وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أول الكتاب قال:
[٣٧٨٥] (١٥٠٧) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدثنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزبَيْرِ؛ أنهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كَتَبَ النبي - ﷺ - عَلَى كُلِّ بَطْنٍ عُقُولَهُ، ثُمَّ كَتَبَ: "أنهُ لَا يَحِل لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَوَالَى مَوْلَى رَجُلٍ مُسْلِم بِغَيْرِ إِذْنِهِ"، ثُمَّ أخْبِرْتُ أنَّهُ لَعَنَ في صحِيفَتِهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعاني، تقدّم قبل بابين.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (أَبُو الزبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام - ﵁ - المتوفّى بعد السبعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه جابر بن عبد الله - ﵄ - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
[ ٢٦ / ٥٦٨ ]
شرح الحديث:
(عنْ أبي الزُّبَيْرِ؛ أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - (يَقُولُ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ -) أي: أثبت، وأوجب، والمراد: أمر بكتابة ذلك (عَلَى كُلّ بَطْنٍ) - بفتح الموحدة، وسكون الطاء المهملة، آخره نون -: هو دون القبيلة، مؤنّث، د ان أُريد الحيّ، فمذكّر، والجمع بُطُون، وَأَبْطَنٌ. أفاده في "المصباح" (^١).
[فائدة]: قال بعضهم: طبقات النسب سبع: الشَّعْبُ، والقبيلة، والعِمارة، والبطن، والفخذ، والفَصيلة، بوزن قَبيلة، والْعَشِيرة، وكلّ واحدة تدخل فيما قبلها، فالقبائل تحت الشُّعُوب، والعمائر تحت القبائل، والبطون تحت العمائر، والأفخاذ تحت البطون، والفصائل تحت الأفخاذ، والعشائر تحت الفصائل، فخُزَيمة شَعْب، وكنانة قبيلة، وقريش عِمارة، وقُصيّ بطنٌ، وعبد مناف فخذ، وبنو هاشم فَصِيلةٌ، والعبّاس عشيرة، وليس بعد العشيرة حيّ يُوصَف، وسُمي الشَّعْب شَعبًا لتشعّب القبائل منه، ذكره سليمان بن عمر المعروف بالجمل في "حاشيته على الجلالين" (^٢).
وقال ابن منظور: قال الشيخ ابن بَرّيّ: الصحيح في هذا ما رتّبه الزبير بن بكّار، وهو الشَّعْب، ثم القبيلة، ثم العِمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، قال أبو أُسامة: هذه الطبقات على ترتيب خَلْق الإنسان، فالشَّعب أعظمها، مشتقّ من شَعْب الرأس، ثم القبيلة من قَبِيلة الرأس؛ لاجتماعها، ثم العِمارة، وهي الصدر، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، وهي الساق. انتهى (^٣).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ في "تفسيره": وحَكَى أبو عبيد، عن ابن الكلبيّ، عن أبيه: الشَّعْب أكبر من القبيلة، ثم الفصيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، وقيل: الشعب، ثم القبيلة، ثم العمارة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة، ثم العَشِيرة، وقد نظمها بعض الأدباء، فقال [من الخفيف]:
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٥٢.
(٢) راجع: "حاشية الجمل" في تفسير "سورة الحجرات" ٤/ ١٨٥.
(٣) "لسان العرب" ١/ ٥٠٠ - ٥٠١.
[ ٢٦ / ٥٦٩ ]
اقْصِدِ الشَّعْبَ فَهْوَ أَكْثَرُ حَيٍّ … عَدَدًا فِي الْحِوَاءِ ثُمَّ الْقَبِيلَهْ
ثُمَّ تَتْلُوهَا الْعِمَارَةُ ثُمَّ الْـ … ـــبَطْنُ وَالْفَخْذُ بَعْدَهَا وَالْفَصِيلَهْ
ثُمَّ مِنْ بَعْدِهَا الْعَشِيرَةُ لَكِنْ هِيَ فِي جَنْبِ مَا ذَكَرْنَاهُ قَلِيلَهْ
وقال آخر [من البسيط]:
قَبِيلَةٌ قَبْلَهَا شَعْبٌ وَبَعْدَهُمَا عِمَارَةٌ ثُمَّ بَطْنٌ تِلْوُهُ فَخِذُ
وَلَيْسَ يُؤوِي الْفَتَى إِلَّا فَصِيلَتُهُ … وَلَا سَدَادَ لِسَهْمٍ مَا لَهُ قُذَذَ
انتهى (^١).
