وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٤٧] (١٤٠٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ يَحْضُرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَمِيرُ الْحَجِّ، فَقَالَ أَبَانُ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قبل باب.
٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (نُبَيْهُ بْنُ وَهْبِ) بن عثمان العبدريّ المدنيّ، ثقةٌ، من صغار [٣] (ت ١٢٦) (م ٤) تقدم في "الحج" ١٢/ ٢٨٨٧.
٥ - (أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عفّان الأمويّ، أبو سعيد، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) (بخ م ٤) تقدم في "الحج" ١٢/ ٢٨٨٧.
[ ٢٥ / ١٤٨ ]
٦ - (عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس الأمويّ، الخليفة الراشد، استُشهد في ذي الحجة سنة (٣٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: نافع، عن نُبَيه، عن أبان.
٥ - (ومنها): أنَّ صحابيّه أحد الخلفاء الأربعة، وأحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة الملقّب بذي النورين، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ نُبَيْهِ) بالتصغير (ابْنِ وَهْبٍ) العبدريّ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ) بن معمر الأمير، أبو حفص التيميّ، من أشرافَ قريش، كان جوادًا، مُمدّحًا، شجاعًا، كبير الشأن، له فتوحات، مشهودة، وَلِي البصرة لابن الزبير، وحَدَّث عن ابن عمر، وجابر، وعنه عطاء بن أبي رباح، وابن عون، ووَلِي إمرة فارس، ثم وَفَد على عبد الملك، وتُوفي بدمشق، وكان مراهقًا عند مقتل عثمان، وكان يقال له: أحمر قريش، يُضرب بشجاعته المثل، وقد بعث مرة بألف دينار إلى ابن عمر فقبلها، وقال: وَصَلته رحم، وقيل: إنه اشترى مرة جارية بمائة ألف، فتوجّعت لفراق سيدها، فقال له: خذها وثمنها، قال المدائنيّ: تُوُفّي سنة اثنتين وثمانين (^١).
(أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ) هو ابنه، ولم أجد له ترجمة، و"طلحة" هو المفعول الأول لـ "يُزوّج"، والثاني قوله: (بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ) سيأتي في
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" ٤/ ١٧٢ - ١٧٣.
[ ٢٥ / ١٤٩ ]
الرواية التالية بلفظ: "بنت شيبة بن عثمان"، وهو أيضًا صحيح، فقد نُسب أبوها إلى جدّه، وسيأتي تمام البحث فيه هناك - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: ذكر الزبير بن بكار - ﵀ - أن هذه البنت تُسَمَّى أمة الحميد، قال: وإخوتها: صفيّة، ومُسافع، وعبد الرحمن بنو شيبة. انتهى (^١).
(فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ)، وقوله: (يَحْضُرُ ذَلِكَ) بتقدير حرف مصدريّ، أي أن يحضر، والمصدر المؤوّل مجرور باللام المقدّرة، أي لحضور ذلك النكاح (وَهُوَ أَمِيرُ الْحَجِّ) من جهة عبد الملك بن مروان، والجملة في محلّ نصب على الحال (فَقَالَ أَبَانُ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) - ﵁ - (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ) بفتح حرف المضارعة، و"لا" نافية، والفعل مرفوع، والمراد النهي، ويَحْتَمِل أن تكون "لا" ناهية، والفعل مجزوم، مكسور لالتقاء الساكنين، أي لا يعقد النكاح لنفسه.
(وَلَا يُنْكِحُ) - بضم أوله - من الإنكاح، أي لا يعقد لغيره، قال النوويّ: معناه: لا يزوّج امرأة بولاية، ولا وكالة، قال العلماء: سببه أنه لَمّا امتنع في مدة الإحرام من العقد لنفسه، صار كالمرأة، فلا يعقد لنفسه، ولا لغيره، وظاهر هذا العموم أنه لا فرق بين أن يزوّج بولاية خاصّة، كالأب، والأخ، والعمّ، ونحوهم، أو بولاية عامّة، وهو السلطان، والقاضي، ونائبه، وهذا هو الصحيح عندنا، وبه قال جمهور أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يزوِّج المحرم بالولاية العامة؛ لأنها يستفاد بها ما لا يستفاد بالخاصّة، ولهذا يجوز للمسلم تزويج الذمية بالولاية العامة، دون الخاصة.
(واعلم): أن النهي عن النكاح، والإنكاح في حال الإحرام نهي تحريم، فلو عقد لم ينعقد، سواء كان المحرم هو الزوج والزوجة، أو العاقد لهما بولاية، أو وكالة، فالنكاح باطل في كلّ ذلك، حتى لو كان الزوجان، والوليّ مُحِلِّين، ووكَّل الوليّ، أو الزوج مُحْرِمًا في العقد لم ينعقد. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ هنا، من أن النهي
_________________
(١) "تقييد المهمل" للجيّانيّ ٣/ ٨٥٢.
(٢) "شرح النووي" ٩/ ١٩٤ - ١٩٥.
[ ٢٥ / ١٥٠ ]
للتحريم، وأن النكاح لا ينعقد هو الحقّ الذي لا محيد عنه، ولكن سيأتي له أنه قال في الخِطْبة أنه نهي تنزيه، وهذا تفريق فيه نظر؛ إذ لا دليل يفرّق بينهما، فمصدرهما واحد، فيجب التسوية بينهما، فتأمل.
وهذا الذي تقدم من تحريم نكاح المحرم، هو الذي عليه جماهير أهل العلم، كما سبق، فإنهم رجحوا حديث ميمونة على حديث ابن عباس - ﵄ -؛ لِمَا ورد عن ميمونة - ﵂ - أن النبيّ - ﷺ - تزوجها، وهو حلال، فيقدَّم حديثها؛ لكونها صاحبة الواقعة، فهي أعلم من غيرها، ووافقها على ذلك أبو رافع، وقال: وكنت السفير بينهما، ولكون حديثها أوفق لحديث عثمان - ﵁ - القوليّ المذكور في الباب، قالوا: ولو سلِّم أن حديث ابن عباس يعارض حديث ميمونة - ﵃ - يسقط الحديثان للتعارض، ويبقى حديث عثمان القوليّ سالمًا عن المعارضة.
(وَلَا يَخْطُبُ) بفتح أوله، من باب قتل، يقال: خَطَب المرأة إلى القوم: إذا طلب أن يتزوّج منهم، واختطبها، والاسم الخِطْبة - بالكسر -، فهو خاطب، وخَطّاب مبالغة. وأما الخُطبة بالضمّ، فهي الموعظة، يقال: خَطَب القومَ، وعليهم، من باب قَتَل أيضًا، خُطبة بالضم، وهي فُعلة بمعنى مفعولة، نحو نُسخة بمعنى منسوخة، وغُرفة من ماء بمعنى مغروفة، وجمعها خُطَب، مثل غُرْفة وغُرَف، فهو خطيب، والجمع خُطباء، وهو خطيب القوم: إذا كان هو المتكلم عنهم، قاله الفيوميّ (^١).
وقال النووي: النهي هنا نهي تنزيه، ليس بحرام.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النووي غريب؛ لأنه تقدّم له أن النهي في النكاح نهي تحريم، فيبطل به النكاح، فلماذا فرَّق بين النكاح والخِطْبة؟، وقد وردا في نصّ واحد، وما هو الدليل الذي يدلّ على التفريق بينهما؟.
قال: وكذلك يكره للمُحرم أن يكون شاهدًا في نكاح عقده المُحِلُّون، وقال بعض أصحابنا: لا ينعقد بشهادته؛ لأن الشاهد ركن في عقد النكاح، كالوليّ، والصحيح الذي عليه الجمهور انعقاده. انتهى، والله تعالى أعلم
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٧٣.
