بفتحتين فَعَلٌ، بمعنى مفعول: وهو ما يُجلَب من بلد إلى بلد آخر، أفاده الفيّوميّ (^٢).
وقال المجد - ﵀ -: جَلَبَه يَجْلُبه، من بابي ضرب، ونصر، جَلْبًا - بالسكون -، وجَلَبًا - بفتحتين - واجتلبه: ساقه من موضع إلى آخر، فجَلَبَ هو، وانجلب، واستجلبه: طَلَب أن يُجلَبَ له، و"الْجَلَبُ" محرّكةً: ما جُلِب من خيل، أو غيرها؛ كالْجَلِيبة، والْجَلُوبة، جمعه أجلابٌ. انتهى ببعض إيضاح (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق من أن الجلب هنا بفتحتين، فقول بعضهم: هو بفتح اللام، وسكونها، لا وجه له؛ لأن جواز الوجهين في المصدر، لا في الجلَب بمعنى المجلوب، فتنبّه.
وَيحْتَمل أن يكون الْجَلَب بفتحتين بمعنى القوم الجالبين للسِّلَع، فقد قال في "اللسان": والْجَلَب - أي: بفتحتين - والأجلاب - أي: بالفتح -: الذين يَجلُبون الإبل، والغنم للبيع، والْجَلَبُ: ما جُلِب من خيل، وإبل، ومتاع. انتهى (^٤)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٦٠٧ - ٦٠٨.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٠٤.
(٣) "القاموس المحيط" ١/ ٤٧.
(٤) "لسان العرب" ١/ ٢٦٨.
[ ٢٦ / ٦٥٤ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨١٤] (١٥١٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى أَنْ تُتَلَقَّى السِّلَعُ، حَتَّى تَبْلُغَ الأَسْوَاقَ"، وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَقَالَ الآخَرَانِ: "إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ التَّلَقِّي").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّاء بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
والباقون كلّهم ذكروا في الباب، والأبواب الثلاثة قبله.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى أَنْ تُتَلَقَّى السِّلَعُ) ببناء الفعل للمفعول، و"السلع" مرفوع على أنه نائب الفاعل، وهو بفتح السين المهملة، وفتح اللام: جمع سِلْعة، بكسر، فسكون، كسِدْرة، وسِدَر، وهي البضاعة، (حَتَّى تَبْلُغَ) بالبناء للفاعل، وقوله: (الأَسْوَاقَ) منصوب على المفعوليّة، وَيحْتَمِلُ بناء الفعل للمفعول، و"الأسواقُ" نائب فاعله، فتنبّه.
وقوله: (وَهَذَا لَفْظُ ابْنِ نُمَيْرٍ) يعني أن اللفظ المذكور لشيخه محمد بن عبد الله بن نُمير، وقوله: (وَقَالَ الآخَرَانِ) يعني أن شيخيه: ابن أبي شيبة، وابن المثنّى روياه بلفظ: (إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ التَّلَقِّي) وَيحْتَمِل أن يكون المراد بابن نمير هو عبدَ الله بن نمير، والد محمد، وبالآخران ابن أبي زائدة، ويحيى بن سعيد القطّان، والله تعالى أعلم.
ومعنى قوله: "نَهَى عَنِ التَّلَقِّي" أي: تلقّي الركبان، وفي حديث عبد الله الآتي: "أنه نهى عن تلقّي الْبُيُوع"، وفي رواية ابن سيرين، عن أبي هريرة الآتية: "نَهَى رسول الله - ﷺ - أن يُتلقّى الجلَبُ"، وفي رواية ابن سيرين أيضًا: إن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تلقّوا الْجَلَبَ، فمن تلقّاه، فاشترى منه، فإذا أتى سيّده السوق فهو بالخيار".
[ ٢٦ / ٦٥٥ ]
قال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: فسّر أصحابنا - يعني الشافعيّة - تلقّي الركبان بأن يتلقّى طائفةً يحملون طعامًا إلى البلد، فيشتريه منهم، قبل قدومهم البلد، ومعرفة سعره، ومقتضى هذا التفسير أن التلقّي لشراء غير الطعام، ليس حكمه كذلك، ولم أر هذا التقييد في كلام غيرهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: التقييد المذكور مما لا دليل عليه، فالصواب المنع مطلقًا؛ لظاهر النصّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والشرط في التحريم - كما قالوا - أن يعلم النهي عن التلقّي، وهذا شرط في سائر المناهي، وروى سحنون عن ابن القاسم أنه يؤدّب، إلا أن يُعذر بالجهل، وروى عيسى بن دينار، عن ابن القاسم أنه يؤدب إذا كان معتادًا لذلك، واختلفوا في قصد التلقّي، فلو لم يقصده، بل خرج لشغل، فاشترى منهم، ففي تحريمه خلاف عند الشافعيّة، والمالكيّة، والأصحّ عند الشافعيّة تحريمه؛ لوجود المعنى، وهو الحقّ.
