وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّل الكتاب قال:
[٣٦٩٦] (١٤٨٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١١/ ٦٢٠ - ٦٢٣ "كتاب النكاح" رقم (٥١٩١).
[ ٢٦ / ٢٠٣ ]
فَاطِمَةَ بنْتِ قَيْسٍ؛ أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ، وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ، فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ (^١): وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: "لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ"، فَأَمَرَهَا أنْ تَعْتَدَّ فِي بَيتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ تَالَ: "تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَك، فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي"، قَالَت: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتقِه، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ، فَصُعْلُوكٌ، لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ"، فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: "انْكِحِي أُسَامَةَ"، فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا، وَاغْتَبَطْتُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) تقدّم قبل باب.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قريبًا.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ) المخزوميّ المدنيّ المقرئ الأعور، ثقةٌ [٦] (ت ١٤٨) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٠/ ١٣٠٢.
٤ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، تقدّم قبل باب.
٥ - (فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسِ) بن خالد الفهريّة، أخت الضحاك الأمير، وكانت أسنّ منه.
رَوَت عن النبيّ - ﷺ -، ورَوَى عنها القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبو بكر بن أبي الجهم، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن عبد الله بن عبيد بن مسعود، والأسود بن يزيد، وسليمان بن يسار، وعبد الله البهيّ، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، وعامر الشعبي، وعبد الرحمن بن عاصم بن ثابت، وتميم مولى فاطمة بنت قيس.
قال ابن عبد البرّ: كانت من المهاجرات الأُوَل، وكانت ذات جمال
_________________
(١) وفي نسخة: "فقال لها".
[ ٢٦ / ٢٠٤ ]
وعقل، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشُّورى عند قتل عمر، وكانت عند أبي عَمْرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها فتزوجها بعده أسامة بن زيد.
أخرج لها الجماعة، ولها في هذا الكتاب حديث الباب فقط، وكرّره ست عشرة مرّة، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
شرح الحديث:
(عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ) بن خالد، من بني محارب بن فِهر بن مالك، وهي أخت الضحّاك بن قيس الذي وَلي العراق ليزيد بن معاوية، وقُتِلَ بِمَرْجِ راهط، وهو من صغار الصحابة، وهي أسنّ منه، يقال: بعشر سنين، قَدِمت على أخيها الكوفةَ، وهو أميرها، فرَوَى عنها الشعبيّ قصّةَ الجسّاسة بطولها، فانفردت بها مطوّلة، وتابعها جابرٌ وغيره.
(أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ) هكذا قال الجمهور: إنه أبو عمرو بن حفص، وقيل: أبو حفص بن عمرو، وقيل: أبو حفص بن المغيرة، واختلفوا في اسمه، والأكثرون على أن اسمه عبد الحميد، وقال النسائيّ: اسمه أحمد، وقال آخرون: اسمه كنيته، قاله النوويّ (^١).
وقال القرطبيّ: هكذا رواية أكثر الأئمة الحفّاظ: مالك وغيره، وقد قلبه شيبان، وأبان العطّار، عن يحيى بن أبي كثير، فقال: إن أبا حفص بن عمرو، والمحفوظ الأول، واسمه أحمد على ما ذكره الداوديّ عن النسائيّ، قال القاضي: والأشهر عبد الحميد، وقيل: اسمه كنيته، ولا يُعرف في الصحابة من
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٩٤ - ٩٥.
[ ٢٦ / ٢٠٥ ]
اسمه أحمد سواه. انتهى (^١).
وفي "الإصابة": أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، زوج فاطمة بنت قيس، وهو ابن عمّ خالد بن الوليد بن المغيرة، وقيل: هو أبو حفص بن عمرو بن المغيرة، وأمه دُرّة بنت خُزَاعيّ الثقفيّة، وكان خرج مع عليّ إلى اليمن في عهد النبيّ - ﷺ -، فمات هناك، ويقال: بل رجع إلى أن شَهِد فتوح الشام، ذكر ذلك عليّ بن رَبَاح، عن ناشرة بن سُميّ، سمعت عمر يقول: إني معتذرٌ لكم من عزل خالد بن الوليد، فقال أبو عمرو بن حفص: عزلت عنّا عاملًا استعمله رسول الله - ﷺ -، فذكر القصّة، أخرجه النسائيّ، وقال البغويّ: سكن المدينة. انتهى باختصار (^٢).
