - بأن يُخيّر نساءه بين أن يفارقهنّ، فيذهبن إلى غيره ممن يَحصُل لهنّ عنده الحياة الدنيا، وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهنّ عند الله تعالى في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن - ﵅، وأرضاهنّ - اللهَ، ورسولَهُ، والدارَ الآخرةَ، فجمع الله تعالى لهنّ بعد ذلك بين خير الدنيا، وسعادة الآخرة. انتهى (^١).
(﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾) أي: أعطيكنّ حقوقكنّ، وأُطَلِّقُ سراحكنّ.
قال الحافظ ابن كثير ﵀: وقد اختَلَف العلماء في جواز تزوّج غيره لهنّ لو طلّقهنّ على قولين: أصحّهما نعم لو وقع؛ ليحصل المقصود من السراح، والله أعلم.
قال عكرمة: وكان تحته - ﷺ - يومئذ تسع نسوة: خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة - رضي الله تعالى عنهنّ - وكانت تحته - ﷺ - صفية بنت حُيي النضِيريّة، وميمونة بنت الحارث الهلاليّة، وزينب بنت جحش الأسديّة، وجويرية بنت الحارث المصطلقيّة - رضي الله تعالى عنهنّ، وأرضاهنّ - (^٢).
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ٣/ ٤٨٩ "تفسير سورة الأحزاب".
(٢) "تفسير ابن كثير" ٣/ ٤٩٠، "تفسير سورة الأحزاب".
[ ٢٦ / ١٢٥ ]
(﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب: ٢٩] "، قَالَتْ: فَقُلْتُ: فِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟) في رواية محمد بن عمرو: "فقلت: فإني أريد الله، ورسوله، والدار الآخرة، ولا أؤامر أبويّ: أبا بكر، وأمّ رُومان، فضَحِك"، وفي رواية عمر بن أبي سلمة، عن أبيه عند الطبريّ: "فَفَرِحَ" (فَإِنِّي أُرِيدُ الله، وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِثْلَ مَا فَعَلْتُ) في رواية عُقيل: "ثم خَيَّر نساءه، فقلن مثل ما قالت عائشة"، زاد ابن وهب، عن يونس في روايته: "فلم يكن ذلك طلاقًا، حين قاله لهنّ، فاخترنه"، أخرجه الطبريّ.
وفي رواية محمد بن عمرو المذكورة: "ثم استَقْرَى الْحُجَر، يعني حُجَر أزواجه، فقال: إن عائشة قالت كذا، فقلن: ونحن نقول مثل ما قالت".
وقوله: "استَقْرَى الحجر" أي: تتبع، والْحُجَر - بضمّ المهملة، وفتح الجيم - جمع حُجْرة - بضمّ، ثم سكون - والمراد مساكن أزواجه - ﷺ -.
وفي حديث جابر الآتي: أن عائشة لَمّا قالت: بل أختار الله، ورسوله، والدار الآخرة، قالت: يا رسول الله، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلتُ، فقال: لا تسألني امرأة منهنّ إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني مُتَعنتًا، وإنما بعثني مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا".
وفي رواية معمر الآتية: قال معمر: فأخبرني أيوب، أن عائشة قالت: لا تخبر نساءك أني اخترتك، فقال: "إن الله أرسلني مُبَلِّغًا، ولم يرسلني مُتَعَنِّتًا". وهذا منقطع بين أيوب، وعائشة، ويشهد لصحته حديث جابر.
[تنبيه]: وقع في "النهاية"، "والوسيط" التصريح بأن عائشة - ﵂ - أرادت أن يختار نساؤه الفراق، قال الحافظ: فإن كانا ذكراه فيما فهماه من السياق، فذاك، وإلا فلم أر في شيء من طرق الحديث التصريح بذلك (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٩/ ٤٧٧.
[ ٢٦ / ١٢٦ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٣٦٨١] (١٤٧٥)، و(البخاريّ) في "التفسير" (٤٧٨٦) و"الطلاق" (٥٢٦٢ و٥٢٦٤)، و(أبو داود) في "الطلاق" (٢٢٠٣)، و(الترمذيّ) في "الطلاق، واللعان" (١١٧٩) و"التفسير" (٣٢٠٤)، و(ابن ماجه) في "الطلاق" (٢٠٥٢ و٢٠٥٣)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٦/ ٥٥ و١٥٩) و"الكبرى" (٣/ ٢٦٠ و٢٦١)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٦٣ و١٨٥)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٢٦٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٦٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٦٣)، و(عبد بن حُميد) (١/ ٤٣١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٣٦ - ٣٧) و"المعرفة" (٥/ ٤٨٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (ومنها): أن فيه ملاطفة النبيّ - ﷺ - لأزواجه، وحلمه، وصبره على ما كان يصدر منهنّ، من إدلال وغيره، مما يبعثه عليهنّ الغيرة.
٢ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن صغر السنّ مظنّة لنقص الرأي.
٣ - (ومنها): أن فيه منقبة عظيمة لعائشة - ﵂ -، وبيان كمال عقلها، وصحّة رأيها مع صغر سنّها.
٤ - (ومنها): أن الغيرة تَحْمِل المرأة الكاملة الرأي والعقل على ارتكاب ما لا يليق بحالها؛ لسؤال عائشة - ﵂ - النبيّ - ﷺ - أن لا يُخبر أحدًا من أزواجه بفعلها، ولكنه - ﷺ - لَمّا عَلِم أن الحامل على ذلك ما طُبع عليه النساء من الغيرة، ومحبّة الاستبداد، دون ضرائرها لم يُسعِفها بما طلبت من ذلك.
٥ - (ومنها): أن فيه منقبةً ظاهرةً لعائشة، ثم لسائر أمهات المؤمنين - رضي الله تعالى عنهنّ - حيث اخترن الله، ورسوله، والدارَ الآخرةَ، وبادرن إلى ذلك.
٦ - (ومنها): أن فيه المبادرةَ إلى الخير، وإيثارَ أمور الآخرة على الدنيا؛ لأن الله ﷾ رتّب على ذلك ثوابًا عظيمًا، كما بيّنته الآية المذكورة، وكما في قوله ﷿: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٩].
[ ٢٦ / ١٢٧ ]
٧ - (ومنها): أنه ذكر بعض العلماء أن من خصائصه - ﷺ - تخيير أزواجه، واستند إلى هذه القصّة، ولا دلالة فيها على الاختصاص.