وقال وليّ الدين - ﵀ -: وشرط بعض أصحابنا للتحريم شرطًا آخر، وهو أن يبتدئ المتلقّي القافلةَ بطلب الشراء منهم، فلو ابتدؤوه، فالتمسوا منه الشراء منهم، وهم عالمون بسعر البلد، أو غير عالمين، فجعلوه على الخلاف فيما لو بان أن الشراء بسعر البلد، أو أكثر، والأصحّ أنه لا خيار في هذه الصورة. انتهى.
وقال في "الفتح": وظاهر الحديث منع التلقّي مطلقًا، سواء كان قريبًا، أم بعيدًا، وسواء كان لأجل الشراء منهم، أم لا. انتهى. وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا - إن شاء الله تعالى -.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٣٨١٤ و٣٨١٥] (١٥١٧)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢١٤٢ و٢١٥٩) و"الحيل" (٦٩٦٣)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٤٣٦)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٢٥٨) و"الكبرى" (٤/ ١٣)، و(ابن ماجه)
[ ٢٦ / ٦٥٦ ]
في "التجارات" (٢١٧٣)، و(مالك) في "الموطّإ" (١٣٩٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٢٩٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٧ و٦٣)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٤٥٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٩٥٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٦٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٤٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٠٩٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم تلقّي الركبان:
ذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، والجمهور إلى تحريمه، وذهب أبو حنيفة، والأوزاعيّ إلى جوازه، إذا لم يضرّ بالناس، فإن أضرّ كُره، كذا حكاه النوويّ، وقال: والصحيح الأول؛ للنهي الصريح.
قال وليّ الدين - ﵀ -: والذي في كتب الحنفيّة الكراهة في حالتين:
[إحداهما]: أن يضرّ بأهل البلد.
[والثانية]: أن يلبّس السعر على الواردين، فإن أراد النوويّ ضرر أهل البلد، فَيَرِدُ عليه الحالة الثانية، وإن أراد مطلق الناس، تناول الصورتين، ثم إن الكراهة عند بعضهم للتحريم، فإن أرادوا ذلك هنا كان مذهبهم موافقًا لمذهب الجمهور، لكن قال ابن حزم: إن أبا حنيفة كرهه، إن أضرّ بأهل البلد، دون أن يحظره، قال: وما نعلم أحدًا قاله قبله، وحكى ابن حزم عن مالك أنه لا يجوز فعله للتجارة، ولا بأس به لابتياع القوت من الطعام، والأضحية، قال: ولا نعلمه عن أحد قبل مالك. انتهى (^١).
وقال ابن قُدامة - ﵀ -: وكره التلقّي أكثر أهل العلم، منهم: عمر بن عبد العزيز، ومالك، والليث، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وحكي عن أبي حنيفة، أنه لم ير بذلك بأسًا، وسنّة رسول الله - ﷺ - أحق أن تُتَّبع. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الجمهور على تحريم تلقّي الركبان، وهو الحقّ؛ للأحاديث الصحيحة المذكورة في هذا الباب وغيرها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في بطلان البيع بالتلقّي:
_________________
(١) "طرح التثريب" ٦/ ٦٤ - ٦٥.
(٢) "المغني" ٦/ ٣١٢.
[ ٢٦ / ٦٥٧ ]
قال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: واختلفوا، في أن البيع هل يبطل، أم لا؟ فقال الشافعيّ، وأحمد: لا يبطل، فإن النهي لا يرجع إلى نفس العقد، ولا يُخلّ هذا الفعل بشيء من أركانه، وشرائطه، وإنما هو لأجل الإضرار بالركبان، وذلك لا يقدح في نفس البيع.