(طَلَّقَهَا) قال النوويّ ﵀: هذا هو الصحيح المشهور الذي رواه الحفّاظ، واتَّفَق على روايته الثقات على اختلاف ألفاظهم، في أنه طلقها ثلاثًا، أو البتةَ، أو آخر ثلاث تطليقات، وجاء في آخر "صحيح مسلم" في حديث الجسّاسة ما يُوهم أنه مات عنها، قال العلماء: وليست هذه الرواية على ظاهرها، بل هي وَهَمٌ، أو مؤوّلة، وسنوضحها في موضعها - إن شاء الله تعالى -.
وأما قوله في رواية: "أنه طلقها ثلاثًا"، وفي رواية: "أنه طلقها ألبتةَ"، وفي رواية: "طلقها آخر ثلاث تطليقات"، وفي رواية: "طلّقها طلقةً كانت بقيت من طلاقها"، وفي رواية: "طلقها"، ولم يذكر عددًا ولا غيره، فالجمع بين هذه الروايات أنه كان طلقها قبل هذا طلقتين، ثم طلقها هذه المرة الطلقة الثالثة، فمن روى أنه طلقها مطلقًا، أو طلقها واحدةً، أو طلقها آخر ثلاث تطليقات، فهو ظاهر، ومن روى البتةَ، فمراده طلقها طلاقًا صارت به مبتوتة بالثلاث، ومن رَوَى ثلاثًا أراد تمام الثلاث. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^٣).
وقال القاضي عياض ﵀: قوله: "طَلّقها" هذا هو الصحيح، والذي جاءت به الرواية من الحفّاظ على اختلاف صفة الطلاق، هل ثلاثٌ، أو البتّة،
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٦٦.
(٢) راجع: "الإصابة" ١١/ ٢٦٦.
(٣) "شرح النوويّ" ١٠/ ٩٥.
[ ٢٦ / ٢٠٦ ]
أو آخر تطليقات، على ما سيأتي تفسيره، وقد جاء في آخر الكتاب في حديث الجسّاسة لفظ يوهم أنه مات عنها، وليس هذا على ظاهره، أو يكون وَهَمًا من راويه، وقد تكلّمنا عليه بما يُستغرب هناك، فانظره. انتهى كلام القاضي ﵀ (^١).
وقال في "الفتح": واتفقت الروايات عن فاطمة بنت قيس على كثرتها عنها أنها بانت بالطلاق، ووقع في آخر "صحيح مسلم" في حديث الجسّاسة عن فاطمة بنت قيس: "نَكَحْتُ ابنَ المغيرة، وهو من خيار شباب قريش يومئذ، فأصيب في الجهاد مع رسول الله - ﷺ -، فلما تأيّمتُ خطبني أبو جهم … " الحديث، وهذه الرواية وَهَمٌ، ولكن أوّلها بعضهم على أن المراد بقولها: "أصيب" أي: مات على ظاهره، وكان في بعث عليّ إلى اليمن، فيصدق أنه أُصيب في الجهاد مع رسول الله - ﷺ -؛ أي: في طاعة رسول الله - ﷺ -، ولا يلزم من ذلك أن تكون بينونتها منه بالموت، بل بالطلاق السابق على الموت، فقد ذهب جمع جمّ إلى أنه مات مع عليّ باليمن، وذلك بعد أن أرسل إليها بطلاقها، فإذا جُمع بين الروايتين استقام هذا التأويل، وارتفع الوهم، ولكن يَبْعُد بذلك قول من قال: إنه بقي إلى خلافة عمر - ﵁ -. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ ﵀: قولها: "طلقها البتة" هذا هو الصحيح: أنه طلَّقها عند جميع الحفاظ، وسيأتي في حديث الجسَّاسة لفظٌ يوهم: أنه مات عنها، وله تأويل يأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى - ويعني بالبتة: آخر الثلاث تطليقات، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى، لا أنه أوقع عليها لفظ البتة، وإنما سَمَّى آخر الثلاث البتة؛ لأنها طلقة تَبُتُّ العصمة، ولا تُبْقي منها شيئًا، ولما كملت بهذه الطلقة الثلاث عَبَّر عنها بعض الرواة بالثلاث، والرواية المفضَّلة قاضيةٌ على غيرها، وهي الصحيحة. انتهى (^٣).
وقوله: (الْبَتَّةَ) منصوب على المفعوليّة المطلقة، يقال: بَتّه بَتًّا، من بابي ضرب، وقتل: قَطَعه، وفي المطاوع: فانبتّ، كما يقال: فانقطع، وانكسر،
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٥/ ٤٨ - ٤٩.
(٢) "الفتح" ١٠/ ٥٩٩.