[ ٢٥ / ١٥١ ]
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
[تنبيه]: قال الدارقطنيّ - ﵀ - في "التتبّع": وأخرج مسلم حديثي نُبيه، وهما صحيحان، ولا عُذر للبخاريّ في تركهما، أما حديث نكاح المُحرِم، فرواه عن نبيه جماعات ثقات، يقال: منهم نافع، وبُكير بن الأشجّ، وأيوب بن موسى، وسعيد بن أبي هلال، وعبد الأعلى، وعبد الجبّار ابنا نُبيه، وغيرهم. رواه عن نافع: أيوب، وعبيد الله، ومالك، ويحيى بن أبي كثير، وشعيب، وسعيد بن عبد العزيز، وفُليح، وغيرهم، وميمون بن يحيى، عن مخرمة، عن أبيه، وابن عيينة، والليث، وعبد الوارث، عن أيوب بن موسى، عن نُبيه. انتهى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٣٤٤٧ و٣٤٤٨ و٣٤٤٩ و٣٤٥٠ و٣٤٥١] (١٤٠٩)، و(أبو داود) في "المناسك" (١٨٤١)، و(الترمذيّ) في "الحج" (٨٤٠) و"النكاح" (١٩٦٦)، و(النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٢٨٤٣ و٢٨٤٤ و٢٨٤٥) و"النكاح" (٣٢٧٥ و٣٢٧٦) وفي "الكبرى" (٣٨٢٥ و٣٨٢٦ و٣٨٢٧ و٥٤١٣ و٥٤١٤)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٩٦٦)، (ومالك) في "الموطإ" (٧٨٠)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١٨٠)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٧٤)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٥٧ و٦٤ و٦٥ و٦٨ و٦٩ و٧٣)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٨٢٣ و٢١٩٨)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٤٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤١٢٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٧٦ - ٧٧)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٤٤٤)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٢٦٨)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٧/ ٢٤٠)، و(البزّار) في "مسنده" (٢/ ٢٥)، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ٤٥)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٣/ ٢٦٠ - ٢٦١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٦٥) و"الصغرى" (٤/ ٦٩) و"المعرفة" (٤/ ٣٥ و٥/ ٣٤٩ و٣٥٠ و٣٥٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٩٨٠)، والله تعالى أعلم.
[ ٢٥ / ١٥٢ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن نكاح المُحْرِم، وقد مرّ آنفًا أن النهي للتحريم، فلا ينعقد نكاحه أصلًا.
٢ - (ومنها): تحريم الخِطبة على المُحْرِم أيضًا.
٣ - (ومنها): أنه لا يجوز أن يعقد المُحْرِم النكاح لغيره أيضًا، لا بالولاية، ولا بالوكالة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تزويج المُحْرِم:
قال النوويّ - ﵀ -: اختَلَف العلماء في نكاح المحرم، فقال مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء، من الصحابة، فمن بعدهم: لا يصحّ نكاح المحرم، واعتمدوا في ذلك على حديث عثمان - ﵁ -.
وقال أبو حنيفة، والكوفيون: يصحّ نكاح المحرم؛ لحديث ابن عبّاس في قصة ميمونة - ﵃ -.
وأجاب الجمهور عن حديث ميمونة بأجوبة، أصحّها أن النبيّ - ﷺ - إنما تزوجها حلالًا، هكذا رواه أكثر الصحابة، قال القاضي عياض وغيره: ولم يَرْوِ أنه تزوجها محرمًا إلا ابن عباس وحده، وروت ميمونة، وأبو رافع، وغيرهما أنه تزوجها حلالًا، وهم أعرف بالقضية؛ لتعلقهم به، بخلاف ابن عباس؛ ولأنهم أضبط من ابن عباس، وأكثر.
الجواب الثاني: تأويل حديث ابن عباس على أنه تزوجها في الحَرَم، وهو حلال، ويقال لمن هو في الحرم: مُحرِم، وإن كان حلالًا، وهي لغة شائعة، معروفة، ومنه البيت المشهور:
قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا
أي في حرم المدينة.
والثالث: أنه تعارض القول والفعل، والصحيح حينئذ عند الأصوليين ترجيح القول؛ لأنه يتعدى إلى الغير، والفعل قد يكون مقصورًا عليه.
والرابع: جواب جماعة من الشافعية أن النبيّ - ﷺ - كان له أن يتزوج في حال الإحرام، وهو مما خُصّ به دون الأمة، وهذا أصح الوجهين عند الشافعية، والوجه الثاني: أنه حرام في حقه كغيره، وليس من الخصائص.
[ ٢٥ / ١٥٣ ]
انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^١).
وقال الحافظ أبو عمر - ﵀ -: اختلف الفقهاء في نكاح المحرم: فقال مالكٌ، والشافعيّ، وأصحابهما، والليث، والأوزاعيّ: لا يَنكح المحرم، ولا يُنكِح، فإن فعل فالنكاح باطلٌ. وهو قول عمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، وسعيد بن المسيّب، وسالم بن عبد الله، وسُليمان بن يسار، وبه قال أحمد بن حنبل، قال أحمد: أذهب فيه إلى حديث عثمان، وقال: رُوي عن عمر، وعليّ، وزيد بن ثابت أنهم فرّقوا بينهما.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوريّ: لا بأس بأن يَنْكِح المحرم، وأن يُنكِح، وهو قول القاسم بن محمد، وإبراهيم النخعيّ، ذكر عبد الرزّاق، قال: أخبرنا محمد بن مسلم الطائفيّ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه أنه لم ير بنكاح المحرم بأسًا، قال: وأخبرني الثوريّ، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: يتزوّج المحرم إن شاء، لا بأس به، قال عبد الرزاق: وقال الثوريّ: لا يُلتفت إلى أهل المدينة، حجة الكوفيين في جواز نكاح المحرم حديث ابن عبّاس أن رسول الله - ﷺ - نكح ميمونة، وهو محرم، رواه جماعة من أصحابه، منهم عطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر، وجابر بن زيد، أبو الشعثاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير. وروى ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: حديث ابن شهاب، عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس أن رسول الله - ﷺ - نكح ميمونة، وهو محرم، فقال ابن شهاب: حدثني يزيد بن الأصمّ أن رسول الله - ﷺ - تزوّج ميمونة. . .، قال عمرو: فقلت لابن شهاب: أتجعل حفظ ابن عباس كحفظ أعرابيّ يبول على فخذيه؟ (^٢).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٩/ ١٩٤ - ١٩٥.
(٢) قال الإمام البيهقيّ - ﵀ - في "معرفة السنن والآثار" ٤/ ٣٦: هذا الذي ذكره عمرو بن دينار لا يوجب طعنًا في روايته، ولو كان مطعونًا في الرواية لَمَا احتجّ به ابن شهاب الزهريّ، وإنما قصد عمرو بن دينار بما قال ترجيح رواية ابن عبّاس على رواية يزيد بن الأصمّ، والترجيح يقع بما قال عمرو، ولو كان يزيد يقوله مرسلًا، =
[ ٢٥ / ١٥٤ ]
قال أبو عمر: قد ذكرنا حجة الحجازيين القائلين بأن نكاح المحرم لا يجوز؛ لحديث عثمان - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه نَهَى عن نكاح المحرم، وأن عمر بن الخطّاب فرّق بين من نكح وبين امرأته، والفُرقة لا تكون في هذا إلا عن بصيرة مستحكمة، وذكرنا جماعة الأئمة القائلين من أهل المدينة، وليس مع العراقيين في هذا حجة إلا حديث ابن عباس في قصّة، قد خالفه فيها غيره بما تقدّم ذكره (^١).
قال: واختَلَف أهل السير في تزويج رسول الله، فذكر موسى بن عقبة، عن ابن شهاب أنه تزوّجها حلالًا، وقال أبو عبيدة معمر بن المثنّى: تزوّجها، وهو محرمٌ، والأول أصحّ - إن شاء الله - والحجة في ذلك حديث عثمان - ﵁ -، والحمد لله. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - ببعض اختصار (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه الحافظ أبو عمر - ﵀ - من كون النبيّ - ﷺ - تزوّج ميمونة - ﵂ -، وهو حلالٌ هو الحقّ؛ لقوة دليله، كما سيأتي في الباب.