وقال آخرون: يبطل؛ لأن النهي يقتضي الفساد، وحكاه الشيخ تقيّ الدين في "شرح العمدة" عن غير الشافعيّ من العلماء، وهذه الصيغة، لا عموم فيها، وليس المراد أن جميع العلماء غير الشافعيّ قائلون بالبطلان، وإن كانت العبارة توهم ذلك، وهذا قول في مذهب مالك، حكاه سحنون عن غير ابن القاسم، وقال ابن خويز منداد: البيع صحيح على قول الجميع، وإنما الخلاف في أن المشتري لا يفوز بالسلعة، ويشركه فيها أهل الأسواق، ولا خيار للبائع، أو أن البائع بالخيار.
قال ابن عبد البرّ: ما حكاه ابن خويز منداد عن الجميع في جواز البيع هو الصحيح، لا ما حكاه سحنون عن غير ابن القاسم أنه يُفسخ البيع، قال: وكان ابن حبيب يذهب إلى فسخ البيع في ذلك، فإن لم يوجد، عُرضت السلعة على أهل السوق، واشتركوا فيها، إن أحبّوا، وإن أبوها رُدّت على مبتاعها. انتهى (^١).
وقال الإمام ابن قُدامة - ﵀ -: فإن خالف، وتلقى الركبان، واشترى منهم، فالبيع صحيح، في قول الجميع، وقاله ابن عبد البر - ﵀ - وحُكي عن أحمد، رواية أخرى: أن البيع فاسد؛ لظاهر النهي، والأول أصح؛ لأن أبا هريرة - ﵁ -، روى أن رسول الله - ﷺ -، قال: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه، واشترى منه، فإذا أتى السوق، فهو بالخيار"، رواه مسلم، والخيار لا يكون إلا في عقد صحيح؛ ولأن النهي لا لمعنى في البيع، بل يعود إلى ضرب من الخديعة، يمكن استدراكها بإثبات الخيار، فأشبه بيع المصرّاة، وفارق بيع الحاضر للبادي، فإنه لا يمكن استدراكه بالخيار؛ إذ ليس الضرر عليه، إنما هو على المسلمين. انتهى (^٢).
_________________
(١) "طرح التثريب" ٦/ ٦٥.
(٢) "المغني" ٦/ ٣١٣.
[ ٢٦ / ٦٥٨ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الجمهور على أن البيع صحيح، وهو الحقّ؛ لأن الشارع خيّر البائع، بين إمضاء البيع، وفسخه، وإنما يكون الخيار بينهما في عقد صحيح، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في معنى الخيار الذي ثبت في هذه المسألة:
قال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: قال الشافعيّة: لا خيار للبائع قبل أن يَقْدَم، وَيعْلَم السعرَ، فإذا قَدِم، فإن كان الشراء بأرخص من سعر البلد، ثبت له الخيار، سواء أخبر المتلقّي بالسعر كاذبًا، أم لم يُخبر، وإن كان الشراء بسعر البلد، أو أكثر، فوجهان:
[أصحهما] عندهم: أنه لا خيار له؛ لعدم الغبن.
[والثاني]: ثبوته؛ لإطلاق الحديث، حيث قال - ﷺ -: "فمن تلقّاه، فاشترى منه، فإذا أتى سيّده السوق، فهو بالخيار".
وقال الحنابلة أيضًا بثبوت الخيار، لكنهم قيّدوه بأن يُغبن بما لا يُغبن به عادةً، واختلفوا في تقديره، فقدّره بعضهم بالثلث، وبعضهم بالسدس.
واختلف المالكيّة القائلون بأن البيع لا يبطل على قولين:
[أحدهما]: أن السلعة تُعرض على أهل السلع في السوق، فيشتركون فيها بذلك الثمن، بلا زيادة، فإن لم يوجد لها سوقٌ، عُرضت على الناس في المصر، فيشتركون فيها، إن أحبّوا، فإن نقصت عن ذلك الثمن، لزمت المشتري، قاله ابن القاسم، وأصبغ.
[والثاني]: يفوز بها المشتري، وقال الليث بن سعد: إن كان بائعها لم يذهب رُدّت إليه، حتى تباع في السوق، وإن كان قد ذهب، ارتُجعت منه، وبيعت في السوق، ودُفع إليه ثمنها. انتهى (^١).
وقال الإمام ابن قدامة - ﵀ - بعد أن ذكر ما تقدّم في المسألة السابقة من الخلاف -: فإذا تقرر هذا، فللبائع الخيار، إذا علم أنه قد غُبِن، وقال أصحاب
_________________
(١) "طرح التثريب" ٦/ ٦٥ - ٦٦.