(٣) "المفهم" ٤/ ٢٦٧.
[ ٢٦ / ٢٠٧ ]
وبَتَّ الرجل طلاق امرأته، فهي مبتوتةٌ، والأصل مبتوتٌ طلاقها، وطَلّقها طلقةً بَتّةً، وبتّها بَتّةً: إذا قطعها عن الرجعة، وأبتّ طلاقها بالألف لغةٌ، قال الأزهريّ: ويُستعمَل الثلاثيّ والرباعيّ لازمين ومتعدّيين، فيقال: بتّ طلاقها، وأبتّ، وطلاقٌ باتٌّ، ومُبِتٌّ، قال ابن فارس: ويقال لما لا رجعة فيه: لا أفعله بتّةً. انتهى (^١).
(وَهُوَ غَائِبٌ) جملة حاليّة من الفاعل، وقد بُيّن سبب غيابه في رواية الزهريّ الآتية، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة، خرج مع عليّ بن أبي طالب إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها.
(فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا) أي: إلى فاطمة، وقوله: (وَكِيلُهُ) بالرفع على الفاعليّة، وهكذا بالإفراد، وكذا هو في رواية أبي بكر بن الجهم الآتية: "قال: سمعت فاطمة بنت قيس تقول: أرسل إليّ زوجي أبو عمرو بن حفص بن المغيرة عيّاشَ بن أبي ربيعة بطلاقي، وأرسل معه بخمسة آصع تمرٍ، وخمسة آصع شعير"، لكن سيأتي في رواية عبيد الله بن عبد الله الآتية أنهما اثنان، ولفظه: "وأمر لها الحارثَ بنَ هشام، وعيّاشَ بن أبي ربيعة بنفقة"، ولعله ضم الحارث بعد تعيينه عيّاشًا، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته" كان صوابه أن يقول: وَكِيلَيْه؛ لأنهما الحارث بن هشام، وعياش بن ربيعة؛ كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى.
وفيه دليل على العمل بالوكالة، وشهرتها عندهم، وكأنَّ إرساله بهذا الشعير كان منه متعة، فحسبته هي نفقةً واجبةً عليه، ولذلك سخطته، ورأت: أنها تستحق عليه أكثر من ذلك وأطيب، فحين تحقَّق الوكيلان منها ذلك؛ أخبراها بالحكم، فلم تقبل منهما حتى أتت رسول الله - ﷺ -، فقال لها: "لا نفقة لك، ولا سكنى".
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "كان صوابه أن يقول: وكيليه"، قد عُرف
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٥.
[ ٢٦ / ٢٠٨ ]
تأويله آنفًا، وأيضًا أن لفظ "وكيل" مفرد مضاف، فيعمّ، فلا حاجة إلى تخطئة الرواية الصحيحة، فتنبّه.
وقوله: (بِشَعِيرٍ) تقدّم أنه أرسل لها مع وكيله بخمسة آصع تمر، وخمسة آصع شعير، وفي رواية النسائيّ: "فوضع لي عشرة أقفزة عند ابن عمّ له، خمسة شعير، وخمسة تمر … ".
وقوله: (فَسَخِطَتْهُ) أي: سخطت فاطمة ذلك الشعير، وفي رواية أبي بكر بن الجهم الآتية: "فقلت: أما لي نفقةٌ إلا هذا؟ ولا أعتدّ في منزلكم؟ قال: لا"، وفي رواية أبي سلمة: "وكان أنفق عليها نفقة دونٍ، فلما رأت ذلك قالت: والله لأُعلمنّ رسول الله - ﷺ -، فإن كان لي نفقةٌ أخذت الذي يصلحني، وإن لم تكن لي نفقةٌ لم آخذ منه شيئًا".
(فَقَالَ) وفي نسخة: "فقال لها" (وَاللهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ) أي: من نفقة، أو سكنى؛ لأنك مطلّقة طلاقًا بائنًا، وفي رواية عبيد الله: "فقالا لها: والله ما لك نفقةٌ، إلا أن تكوني حاملًا".
وفي رواية النسائيّ: "فَقَالَا: وَاللهِ مَا لَهَا عِنْدَنَا نَفَقَةٌ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، وَمَا لَهَا أَنْ تَكُونَ فِي مَسْكَنِنَا، إِلَّا بِإِذْنِنَا"، والظاهر أن الحارث وعياشًا كان عندهما علم بحكم المسألة قبل هذا، وَيحْتَمِل أنهما قالا ذلك باجتهادهما، ولكن وافق اجتهادهما النصّ، والله تعالى أعلم.
(فَجَاءَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ) أي: ما جرى بينها وبين وكيل زوجها من الخصام في النفقة (فَقَالَ) - ﷺ - ("لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ") وفي رواية أبي بكر بن أبي الجهم المذكورة: "قالت: فشَدَدتُّ عليّ ثيابي، وأتيت رسول الله - ﷺ -، فقال: "كم طلّقك؟ قلت: ثلاثًا، قال: صدق، ليس لك نفقة، واعتدّي في بيت ابن أم مكتوم … " الحديث.
وفي رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة الآتية: "فانطلق خالد بن الوليد - ﵁ - في نفر من بني مخزوم، إلى رسول الله - ﷺ - في بيت ميمونة، فقالوا: إن أبا حفص بن عمرو طلّق امرأته ثلاثًا، فهل لها نفقة؟ فقال: "ليس لها نفقة، ولا سكنى"، لفظ النسائيّ، ولفظ مسلم نحوه، وسيأتي.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ويُجْمَع بين الروايتين بأن فاطمة ذهبت مع
[ ٢٦ / ٢٠٩ ]
خالد والنفر الذين معه، فسأل لها خالد ومن معه، والله تعالى أعلم.
(فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ) قال النوويّ ﵀: قال العلماء: أم شريك هذه قرشيّةٌ عامريّةٌ، وقيل: إنها أنصاريّةٌ، وقد ذكر مسلم في آخر الكتاب في حديث الجسّاسة: أنها أنصاريّة، واسمها غُزَيّة، وقيل: غُزيلة - بغين معجمة مضمومة، ثم زاي فيهما - وهي بنت داود بن عوف بن عمرو بن عامر بن رواحة بن حُجير بن عبد بن معيص بن عامر بن لُؤيّ بن غالب، وقيل في نسبها غير هذا. قيل: إنها التي وهبت نفسها للنبيّ - ﷺ -.
وقيل: غيرها. انتهى (^١).
وقال في "الإصابة": أم شريك بنت أنس بن رافع بن امرئ القيس بن زيد الأنصاريّة، من بني عبد الأشهل، ذكرها ابن حبيب في المبايعات، قاله في "الإصابة" (^٢).
وقال أيضًا: أم شريك الأنصارية: قيل: هي بنت أنس الماضية، وقيل: هي بنت خالد المذكورة قبلها، وقيل: هي غيرها، وقيل: هي أم شريك بنت أبي العَكَر بن سُمَيّ، وذكرها ابن أبي خيثمة من طريق قتادة قال: وتزوج النبيّ - ﷺ - أم شريك الأنصارية النجارية، وقال: "إني أحب أن أتزوج في الأنصار، ثم قال: إني أكره غيرة الأنصار، فلم يدخل بها".
ثم قال: ولها ذكر في حديثٍ عند مسلم من رواية فاطمة بنت قيس، في قصة الجساسة، في حديث تميم الداريّ، قال فيه: وأم شريك امرأة غنية من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله ينزل عليها الضيفان.
ولها حديث آخر أخرجه ابن ماجه، من طريق شَهْر بن حَوْشب: حدّثتني أم شريك الأنصارية، قالت: أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب، ويقال: إنها التي أُمِرت فاطمةُ بنتُ قيس أن تَعْتَدّ عندها، ثم قيل لها: اعتدي عند ابن أم مكتوم. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ ﵀: وقولها: "فأمرها أن تعتدّ في بيت أم شريك" لا
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٩٦.
(٢) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٤/ ٩٩.
(٣) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٤/ ١٠٠.
[ ٢٦ / ٢١٠ ]
خلاف في أن كل زوجة مدخول بها طلَّقها زوجُها يجب عليها العدّة، ثم هي - أعني: العدَّة - منقسمة بحسب أحوالهنَّ: فالحامل عدَّتُها وضْعُ حملها، والحائل إن كانت حرَّة: ثلاثة قروء، وإن لم تكن من ذوات الأقراء: فثلاثة أشهر، وأمَّا الأَمَة: فقرءان، أو شهران، ويجري الفسخ بغبر طلاق مجرى الطلاق، وأمَّا المتوفَّى عنها زوجها: فالحرَّة تعتدّ أربعة أشهر وعشرًا، والأَمَة: شهران وخمس ليال عندنا، وسيأتي بعضُ ذلك، وتفصيله في كتب الفقه.