(عُقُولَهُ) بالنصب مفعول "كتب"، والهاء ضمير البطن، ذكّره باعتبار الحيّ، كما سبق آنفًا.
والعُقُول - بضم العين المهملة -: الديات، واحدها عَقْل - بفتح، فسكون -؛ كفلس وفُلوس، ومعناه: أن الدية في قتل الخطإ، وعمد الخطإ، وهو شبه العمد، تجب على العاقلة، وهم العصبات، سواء الآباء، والأبناء، وإن علوا، أو سفلوا، أفاده الثوويّ.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ - ما حاصله: أن النبيّ - ﷺ - لَمّا هاجر إلى المدينة، واستقرّ أمره فيها، آخى بين المهاجرين والأنصار، وصالح من كان فيها من اليهود، وميّز القبائل، بعضها من بعض، وضمّ البطون بعضها إلى بعض فيما ينوبهم من الحقوق، والغرامات، وكان بينهم دماء، ودياتٌ بسبب الحروب العظيمة التي كانت بينهم قبل الإسلام، فرفع تعالى كلَّ ذلك عنهم، وألّف بين قلوبهم ببركة الإسلام، وبركة النبيّ - ﷺ -، حتى صاروا كما قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ الآية [آل عمران: ١٠٣]. انتهى (^٢).
(ثُمَّ كَتَبَ) النبيّ - ﷺ - ("أَنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده، كما قال ابن مالك في "الكافية الشافية":
وَمُضْمَرُ الشَّأنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا … بِجُمْلَةٍ كَـ"إِنَّهُ زيدٌ سَرَى"
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" في تفسير "سورة الحجرات" ١٦/ ٣٤٥.
(٢) "المفهم" ٤/ ٣٤٠.
[ ٢٦ / ٥٧٠ ]
(لَا يَحِلُّ) - بكسر الحاء المهملة - مضارع حَلّ، من باب ضرب: ضدُّ حَرُم (لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَوَالَى مَوْلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ) يعني أنه لا يحلّ لرجل مسلم أن يُحْدث ولاءً مع من أعتقه غيره من المسلمين؛ لأن الولاء لُحْمَةٌ كلُحْمة النسب، ولا يثبت شرعًا إلا للمعتِقِ.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: هذا يقتضي تحريم أن ينسُب أحدٌ مولى رجل لنفسه، وحديث أبي هريرة - ﵁ - الآتي بعده يقتضي تحريم نسبة المولى لغير مُعتِقِه، وكلاهما محرّم هنا، كما هو محرّم في النسب، وقد سوّى النبيّ - ﷺ - بينهما في الرَّدْع، والوعيد، فقال: "من ادّعَى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فالجنّة عليه حرام". انتهى (^١).
(بِغَيْرِ إِذْنِهِ") أي: بغير إذن سيّده، قال القرطبيّ - ﵀ -: دليل خطابه يدلّ على أن السيّد إذا أذِن في ذلك جاز، كما قد ذهب إليه بعض الناس، وليس بصحيح، والجمهور على منع ذلك، وإن أذن السيّد؛ لأن السيّد إذا أذن في ذلك بِعوض، فهو المبايعة للولاء المنهيّ عنها، أو ما في معناه، وإن كان بغير عوض، فهي هبة الولاء، وما معناها، ولا يجوز واحد منهما، وإنما جرى ذكر الإذن فيه؛ لأن أكثر ما يقع من ذلك، إنما يكون بغير إذن السادة، فلا دليل خطاب لمثل هذا اللفظ، وقد بيّنّا في أصول الفقه أن ما يدُلّ على جهة النطق مُرجّحٌ على ما يدلّ على جهة المفهوم. انتهى (^٢).
وقال النوويّ - ﵀ - ما معناه: قد احتجّ قوم بقوله: "بغير إذنه" على جواز التولّي بإذن مواليه، والصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا يجوز، وإن أذِنوا، كما لا يجوز الانتساب إلى غير أبيه، وإن أذِن أبوه فيه، وحملوا التقييد في الحديث على الغالب؛ لأن غالب ما يقع هذا بغير إذن الموالي، فلا يكون له مفهوم يُعمل به، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٥١] وغير ذلك من الآيات التي قُيّد فيها للغالب، وليس لها مفهوم يُعمل به. انتهى (^٣).
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٤٠.
(٢) "المفهم" ٤/ ٣٤١.