[ ٢٦ / ٦٥٩ ]
الرأي: لا خيار له، وقد روينا قول رسول الله - ﷺ - في هذا، ولا قول لأحد مع قوله.
وظاهر المذهب، أنه لا خيار له إلا مع الغبن؛ لأنه إنما ثبت لأجل الخديعة، ودفع الضرر، ولا ضرر مع عدم الغبن، وهذا ظاهر مذهب الشافعي، ويُحْمَل إطلاق الحديث في إثبات الخيار، على هذا، لِعِلْمنا بمعناه ومراده؛ لأنه معنى يتعلق الخيار بمثله، ولأن النبي - ﷺ - جعل له الخيار، إذا أتى السوق، فيُفهَم منه أنه أشار إلى معرفته بالغبن في السوق، ولولا ذلك لكان الخيار له، من حين البيع، قال: وينبغي أن يتقيد الغبن المثبت للخيار بما يخرج عن العادة؛ لأن ما دون ذلك لا ينضبط.
وقال أصحاب مالك: إنما نُهي عن تلقي الركبان؛ لما يفوت به من الرفق لأهل السوق؛ لئلا يُقطع عنهم ما له جلسوا، من ابتغاء فضل الله تعالى، قال ابن القاسم: فإن تلقاها مُتَلَقّ، فاشتراها، عُرِضت على أهل السوق، فيشتركون فيها، وقال الليث بن سعد: تباع في السوق، وهذا مخالف لمدلول الحديث، فإن النبيّ - ﷺ -، جعل الخيار للبائع، إذا دخل السوق، ولم يجعلوا له خيارًا، وجَعْلُ النبيّ - ﷺ - الخيار له، يدل على أن النهي عن تلقي الركبان؛ لحقّه، لا لحقّ غيره، ولأن الجالس في السوق، كالمتلقي في أن كل واحد منهما، مبتغ لفضل الله تعالى، فلا يليق بالحكمة فسخ عقد أحدهما، وإلحاق الضرر به، دفعًا للضرر عن مثله، وليس رعاية حق الجالس، أولى من رعاية حق المتلقي، ولا يمكن اشتراك أهل السوق كلهم في سلعته، فلا يُعَرَّجُ على مثل هذا، والله أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه ابن قدامة - ﵀ - في الردّ على أصحاب مالك، والليث فيما قالوه؛ لمخالفته صريح الحديث، حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): فيما ذكره أهل العلم في سبب النهي عن التلقّي المذكور:
_________________
(١) "المغني" ٦/ ٣١٣ - ٣١٤.
[ ٢٦ / ٦٦٠ ]
قال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: وسبب التحريم إزالة الضرر عن الجالب، وصيانته ممن يخدعه، قال الإمام، أبو عبد الله المازريّ:
[فإن قيل]: المنع من بيع الحاضر للبادي سببه الرفق بأهل البلد، واحتُمِل فيه غبن البادي، والمنع من التلقي أن لا يُغبَن البادي، ولهذا قال - ﷺ -: "فإذا أتى سيدُهُ السوقَ، فهو بالخيار".
[فالجواب]: أن الشرع ينظر في مثل هذه المسائل، إلى مصلحة الناس، والمصلحة تقتضي أن يُنظَر للجماعة على الواحد، لا للواحد على الواحد، فلما كان البادي، إذا باع بنفسه، انتفع جميع أهل السوق، واشتروا رخيصًا، فانتفع به جميع سكان البلد، نظر الشرع لأهل البلد على البادي، ولما كان في التلقي، إنما ينتفع المتلقي خاصة، وهو واحد في قُبالة واحد، لم يكن في إباحة التلقي مصلحة، لا سيما وينضاف إلى ذلك علة ثانية، وهي لحوق الضرر بأهل السوق، في انفراد المتلقي عنهم بالرخص، وقطع الموادّ عنهم، وهم أكثر من المتلقي، فنظر الشرع لهم عليه، فلا تناقض بين المسألتين، بل هما متفقتان في الحكمة، والمصلحة، والله أعلم. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: واختلف في وجه النهي عن التلقّي، فقيل: ذلك لحقّ الله تعالى، وعلى هذا، فيُفسخ البيع أبدًا، وقال به بعض أصحابنا، وهذا إنما يليق بأصول أهل الظاهر. والجمهور: على أنه لحق الآدميّ؛ لِمَا يدخل عليه من الضرر، ثم اختلفوا فيمن يرجع إليه هذا الضرر، فقال الشافعيّ: هو البائع، فيدخل عليه ضرر الغبن، وعلى هذا، فلو وقع لم يُفسخ، ويكون صاحبه بالخيار، وعلى هذا يدلّ ظاهر الحديث، فإنه قال فيه: "إذا أتى سيّده السوق، فهو بالخيار". وقال مالك: بل هم أهل السوق بما يدخل عليهم من غلاء السلع، ومقصود الشرع الرفقُ بأهل الحاضرة، كما قد قال: "دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض"، وكأن مالكًا لم تبلغه هذه الزيادة، أو لم تثبت عنده أنها من قول النبيّ - ﷺ -، وعلى قول مالك فلا يُفسخ، ولكن يخيّر أهل السوق، فإن لم يكن سوقٌ، فأهل المصر بالخيار، وهل يدخل المتلقّي معه، أو
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٦٢ - ١٦٣.