فقد تَبَيَّن مما سبق أنّ الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور، وهو أن المحرم لا يَنكِح، ولا يُنكِح؛ لحديث عثمان - ﵁ -، ولأن الأرجح في قصّة ميمونة أنه - ﷺ - تزوجها، وهما حلالان؛ لأنها صاحبة القصة أخبرت بذلك، وتابعها على ذلك أبو رافع، وغيره، ويشهد لها حديث عثمان - ﵁ -.
والحاصل أن الأرجح القول بتحريم نكاح المحرم، وكذا إنكاحه، وخِطْبته، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) = كما كان ابن عبّاس يقوله مرسلًا؛ إذ لم يشهد عمرو القصّة، كما لم يشهدها يزيد بن الأصمّ، إلا أن يزيد إنما رواه عن ميمونة، وهي صاحبة الأمر، وهي أعلم بأمرها من غيرها. انتهى. قال الجامع: قوله: "إذ لم يشهد عمرو القصّة" هكذا نسخة: "المعرفة"، ولعله: "إذ لم يشهد القصّة"، ويكون الضمير لابن عبّاس، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(٢) وسيأتي للمصنّف في الباب.
(٣) "الاستذكار" ١١/ ٢٦٢ - ٢٦٥.
[ ٢٥ / ١٥٥ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٤٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، حَدَّثَنِي نُبَيْهُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: بَعَثَنِي عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مَعْمَرٍ، وَكَانَ يَخْطُبُ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ عَلَى ابْنِهِ، فَأَرْسَلَنِي إِلَى أَبانَ بْنِ عُثْمَانَ، وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ، فَقَالَ: أَلَا أُرَاهُ أَعْرَابِيًّا، إِن الْمُحْرِمَ لَا يَنْكِحُ، وَلَا يُنْكِحُ، أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ عُثْمَانُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ) هو: محمد بن أبي بكر بن عليّ بن عطاء بن مُقَدَّم الثقفيّ مولاهم، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (٢٣٤) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) وله (٨١) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ حجةٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: وقع في هذا السند أربعة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وهم: أيوب السختيانيّ، ونافع، ونُبيهٌ، وأبان بن عثمان (^١).
وقوله: (بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ) تقدّم أن اسمها أمة الحميد.
وقوله: (عَلَى ابْنِهِ) هو طلحة بن عمر المذكور في الحديث الماضي.
وقوله: (وَهُوَ عَلَى الْمَوْسِمِ) أي والحال أن أبان أمير على موسم الحجّ، قال في "القاموس": موسم الحجّ: مُجْتَمَعُهُ. انتهى (^٢).
وقال في "المصباح": والسِّمَةُ: العلامةُ، ومنه الْمَوْسم؛ لأنه مَعْلَمٌ يُجْتَمَعُ إليه. انتهى (^٣).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٩/ ١٩٦.
(٢) "القاموس" ٤/ ١٨٦.
(٣) "المصباح" ٢/ ٦٦٠.
[ ٢٥ / ١٥٦ ]
وقوله: (فَقَالَ: ألَا أُرَاهُ) "ألا" أداة استفتاح وتنبيه، و"أُراه" بضمّ أوله: بمعنى أظنّه، ويَحْتَمِل أن يكون بالفتح، بمعنى أعتقده.
وقوله: (أَعْرَابِيًّا) بالفتح: واحد الأعراب بالفتح أيضًا، وهم سُكّان البادية.
[تنبيه]: قوله: (بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ) انتقد الدارقطنيّ - ﵀ - هذا، وصوّب ما تقدّم في رواية مالك أنها بنت شيبة بن جبير، فقال: الصواب ما قاله مالك، وهي ابنة شيبة بن جُبير بن شيبة بن عثمان الْحَجَبيّ، كذا نسبها إسماعيل بن أميّة، عن أيوب بن موسى، عن نُبيه بن وهب، وكذا قال يحيى بن أبي كثير، عن نافع، عن نُبيه، وكذا قال إسماعيل بن عليّة، عن أيوب، عن نافع، عن نُبيه: "ابنة شيبة بن جُبير"، كما قال مالك، وكذا قال عبد المجيد، عن ابن جريج، عن أيوب، عن نافع، كقول مالك، وكذا قال شعيب بن أبي حمزة، عن نافع، عن نُبيه، وكذلك قال سعيد بن أبي هلال، عن نُبيه بن وهب، فقد أصاب مالك في قوله: "بنت شيبة بن جبير"، وتابعه هؤلاء الذين ذكرناهم، ووَهِمَ من خالفهم، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ: ذكر أبو داود هذا الحديث، وزعم أن مالكًا وَهِمَ فيه، والقول عندهم قول مالك، قال أبو داود: روى مالك، عن نافع، عن نُبيه بن وهب أن عمر بن عبيد الله أرسل إلى أبان بن عثمان: إني أردت أن أُنكح طلحة بن عمر بنت شيبة بن جُبير، قال: ورواه حماد بن زيد، عن أيوب، فقال: "ابنة شيبة بن عثمان"، وكذلك قال محمد بن راشد، عن عثمان بن عمر القرشيّ، كما قال أيوب. انتهى كلام أبي داود.
قال أبو عليّ: حدّثنا حكم بن محمد، قال: نا أبو بكر بن إسماعيل، قال: نا أبو القاسم البغويّ بمكة إملاءً، قال: نا شيبان - يعني ابن فرّوخ - قال: نا محمد بن راشد، قال: نا عثمان بن عمر القرشيّ أن عمّه عمر بن عبيد الله أراد أن يُنكح ابنه طلحة بن عمر ابنة شيبة بن عثمان، وهو محرم، فأرسل إلى أبان بن عثمان ليحضر، فقال: ألا أراه أعرابيًّا جافيًا، سمعت عثمان - ﵀ - يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يَنكح المحرم، ولا يُنكِحُ، ولا يخطُب". انتهى (^١).
_________________
(١) "تقييد المهمل" ٣/ ٨٥٠ - ٨٥٢.
[ ٢٥ / ١٥٧ ]
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن دعوى أبي داود وَهَم مالك غير صحيحة؛ لأن أكثر الرواة قد تابعوه، وأما تصويب الدارقطنيّ لرواية مالك، وتوهيم رواية أيوب، ففيه نظر؛ لأن أيوب لم ينفرد أيضًا، بل تابعه محمد بن راشد، كما قال أبو داود.
ولذا صوّب القاضي عياض - ﵀ - الروايتين، فقال: لعلّ من قال: "شيبة بن عثمان" نسبه إلى جدّه، فلا يكون خطأً، بل الروايتان صحيحتان، إحداهما حقيقة، والأخرى مجازًا. انتهى (^١).
والحاصل أن تصحيح الروايتين هو الأولى لأن من قال: "ابنة شيبة بن جبير" نسبه إلى أبيه حقيقةً، ومن قال: "ابنة شيبة بن عثمان" نسبه إلى جدّه الأعلى (^٢)، فاتفقت الروايتان، فتأمله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٤٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى (ح) وحَدَّثَنِي أَبُو الْخَطَّابِ زَيادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ مَطَرٍ، وَيَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ").
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد الْمِسْمعيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى، تقدّم قبل بابين.
٣ - (أَبُو الْخَطَّابِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى) بن حسّان الحسّانيّ النُّكْريّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٤) (ع) تقدم في "الزكاة" ٤٤/ ٢٤٣٢.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٤/ ٥٥٣.
(٢) أي لأنه شيبة بن جبير بن شيبة بن عثمان.
[ ٢٥ / ١٥٨ ]
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ) السَّدوسيّ الْعَنبريّ، أبو الخطّاب البصريّ المكفوف، جده عنبر يُكْنَى أبا كَرْدَم، صدوقٌ، رُمي بالقدر [٩].