وأمُّ شريك اسمها: غَزِيَّة. وقيل: غُزَيْلة. وهي قرشية عامريّة. وقد ذكرها بعضهم في أزواج النبيّ - ﷺ -، وقيل فيها: إنها أنصارية، على ما ذكره مسلم في حديث الجسَّاسة، وسيأتي. وكانت كثيرة المعروف، والنفقة في سبيل الله تعالى، والتضييف للغرباء من المهاجرين وغيرهم. ولذلك قال - ﷺ -: "تلك امرأة يغشاها أصحابي".
وإنما أذن النبيّ - ﷺ - لفاطمة أن تخرج من البيت الذي طلقت فيه؛ لما ذكره مسلم في الرواية الأخرى من أنها خافت على نفسها من عورة منزلها.
وفيه دليل: على أن المعتدة تنتقل لأجل الضرر، وهذا أولى من قول من قال: إنها كانت لَسِنَةً تُؤْذي زوجَها وأحماءهَا بلسانها؛ فإن هذه الصِّفَة لا تليق بمن اختارها رسول الله - ﷺ - لِحبِّه ابن حِبِّه، وتواردت رغبات الصحابة عليها حين انقضت عدَّتُها، ولو كانت على مثل تلك الحال لكان ينبغي ألا يُرْغَبَ فيها، ولا يُحْرَصَ عليها، وأيضًا: فلم يثبث بذلك نقل مُسْنَدٌ صحيحٌ، وإنما الذي تمسَّك به في ذلك قول عائشة: ما لفاطمة خير أن تذكر هذا.
وقول عمر: "لا ندع كتاب الله لقول امرأة لا نعلم حفظت أو نسيت"، وقول بعضهم: تلك امرأة فتنت الناس. وليس في شيء من ذلك دليل على ذلك.
ويا للعجب! كيف يجترأ ذو دِينٍ أن يُقْدِمَ على غيبة مثل هذه الصحابية؛ التي اختارها النبيّ - ﷺ - لِحِبّه ابن حِبِّه، لسبب خبر لم يَثْبُت.
وأعجب من ذلك قول بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] إنها نزلت في فاطمة؛ لأنها كانت فيها بذاذة لسان، وأذى للأحماء، وهذا لم يثبث فيه نقلٌ، ولا يدلُّ عليه نظرٌ، فَذِكْرُ ذلك عنها، ونسْبَتُه إليها غيبة، أو بهتان.
[ ٢٦ / ٢١١ ]
وأحسن ما قيل في التفسير؛ قول ابن عمر - ﵄ -: إن الفاحشة: الزنى. فيخرجن لإقامة الحد عليهنَّ.
وتعليله منع اعتدادها في بيت أمِّ شريك بدخول أصحابه؛ دليل على أن المرأة ممنوعة من التعرض لموضع يشق عليها فيه التحرُّز من أن يُطَّلع منها على ما لا يجوز. انتهى (^١).
(ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - ("تِلْكَ) أي: أم قيس (امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا) أي: ينزل (أَصْحَابِي) وفي رواية أبي سلمة: "ثم أرسل إليها أن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون".
قال النوويّ ﵀: معنى هذا الحديث: أن الصحابة - ﵃ - كانوا يزورون أم شريك، ويُكثرون التردد إليها لصلاحها، فرأى النبيّ - ﷺ - أن على فاطمة من الاعتداد عندها حرجًا، من حيث إنه يلزمها التحفّظ من نظرهم إليها، ونظرها إليهم، وانكشاف شيء منها، وفي التحفّظ من هذا مع كثرة دخولهم، وتردّدهم مشقّةٌ ظاهرةٌ، فأمرها بالاعتداد عند ابن أم مكتوم؛ لأنه لا يُبصرها، ولا يتردد إلى بيته من يتردّد إلى بيت أُمُّ شريك. انتهى.
(اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ) هو عمرو بن زائدة، أو ابن قيس بن زائدة. ويقال: زياد القرشيّ العامريّ الصحابيّ المشهور، قديم الإسلام، ويقال: اسمه عبد الله، ويقال: الحصين، كان النبيّ - ﷺ - استخلفه على المدينة، مات - ﵁ - في آخر خلافة عمر - ﵁ -. تقدّمت ترجمته في "الصلاة" ٤/ ٨٤٩.
وفي رواية النسائيّ: "قال: انتقلي عند ابن أم مكتوم الأعمى الذي سمّاه الله في كتابه"؛ أي: في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ [عبس: ١، ٢]، وفي رواية له: "وهو الأعمى الذي عاتبه الله في كتابه"، وضمير "عاتبه" للنبيّ - ﷺ -.
وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: "اعتدِّي عند ابن أم مكتوم"، وفي رواية لمسلم: "عند ابن عمك عمرو بن أم مكتوم"، وكذلك جاء في آخر الكتاب، وزاد: "رجل من بني فهر"، من البطن التي هي منه، والمعروف خلاف هذا،
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠.
[ ٢٦ / ٢١٢ ]
وليسا من بطن واحد، هي من بني محارب بن فهر، وهو من بني عامر بن لؤي.
واختلفوا في اسم ابن أُمُّ مكتوم. فقيل: عمرو، كما ذُكر، وقيل: عبد الله، وكذا ذكره في "الموطأ"، وفي آخر الكتاب، والخلاف في ذلك كثير، قاله القاضي أبو الفضل عياض. انتهى (^١).
(فَإِنَّهُ) أي: ابن أم مكتوم (رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ) هذا هو السبب الذي ذكره النبيّ - ﷺ - في أمرها بالاعتداد عنده، بعد أن أمرها أن تعتدّ في بيت أم شريك - ﵂ -، وفي رواية النسائيّ، من طريق الشعبيّ، عن فاطمة: "فانطلقي إلى أم شريك" - وأم شريك امرأة غنيّةٌ، من الأنصار، عظيمة النفقة في سبيل الله ﷿ ينزل عليها الضِّيفَان - فقلت: سأفعل، قال: "لا تفعلي، فإن أُمُّ شريك كثيرة الضيفان، فإني أكره أن يسقط عنك خمارك، أو ينكشف الثوب عن ساقيك، فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمّك، عبد الله بن عمرو ابن أُمُّ مكتوم"، وهو رجل من بني فهر، فانتقلت إليه.
وفي الرواية الآتية للمصنّف بعد حديثين: "ثم أرسل إليها أن أم شريك يأتيها المهاجرون الأولون، فانطلقي إلى ابن أم مكتوم الأعمى، فإنك إذا وضعت خمارك لم يرك … ".
(فَإِذَا حَلَلْتِ) أي: صِرت حلالًا لأن تتزوّجي (فَآذِنِينِي") بمدّ الهمزة؛ أي: أعلميني، وديه جواز التعريض بخِطبة البائن، وهو الصحيح المختار.
وقال القرطبيّ ﵀: وقوله: "فإذا حللت فآذنيني" أي: إذا انقضت عِدَّتُك. و"آذنيني": أعلميني، وفي لفظ آخر: "فلا تبدئيني بنفسك"، وكل ذلك بمعنى واحدٍ؛ أي: لا تزوِّجي نَفْسَكِ حتى تعرِّفيني، وفيه التَّعْرِيض في العدَّة. انتهى (^٢).
(قَالَتْ) فاطمة (فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ) - ﷺ - (أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ) صخر بن حرب الأمويّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الخليفة المتوفَّى في رجب سنة (٦٠ هـ) وقد قارب الثمانين، تقدّمت ترجمته في "الصلاة" ٨/ ٨٥٨.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٧٠.
(٢) "المفهم" ٤/ ٢٧١.
[ ٢٦ / ٢١٣ ]
وقال النوويّ ﵀: قولها: "ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان" هذا تصريح بأن معاوية الخاطب في هذا الحديث هو معاوية بن أبي سفيان بن حرب، وهو الصواب، وقيل: إنه معاوية آخر، وهذا غلط صريح، نَبَّهتُ عليه لئلا يُغْتَرَّ به، وقد أوضحته في "تهذيب الأسماء واللغات" في ترجمة معاوية - ﵁ -، والله أعلم. انتهى (^١).
(وَأَبَا جَهْمٍ) قال النوويّ ﵀: هو بفتح الجيم، مكبرٌ، وهو أبو الجهم المذكور في حديث الأنبجانية، وهو غير أبو الجهيم المذكور في التيمم، وفي المرور بين يدي المصلي، فإن ذاك بضم الجيم مصغرٌ، وقد أوضحتهما باسميهما ونسبيهما، ووصفيهما في "باب التيمم"، ثم في "باب المرور بين يدي المصلي"، وذكرنا أن أبا الجهم هذا هو ابن حُذيفة القرشيّ العدويّ، قال القاضي عياض: وذكره الناس كلهم، ولم ينسبوه في الرواية، إلا يحيى بن يحيى الأندلسيّ، أحد رواة "الموطأ"، فقال: أبو جهم بن هشام، قال: وهو غلطٌ، ولا يُعْرَف في الصحابة أحد، يقال له: أبو جهم بن هشام، قال: ولم يوافق يحيى على ذلك أحدٌ من رواة "الموطأ"، ولا غيرهم. انتهى (^٢).
(خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ)
هو ما بين العُنُق والْمَنكِب، قال النوويّ ﵀: فيه تأويلان مشهوران: أحدهما: أنه كثير الأسفار، والثاني أنه كثير الضرب للنساء، وهذا أصحّ، بدليل الرواية التي ذكرها مسلم بعد هذه، أنه ضَرّاب للنساء.
قال: وفي هذا استعمال المجاز، وجواز إطلاق مثل هذه العبارة في قوله - ﷺ -: "لا يضع العصا عن عاتقه"، وفي معاوية: أنه "صعلوكٌ، لا مال له" مع العلم بأنه كان لمعاوية ثوب يلبسه، ونحو ذلك من المال المحقَّر، وأن أبا الجهم كان يضع العصا عن عاتقه في حال نومه، وأكله، وغيرهما، ولكن لما كان كثير الحمل للعصا، وكان معاوية قليل المال جدًّا، جاز إطلاق هذا اللفظ عليهما مجازًا، ففي هذا جواز استعمال مثله في نحو هذا، وقد نص عليه أصحابنا.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٩٨.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ٩٧.
[ ٢٦ / ٢١٤ ]
قال: وفيه دليل على جواز ذكر الإنسان بما فيه عند المشاورة، وطلب النصيحة، ولا يكون هذا من الغيبة المحرمة، بل من النصيحة الواجبة، وقد قال العلماء أن الغيبة تباح في ستة مواضع. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد نظمت تلك المواضع الستّة بقولي:
يَا طَالِبًا فَائِدَةً جَلِيلَهْ … اعْلَمْ هَدَاكَ اللهُ لِلْفَضِيلَهْ
أَنَّ اغْتِيَابَ الشَّخْصِ حَيًّا أَوْلَى … مُحَرَّمٌ قَطْعًا بِنَصٍّ يُتْلَى
لَكِنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيحِ … أُبِيحَ عَدَّهَا أُولُو التَّرْجِيحِ
فَذَكَرُوهَا سِتَّةً تَظَلَّمِ … وَاسْتَفْتِ وَاسْتَعِنْ لِرَدْعِ مُجْرِمِ
وَعِبْ مُجَاهِرًا بِفِسْقٍ أَوْ بِدَعْ … بِمَا بِهِ جَاهَرَ لَا بِمَا امْتَنَعْ
وَعَرِّفَنْ بِلَقَبٍ مَنْ عُرِفَا … بِهِ كَقَوْلِكَ رَأَيْتُ الأَحْنَفَا (^١)
وَحَذِّرَنْ مِنْ شَرِّ ذِي الشَّرِّ إِذَا … تَخَافُ أَنْ يُلْحِقَ بِالنَّاسِ الأَذَى
وَفِي سِوَى هَذَا احْذَرَنْ لَا تَغْتَبِ … تَكُنْ مُوَفَّقًا لِنَيْلِ الأَرَبِ
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله: "أمَّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه" المعروف: أبو جهم على التكبير، وقد صغَّره بعضهم، وهو: أبو جهم بن حذيفة القرشي، العدوي، وهو صاحب الأَنْبِجَانية، وقد غَلِطَ فيه يحيى بن يحيى الأندلسي فقال: أبو جهم بن هشام، ولا يُعرف في الصحابة من اسمه: أبو جهم بن هشام ولم يوافقه أحد من رواة "الموطأ" على ذلك.
واختُلِف في معنى قوله: "ولا يضع عصاه عن عاتقه" فقيل: معناه: أنَّه ضرَّاب للنساء، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى، وفي أخرى: "فيه شدَّة على النساء"، وقيل: المراد به: أنَّه كثير الأسفار، وقد جاء أيضًا في بعض رواياته في غير كتاب مسلم ما يدلّ على ذلك، غير أن التأويل الأوّل أحسن وأصحّ.
وفيه ما يدلّ: على جواز تأديب النساء بالضرب، لكن غير المبرح، ولا خلاف في جواز ذلك على النشوز، وهو الامتناع من الزوج.
قال بعضهم: واختُلف في ضربهنَّ على خدمة بيوتهن، وهذا إنما يتمشَّى
_________________
(١) "الأحنف": هو الأعرج، أو الذي يمشي على ظهر قدميه.