[ ٢٦ / ٦٦١ ]
لا؟ قولان، سبب المنع عقوبته بنقيض قصده، وقد أجاز أبو حنيفة، والأوزاعيّ التلقّي إلا أن يضرّ بالناس، فيكره، وهذه الأحاديث حجةٌ عليهما. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الصواب ما قاله الشافعيّ - ﵀ - من أن النهي لحقّ البائع، وأن له الخيار؛ لموافقته للنصّ الصحيح الصريح: "فإذا أتى سيّده السوق، فهو بالخيار"، فإنه يدلّ على أن البائع هو سبب النهي، وأن البيع إذا أجازه جاز، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم: هل يُقدّر النهي عن التلقّي بمسافة، أم لا؟
قال وليّ الدين العراقيّ - ﵀ -: ظاهر الحديث أنه لا فرق في النهي عن التلقّي بين أن تكون المسافة التي يُتلقّى إليها قريبة، أو بعيدة، وهو الذي يقتضيه إطلاق أصحابنا، وغيرهم، وقيّد المالكيّة محل النهي بحدّ مخصوص، واختلفوا في ذلك الحدّ، فقال بعضهم: ميل، وقال بعضهم: فرسخان، وقال بعضهم: يومان، وهو معنى ما رواه أبو قرّة، عن مالك أنه قال: إني لأكره تلقي السلع، وأن يُبلغ به أربعة برود. انتهى. فإن زادت المسافة على ذلك لم تدخل تحت النهي، وقيل لمالك: أرأيت إن كان ذلك على رأس ستة أميال؟ فقال: لا بأس بذلك، وكأن ذلك جاز على طريقته في أن النظر لأهل البلد، وإنما تتشوّف أطماعهم لمن قرُب منهم، وأما البعيد، فلا تشوّف لهم إليه، ولعلّ النظر في تحديد القرب للعرف.
وحكى ابن حزم عن سفيان الثوريّ أنه منهيّ عنه إذا كان بحيث لا تقصر الصلاة إليه، فإن تلقّاها بحيث تقصر الصلاة، فصاعدًا، فلا بأس بذلك. انتهى (^٢).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: وقد اختلف أصحابنا - يعني المالكيّة - في مسافة منع التلقّي، فقيل: يومان، وقيل: ستة أميال، وقيل: قرب المصر، قلت: هذه التحديدات متعارضةٌ، لا معنى لها؛ إذ لا توقيف، وإنما محلّ المنع
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٦٦ - ٣٦٧.
(٢) "طرح التثريب" ٦/ ٦٧ - ٦٨.