رَوَى عن سعيد بن أبي عروبة، وجلّ روايته عنه، وعن رَوْح بن القاسم، وشعبة، وحسين المعلم، وأبي هلال الراسبيّ، وغيرهم.
وروى عنه ابنه سواء، وابن أخيه محمد بن ثعلبة بن سواء، ووهب بن جرير بن حازم، وزيد بن الحباب، وخليفة بن خياط، وزياد بن يحيى الحسانيّ، وغيرهم.
قال الآجريّ، عن أبي داود: كان يطلب الحديث مع أبي عُبيدة الحداد، وقال ابن شاهين في "الثقات": كان يزيد بن زريع يقول: عليكم به، وقال الأزديّ في "الضعفاء": كان يغلو في القدر، وهو صدوق، وقال ابن المدينيّ: هو من الطبقة السابعة من أصحاب شعبة، وقد سئل ابن معين عنه في ابن أبي عروبة: فقال: هو كخالد بن القاسم، وكان في الذكاء يُشَبَّه بقتادة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو وعمرو بن عليّ: مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقال عمرو بن عيسى: مات سنة تسع وثمانين ومائة.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقة حافظٌ له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٦ - (مَطَرُ) بن طهمان الورّاق، أبو رجاء السلميّ مولاهم الخراسانيّ، سكن البصرة، صدوقٌ كثير الخطإ [٦] (ت ١٢٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣.
٧ - (يَعْلَى بْنُ حَكِيمٍ) الثقفيّ مولاهم المكيّ، نزيل البصرة، وكان صديقًا لأيوب، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن سعيد بن جبير، وعكرمة، وسليمان بن يسار، ونافع مولى ابن عمر، وغيرهم.
وروى عنه يحيى بن أبي كثير، وسعيد بن أبي عروبة، وأيوب السختياني، وجرير بن حازم، ومحمد بن ذكوان، وابن جريج، وحماد بن زيد، وآخرون.
[ ٢٥ / ١٥٩ ]
قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال يعقوب بن سفيان: مستقيم الحديث، وقال ابن خِراش: كان صدوقًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد: جاء نعي يعلى بن حكيم من الشام إلى أمه، فكان أيوب يأتيها، ويُسَلِّيها.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط برقم (١٤٠٩)، و(١٤٧٣) وأعاده بعده، و(١٥٤٨)، و(١٩٩٨).
والباقون ذُكروا قبله.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٥٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عُثْمَانَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "الْمُحْرِمُ لَا يَنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاص، أبو موسى المكيّ الأعور، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الحيض" ١١/ ٧٥٠.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٥١] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُبَيْهِ بْنِ وَهْبٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مَعْمَرٍ، أَرَادَ أَنْ يُنْكِحَ ابْنَهُ طَلْحَةَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي
[ ٢٥ / ١٦٠ ]
الْحَجِّ، وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْحَاجِّ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبَانٍ: إِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُنْكِحَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ، فَأُحِبُّ أَنْ تَحْضُرَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ أَبَانُ: أَلَا أُرَاكَ عِرَاقِيًّا جَافِيًا، إِنِّي سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٢ - (شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ) بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٣ - (خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ) الْجُمحيّ، أو السكسكيّ، أبو عبد الرحيم المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٦] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٢.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ، صدوق [٦] مات بعد (١٣٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٢.
والباقون ذُكروا في الباب وفيما قبله.
وقوله: (أَنْ يُنْكِحَ ابْنَهُ طَلْحَةَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ) "ابنه" منصوب على أنه مفعولٌ أول لـ "يُنكح"، و"طلحة" منصوب على البدليّة منه، و"بنت شيبة" بالنصب هو المفعول الثاني.
وقوله: (أَلَا أُرَاكَ عِرَاقِيًّا جَافِيًا) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا: "عِراقيًّا"، وذكر القاضي أنه وقع في بعض الروايات: "عراقيًا"، وفي بعضها "أعرابيًّا"، قال: وهو الصواب: أي جاهلًا بالسنة، والأعرابيّ: هو ساكن البادية، قال: و"عراقيًا" هنا خطأٌ، إلا أن يكون قد عَرَفَ من مذهب أهل الكوفة حينئذ جواز نكاح المحرم، فيصحّ "عراقيًّا"، أي آخذًا بمذهبهم في هذا جاهلًا بالسنة، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن مذهب الحنفيّة، وسفيان الثوري جواز نكاح المحرم، وإنكاحه، وهم كوفيون، والظاهر أنهم أخذوه ممن سبقهم
[ ٢٥ / ١٦١ ]
من أهل العراق، فيصحّ قوله: "عراقيًّا"، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٥٢] (١٤١٠) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ، جَمِيعًا عَن ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ. زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ الزُّهْرِيَّ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، أَنَّهُ: نَكَحَهَا، وَهُوَ حَلَالٌ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الشَّعْثَاءِ) جابر بن زيد الأزديّ، ثم الْجَوْفيّ البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٣) وقيل: (١١٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٩/ ٧٣٩.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله، و"إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ" هو: ابن راهويه.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فصّل؛ لما مرّ غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي بكر، وإسحاق، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ابن عباس - ﵄ - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا.
(عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ) جابر بن زيد (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ) بنت الحارث الهلاليّة - ﵂ -، تُوفيت سنة (٥١) تقدّمت ترجمتها في "الحيض" ١/ ٦٨٧.
زاد في رواية النسائيّ من طريق عطاء، عن ابن عباس - ﵄ -: "جَعَلت
[ ٢٥ / ١٦٢ ]
أمرها إلى العباس، فأنكحها إياه"، ولابن حبان، والطبرانيّ من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق بلفظ: "تزوج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك - يعني عمرة القضاء - وهو حرام، وكان الذي زوّجه إياها العباس"، وفي مغازي أبي الأسود، عن عروة: بعث النبيّ - ﷺ - جعفر بن أبي طالب إلى ميمونة ليخطبها له، فجعلت أمرها إلى العباس، وكانت أختها أم الفضل تحته، فزوّجه إياها، فبنى بها بسَرِف، وقدَّر الله أنها ماتت بعد ذلك بسرف، وكانت قبله - ﷺ - تحت أبي رُهْم بن عبد العزى، وقيل: تحت أخيه حُوَيطب، وقيل: سَخْبرة بن أبي رهم، وأمها هند بنت عوف الهلالية.
(وَهُوَ مُحْرِمٌ) وزاد البخاريّ من طريق عكرمة، عن ابن عباس: "وبَنَى بها، وهو حلال، وماتت بسرف".
قال الأثرم: قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول: بأيّ شيء يُدفع حديث ابن عباس؟ - أي مع صحته - قال: فقال: الله المستعان، ابنُ المسيِّب يقول: وَهِمَ ابن عباس، وميمونة تقول: تزوجني، وهو حلال. انتهى.
وقد عارض حديث ابن عباس هذا حديث عثمان - ﵃ - الذي قبله.
ويُجمع بينهما بحمل حديث ابن عباس على أنه من خصائص النبيّ - ﷺ -. قاله في "الفتح".
(زَادَ ابْنُ نُمَيْرٍ) هو محمد بن عبد الله بن نُمير شيخه الثاني في السند (فَحَدَّثْتُ بِهِ الزُّهْرِيَّ) فاعل حدّث ضمير سفيان بن عيينة (فَقَالَ: أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ) واسمه عمرو بن عُبيد بن معاوية الْبَكَّائيّ - بفتح الموحّدة، وتشديد الكاف - أبو عوف الكوفيّ، نزيل الرقّة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين - ﵂ -، يقال: له رؤية، ولا يثبتُ، وهو ثقةٌ من الثالثة، مات سنة (١٠٣) تقدّم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٧. (أَنَّهُ) - ﷺ - (نَكَحَهَا، وَهُوَ حَلَالٌ) وفي الرواية الثالثة قال: حدّثتني ميمونة بنت الحارث أن رسول الله - ﷺ - تزوّجها، وهو حلالٌ، قال: وكانت خالتي، وخالة ابن عبّاس".