نعم ادّعَى بعض من قال: إن التخيير طلاق أنه في حقّ الأُمّة، واختصّ هو - ﷺ - بأن ذلك في حقّه ليس بطلاق، لكن الصحيح أن التخيير ليس طلاقًا في حقّ أحد، كما سيأتي تحقيقه - إن شاء الله تعالى -.
٨ - (ومنها): أن بعضهم استدلّ به على ضعف ما جاء أن من الأزواج حينئذ من اختارت الدنيا، ففارقها، وهي فاطمة بنت الضحّاك، لعموم قول عائشة - ﵂ -: "ثم فعل أزواج النبيّ - ﷺ - مثل ما فعلت".
وذكر ابن العربيّ عن ابن شهاب أن امرأة واحدة منهنّ اختارت نفسها، فذهبت، وكانت بدويّة، اسمها عمرة بنت يزيد الكلابيّة، اختارت الفراق، فذهبت، فابتلاها الله تعالى بالجنون، ويقال: إن أباها تركها ترعى غنمًا له، فصارت في طلب إحداهنّ، فلم يُعلم ما كان من أمرها إلى اليوم.
وذكر ابن سيّد الناس عن أبي عمر أن اسمها فاطمة بنت الضحّاك بن سفيان الكلابيّ، وذكر أنها كانت بعد ذلك تلتقط البعر، وتقول: أنا الشقيّة، اخترت الدنيا.
وهذه الروايات كلّها قد ردّ عليها ابن العربيّ في "أحكام القرآن" (^١)، وابن سيّد الناس في "عيون الأثر" (^٢)، وقد أشبع القول في ذلك الحافظ في "الإصابة" (^٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف الروايات في سبب هذه نزول الآية الكريمة:
قال الحافظ وليّ الدين ﵀: سبب نزول آية التخيير فيما روى أبو بكر ابن مردويه في "تفسيره" من حديث الحسن مرسلًا أنّ عائشة - ﵂ -، طلبت إلى رسول الله - ﷺ - ثوبًا، فأمر الله تعالى نبيّه - ﷺ - أن يُخيّر نساءه، أَمَا عند الله يُردن، أم الدنيا؟ وهذا مرسل.
_________________
(١) راجع: "أحكام القرآن" لابن العربيّ ٢/ ١٦٢.
(٢) راجع: "عيون الأثر" ٢/ ٣١٠.
(٣) راجع: "الإصابة في تمييز الصحابة" ٨/ ٢٧٢ - ٢٧٤.
[ ٢٦ / ١٢٨ ]
لكن يشهد له حديث جابر عند مسلم، وفيه: أنه - ﷺ - قال: "وهنّ حولي كما ترى، يسألنني النفقة"، فقام أبو بكر إلى عائشة يَجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يَجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله - ﷺ - ما ليس عنده؟ قلن: والله ما نسأل رسول الله - ﷺ - شيئًا أبدًا، ليس عنده، ثم اعتزلهنّ شهرًا، أو تسعًا وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الآية، فذكر الحديث. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": ورد في سبب هذا التخيير ما أخرجه مسلم من حديث جابر - ﵁ - يعني الآتي آخر الباب -: "قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله - ﷺ - … " الحديث، وفيه قوله - ﷺ -: "هُنّ حولي كما ترى يسألنني النفقة"، يعني نساءه، وفيه: "ثم اعتزلهنّ شهرًا، ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾، حتى بلغ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قال: فبدأ بعائشة"، فذكر نحو هذا الحديث.
ويأتي أيضًا في الباب التالي من طريق ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس، عن عمر، في قصة المرأتين اللتين تظاهرتا بطوله، وفي آخره حين أفشته حفصة إلى عائشة، وكان قد قال: "ما أنا بداخل عليهنّ شهرًا، من شِدّة مَوْجِدته عليهنّ، حتى عاتبه الله، فلما مضت تسع وعشرون دخل على عائشة، فبدأ بها، فقالت له: إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا، وقد أصبحنا لتسع وعشرين ليلة أعُدّها عدًّا، فقال النبيّ - ﷺ -: الشهر تسع وعشرون، وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين، قالت عائشة: فأنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة، فقال: إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي … " الحديث، لفظ البخاريّ في "كتاب المظالم".
قال في "الفتح": وهذا السياق ظاهره أن الحديث كله من رواية ابن عباس، عن عمر، وأما المروي عن عائشة، فمن رواية ابن عباس عنها، وقد وقع التصريح بذلك فيما أخرجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طريق أبي
_________________
(١) "طرح التثريب" ٧/ ١٠٢ - ١٠٣.
[ ٢٦ / ١٢٩ ]
صالح، عن الليث، بهذا الإسناد، إلى ابن عباس، قال: قالت عائشة: "أُنزلت آية التخيير، فبدأ بي … " الحديث.
لكن أخرج مسلم الحديث من رواية معمر، عن الزهريّ، ففصّله تفصيلًا حسنًا، وذلك أنه أخرجه بطوله إلى آخر قصة عمر في المتظاهرتين إلى قوله: "حتى عاتبه"، ثم عقّبه بقوله: قال الزهريّ: فأخبرني عروة، عن عائشة، قالت: لَمّا مضى تسع وعشرون، فذكر مراجعتها في ذلك، ثم عقّبه بقوله: قال: "يا عائشة إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليكِ أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك … " الحديث.
فعُرف من هذا أن قوله: "فلما مضت تسع وعشرون" إلخ في رواية عُقَيل هو من رواية الزهريّ، عن عائشة بحذف الواسطة، ولعل ذلك وقع عن عمد، من أجل الاختلاف على الزهريّ في الواسطة بينه وبين عائشة في هذه القصة بعينها، كما بيّنه البخاريّ، وكأن من أدرجه في رواية ابن عباس مشى على ظاهر السياق، ولم يَفْطُن للتفصيل الذي وقع في رواية معمر.
وقد أخرج مسلم أيضا من طريق سماك بن الوليد، عن ابن عباس: حدّثني عمر بن الخطاب قال: لَمّا اعتَزَل النبيّ - ﷺ - نساءه، دخلت المسجد … الحديث بطوله، وفي آخره: قال: وأنزل الله آية التخيير، فاتفق الحديثان على أن آية التخيير نزلت عقب فراغ الشهر الذي اعتزلهنّ فيه.
ووقع ذلك صريحًا في رواية عمرة، عن عائشة: قالت: لما نزل النبيّ - ﷺ - إلى نسائه أمر أن يخيرهنّ … الحديث، أخرجه الطبريّ، والطحاويّ.