[ ٢٦ / ٦٦٢ ]
أن ينفرد المتلقّي بالقادم خارج السوق بحيث لا يعرف ذلك أهل السوق غالبًا، وعلى هذا، فيكون ذلك في القريب والبعيد، حتى يصحّ قول بعض أصحابنا: لو تلقّى الجلب في أطراف البلد، أو أقاصيه، لكان تلقّيًا منهيًّا عنه، وهو الصحيح؛ لنهيه - ﷺ - في الرواية الأخرى عن تلقّي السلع حتى تورد الأسواق، فلو لم يكن للسلعة سوقٌ، فلا يخرج إليها؛ لأنه التلقّي المنهيّ عنه، غير أنه يجوز أن يشتري في أطراف البلد؛ لأن البلد كلّه سوقها. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق أن الصواب هو ما عليه الجمهور من أن التلقيّ حرام مطلقًا، سواء كانت المسافة قريبة، أم بعيدة، إذا كان خارج السوق؛ لإطلاق النصوص في ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): عقد الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه" بابًا لمنتهى التلقّي، فقال: "باب منتهى التلقّي"، ثم أورد فيه حديث ابن عمر - ﵄ -: "كنّا نتلقّى الركبان، فنشتري منهم الطعام، فنهانا النبيّ - ﷺ - أن نبيعه، حتى نبلغ به سوق الطعام"، وحديثه: "كانوا يتبايعون الطعام في أعلى السوق، فيبيعونه في مكانه، فنهاهم النبيّ - ﷺ - أن يبيعوه في مكانه، حتى ينقلوه"، فبيّن بالرواية الثانية أن التلقّي كان إلى أعلى السوق من غير خروج عن البلد، فإن خرج منها، وقع في التلقّي المنهيّ عنه.
قال وليّ الدين: وكلام أصحابنا يوافق هذا، حيث قالوا في تعريفه الذي قدّمت ذكره: "قبل قدومهم البلد"، والمعنى فيه أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة السعر، وطلب الحظّ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك، فهو بتقصيرهم، وأما قبل دخول البلد، فإنهم لا يعرفون السعر، ولو أمكنهم تعرّفه، فنادرٌ، لا يترتّب عليه حكم.
وذكر ابن بطّال أن ما كان خارجًا عن السوق في الحاضرة، أو قريبًا منها بحيث يجد من يسأله عن سعرها أنه لا يجوز الشراء هنالك؛ لأنه داخل في
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٦٦.
[ ٢٦ / ٦٦٣ ]
معنى التلقّي، وأما الموضع البعيد الذي لا يقدر فيه على ذلك، فيجوز فيه البيع، وليس بتلقّ.
قال مالك: وأكره أن يشتري في نواحي المصر حتى يهبط به السوق.
قال ابن المنذر: وبلغني هذا القول عن أحمد، وإسحاق أنهما نهيا عن التلقّي خارج السوق، ورخّصا في ذلك في أعلى السوق إلى آخر كلامه، فردّ تبويب البخاري إلى مذهبه، والمعنى الذي ذكره في أنه إذا وجد من يسأله عن السعر كان الشراء حرامًا، وإن لم يجد من يسأله عن السعر، كان جائزًا غير ملائم، والذي يقتضيه النظر عكسه، والله أعلم.
وحَكَى ابن عبد البرّ عن الليث بن سعد أنه قال: أكره تلقي السلع، وشراءها في الطريق، أو على بابك، حتى تقف السلعة في سوقها التي تباع فيها، قال: وإن كان على بابه، أو في طريقه، فمزت به سلعة، يريد صاحبها سوق تلك السلعة، فلا بأس أن يشتريها، إذا لم يقصد التلقّي، إنما التلقّي أن يقصد لذلك. انتهى (^١).
وذكر ابن حزم أن حديث ابن عمر هذا استدلّ به من أجاز التلقّي، قال: ولا حجة لهم فيه؛ لستّة أوجه:
[أحدها]: أن المحتجّين به هم القائلون بأن الصحابيّ إذا روى خبرًا، ثم خالفه، فقوله حجة في ردّ الخبر، وقد صحّ عن ابن عمر الفتيا بترك التلقّي.
[ثانيها]: أنه لا كراهة عندهم في بيع الطعام حيث ابتاعه.
[ثالثها]: أن معنى قوله: "فنهانا أن نبيعه": أن نبتاعه.
[رابعها]: أن هذا منسوخ بالنهي.
[خامسها]: أنه محمول على أن البائعين أجازوا البيع.
[سادسها]: ما قدّمته من أن الرواية الأخرى بيّنت أن التلقّى كان إلى أعلى السوق من غير خروج عنه. انتهى من "المحلّى" باختصار (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أنه لا يحلّ لأحد تلقي الجلب، سواء خرج لذلك، أو كان ساكنًا في طريق الجالبين، وسواء بَعُدَ
_________________
(١) "طرح التثريب" ٦/ ٦٨ - ٦٩.
(٢) "المحلى" ٨/ ٤٥١.