وهذه الرواية هي الراجحة؛ لكونها من صاحبة القضيّة، فهي أحفظ لها، وقد رواه مثلها أبو رافع - ﵁ -، وكان هو السفير بينهما، فهما أخبرُ بالقصّة من ابن عبّاس، وأيضًا فإن المسيِّب - ﵀ - قال: وَهِمَ ابنُ عباس، وسيأتي تمام
[ ٢٥ / ١٦٣ ]
البحث قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس - ﵄ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٣٤٥٢ و٣٤٥٣] (١٤١٠)، و(البخاريّ) في "الحج" (١٨٣٧) و"المغازي" (٤٢٥٩) و"النكاح" (٥١١٤)، و(أبو داود) في "المناسك" (١٨٤٤)، و(الترمذيّ) في "الحج" (٨٤٢ و٨٤٣ و٨٤٤)، و(النسائيّ) في "مناسك الحجّ" (٢٨٣٨ و٢٨٣٩ و٢٨٤٠ و٢٨٤١ و٢٨٤٢) و"النكاح" (٣٢٧٢ و٣٢٧٣ و٣٢٧٤ و٣٢٧٥) وفي "الكبرى" (٣٨٢٠ و٣٨٢١ و٣٨٢٢ و٣٨٢٣ و٣٨٢٤ و٥٤٠٧ و٥٤٠٩ و٥٤١٠ و٥٤١١ و٥٤١٢)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٩٦٥)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٣٤٦)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٢١ و٢٢٨ و٢٤٥ و٢٧٠ و٢٧٥ و٢٨٣ و٢٨٥ و٢٨٦ و٣٢٤ و٣٣٦ و٣٣٧ و٣٤٦ و٣٥١ و٣٥٤ و٣٥٩ و٣٦٠ و٣٦٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٨٢٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٧٨)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٣/ ١٢٥) و"الكبير" (١١/ ٥٢ و١٤٢ و١٥٤ و٣١٨ و٣٤٧)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٣/ ٢٦٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٢١٢) و"الصغرى" (٦/ ١٩٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا، حيث خالف أحاديث النهي عن نكاح المُحْرِم:
قال الحافظ أبو عمر - ﵀ - في "كتاب الاستذكار" ما حاصله: اختلفت الآثار المسندة في تزويج رسول الله - ﷺ - ميمونة - ﵂ -، واختَلَف في ذلك أهل السيَر، والعلم بالأخبار، فقد أتت الآثار بأن رسول الله - ﷺ - تزوّجها حلالًا متواترةً من طرق شتّى، عن أبي رافع، مولى النبيّ - ﷺ -، وعن سليمان بن يسار، وهو مولاها، وعن يزيد بن الأصمّ، وهو ابن أختها، وهو قول سعيد بن المسيّب، وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وابن شهاب،
[ ٢٥ / ١٦٤ ]
وجمهور علماء المدينة، يقولون: إن رسول الله - ﷺ - لم يَنكح ميمونة إلا وهو حلالٌ، وما أعلم أحدًا من الصحابة رُوي عنه أنه - ﷺ - نكح ميمونة، وهو محرم إلا ابن عباس (^١)، وحديثه بذلك صحيحٌ ثابتٌ من نكاح ميمونة، إلا أن يكون متعارضًا مع رواية غيره، فيسقط الاحتجاج بكلام الطائفتين، وتُطلب الحجة من غير قصّة ميمونة، وإذا كان كذلك، فإن عثمان بن عفّان قد روى عن النبيّ - ﷺ - أنه نهى عن نكاح المحرم، وقال: "لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح"، ولا معارض له؛ لأن حديث ابن عبّاس في نكاح ميمونة قد عارضه في ذلك غيره.
ثم أخرج أبو عمر بسنده عن يزيد بن الأصمّ، قال: حدّثتني ميمونة ابنة الحارث: "أن رسول الله - ﷺ - تزوّجها، وهو حلالٌ"، قال يزيد: كانت خالتي، وخالة ابن عبّاس.
وروى حمّاد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مِهران، عن يزيد بن الأصمّ، عن ميمونة، قالت: تزوّجني رسول الله - ﷺ - بسرِف، وهما حلالان بعدما رجعا من مكّة. وذكر عبد الرزّاق، قال: أخبرني معمر، عن الزهريّ، قال: أخبرني يزيد بن الأصمّ: أن النبيّ - ﷺ - تزوّج ميمونة حلالًا.
قال أبو عمر: قد نقل قومٌ حديث يزيد بن الأصمّ مرسلًا؛ لظاهر رواية الزهريّ، وليس كما ظهر، إلا رواية الزهريّ، فحُملت للتأويل، وجاز لمن أخبرته ميمونة أن النبيّ - ﷺ - تزوّجها حلالًا أن يُخبر بأن رسول الله - ﷺ - تزوّج ميمونة حلالًا، يُحدّث به هكذا وحده، يقول: حدّثتني ميمونة أن رسول الله - ﷺ - تزوّجها حلالًا.
على أنهم يلزمهم مثله في حديث ابن عبّاس: "أن رسول الله - ﷺ - تزوّج ميمونة، وهو محرم"؛ لأنه ليس فيه أن ميمونة أخبرته، وموضع ابن عبّاس من ميمونة بموضع يزيد بن الأصمّ سواء. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - (^٢).
وقال في "الفتح": قال الأثرم: قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول: بأيّ شيء
_________________
(١) سيأتي في التنبيه الآتي أنه جاء مثله عن عائشة، وأبي هريرة - ﵄ -، ولعل الحافظ ابن عبد البرّ - ﵀ - لم يعتدّ بهما؛ لأن فيهما مقالًا سيأتي بيانه، فتنبّه.
(٢) "الاستذكار" ١١/ ٢٥٩ - ٢٦٢.
[ ٢٥ / ١٦٥ ]
يُدفَع حديث ابن عبّاس؟ - أي مع صحّته - قال: فقال: الله المستعان، ابن المسيّب يقول: وَهِمَ ابن عبّاس، وميمونة تقول: تزوّجني وهو حلال. انتهى.
وقد عارض حديث ابن عباس حديث عثمان: "لا ينكح المحرم، ولا يُنكح". أخرجه مسلم.
ويُجمع بينه وبين حديث ابن عبّاس - ﵄ - بحمل حديث ابن عبّاس على أنه من خصائص النبيّ - ﷺ -.
وقال ابن عبد البرّ: اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية أنه تزوّجها، وهو حلالٌ، جاءت من طرق شتّى، وحديث ابن عبّاس صحيح الإسناد، لكن الوهم إلى الواحد أقرب منه إلى الجماعة، فأقلّ أحوال الخبرين أن يتعارضا، فتطلب الحجة من غيرهما، وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم، فهو المعتمد. انتهى.
ومنهم من حمل حديث عثمان على الوطء.
وتُعُقّب بأنه ثبت فيه: "لا يَنكِح" بفتح أوله، و"لا يُنكِح" بضمّ أوله، "ولا يخطب". ووقع في "صحيح ابن حبّان" زيادة: "ولا يُخطب عليه".
ويترجّح حديث عثمان بأنه تقعيد قاعدة، وحديث ابن عبّاس واقعة عين، تَحْتَمِل أنواعًا من الاحتمالات:
[فمنها]: أن ابن عبّاس كان يرى أن من قلّد الهدي يصير محرمًا، كما تقدّم تقرير ذلك في "الحجّ"، والنبيّ - ﷺ - كان قلّد الهدي في عمرته تلك التي تزوّج فيها ميمونة، فيكون إطلاقه أنه - ﷺ - تزوّجها، وهو محرمٌ، أي عقد عليها بعد أن قلّد الهدي، وإن لم يكن تلبّس بالإحرام، وذلك أنه كان أرسل إليها أبا رافع يخطبها، فجعلت أمرها إلى العبّاس، فزوّجها من النبيّ - ﷺ -.