واختلف الحديثان في سبب الاعتزال، ويمكن الجمع بأن تكون القضيتان جميعًا سبب الاعتزال، فإن قصة المتظاهرتين خاصة بهما، وقصة سؤال النفقة عامة في جميع النسوة، ومناسبة آية التخيير بقصة سؤال النفقة أليق منها بقصة المتظاهرتين. انتهى كلام الحافظ ﵀، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال الحافظ وليّ الدين ﵀: اختَلَف الصحابة - ﵃ - في أن التخيير في الآية، هل كان بين إقامتهنّ في عصمته، وفراقهنّ، أو بين أن يُبْسَط لهنّ في الدنيا، أو لا يبسط لهنّ فيها؟ فذهب إلى الأول عائشة،
[ ٢٦ / ١٣٠ ]
وجابر - ﵄ -، وذهب إلى الثاني علي بن أبي طالب، وابن عبّاس - ﵃ -. ذكر ذلك والدي ﵀ في "شرح الترمذيّ"، وقال: الأول أصحّ، وعائشة صاحبة القصّة، وهي أعرف بذلك، مع موافقة ظاهر القرآن؛ لقوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، وهو الطلاق. انتهى (^١).
وقال الحافظ ﵀: قال الماورديّ: اختُلِف هل كان التخيير بين الدنيا والآخرة، أو بين الطلاق والإقامة عنده؟ على قولين للعلماء، أشبههما بقول الشافعيّ الثاني، ثم قال: إنه الصحيح، وكذا قال القرطبيّ: اختُلِف في التخيير، هل كان في البقاء والطلاق، أو كان بين الدنيا والآخرة؟ انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر الجمع بين القولين؛ لأن أحد الأمرين ملزوم للآخر، وكأنهنّ خُيِّرن بين الدنيا، فيطلقهنّ، وبين الآخرة، فيمسكهنّ، وهو مقتضى سياق الآية.
قال: ثم ظهر لي أن محل القولين، هل فُوِّض إليهنّ الطلاق أم لا؟ ولهذا أخرج أحمد، عن عليّ قال: لم يخيِّر رسول الله - ﷺ - نساءه إلا بين الدنيا والآخرة. انتهى كلام الحافظ ﵀ (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٨٢] (١٤٧٦) - (حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّة، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَسْتَأْذِنُنَا، إِذَا كَانَ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا بَعْدَمَا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، فَقَالَتْ لَهَا مُعَاذَةُ: فَمَا كُنْتِ تَقُولِينَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذَا اسْتَأْذَنَكِ؟ قَالَتْ: كُنْتُ أقولُ: إِنْ كَانَ ذَاكَ إِلَيَّ، لَمْ أُوثِرْ أَحَدًا عَلَى نَفْسِي).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ) بن إبراهيم، أبو الحارث البغداديّ، مروزيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٧/ ١٠٣.
(٢) راجع: "الفتح" ١٠/ ٤٩٧ - ٤٩٩ "كتاب التفسير" رقم (٤٧٨٦).
[ ٢٦ / ١٣١ ]
٢ - (عَبَّادُ بْنُ عَبَّادِ) بن حبيب بن الْمُهلَّب بن أبي صُفرة الأزديّ المهلّبيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ [٧] (ت ١٧٩) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٣ - (عَاصِمُ) بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] مات بعد (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
٤ - (مُعَاذَةُ الْعَدَوِيَّةُ) بنت عبد الله، أم الصهباء البصريّة، ثقةٌ [٣] (ع) تقدمت في "الحيض" ٩/ ٧٣٨.
و"عائشة - ﵂ - " ذُكرت قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير شيخه، فبغداديّ، وعائشة - ﵂ - فمدنيّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّة، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَسْتَأْذِنُنَا) أي: يطلب إذننا (إِذَا كَانَ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا) أي: إذا كان في اليوم الذي يكون فيه نوبتها إذا أراد أن يتوجّه إلى الأخرى (بَعْدَمَا نَزَلَتْ) هذه الآية الكريمة (﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]) تقدّم شرح الآية، وأقوال أهل العلم فيها في "كتاب الرضاع" "باب جواز هبتها نوبتها لضرّتها" [١٤/ ٣٦٣١] (١٤٦٤).
ومعنى كلام عائشة - ﵂ - هذا أنه - ﷺ - بعدما أنزلت هذه الآية الكريمة التي خيّرته بين إرجاء بعض أزواجه، وإيواء بعضهنّ لم يُرجئ أحدًا منهنّ، بل كان يَقْسِم لهنّ، وإذا أراد أن يذهب إلى غير صاحبة النوبة، استأذنها.
(فَقَالَتْ لَهَا) أي: لعائشة - ﵂ - (مُعَاذَةُ) العدويّة (فَمَا) استفهاميّة؛ أي: أيَّ شيء (كُنْتِ تَقُولِينَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذَا اسْتَأْذَنَكِ؟) في الذهاب إلى غيركِ في نوبتكِ (قَالَتْ: كُنْتُ أقولُ: إِنْ كَانَ ذَاكَ إِلَيَّ) أي: إن كان ما ذكرته من الإرجاء
[ ٢٦ / ١٣٢ ]
والإيواء مفوَّضًا إليّ (لَمْ أُوثِرْ أَحَدًا عَلَى نَفْسِي) أي: لم أفضّل أحدًا من ضرائريّ على نفسي.
وإنما ذكّرت "أحدًا"؛ لأنه يُطلق على الذكر والأنثى، قال الفيّوميّ ﵀: "أحدٌ" أصله وَحَدٌ بالواو، فأبدلت الواو همزة، ويقع على الذكر والأنثى، وفي التنزيل: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٢]. انتهى (^١).
قال النوويّ ﵀: قولها: "إن كان ذلك إليّ لم أُوثر على نفسي أحدًا" هذه المنافسة فيه - ﷺ - ليست لمجرد الاستمتاع، ولمطلق العِشرة، وشهوات النفوس، وحظوظها التي تكون من بعض الناس، بل هي منافسة في أمور الآخرة، والقرب من سيد الأولين والآخرين، والرغبة فيه، وفي خدمته، ومعاشرته، والاستفادة منه، وفي قضاء حقوقه وحوائجه، وتوقع نزول الرحمة والوحي عليه عندها، ونحو ذلك، ومثل هذا حديث ابن عباس - ﵄ -، وقوله في القدح: "لا أُوثر بنصيبي منك أحدًا"، ونظائر ذلك كثيرةٌ. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٣٦٨٢ و٣٦٨٣] (١٤٧٦)، و(البخاريّ) في "التفسير" (٤٧٨٩)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢١٣٦)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٠١ - ٣٠٢)، وأحمد في "مسنده" (٦/ ٧٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٢٠٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٥٧)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٦/ ٢٤٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٧٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة استئذان الزوجات لمن أراد أن يأتي زوجة في غير نوبتها.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٥٠.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ٧٩.