[ ٢٦ / ٦٦٤ ]
موضع تلقّيه أم قرب؛ لإطلاق النصّوص، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٣٨١٥] (…) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْر، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين البغداديّ، صدوقٌ ربما وَهِم [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسج المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (ح م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (ابْنُ مَهْدِيٍّ) هو: عبد الرَّحمن العنبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ إمام الجرح والتعديل [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٨.
والباقون ذكروا قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الرَّحمن بن مهديّ، عن مالك لَمْ أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨١٦] (١٥١٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن مُبَارَكٍ، عَنِ التَّيْمِيّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الله، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْبُيُوعِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْن أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُبَارَكٍ) المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمام حجة، جُمعت فيه خصال الخير [٨] (ت ا ١٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢.
٣ - (التَّيْمِيُّ) سليمان بن طرخان، أبو المعتمر البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
[ ٢٦ / ٦٦٥ ]
٤ - (أَبُو عُثْمَانَ) النهديّ، عبد الرَّحمن بن ملّ بن عمرو الكوفيّ، ثم البصريّ، مخضرم ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ، من كبار [٢] (ت ٩٥) أو بعدها، وعاش مائة وثلاثين، أو أكثر (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٥ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود الصحابيّ الشهير المتوفى سنة (٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
وقوله: (نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْبُيُوعِ) بضمّ الموحدة: جمع بيع، بمعنى المبيع، وهو أن يتلقى السلعة الواردة لمحلّ بيعها قبل وصولها له، وهو يقتضي أن النهي المطلق عن تلقي الجلّب مقيّد بما إذا كان التلقي لأجل المبايعة (^١)، أما إذا لغير ذلك، كأن يتلقاهم للسلام، أو لغيره من الأغراض، فلا نهي، فتنبّه.
ثم إن هذا النهي، للتحريم لكنه يصح البيع، ويكون للجالب الخيار، كما أسلفنا تحقيقه في حديث ابن عمر - ﵄ - المذكور قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: أخرج البخاريّ: حديث ابن مسعود - ﵁ - هذا بزيادة في أوله، فقال: حدّثنا مسدّد، حدّثنا معتمر، قال: سمعت أبي يقول: حدّثنا أبو عثمان، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: "من اشترى شاة مُحَفّلًة، فردّها، فليرُدّ معها صاعًا من تمر، ونهى النبيّ - ﷺ - أن تُلَقَّى البيوع".
قال في "الفتح": هكذا رواه الأكثر، عن معتمر بن سليمان، موقوفًا، وأخرجه الإسماعيليّ من طريق عبيد الله بن معاذ، عن معتمر، مرفوعًا، وذكر أن رفعه غلظ، ورواه أكثر أصحاب سليمان عنه كما هنا، حديثُ الْمُحَفَّلة موقوف، من كلام ابن مسعود، وحديث النهي عن التلقي مرفوع، وخالفهم أبو خالد الأحمر، عن سليمان التيميّ، فرواه بهذا الإسناد مرفوعًا، أخرجه الإسماعيليّ، وأشار إلى وهمه أيضًا. انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٥/ ٦٣٨.
(٢) "الفتح" ٥/ ٦٢٧.
[ ٢٦ / ٦٦٦ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٣٨١٦] (١٥١٨)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢١٤٩ و٢١٦٤)، و(الترمذيّ) في "البيوع" (١٢٢٠)، و(ابن ماجة) في "التجارات" (٢١٨٠)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٤٨٨٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣٩٩ و٢١٨٠)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٣٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٩٥٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٦٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣١٩ و٣٤٨)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨١٧] (١٥١٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُتَلَقَّى الْجَلَبُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (هِشَامُ) بن حسّان الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (ابْنُ سِيرِينَ) هو: محمد الأنصاريّ، أبو بكر بن أبي عمرة البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عابد [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" ج ١ ص ٣٥٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (أَنْ يُتَلَقَّى الْجَلَبُ) ببناء الفعل للمفعول، و"الْجَلَب" بفتحتين بمعنى المجلوب، أو بمعنى القوم الجالبين، كما أسلفت تحقيقه؛ أي: نهى - ﷺ - عن الخروج للقاء القادمين من خارج البلد إليه بالسِّلَع، وشرائها منهم قبل أن تبلغ الأسواق، وقد تقدّم تمام البحث فيه في شرح حديث ابن عمر - ﵄ -.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٣٨١٧ و٣٨١٨] (١٥١٩)، و(الترمذيّ) في
[ ٢٦ / ٦٦٧ ]
"البيوع" (٣/ ٥٢٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٠٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٦٢)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٦/ ٢٦٣)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٤٦٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٣٨١٨] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي هِشَامٌ الْقُرْدُوسِيُّ، عَنِ ابْنِ ميرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ، فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن عكرمة بن خالد المخزوميّ المكيّ، صدوق (^١) [٨] (خت م ق) تقدم في "الحج" ٢٣/ ٢٩٨٩.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريجٍ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (هِشَامٌ الْقُرْدُوسِيُّ) هو هشام بن حسَّان المذكور في السند الماضي، و"الْقردوسيّ" بضمّ القاف والدال، واسكان الراء، بينهما منسوب إلى القراديس قبيلهّ معروفة، قاله النوويّ - ﵀ - (^٢).