وقد أخرج الترمذيّ، وابن خزيمة، وابن حبّان في "صحيحيهما" من طريق مطر الورّاق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع: "أن النبيّ - ﷺ - تزوّج ميمونة، وهو حلالٌ، وبنى بها، وهو حلالٌ، وكنت أنا الرسول بينهما"، قال الترمذيّ: لا نعلم أحدًا أسنده غير حمّاد بن زيد، عن مطر، ورواه مالك، عن ربيعة، عن سليمان، مرسلًا.
[ ٢٥ / ١٦٦ ]
[ومنها]: أن قول ابن عبّاس: تزوّج ميمونة، وهو محرم، أي داخل الحرام، أو في الشهر الحرام، قال الأعشى [من الرمل]:
قَتَلُوا كِسْرَى بِلَيْلٍ مُحْرِمًا … غَادَرُوهُ لَمْ يُمَتَّعْ بِكَفَنْ
أي في الشهر الحرام، وقال آخر [من الكامل]:
قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا … وَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَقْتُولَا
أي في البلد الحرام، وإلى هذا التأويل جنح ابن حبّان، فجزم به في "صحيحه".
وعارض حديثَ ابن عباس أيضًا حديثُ يزيد بن الأصمّ: "أن النبيّ - ﷺ - تزوّج ميمونة، وهو حلالٌ"، أخرجه مسلم من طريق الزهريّ، قال: "وكانت خالته، كما كانت خالة ابن عباس"، وأخرج مسلم من وجه آخر عن يزيد بن الأصمّ، قال: "حدّثتني ميمونة أن رسول الله - ﷺ - تزوّجها، وهو حلالٌ، قال: وكانت خالتي، وخالة ابن عبّاس".
وأما أثر ابن المسيّب الذي أشار إليه أحمد، فأخرجه أبو داود (^١)، وأخرج البيهقيّ من طريق الأوزاعيّ، عن عطاء، عن ابن عبّاس. . . الحديث، قال: وقال سعيد بن المسيّب: ذَهِلَ ابنُ عباس، وإن كانت خالته، ما تزوّجها إلا بعدما أحلّ.
قال الطبريّ: الصواب من القول عندنا أن نكاح المحرم فاسدٌ؛ لصحّة حديث عثمان - ﵁ -، وأما قصّة ميمونة، فتعارضت الأخبار فيها، ثم ساق من طريق أيوب، قال: أُنبئت أن الاختلاف في زواج ميمونة إنما وقع لأن النبيّ - ﷺ - كان بعث إلى العبّاس ليُنكحها إياه، فأنكحه، فقال بعضهم: أنكحها قبل أن يُحرم النبيّ - ﷺ -، وقال بعضهم: بعدما أحرم، وقد ثبت أن عمر، وعليًّا، وغيرهما من الصحابة فرّقوا بين محرم نكح، وبين امرأته، ولا يكون هذا إلا عن ثبت. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص مما تقدّم أن حديث كونه - ﷺ - تزوّج ميمونة - ﵂ -، وهما حلالان أرجح من حديث ابن عبّاس - ﵄ - أنه - ﷺ -
_________________
(١) في سند أبي داود مجهول، لكن يقويّه ما أخرجه البيهقيّ بعده، فتنبّه.
[ ٢٥ / ١٦٧ ]
تزوّجها، وهما محرمان؛ لموافقته لحديث عثمان - ﵁ - مرفوعًا: "لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح"، وأما حديث ابن عبّاس، فقابل للتأويلات المذكورة، فلا يُعارض الأول، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال الحافظ - ﵀ -: حديث ابن عبّاس - ﵄ - قد جاء مثله صحيحًا عن عائشة، وأبي هريرة - ﵄ -، فأما حديث عائشة، فأخرجه النسائيّ من طريق أبي سلمة عنها، وأخرجه الطحاويّ، والبزّار، من طريق مسروق عنها، وصححه ابن حبّان، وأكثر ما أُعلّ بالإرسال، وليس ذلك بقادح فيه، وقال النسائيّ: "أخبرنا عمرو بن عليّ، أنبأنا أبو عاصم، عن عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة مثله"، قال عمرو بن عليّ: قلت لأبي عاصم: أنت أمليت علينا من الرقعة ليس فيه عائشة، فقال: دع عائشة، حتى أنظر فيه. وهذا إسناد صحيح، لولا هذه القصّة، لكن هو شاهد قويّ أيضًا.
وأما حديث أبي هريرة - ﵁ -، فأخرجه الدارقطنيّ، وفي إسناده كاملٌ أبو العلاء، وفيه ضعف، لكنه يَعتضد بحديثي ابن عباس وعائشة.
قال: وفيه ردّ على قول ابن عبد البرّ: إن ابن عبّاس تفرّد من بين الصحابة بأن النبيّ - ﷺ - تزوّج، وهو محرم.
قال: وجاء عن الشعبيّ، ومجاهد مرسلًا مثله، أخرجهما ابن أبي شيبة.
وأخرج الطحاويّ من طريق عبد الله بن محمد بن أبي بكر، قال: سألت أنسًا عن نكاح المحرم؟ فقال: لا بأس به، وهل هو إلا كالبيع، وإسناده قويّ، لكنه في مقابلة النصّ، فلا عبرة به، وكأن أنسًا لم يبلغه حديث عثمان - ﵁ -. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في ردّ الحافظ على ابن عبد البرّ نظر لا يخفى؛ إذ الظاهر أن مراده ما صحّ في ذلك، وحديث عائشة، وأبي هريرة ضعيفان، كما يظهر مما ذُكر آنفًا، فكيف يُردّ عليه بالضعيف؟.
ثم بعد كتابتي ما تقدّم رأيت الشيخ الشنقيطيّ - ﵀ - قد أجاد البحث في هذه المسألة في "تفسيره"، أحببت إيراده بطوله، وإن كان قد تقدّم الغرض منه، إلا أن عنده تحقيقات زائدة، ودونك عبارته:
[ ٢٥ / ١٦٨ ]
قال - ﵀ -: (واعلم): أوّلًا أن المقرر في الأصول أنه إذا اختلف نصان وجب الجمع بينهما، إن أمكن وإن لم يمكن وجب الترجيح.
وإذا عرفت هذه المقدمة، فاعلم أن من أجوبتهم عن حديث ابن عباس المذكور أنه يمكن الجمع بينه وبين حديث ميمونة، وأبي رافع، أنه تزوجها وهو حلال، ووجه الجمع في ذلك هو أن يُفَسَّر قول ابن عباس: إنه تزوجها وهو محرم، بأن المراد بكونه محرمًا كونه في الشهر الحرام، وقد تزوجها - ﷺ - في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة، عام سبع في عمرة القضاء، كما ذكره البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه" في "كتاب المغازي" في "باب عمرة القضاء"، قال - بعد أن ساق حديث ابن عباس المذكور -: وزاد ابن إسحاق: حدّثني ابن أبي نَجِيح، وأبان بن صالح، عن عطاء، ومجاهد، عن ابن عباس قال: تزوج النبيّ - ﷺ - ميمونة في عمرة القضاء. انتهى.
ومعلوم أن عمرة القضاء كانت في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة، من سنة سبع، ولا خلاف بين أهل اللسان العربيّ في إطلاق الإحرام على الدخول في حرمة لا تُهْتَك، كالدخول في الشهر الحرام، أو في الحرم، أو غير ذلك.