[ ٢٦ / ١٣٣ ]
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من حسن العشرة وكريم الملاطفة لأزواجه؛ لأنه لا يجب عليه القَسْم على الصحيح، ومع ذلك كان يقسم لهنّ، ولا يترك ذلك، مع أن الآية الكريمة أباحت له ذلك.
٣ - (ومنها): أن القائلين بوجوب القسم عليه - ﷺ - احتجوا بهذا الحديث، ولكن الأرجح أنه لا يدلّ عليه؛ لأنه إنما كان يستأذنهنّ من باب حسن المعاملة، فتنبّه.
٤ - (ومنها): بيان شدّة حبّ عائشة - ﵂ - له - ﷺ - بحيث إنها لا تؤثر بنصيبها منه غيرها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٨٣] (…) - (وَحَدَّثنَاه الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَك، أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى) بن ماسَرْجِس، أبو عليّ النيسابوريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤ -) (م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ١٠١.
٢ - (ابْن الْمُبَارَكِ) هو: عبد الله الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ جواد، مجاهدٌ، جُمعت فيه خصال الخير [٨] (ت ١٨١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢.
و"عاصم" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية ابن المبارك، عن عاصم الأحول هذه ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٤٧٨٩) - حدّثنا حِبّان بن موسى، أخبرنا عبد الله، أخبرنا عاصم الأحول، عن مُعاذة، عن عائشة - ﵂ -: أن رسول الله - ﷺ - كان يستأذن في يوم المرأة مِنّا بعد أن أُنزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]، فقلت لها: ما كنتِ تقولين؟ قالت: كنت أقول له: إن كان ذاك إليّ، فإني لا أُريد يا رسول الله أن أُوثر عليك أحدًا. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٢٦ / ١٣٤ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٨٤] (١٤٧٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْثَرٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ الله - ﷺ -، فَلَمْ نَعُدَّهُ طَلَاقًا) (^١).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْثَرُ) بن القاسم الزُّبيديّ، أبو زُبيد - بالضمّ فيهما - الكوفيّ، ثقةٌ [٨] [١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٨/ ٣٠٥.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ) البجليّ الأحمسيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٩.
٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهور [٣] مات بعد المائة، وله نحو من ثمانية سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (مَسْرُوقُ) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٧.
و"عائشة - ﵂ - " ذُكرت قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ مَسْرُوقِ) بن الأجدع ﵀ أنه (قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ - (قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: لَمّا نزلت آية التخيير، كما تقدّم قبل حديثين (فَلَمْ نَعُدَّهُ) بنون المتكلّم، وفي بعض النسخ: "فلم يعُدّه" بياء الغائب، والضمير للنبيّ - ﷺ -؛ أي: لم يعدّ ذلك التخيير (طَلَاقًا)، وفي رواية: "فلم يكن طلاقًا"، وفي رواية: "فاخترناه، فلم يعدّه طلاقًا"، وفي رواية: "فاخترناه، فلم يعددها علينا شيئًا"، وفي بعض النسخ: "فلم يعُدّها علينا شيئًا"، وكلها عند المصنّف هنا، وفيه أن من خيّر زوجته، فاختارته لم يكن ذلك طلاقًا، ولا يقع به الفُرقة.
قال الحافظ وليّ الدين ﵀: فيه أن من خيّر زوجته، فاختارته لم يكن
_________________
(١) وفي نسخة: "فلم يعدّه طلاقًا".
[ ٢٦ / ١٣٥ ]
ذلك طلاقًا، ولم تقع به فُرقةٌ، وقد صرّحت بذلك عائشة - ﵂ - بقولها: "خيّرنا رسول الله - ﷺ -، فلم يعدّه طلاقًا"، وفي لفظ: "فلم يكن طلاقًا"، وفي لفظ: "فلم يعُدّه علينا شيئًا"، وفي لفظ: "أفكان طلاقًا؟ "، وكلّ هذه الألفاظ في "الصحيح"، من رواية مسروق عنها، وبه قال جمهور العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وهو مذهب الأئمّة الأربعة، وممن قال به: عمر، وابن مسعود، وأبو الدرداء، وابن عبّاس - ﵃ -، وغيرهم، ووراء ذلك قولان شاذّان:
[أحدهما]: أنه يقع بذلك طلقةٌ رجعيّة، وهو محكيّ عن عليّ - ﵁ -.
[والثاني]: أنه تقع به طلقة بائنة، وهو محكيّ عن زيد بن ثابت. انتهى كلام وليّ الدين ﵀ باختصار (^١)، وسيأتي تحقيق الخلافات في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - والئه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٣٦٨٤ و٣٦٨٥ و٣٦٨٦ و٣٦٨٧ و٣٦٨٨ و٣٦٨٩] (١٤٧٧)، و(البخاريّ) في "الطلاق" (٥٢٦٢ و٥٢٦٣)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢٢٠٣)، و(الترمذيّ) في "الطلاق" (١١٧٩)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٦/ ٥٦ و١٦٠ و) و"الكبرى" (٣/ ٣٦٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٨٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٦٤٥ و٤٧ و٩٧ و١٧٠ و١٧٣ و٢٠٢ و٢٠٥ و٢٣٩ و٢٤٠)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢١٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٦١ و١٦٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٥٧)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٨٤)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (١/ ٤٢٥)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ٥٠ و٨٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٣٤٥) و"الصغرى" (٦/ ٣٤٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم من خيّر امرأته:
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٧/ ١٠٣ - ١٠٤.
[ ٢٦ / ١٣٦ ]
ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة، والتابعين، وفقهاء الأمصار إلى ما قالته عائشة - ﵂ - في هذا الحديث، وهو أن من خيّر امرأته، فاختارته، لا يقع عليه بذلك طلاق، واختلفوا فيما إذا اختارت نفسها، هل يقع طلقة واحدة رجعيّة، أو بائنًا، أو يقع ثلاثًا؟ وحكى الترمذيّ عن عليّ - ﵁ -: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنةٌ، وإن اختارت زوجها فواحدةٌ رجعيّةٌ، وعن زيد بن ثابت - ﵄ -: إن اختارت نفسها فثلاثٌ، وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة، وعن عمر، وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنةٌ، وعنهما: رجعيّةٌ، وإن اختارت زوجها فلا شيء.