وقال ابن الأثير - ﵀ - في "اللباب": الْقرْدوسيّ - بضم القاف، وسكون الراء، وضم الدال المهملة، وبعد الواو سين مهملة - هذه النسبة إلى القَرَاديس، بطن من الأزد، نزلوا البصرة، فنسبت المحلة إليهم، وقُردوس بطن
_________________
(١) في "التقريب": مقبول، وفيه نظر؛ لأنه روى عنه ثلاثة، وأخرج له البخاريّ متابعة، وكذا أخرج له م مسلم، ولم يتكلّم أحد في روايته عن ابن جريجٍ، وقال العقيليّ: في روايته عن غير ابن جريج وَهَم. راجع: "تت" ٤/ ٢٧١ - ٢٧٢.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٦٣.
[ ٢٦ / ٦٦٨ ]
من دوس، وهو قُردوس بن الحارث بن مالك بن فَهْم بن غانم بن دوس.
والمنتسب إلى قراديس الأزد أبو الحسن مُعَلَّى بن زياد القردوسيّ البصريّ، يروي عن الحسن وغيره، روى عنه هشام بن حسان.
وأما من ينسب إلى المحلة فأبو عبد الله هشام بن حسان القردوسيّ، كان من العباد والصالحين البكائين، مولى العتيك، يروي عن عطاء، والحسن، وغيرهما، روى عنه يحيى بن راشد، وأهل البصرة، وتُوُفِّي في مُسْتَهَلِّ صفر سنة سبع أو ثمان وأربعين ومائة، وعبد الله بن حسان القردوسيّ البصريّ، أخو هشام، يروي عن كثير مولاهم، روى عنه موسى بن إسماعيل، كذا ذكر السمعانيّ - ﵀ -.
ثم تعقّبه ابن الأثير، فقال: هكذا قال السمعانيّ: القراديس بطن من الأزد، ثم قال: وقُردوس بطن من دوس، ولعله قد ظنّ أن قُردوس الأزد غير قردوس دوس، أو حيث رأى في أحدهما قراديس، وفي الآخر قردوسًا ظنهما اثنين، وهما واحد، ودوس من الأزد، وهو دوس بن عبدنان بن عبد الله بن زهران بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. انتهى (^١).
وقوله: ("لَا تَلَقَّوُا) بفتح التاء، واللام، والقاف المشدّدة، أصله لا تتلقّوا، حُذفت منه إحدى التاءين للتخفيف، كما في ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] و﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، و﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾ [عبس: ٦]، قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
و"لا" ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها، بحذف نون الرفع.
وقوله: (الْجَلَبَ) بفتحتين منصوب على المفعوليّة، وقد تقدَّم أنه بمعنى المجلوب، أو بمعنى القوم الجالبين؛ أي: لا تخرجوا للقاء الرِّفاق القادمة بالسِّلَع، فتبُّشروها قبل أن تبلغ السوق.
وقوله: (فَمَنْ تَلَقَّاهُ)؛ أي: الجلب، بمعنى الشيء المجلوب، أو الجالبين.
_________________
(١) "اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥.
[ ٢٦ / ٦٦٩ ]
وقوله: (فَاشْتَرَى مِنْهُ)؛ أي: من الجلب.
وقوله: (فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ) المراد بالسيّد المالك، صاحب الجلَب، والمعنى: أن صاحب المتاع إذا أتى السوق، وعَرَف السعر، فهو بالخيار في استرداد متاعه، فإن شاء أمضى البيع، وإن شاء أبطله، وأخذ متاعه، وتقدّم تمام البحث في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.