وقال ابن منظور في "اللسان": وأحرم الرجل: إذا دخل في حرمة لا تُهْتَك، ومن إطلاق الإحرام على الدخول في الشهر الحرام، وقد أنشد في "اللسان" شاهدًا لذلك قول زهير [من الطويل]:
جَعَلْنَ الْقَنَانَ (^١) عَنْ يَمِينٍ وَحَزْنَهِ … وَكَمْ بِالْقَنَانِ مِنْ مُحِلٍّ وَمُحْرِمِ
وقول الآخر [من الطويل]:
وَإذْ فَتَكَ النُّعْمَانُ بِالنَّاسِ مُحْرِمًا … فَمُلِّئ مِنْ عَوْفِ بْنِ كَعْبٍ سَلَاسِلُهْ
وقول الراعي [من الكامل]:
قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا … وَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَقْتُولَا
فَتَفَرَّقَتْ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ عَصَاهُمُ … شَقَفًا وَأَصْبَحَ سَيْفُهُمْ مَسْلُولَا
ويروى: "فَلْمْ أَرَ مِثْلَهُ مَخْذُولًا". فقوله: "قتلوا ابن عفان الخليفة
_________________
(١) "القنان": اسم جبل بعينه لبني أسد، وقيل: هو جبل، ولم يخصص. اهـ. "لسان العرب" ١٣/ ٣٥٠.
[ ٢٥ / ١٦٩ ]
محرمًا": أي في الشهر الحرام، وهو ذو الحجة، وقيل: المعنى أنهم قتلوه في حرم المدينة؛ لأن المُحْرِم يُطلق لغة على كل داخل في حرمة لا تُهتك، سواء كانت زمانية، أو مكانية، أو غير ذلك.
وقال بعض أهل اللغة، منهم الأصمعيّ: إن معنى قول الراعي: "محرمًا" في بيته المذكور كونه في حرمة الإسلام، وذمته التي يجب حفظها، ويحرم انتهاكها، وأنه لم يُخِلَّ من نفسه شيئًا يستوجب به القتل، ومن إطلاق المحرم على هذا المعنى الأخير، قول عديّ بن زيد:
قَتَلُوا كِسْرَى بِلَيْلٍ مُحْرِمًا … غَادَرُوهُ لَمْ يُمَتَّعْ بِكَفَنْ
يريد قتل شيرويه أباه أبرويز بن هرمز، مع أن له حرمة العهد الذي عاهدوه به حين مَلَّكوه عليهم، وحرمة الأبوة، ولم يفعل لهم شيئًا يستوجب به منهم القتل، وذلك هو مراده بقوله: "مُحْرِمًا"، وعلى تفسير قول ابن عباس: "وهو محرم" بما ذُكر فلا تعارض بين حديث ابن عباس وبين حديث ميمونة، وأبي رافع.
ولو فرضنا أن تفسير حديث ابن عباس - ﵄ - بما ذُكر ليس بمتعين، وليس بظاهر كلَّ الظهور، وأن التعارض بين الحديثين باقٍ، فالمصير إلى الترجيح إذًا واجب، وحديث ميمونة وأبي رافع أرجح من حديث ابن عباس؛ لأن ميمونة هي صاحب القصة، ولا شك أن صاحب القصة أدرى بما جرى له في نفسه من غيره، وقد تقرر في الأصول أن خبر صاحب الواقعة المروية مقدَّم على خبر غيره؛ لأنه أعرف بالحال من غيره، والأصوليون يمثّلون له بحديث ميمونة المذكور، مع حديث ابن عباس.
ومما يرجَّح به حديث أبي رافع على حديث ابن عباس أن أبا رافع هو رسوله إليها يخطبها عليه، فهو مباشر للواقعة، وابن عباس ليس كذلك، وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المباشر لما روى على خبر غيره؛ لأن المباشر لِما روى أعرف بحاله من غيره، والأصوليون يمثّلون له بخبر أبي رافع المذكور: "أنه - ﷺ - تزوج ميمونة وهو حلال، قال: وكنت الرسول فيما بينهما"، مع حديث ابن عباس المذكور: "أنه تزوجها وهو محرم".
ومما يرجَّح به حديث ميمونة، وحديث أبي رافع معًا على حديث ابن
[ ٢٥ / ١٧٠ ]
عباس أن ميمونة وأبا رافع كانا بالغين وقت تحمّل الحديث المذكور، وابن عباس ليس ببالغ وقت التحمل، وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المتحمل بعد البلوغ على المتحمل قبله؛ لأن البالغ أضبط من الصبي لِمَا تحمّل، وللاختلاف في قبول خبر المتحمل قبل البلوغ من الاتفاق على قبول خبر المتحمل بعد البلوغ، وإن كان الراجح قبول خبر المتحمل قبل البلوغ إذا كان الأداء بعد البلوغ؛ لأن المتفق عليه أرجح من المختلف فيه.
فإن قيل: يرجح حديث ابن عباس - ﵄ - أنه اتَّفَق عليه الشيخان في "صحيحيهما"، ومعلوم أن ما اتفق عليه مسلم والبخاري أرجح مما انفرد به مسلم، وهو حديث ميمونة، وأرجح مما أخرجه الترمذيّ، وأحمد، وهو حديث أبي رافع.
فالجواب أن غاية ما يفيده اتفاق الشيخين صحة الحديث إلى ابن عباس، ونحن لو جزمنا بأنه قاله قطعًا لم يمنع ذلك من ترجيح حديث ميمونة وأبي رافع عليه؛ لأنهما أعلم بحال الواقعة منه؛ لأن ميمونة صاحبة الواقعة، وأبو رافع هو الرسول المباشر لذلك، فلنفرض أن ابن عباس قال ذلك، وأن أبا رافع وميمونة خالفاه، وهما أعلم بالحال منه؛ لأن لكل منهما تعلقًا خاصًا بنفس الواقعة، ليس لابن عباس مثله.
ومن المرجِّحات التي رجّح بها بعض العلماء حديث تزوُّجه - ﷺ - ميمونة وهو حلال على حديث تزوجه إياها وهو محرم، أن الأول رواه أبو رافع وميمونة، والثاني رواه ابن عباس وحده، وما رواه الاثنان أرجح مما رواه الواحد، كما هو مقرر في الأصول.
ولكن هذا الترجيح المذكور يردّه ما ذكره ابن حجر في فتح الباري، ولفظه: فالمشهور عن ابن عباس أن النبيّ - ﷺ - تزوجها، وهو محرم، وصح نحوه عن عائشة، وأبي هريرة. انتهى.
وعلى تقدير صحة ما ذكره ابن حجر، فمن روى أن تزويجها في حالة الإحرام أكثر.
فإن قيل: يرجح حديثهم إذًا بالكثرة.
فالجواب أنهم وإن كثروا، فميمونة وأبو رافع أعلم منهم بالواقعة، كما
[ ٢٥ / ١٧١ ]
تقدم، والمرجحات يرجح بعضها على بعض، وضابط ذلك عند الأصوليين، هو قوة الظنّ، ومعلوم أن ما أخبرت به ميمونة - ﵂ - عن نفسها، وأخبر به الرسول بينها وبين زوجها - ﷺ - الذي هو أبو رافع أقوى في ظن الصدق مما أخبر به غيرهما.
ومن أقوى الأدلة الدالة على أن حديث ابن عباس لا تنهض به الحجة على جواز عقد النكاح في حال الإحرام: هو أنا لو سلّمنا أن النبيّ - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم، لم تكن في ذلك حجة على جواز ذلك بالنسبة إلى أمته - ﷺ -؛ لأنه ثبت عنه في "صحيح مسلم" وغيره من حديث عثمان بن عفان - ﵁ - ما يدل على منع النكاح في حال الإحرام، وهو عامّ لجميع الأمة، والأظهر دخوله هو - ﷺ - في ذلك العموم، فإذا فعل فعلًا يخالف ذلك العموم المنصوص عليه بالقول، دل على أن ذلك الفعل خاص به - ﷺ - لتحتّم تخصيص ذلك العموم القولي بذلك الفعل، فيكون خاصًا به - ﷺ -.