ويؤيّد قول الجمهور من حيث المعنى: أن التخيير ترديدٌ بين شيئين، فلو كان اختيارها لزوجها طلاقًا لاتّحدا، فدلّ على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق، واختيارها لزوجها بمعنى البقاء في العصمة.
وقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق زاذان، قال: كنّا جلوسًا عند عليّ - ﵁ -، فسُئل عن الخيار؟ فقال: سألني عنه عمر؟ فقلت: إن اختارت نفسها فواحدةٌ بائنٌ، وإن اختارت زوجها فواحدةٌ رجعيّةٌ، قال: ليس كما قلت، إن اختارت زوجها فلا شيء، قال: فلم أجد بُدًّا من متابعته، فلما وليت رجعت إلى ما كنت أعرف، قال عليّ: وأرسل عمر إلى زيد بن ثابت، فقال … فذكر مثل ما حكاه عنه الترمذيّ.
وأخرج ابن أبي شيبة من طرق عن عليّ - ﵁ - نظير ما حكاه عنه زاذان من اختياره.
وأخذ مالك بقول زيد بن ثابت، واحتجّ بعض أتباعه لكونها إذا اختارت نفسها تقع ثلاثًا بأن معنى الخيار بتّ أحد الأمرين، إما الأخذ، وإما الترك، فلو قلنا: إذا اختارت نفسها يكون طلقةً رجعيّة لم يعمل بمقتضى اللفظ؛ لأنها تكون بعدُ في أسر الزوج، وتكون كمن خُيِّرَ فاختار غيرهما.
وأخذ أبو حنيفة بقول عمر، وابن مسعود فيما إذا اختارت نفسها، فواحدةٌ بائنةٌ، ولا يَرِدُ عليه الإيراد السابق.
وقال الشافعيّ: التخيير كناية، فإذا خيّر الزوج امرأته، وأراد بذلك تخييرها بين أن تطلّق منه، وبين أن تستمرّ في عصمته، فاختارت نفسها،
[ ٢٦ / ١٣٧ ]
وأرادت بذلك الطلاق طلّقت، فلو قالت: لم أرد باختيار نفسي الطلاق صُدّقت.
قال الحافظ: ويؤخذ من هذا أنه لو وقع التصريح في التخيير بالتطليق أن الطلاق يقع جزمًا، نبّه على ذلك شيخنا الحافظ أبو الفضل العراقيّ في "شرح الترمذيّ".
ونبّه صاحب "الهداية" من الحنفيّة على اشتراط ذكر النفس في التخيير، فلو قال مثلًا: اختاري، فقالت: اخترتُ لم يكن تخييرًا بين الطلاق وعدمه، وهو ظاهر، لكن محلّه الإطلاق، فلو قصد ذلك بهذا اللفظ ساغ، وقال صاحب "الهداية" أيضًا: إن قال: اختاري ينوي به الطلاق، فلها أن تطلّق نفسها، ويقع بائنًا، فلو لم ينو فهو باطلٌ، وكذا لو قال: اختاري، فقالت: اخترتُ، فلو نوى، فقالت: اخترت نفسي وقعت طلقةٌ رجعيّة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح ما قاله عمر، وابن مسعود - ﵄ -، وهو أنها إن اختارت زوجها، فلا شيء، وإن اختارت نفسها فهي طلقة واحدة؛ لحديث عائشة - ﵂ - المذكور في الباب وسيأتي وَجْهُ الاستدلال في المسألة التالية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قال الخطّابيّ ﵀: يؤخذ من قول عائشة - ﵂ -: "فاخترناه، فلم يكن ذلك طلاقًا" أنها لو اختارت نفسها لكان ذلك طلاقًا، ووافقه القرطبيّ في "المفهم"، فقال: في الحديث أن المخيّرة إذا اختارت نفسها أن نفس ذلك الاختيار يكون طلاقًا من غير احتياج إلى نطق بلفظ يدلّ على الطلاق، قال: وهو مقتبسٌ من مفهوم قول عائشة المذكور.
قال الحافظ: لكن ظاهر الآية أن ذلك بمجرّده لا يكون طلاقًا، بل لا بدّ من إنشاء الزوج الطلاق؛ لأن فيها: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ الآية، أي: بعد الاختيار، ودلالة المنطوق مقدّمةٌ على دلالة المفهوم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا تخالف بين الدلالتين؛ إذ التسريح المراد به أن يخلي سبيلها، ولا يتعرض لها بعد اختيار نفسها؛ لكونه
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٢/ ٤١ - ٤٢ "كتاب الطلاق" رقم (٥٢٦٢).
[ ٢٦ / ١٣٨ ]
طلاقًا، لا أنه يحتاج إلى أن يطلقها، فلا يخالف مفهومُ حديث عائشة منطوق الآية. فَتَأَمَّلْ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اختلفوا في التخيير، هل هو بمعنى التمليك، أو بمعنى التوكيل؟ وللشافعيّ فيه قولان: المصحّح عند أصحابه أنه تمليكٌ، وهو قول المالكيّة بشرط مبادرتها له، حتى لو أخّرت بقدر ما ينقطع القبول عن الإيجاب في العقد، ثم طلّقت لم يقع، وفي وجه: لا يضرّ التأخير ما داما في المجلس، وبه جزم ابن القاصّ، وهو الذي رجّحه المالكيّة، والحنفيّة، وهو قول الثوريّ، والليث، والأوزاعيّ، وقال ابن المنذر: الراجح أنه لا يتقيّد، ولا يشترط فيه الفور، بل متى طلّقت نفذ، وهو قول الحسن، والزهريّ، وبه قال أبو عبيد، ومحمد بن نصر، من الشافعيّة، والطحاويّ من الحنفيّة، وتمسّكوا بقوله - ﷺ - لعائشة - ﵂ -: "إني ذاكرٌ لك أمرًا، فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك … " الحديث، فإنه ظاهرٌ في أنه فسّح لها إذ أخبرها أن لا تختار شيئًا حتى تستأذن أبويها، ثم تفعل ما يشيران به عليها، وذلك يقتضي عدم اشتراط الفور في جواب التخيير.