(٣) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٤٩.
[ ٢٦ / ٥٧١ ]
(ثُمَّ أُخْبِرْتُ) بالبناء للمفعول، وفيه أنه منقطع؛ لأنه لم يذكر من حدّثه، لكن يأتي في حديث عليّ - ﵁ - أنه مكتوب في صحيفته، ويقوّيه أيضًا حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي بعده (أنَّهُ لَعَنَ فِي صَحِيفَتِهِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ) أي: ما ذُكر من تولي مولى رجل مسلم بغير إذنه.
ولفظ أبي عوانة: "وحُدِّثت أن في الصحيفة: وعليه لعنة الله".
ثم إن هذا يَحْتَمِل أن يكون من قول ابن جُريج، أو من قول أبي الزبير، وقد خرَّج الحديث الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده" ٣/ ٣٤٢ فقال: من طريق ابن لَهِيعة، قال: حدثنا أبو الزبير، قال: سألت جابرًا عن الرجل يتولى مولى الرجل بغير إذنه، فقال: كتب رسول الله - ﷺ - على كل بطن عقولهم، ثم كَتَبَ أنه لا يَحل أن يتولى مولى رجل مسلم بغير إذنه.
وأخرج من طريقه أيضًا قال: حدّثنا أبو الزبير، عن جابر؛ أن رسول الله - ﷺ - لَعَن في صحيفته مَن فَعَل ذلك. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٣٧٨٥] (١٥٠٧)، و(النسائيّ) في "القسامة" (٤٨٣٠) و"الكبرى" (٧٠٣٣)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٩/ ٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٢١ و٣٤٢ و٣٤٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٣٩)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ١٦٠)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٧/ ٢٧٢ و١٥/ ٢٤٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٠٧) و"الصغرى" (٧/ ١١٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الدية على العاقلة.
٢ - (ومنها): تحريم موالاة غير الموالي؛ لأن الولاء لُحمة كلُحمة النسب، لا يجوز نقله من شخص إلى شخص آخر، لا بالبيع، وبالهبة.
[ ٢٦ / ٥٧٢ ]
٣ - (ومنها): أن الحكم لا يختلف لو أَذِن له المولى؛ لأن التقييد خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٨٦] (١٥٠٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيّ - عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيه، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله، وَالْمَلَائِكَة، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَدْلُ، وَلَا صَرْف").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
والباقون تقدّموا قبل باب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ) "من" شرطيّة (تَوَلَّى قَوْمًا) أي: انتمى إلى ولاء قوم غير معتقه، وقوله: (بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ) تقدّم أن هذا ليس قيدًا، وإنما ذُكر على الغالب، فلا يجوز أن يتولى غير مواليه، وإن أذنوا له (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ) اللعنة في الأصل: الطرد، والإبعاد، فلعنة الله تعالى هي إبعاده الملعون عن رحمته، وإحلاله وَبيل عقوبته، (وَ) لعنة (الْمَلَائِكَةِ) زاد في الرواية التالية: "والناس أجمعين"، ومعنى لعنة هؤلاء: دعاؤهم عليه بأن يُبعده الله عن رحمته، وذمّهم له، وطرده عنهم (لَا يُقْبَلُ) بالبناء للمفعول (مِنْهُ عَدْلٌ، وَلَا صَرْفٌ") في الرواية التالية: "لا يُقبل منه يوم القيامة عدلٌ، ولا صرفٌ"، قال ابن منظور - ﵀ -: الصرف: الحيلة، ومنه التصرّف في الأمور، والعدل: الفداءُ، وقيل: الصرف: التطوّع، والعدل: الفرض، وقيل: الصرف: التوبة، والعدل: الفدية، وقيل: الصرف: الوزن، والعدل: الكيل، وقيل: الصرف: القيمة، والعدل: المثل، وقيل: الصرف: الميل، والعدل:
[ ٢٦ / ٥٧٣ ]
الاستقامة. انتهى باختصار (^١).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٣٧٨٦ و٣٧٨٧ و٣٧٨٨] (١٥٠٨)، و(أبو داود) في "الأدب" (٥١١٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٩٨ و٤١٧ و٤٥٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٤١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٨٧] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِي الْجُعْفِي، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيه، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله، وَالْمَلَائِكَة، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدْلٌ، وَلَا صَرْفٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم تقدّموا في الباب، وقبل باب، غير سليمان، وهو الأعمش، فتقدّم قبل خمسة أبواب.