وقد تقرر في الأصول أن النص القولي العام الذي يشمل النبي - ﷺ - بظاهر عمومه لا بنص صريح إذا فعل النبيّ - ﷺ - فعلًا يخالفه، كان ذلك الفعل مخصِّصًا لذلك العموم القوليّ، فيكون ذلك الفعل خاصًا به - ﷺ -.
فإن قيل: لا حجة في حديث عثمان المذكور في "صحيح مسلم" على منع عقد النكاح في حال الإحرام؛ لأن المراد بالنكاح فيه وطء الزوجة، وهو حرام في حال الإحرام إجماعًا، وليس المراد به العقد.
فالجواب من أوجه:
الأول: أن في نفس الحديث قرينتين دالتين على أن المراد به عقد النكاح، لا الوطء، الأولى: أنه - ﷺ - قال في الحديث المذكور: "لا يَنْكِحُ المحرم، ولا يُنْكَحُ"، فقوله: "ولا يُنْكَحُ" بضم الياء دليل على أن المراد لا يُزَوَّج، ولا يمكن أن يكون المراد بذلك الوطء؛ لأن الولي إذا زوّج قبل الإحرام، وطلب الزوج وطء زوجته في حال إحرام وليّها فعليه أن يمكّنه من ذلك إجماعًا، فدل ذلك على أن المراد بقوله: "ولا يُنكَحُ" ليس الوطء، بل التزويج، كما هو ظاهر.
القرينة الثانية: أنه - ﷺ - قال أيضًا: "ولا يخطب"، والمراد خطبة المرأة
[ ٢٥ / ١٧٢ ]
التي هي طلب تزويجها، وذلك دليل على أن المراد العقد؛ لأنه هو الذي يطلب بالخطبة، وليس من شأن وطء الزوجة أن يطلب بخطبة، كما هو معلوم.
الوجه الثاني: أن أبان بن عثمان راوي الحديث، وهو من أعلم الناس بمعناه، فسَّره بأدن المراد بقوله: "ولا يُنكح": أي لا يزوَّج؛ لأن السبب الذي أورد فيه الحديث هو أنه أَرسل له عمر بن عبيد الله حين أراد أن يزوج ابنه طلحة بن عمر ابنة شيبة بن جبير، فأنكر عليه ذلك أشدّ الإنكار، وبيَّن له أن حديث عثمان، عن النبيّ - ﷺ - دليل على منع عقد النكاح في حال الإحرام، ولم يُعْلَم أنه أنكر عليه أحد تفسيره الحديث بأن المراد بالنكاح فيه العقد، لا الوطء.
الوجه الثالث: هو ما قدمنا من الأحاديث، والآثار الدالة على منع التزويج في حال الإحرام، كحديث ابن عمر عند أحمد: أنه سئل عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل، وهو خارج من مكة، فأراد أن يعتمر، أو يحج؟ فقال: لا تتزوجها وأنت محرم، نَهَى رسول الله - ﷺ - عنه. انتهى.
فتراه صرّح بأن النكاح المنهي عنه في الإحرام التزويج.
وقال الشوكانيّ في "نيل الأوطار" في حديث ابن عمر هذا: في إسناده أيوب بن عتبة، وهو ضعيف، وقد وُثِّق.
وكالأثر الذي رواه مالك، والبيهقيّ، والدارقطنيّ، عن أبي غَطَفان بن طَرِيف أن أباه طريفًا تزوج امرأة، وهو محرم، فردّ عمر بن الخطاب نكاحه. انتهى.
وذلك دليل على أن عمر يفسر النكاح الممنوع في الإحرام بالتزويج، ولا يخصه بالوطء، وقد روى البيهقي في "السنن الكبرى" بإسناده عن الحسن، عن عليّ قال: من تزوج، وهو محرم نزعنا منه امرأته.
وروى بإسناده أيضًا عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن عليًا - ﵁ - قال: لا ينكح المحرم، فإن نكح رُدّ نكاحه.
وروى بإسناده أيضًا عن شَوْذَب مولى زيد بن ثابت، أنه تزوج وهو محرم، ففرّق بينهما زيد بن ثابت.
قال: وروينا في ذلك عن عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵄ -، وروى
[ ٢٥ / ١٧٣ ]
بإسناده أيضًا عن قُدامة بن موسى، قال: تزوجت، وأنا محرم، فسألت سعيد بن المسيِّب، فقال: يفرَّق بينهما.
وروى بإسناده أيضًا عن سعيد بن المسيِّب أن رجلًا تزوج وهو محرم، فأجمع أهل المدينة على أن يفرَّق بينهما. انتهى.
ثم قال الشيخ الشنقيطيّ - ﵀ -: الذي يظهر لي رجحانه بدليل هو أن إحرام أحد الزوجين، أو الولي مانع من عقد النكاح؛ لحديث عثمان الثابت في "صحيح مسلم"، ولِمَا قدَّمنا من الآثار الدالة على ذلك، ولم يثبت في كتاب الله، ولا سنة نبيّه - ﷺ - شيء يعارض ذلك الحديث، وحديث ابن عباس معارَضٌ بحديث ميمونة، وأبي رافع، وقد قدمنا لك أوجه ترجيحهما عليه، ولو فرضنا أن حديث ابن عباس لم يعارضه معارض، وأن النبيّ - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم، فهذا فعلٌ خاصٌ، لا يعارض عمومًا قوليًا؛ لوجوب تخصيص العموم القولي المذكور بذلك الفعل، كما تقدم إيضاحه. انتهى المقصود من كلام الشيخ الشنقيطيّ - ﵀ -، وهو بحث نفيسٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٥٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَيْمُونَةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) العطّار، أبو سليمان المكيّ، ثقةٌ [٨] (ت ٤ أو ١٧٥) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٢٥ / ١٧٤ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٥٤] (١٤١١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو فَزَارَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَزَوَّجَهَا، وَهُوَ حَلَالٌ، قَالَ: وَكَانَتْ خَالَتِي، وَخَالَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان، تقدّم قبل باب.
٢ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ) بن زيد الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ، في حديثه عن قتادة ضعفٌ [٦] (ت ١٧٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١.
٣ - (أَبُو فَزَارَةَ) راشد بن كيسان الْعَبسيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أنس، ويزيد بن الأصم، وأبي زيد مولى عمرو بن حُريث، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وميمون بن مِهْران، وغيرهم.
وروى عنه ليث بن أبي سليم، والثوريّ، وجرير بن حازم، وشريك، وحماد بن زيد، والجراح بن مَلِيح، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ كَيِّسٌ، ولم أر له في كتب أهل النقل ذكرًا بسوء، وقال ابن حبان: مستقيم الحديث إذا كان فوقه ودونه ثقة، فأما مثل أبي زيد مولى عمرو بن حُريث الذي لا يعرفه أهل العلم فلا، وفَرَّق أسلم بن سهل في "تاريخ واسط" بين الذي يروي عن أنس، وبين الكوفي الراوي عن يزيد بن الأصم وغيره، وفي "عِلَل الخلال": قال أحمد: أبو فزارة في حديث عبد الله مجهول، وتعقبه ابن عبد الهادي، فقال: هذا النقل عن أحمد غلط من بعض الرواة عنه، وكأنه اشتبه عليه أبو زيد بأبي فزارة. انتهى.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون ذُكروا قبل حديث، وشرح الحديث واضح.
[ ٢٥ / ١٧٥ ]
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ميمونة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٣٤٥٤] (١٤١١)، و(أبو داود) في "النكاح" (١٨٤٣)، و(الترمذيّ) في "النكاح" (٨٤٥)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥٤٠٤)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٩٦٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ١٥٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٣٢ و٣٣٣ و٣٣٥)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٨٣١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٢٦٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٧٨)، و(الحاكم) في "مستدركه" (٤/ ٣٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٤/ ٢١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٦٦ و٧/ ٥٨ و٢١٠ و٢١١) و"الصغرى" (٤/ ٧١ و٦/ ١٩٩ و٢٠٠) و"المعرفة" (٤/ ٣٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧/ ٢٥٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.