قال الحافظ: ويمكن أن يقال: يشترط الفور، أو ما داما في المجلس عند الإطلاق، فأما لو صرّح الزوج بالفسحة في تأخيره بسبب يقتضي ذلك، فيتراخى، وهذا الذي وقع في قصّة عائشة - ﵂ -، ولا يلزم من ذلك أن يكون كلّ خيار كذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره الحافظ من الإمكان فيه نظر لا يخفى، بل الظاهر ما قاله الحسن، والزهريّ، وأبو عبيد، والطحاويّ، واختاره ابن المنذر - رحمهم الله تعالى - من عدم التقييد في التخيير، كما هو ظاهر حديث الباب، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٨٥] (…) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْن أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَن الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: مَا أُبَالِي خَيَّرْتُ
[ ٢٦ / ١٣٩ ]
امْرَأَتِي وَاحِدَةً، أَوْ مِائَةً، أَوْ أَلْفًا، بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِي، وَلَقَدْ سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: قَدْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، أفَكَانَ طَلَاقًا؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٨٦] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَن الشَّعْبِيّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَيرَ نِسَاءَهُ، فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الشهير، تقدّم أيضًا قبل بابين.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٨٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَل، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَن الشَّعْبِيّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَاخْتَرْنَاهُ، فَلَمْ يَعُدَّهُ (^١) طَلَاقًا).
_________________
(١) وفي نسخة: "نعدّه" بالنون.
[ ٢٦ / ١٤٠ ]
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكوسج، تقدّم قبل بابين
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الثبت الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللُّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظ فقيهٌ عابد إمام حجة من رؤوس [٧] (١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فَلَمْ يَعُدَّهُ) بالياء التحتانيّة، وفي بعض النسخ: "فلم نعدّه" بالنون.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٨٨] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الْأَعْمَش، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَاخْتَرْنَاهُ، فَلَمْ يَعْدُدْهَا عَلَيْنَا شَيْئًا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو مُعَاوَيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عارف بالقراءة ورع، لكنه يدلّس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٤ - (مُسْلِمُ) بن صُبيح الْهَمْدانيّ، أبو الضُّحى الكوفيّ العطّار، ثقةٌ فاضلٌ [٤] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٢/ ٦٣٥.
[ ٢٦ / ١٤١ ]
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٨٩] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَن الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَن الْأَعْمَش، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قبل بابين.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مُرّة الْخُلْقَانيّ (^١)، أبو زياد الكوفيّ، لقبه شَقُوصَا (^٢)، صدوقٌ يُخطئ قليلًا [٨] (ت ١٩٤) أو قبلها (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٥/ ٢٧.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيه، يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٤ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقة مكثرٌ فقيهٌ مخضرم [٢] (٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤.
والباقون ذُكروا قبله، و"مسلم" هو: ابن صُبيح، المكنى بأبي الضحى.
[تنبيه]: رواية إسماعيل بن زكريّاء، عن الأعمش ساقها أبو نعيم ﵀ في "مستخرجه" ٤/ ١٥٨ فقال:
(٣٤٨٥) - وثنا عبد الله بن محمد، ومحمد بن إبراهيم، قالا: ثنا أحمد بن عليّ، ثنا أبو الربيع سليمان (^٣) بن داود، ثنا إسماعيل بن زكريا، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: "خَيَّرنا رسول الله - ﷺ -، فاخترناه، فلم يجعل ذلك طلاقًا". انتهى.
_________________
(١) بضمّ الخاء المعجمة، وسكون اللام، بعدها قاف.
(٢) بفتح الشين المعجمة، وضمّ القاف الخفيفة، وبالصاد المهملة.
(٣) وقع في النسخة: "ابن سليمان" بزيادة لفظة "ابن"، وهو غلط بلا شكّ، فتنبّه.
[ ٢٦ / ١٤٢ ]
ورواية الأعمش، عن مسلم (^١) ساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، فقال:
(٤٩٦٢) - حدّثنا عُمَرُ بن حَفْصٍ، حدّثنا أبي، حدّثنا الْأَعْمَشُ، حدّثنا مُسْلِمٌ، عن مَسْرُوقٍ، عن عَائِشَةَ - ﵂ - قالت: "خَيَّرَنَا رسول اللهِ - ﷺ -، فَاخْتَرْنَا اللهَ وَرَسُولَهُ، فلم يَعُدَّ ذلك عَلَيْنَا شيئًا". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٩٠] (١٤٧٨) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِه، لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، قَالَ: فَأُذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ - ﷺ - جَالِسًا، حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ، وَاجِمًا سَاكِتًا، قَالَ: فَقَالَ: لَأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ (^٢) النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ، فَقُمْتُ إِلَيْهَا، فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَقَالَ: "هُنَّ حَوْلِي، كَمَا تَرَى، يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ"، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ، يَجَأُ عُنُقَهَا، فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ، يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَا لَيْسَ عِنْدَهُ؟ فَقُلْنَ (^٣): وَاللهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - شَيْئًا أَبَدًا، لَيْسَ عِنْدَهُ. ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا، أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾، حتى بلغ: ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩]، قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا، أُحِبُّ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيه، حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ"، قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَتَلَا عَلَيْهَا الْآيَةَ، قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللهَ، وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ
_________________
(١) هو أبو الضحى مسلم بن صُبَيح.
(٢) وفي نسخة: "يضحك".
(٣) وفي نسخة: "قلن".