[تنبيه]: هذا الحديث تقدّم في "الحجّ" برقم [٣٣٣١] (١٣٧١) بهذا الإسناد، ولفظه: "المدينة حَرَمٌ، فمن أحدث فيها حَدَثًا، أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة عدلٌ، صرفٌ"، ثم ساقه عن أبي بكر بن النضر بن أبي النضر، عن أبي النضر، عن عبيد الله الأشجعيّ، عن سفيان الثوريّ، عن الأعمش، وقال: بهذا الإسناد مثله، ولم يقل: "يوم القيامة"، وزاد: "وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة عدلٌ، ولا صرفٌ".
_________________
(١) "لسان العرب" ٩/ ١٩٠ - ١٩١.
[ ٢٦ / ٥٧٤ ]
وقد أخرجه أبو عوانة في "مسنده" ٣/ ٢٤١ مطوّلًا من طريق زائدة، فقال:
(٤٨١٨) - حدّثنا أبو الأزهر، ومحمد بن شاذان، وجعفر الصائغ، قالوا: ثنا معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن سليمان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ - ﷺ - قال: "من تولى قومًا بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة عدلٌ ولا صرفٌ، والمدينة حرم، فمن أحدث فيها حَدَثًا، أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة صرفٌ، ولا عدلٌ، وذمة المسلمين واحدةٌ، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يَقبل الله منه يوم القيامة عدلًا، ولا صرفًا". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٨٨] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنِ الأَعْمَش، بِهَذَا الإِسْنَاد، غَيْرَ أنَّهُ قَالَ: "وَمَنْ وَالَى غَيْرَ مَوَالِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ) البغداديّ، أبو إسحاق التمّار، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) من أفراد المصنّف تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٢.
٢ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بن أبي المختار باذام الْعَبْسيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقة يتشيّع [٩] (ت ٢١٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٣ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ النحويّ، أبو معاوية البصريّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ، صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
و"الأعمش" ذُكر قبله.
[تنبيهان]: (الأول): قال الحافظ أبو عليّ الْجَيّانيّ - ﵀ - في "تقييده": وفي "العتق" في "باب من تولّى قومًا بغير إذن مواليه" ذكر فيه حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "من تولّى قومًا بغير إذن مواليه، فعليه لعنة الله".
[ ٢٦ / ٥٧٥ ]
ثم عقَّب بعده: حدّثنا إبراهيم بن دينار، قال: نا عُبيد الله بن موسى، نا شيبان - يعني النحويَّ أبا معاوية -.
وفي نسخة ابن ماهان: حدّثنا إبراهيم، نا عُبيد الله، نا سفيان، عن الأعمش، جَعَل سفيان بدل شيبان، والصواب شيبان.
ومثله في "المناقب" قال مسلم (^١): حدّثنا القاسم بن زكريا، نا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن أبي الأحوص: أتيت أبا موسى … الحديث في مناقب عبد الله بن مسعود، وليس عندهم في هذا الموضع خلاف. انتهى كلام الجيّانيّ - ﵀ - (^٢).
(الثاني): رواية شيبان، عن الأعمش هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل الى المؤلّف - ﵀ - أول الكتاب قال:
[٣٧٨٩] (١٣٧٠) (^٣) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِي، عَنْ أَبِيه، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِب، فَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَن عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَأهُ إلا كِتَابَ الله، وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ - قَالَ: وصَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ فِي قِرَابِ سَيْفِهِ - فَقَدْ كَذَبَ، فِيهَا أَسْنَانُ الإِبِل، وَأَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَات، وَفيهَا قَالَ النبِيُّ - ﷺ -: (الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله، وَالْمَلَائِكَة، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيه، أَوِ انْتَمَى اِلَى غَيْرِ مَوَالِيه، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله، وَالْمَلَائِكَة، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا، وَلَا عَدْلًا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ) هو: ابن يزيد بن شَرِيك الكوفي، ثقةٌ عابدٌ، يرسل، ويدلّس [٥] (ت ٩٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٦.
_________________
(١) بعد رقم (٢٤٦١) ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي - ﵀ -.
(٢) "تقييد المهمل" ٣/ ٨٥٨.
(٣) هذا الرقم مكرر، فتنبّه.