[ ٢٦ / ١٤٣ ]
لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ، قَالَ: "لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ، إِلَّا أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا، مُيَسِّرًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةً) القَيسيّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (زَكرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ) المكيّ، ثقةٌ، رُمي بالقدر [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٠.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس، تقدّم قبل بابين.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، تُوفي بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه جابر بن عبد الله - ﵄ - من مشاهير الصحابة - ﵃ -، غزا تسع عشرة غزوة مع النبيّ - ﷺ -، ومن المعمّرين، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ -، وفي رواية أبي عوانة في "مسنده": "حدّثنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول … "، فصرّح بالسماع، فزالت تهمة التدليس، والحمد لله، وقد تجرّأ بعض من علّق على مسلم بضعف هذا الإسناد، بسبب عنعنته، وهو عجيب، فليُتنبّه. (قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق - ﵁ - (يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا) جمع جالس، منصوب على الحال (بِبَابِهِ) - ﷺ - (لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ) وفي رواية أبي عوانة في "مسنده": "مكث رسول الله - ﷺ - يومًا لم يخرج، قال: فحضر الناس المسجد ينتظرونه، قال: فجاء أبو بكر وعمر، فقالوا: لو أن أبا بكر استأذن على رسول الله - ﷺ -، واستأذن أبو
[ ٢٦ / ١٤٤ ]
بكر على رسول الله - ﷺ -، فَرُدّ، ثم استأذن عمر، فرُدّ، فجلسا مع الناس ساعةً، فقال القوم لأبي بكر: عُدْ، فعاد أبو بكر، فاستأذن، فأُذن له، ثم استأذن عمر، فأُذن له، فدخلا على رسول الله - ﷺ -، ونساؤه كلّهنّ حوله، وهو ناكسٌ رأسه، ثم رفع إليهم بصره، فقال عمر: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد سألتني آنفًا الكسوة والنفقة، فعَمدت إليها، فوجأت رقبتها وَجْأةً خرّت منها، فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدا ناجذه، ثم قال: "والله ما حبسني عنكم منذ اليوم إلا أنهنّ يسألنني النفقة والكسوة، وليست عندي"، قال: فقام أبو بكر إلى عائشة، فرفع يده ليضربها، فأمسك رسول الله - ﷺ -، وقام عمر إلى حفصة ليضربها، فأمسك رسول الله - ﷺ -، ثم قالا: أتسألان رسول الله - ﷺ - ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأله شيئًا بعد اليوم يشقّ عليه، ثم خرج رسول الله - ﷺ - إلينا، وخرجا معه، فأُذِّن بالصلاة، فصلى، ثم نزل التخيير: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩] … " الحديث.
(قَالَ) جابر - ﵁ - (فَأُذِنَ) بالبناء للمفعول (لِأَبِي بَكْرٍ، فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ - ﷺ - جَالِسًا، حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ) جملة حاليّة بعد حال، وكذا قوله: "واجمًا ساكتًا".
قال القاري: قوله: "حوله نساؤه" لعل هذا قبل نزول الحجاب، وتعقّبه بعضهم بأن التخيير كان سنة تسع بعد نزول الحجاب، ويجاب عن دخول أبي بكر وعمر على أمهات المؤمنين بأنه لا يلزم منه رفع الحجاب، وَيحتَمِل أن يكنّ مرتديات (^١)، والله تعالى أعلم.
(وَاجِمًا سَاكِتًا) والواجم بالجيم، هو الذي اشتدّ حزنه حتى أمسك عن الكلام، يقال: وَجَمَ - بفتح الجيم - وُجُومًا، قاله النوويّ، وقال الفيّوميّ: وَجَمَ من الأمر يَجِمُ وُجُومًا: أمسك عنه، وهو كارهٌ. انتهى (^٢)، فعطفُ "ساكتًا" عليه من عطف المؤكِّد على المؤكَّد.
(قَالَ) جابر (فَقَالَ) عمر بن الخطّاب، كما صرّح به أبو عوانة في
_________________
(١) راجع: "تكملة فتح الملهم" ١/ ١٧٥.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٤٩.
[ ٢٦ / ١٤٥ ]
روايته (^١)، وكذا صرّح الإمام أحمد به في "مسنده" (^٢)، فلا التفات إلى ما رجحه في "تكملة فتح الملهم" من أن القائل هو أبو بكر، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(لَأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ) وفي نسخة: "يُضحك" (النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ) هكذا الرواية هنا، وقد تعقّب هذا صاحب "التنبيه"، فقال: هذا فيه نظرٌ، فإن بنت خارجة تحت الصدّيق، لا تحت عمر، وفي "مسند أحمد": "لو رأيت ابنة زيد - امرأة عمر"، وكذلك أخرجه أبو عوانة في "مستخرجه على مسلم". انتهى (^٣).
(سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ، فَقُمْتُ إِلَيْهَا، فَوَجَأْتُ) بالجيم، والهمزة، يقال: وَجَأَ يَجَأُ: إذا طعن، قاله النوويّ، وقال المجد: وَجَأَهُ باليد، والسكّين، كوضعه: ضَرَبه، كتوَجَّأَهُ. انتهى (^٤)، وقال الفيّوميّ: وَجَأتُهُ أَوْجَؤُهُ مهموزٌ، من باب نَفَعَ، ورُبّما حُذفت الواو في المضارع، فقيل: يَجَا، كما قيل في: يَسَعُ، ويَطَأُ، وَيهَبُ، وذلك إذا ضربته بسكّين ونحوه في أيّ موضع كان، والاسم الْوِجَاءُ، مثلُ كِتاب. انتهى (^٥).
(عُنُقَهَا) بضمّتين: الرقبة، وهو مذكّر، وأهل الحجاز يؤنثونه، والنون مضمومة للإتباع في لغة الحجاز، وساكنة في لغة تميم، والجمع: أعناق (^٦).
(فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَقَالَ: "هُنَّ) يعني أزواجه (حَوْلِي، كَمَا تَرَى، يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ") يعني زيادة النفقة على المقدار المعتاد، وإلا فكان رسول الله - ﷺ - يعزل نفقة أهله سنة، كما أخرجه الشيخان وغيرهما (^٧).
وقال في "العمدة": قيل: إنهنّ اجتمعن يومًا، فقلن: نريد ما تريد النساء من الحليّ، حتى قال بعضهنّ: لو كنا عند غير النبيّ - ﷺ - لكان لنا شأن، وثياب، وحُلِيّ، وقيل: إن كل واحدة طلبت منه شيئًا، فكان غير مستطيع،
_________________
(١) راجع: "مسند أبي عوانة" ٣/ ١٧٤ - ١٧٥.
(٢) راجع: "المسند" ٣/ ٣٢٨ و٣٤٢.
(٣) "تنبيه المعلم" ص ٢٤٨.
(٤) "القاموس المحيط" ١/ ٣١.
(٥) "المصباح المنير" ٢/ ٦٤٩ - ٦٥٠.
(٦) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٤٣٢.
(٧) "تكملة فتح الملهم" ١/ ١٧٦.
[ ٢٦ / ١٤٦ ]
فطلبت أم سلمة مُعْلَمًا، وميمونة حُلّةً يمانية، وزينب ثوبًا مخططًا، وهو البُرد اليمانيّ، وأم حبيبة ثوبًا سُحُوليًا، وحفصة ثوبًا من ثياب مصر، وجويرية مِعْجَرًا، وسودة قطيفة خيبرية، إلَّا عائشة - ﵂ -، فلم تطلب شيئًا. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر العينيّ في "عمدة القاري"، ولم يسنده، ومثل هذا يحتاج إلى تبيّن إسناده، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق - ﵁ - (إِلَى عَائِشَةَ) بنته - ﵂ - (يَجَأُ) تقدّم آنفًا أنه مما حُذف واوه؛ إذ أصله "يَوْجَأ" (عُنُقَهَا) تقدّم في رواية أبي عوانة أنه - ﷺ - أمسك، أي: أمسك بيده لئلا يضرب (فَقَامَ عُمَرُ) بن الخطّاب - ﵁ - (إِلَى حَفْصَةَ) بنته - ﵂ - (يَجَأُ عُنُقَهَا) تقدّم أيضًا أنه - ﷺ - أمسكه، وفي رواية أحمد: "فنهاهما رسول الله - ﷺ - " (كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) بتقدير أداة الاستفهام، وهو للإنكار والتوبيخ؛ أي: أتسألنه (مَا لَيْسَ عِنْدَهُ؟) قال القرطبيّ ﵀: هذا الفعل من أبي بكر وعمر - ﵄ - بابنتيهما مبالغة في تأديبهما، وكذلك غضب رسول الله - ﷺ - عليهنّ، وهِجرانه لهنّ إنما كان مبالغة في أدبهنّ، فإنهنّ كنّ كثّرن عليه، وتبسّطن عليه تبسّطًا تعدّين فيه ما يليق بالنبيّ - ﷺ - من احترامه، وإعظامه، وكان ذلك منهنّ بسبب حسن معاشرته، ولين خُلُقه، وربّما امتدّت أعين بعضهنّ إلى شيء من متاع الدنيا، ولذلك أمر الله تعالى نبيّه - ﷺ - بأن يُخيّرهنّ بين إرادة زينة الدنيا، وإرادة وجه الله تعالى، وما عنده، فاخترن الله تعالى، ورسوله - ﷺ -، والدار الآخرة، ولم يكن فيهنّ من تَوَقّفت في شيء من ذلك، ولا تردّدت فيه؛ لأنهنّ مختارات لمختار، وطيّبات لطيّب، سلام الله تعالى عليهنّ أجمعين. انتهى (^٢).
(فَقُلْنَ) وفي نسخة: "قُلْنَ" (وَاللهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - شَيْئًا أَبَدًا، لَيْسَ عِنْدَهُ. ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ) أي: حلف أن لا يدخل عليهنّ (شَهْرًا) هذا على تقدير كمال الشهر (أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ) أي: على تقدير نقصانه، وهو الواقع في القصّة.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "أو تسعًا وعشرين" ظاهره شكّ من الراوي،
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٩/ ١١٧.
(٢) "المفهم" ٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
[ ٢٦ / ١٤٧ ]
وسيأتي حديث ابن عبّاس - ﵄ - أنه اعتزلهنّ تسعًا وعشرين، وهو الصحيح. انتهى (^١).
(ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَ) جابر - ﵁ - (فَبَدَأَ) - ﷺ - التخيير (بِعَائِشَةَ) - ﵂ - (فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ) بكسر الراء، من باب ضرب (عَلَيْكِ أَمْرًا، أُحِبُّ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيه، حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْك، قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَتَلَا عَلَيْهَا الْآيَةَ، قَالَتْ: أَفِيكَ) الاستفهام إنكاريّ (يَا رَسُولَ اللهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللهَ) ﷾ (وَرَسُولَهُ) - ﷺ - (وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ) قال القرطبيّ ﵀: هذا قول أخرجته غَيْرتها، وحرصها على انفرادها بالنبيّ - ﷺ -. انتهى.
(قَالَ: "لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ، إِلَّا أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِيٍ مُعَنِّتًا) أي: مشدّدًا على الناس، ومُلزمًا إياهم ما يصعُب عليهم (وَلَا مُتَعَنِّتًا) أي: طالبًا زلّتهم، ورواية أحمد: "معنّفًا"، والمعاني متقاربة، فأما المعنّت: فهو من عنّته: إذا شدّد عليه، وألزمه ما يصعُب عليه أداؤه، والْمُتعنّت: هو الذي يطلب زلّة غيره، كما في "القاموس"، وأما التعنيف: فهو التشديد والتوبيخ، كما في "مجمع البحار" وغيره، والمراد: إنني لا أريد أن أشقّ على نسائي، أو أطلب زلّاتهنّ، فلا أمسك عن إخبارهنّ باختيارك (^٢).
وقال القرطبيّ: أصل الْعَنَت: المشقّة، والْمُعنِت: هو الذي يوقع الْعَنَت بغيره، والْمُتَعَنّت: هو الذي يَحْمِل غيره على العمل بها، ويَحْتَمِلُ أن يقال: المُعنت هو المجبول على ذلك، والمتعنّت هو الذي يتعاطى ذلك، وإن لم يكن في جِبِلّته، وكأن عائشة - ﵂ - توقّعت أنه إذا لم يُخبر أحدًا من زوجاته يكون فيهنّ من يختار الدنيا، فيفارقها النبيّ - ﷺ -، وأنهنّ إذا سمعن باختيارها هي له اقتدين بها، فيخترنه، وكذلك فعلن، ووقع للنبيّ - ﷺ - أنه إن سألته واحدة منهنّ عن فعل عائشة، فلم يُخبرها كان ذلك نوعًا من الْعَنَت، وإدخالِ الضرر عليهنّ بسبب إخفاء ما يُسأل عنه، فقال مجيبًا: "إن الله لم يبعثني مُعنتًا" (وَلَكِنْ بَعَثَنِي
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٥٦.
(٢) "تكملة فتح الملهم" ١/ ١٧٧.
[ ٢٦ / ١٤٨ ]
مُعَلِّمًا، مُيَسِّرًا") وجه التسير في هذا أنه إذا أخبر بذلك اقتدى بها غيرها من أزواجه، وسهُل عليها اختيار الله تعالى، ورسوله - ﷺ -، والدار الآخرة (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان في هذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٣٦٩٠] (١٤٧٨)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٨٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٢٨ و٣٤٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٧٤ - ١٧٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٥٩)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ١٧٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٣٨) و"المعرفة" (٥/ ٤٨٣)، وأما فوائد الحديث، فقد سبقت، وستأتي أيضًا في الباب التالي - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.