[ ٢٦ / ٥٧٦ ]
٢ - (أَبُوهُ) يزيد بن شَريك بن طارق التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ، يقال: أدرك الجاهليّة [٢] مات في خلافة عبد الملك (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٦.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) - ﵁ - المتوفّى سنة (٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
والباقون تقدّموا في الباب، وقبل باب، والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في "باب فضل المدينة" برقم [٨١/ ٣٣١٩] (١٣٧٠) وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (مَنْ زَعَمَ أَن عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَأُهُ إلخ) هذا تصريح من عليّ - ﵁ - بإبطال ما تزعمه الرافضة والشيعة، ويخترعونه من قولهم: إنّ عليًّا - ﵁ - أوصى إليه النبيّ - ﷺ - بأمور كثيرة من أسرار العلم، وقواعد الدين، وكنوز الشريعة، وأنه - ﷺ - خَصّ أهل البيت بما لم يطلع عليه غيرهم، وهذه دعاوي باطلة، واختراعات فاسدة، لا أصل لها، ويكفي في إبطالها قول عليّ - ﵁ - (^١).
وقوله: (فِي قِرَابِ سَيْفِهِ) القِراب بالكسر: هو الغِلاف الذي يُجعل فيه السيف بغِمده.
وقوله: (فِيهَا أَسنانُ الإِبِلِ) أي: في تلك الصحيفة بيان أسنان الإبل التي تُعطى في دية القتيل.
وقوله: (وَأَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ) أي: الجراحات التي تكون في بدن الإنسان بسبب الاعتداء عليه، فيجب فيها القصاص، أو الدية.
وقوله: (مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ) اسما جبلين، وقد تقدّم في "فضل المدينة" بيان اختلاف العلماء في هذين الجبلين، وأن كثيرًا من الشراح أنكروا وجودهما بالمدينة، وقدمت هناك أن الصواب أن ما وقع في "صحيح مسلم" بلفظ: "المدينةُ حَرَمٌ ما بين عَيْر وثور" رواية صحيحة؛ لأن المحقّقين أثبتوا وجود جبلين مسمّيين بهذين الاسمين في المدينة، فلا يضرّ عدم معرفة كثير ممن قصّر في البحث والتتبّع لهما؛ فإن من حفظ حجة على من لم يحفظ، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَمَنْ أَحْدَثَ) أي: فعل (فِيهَا) أي: في المدينة (حَدَثًا) بفتحتين؛
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٩/ ١٤٣.
[ ٢٦ / ٥٧٧ ]
أي: منكرًا، أو بدعة، وهي ما خالف الكتاب والسنّة، وقال العينيّ - ﵀ -: هو الأمر الحادث الذي ليس بمعتاد، ولا معروف في السنّة. انتهى. (أَوْ آوَى) أي: ضمّ، وحَمَى، ومكّن، وأجار (مُحْدِثًا) بكسر الدال، وفتحها على الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر: من نصر جانيًا، وآواه، وأجاره من خصمه، وحال بينه وبين أن يقتصّ منه، ومعنى الفتح: هو الأمر المبتدَع نفسه، ويكون معنى إيوائه: الرضا به، فإنه إذا رضي ببدعته، وأقرّه عليها، ولم يُنكرها، فقد آواه، قاله العينيّ، وقال القاري: بكسر على الرواية الصحيحة؛ أي: مبتدعًا، وقيل؛ أي: جانيًا بأن يحول بينه وبين خصمه أن يقتصّ منه، ويُروى بفتح الدال؛ أي: أمرًا مبتَدَعًا، وإيواؤه الرضا به، والصبر عليه. انتهى.
وقوله: (وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ) أي: عهدهم وأمانهم (وَاحِدَة) أي: كالشيء الواحد، لا يختلف باختلاف مراتب الناس، فلا يجوز لأعلى الناس أن ينقض ما عقدهم أدناهم.
وحاصل المعنى: أن أمان المسلمين للكافر صحيح، فإذا أَمَّته واحدٌ من المسلمين حَرُم على غيره التعرض له ما دام في أمان المسلم، وللأمان شروط معروفة.
وقوله: (يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ) أي: يتولاها، ويلي أمرها أدنى المسلمين مرتبة، والمعنى أن ذمة المسلمين واحدة، سواءً صدرت من واحد، أو أكثر، شريفٍ، أو وضيعٍ، فإذا أَمَّن أحد من المسلمين كافرًا، وأعطاه ذمة لم يكن لأحد نقضه، فيستوي في ذلك الرجلُ، والمرأةُ، والحرّ، والعبد؛ لأن المسلمين كنفس واحدة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.