[ ٢٦ / ٢١٥ ]
على قول من أوجب ذلك عليهنَّ، ولا يعارض هذا قوله - ﷺ -: "لا يجلد أحدكم زوجته جَلْدَ العبد، ثمَّ يضاجعها"؛ لأنَّ هذا النهي إنما يقتضي المنع من الضرب المبرح الذي لا يجوز، وهو الشديد المفرط، ولا خلاف في منع مثله. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
(وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ، فَصُعْلُوكٌ) بضمّ الصاد المهملة؛ أي: فقير، كما بيّنه بقوله: (لَا مَالَ لَهُ) قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا تفسير للرواية التي وقع فيها "تَرِبٌ"، وقد تقدَّم أنَّه يقال: تَرِبَ الرجلُ: إذا افتقر، وأترب: إذا استغنى، وفيه ما يدلُّ على أن ذكر مساوئ الخاطب، أو من يُعامِل، أو من يُحتاج إلى قبول قوله، أو فتياه جائز، ولا يعدُّ ذلك غيبة، ولا بُهتانًا؛ إذ لا يذكر ذلك على جهة التنقيص وإضافة العيب إليه، لكن على جهة الإخبار، وأداء النصيحة، وأداء الأمانة، كما فعله أهل الحديث وغيرهم. انتهى (^٢).
(انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ") بن شَرَاحيل الكلبيّ الأمير الصحابيّ ابن الصحابيّ، حِبّ رسول الله - ﷺ -، وابن حبّه - ﵄ -، أبو محمَّد، وأبو زيد، مات سنة (٥٤ هـ) وهو ابن (٧٥)، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٤.
قال القرطبيّ - ﵀ -: فيه ما يدلّ على جواز نكاح المولى للقرشية؛ فإن أسامة مولى، وفاطمة قرشية، كما تقدم. وإن الكفاءة المعتبرة هي كفاءة الدين، لا النسب، كما هو مذهب مالك.
وقد رَوَى الدارقطنيّ (^٣) عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمِّه قالت: رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال (^٤).
(فَكَرِهْتُهُ) بكسر الراء، من باب عَلِمَ؛ أي: لكونه مولًى، وهي قرشيّة (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - ("انْكِحِي أُسَامَةَ"، فَنَكَحْتُهُ) وفي رواية الشعبي، عن فاطمة، قالت: "خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب النبيّ - ﷺ -، وخطبني رسول الله - ﷺ - على مولاه أسامة بن زيد، وقد كنت حُدِّثتُ أن رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٧١ - ٢٧٢.
(٢) "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" ١٣/ ١٠٢.
(٣) "سنن الدارقطنيّ" ٣/ ٣٠٢.
(٤) "المفهم" ١٣/ ١٠٢.
[ ٢٦ / ٢١٦ ]
قال: من أحبني، فليُحبّ أسامة، فلما كلّمني رسول الله - ﷺ -، قلت: أمري بيدك، فأنكحني من شئتَ. . .".
وفي رواية أبي سلمة، ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عنها، قالت: فلما حللت آذنته، فقال رسول الله - ﷺ -: "ومن خطبك؟ "، فقلت: معاوية، ورجل آخر من قريش، فقال النبيّ - ﷺ -: "أما معاوية فإنَّه غلام من غلمان قريش، لا شيء له، وأما الآخر، فإنَّه صاحب شرّ، لا خير فيه، ولكن انكحي أسامة بن زيد"، قالت: فكرهته، فقال لها ذلك ثلاث مرّات، فنكحتْه.
(فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا) وفي رواية أبي سلمة، عنها، قالت: فنكحته، فجعل الله - ﷿ - فيه خيرًا عظيمًا.
قال القرطبيّ - ﵀ -: قولها: "فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا إلخ" كان ذلك منها بعد أن صدر منها توقّف، وما يدلّ على كراهتها لذلك، كما جاء في روايةٍ: فقالت بيدها - هكذا - أسامة، أسامة! فقال لها رسول الله - ﷺ -: "طاعة الله وطاعة رسوله خير لك"، قالت: فتزوجته فاغتَبَطتُ. انتهى.
(وَاغْتَبَطْتُ بِهِ) أي: حَسُن حالي بسبب نكاحي إياه، قال الفيّوميّ - ﵀ -: الْغِبْطَةُ: حُسْنُ الحال، وهي اسم من غَبَطْتُهُ غَبْطًا، من باب ضَرَبَ: إذا تَمَنَّيتَ مثلَ ما ناله، من غير أن تريد زواله عنه؛ لما أَعجبك منه، وعَظُم عندك، وفي حديث: "أَقُومُ مَقَامًا يَغْبِطُنِي فِيهِ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ"، وهذا جائز، فإنَّه ليس بحَسَد، فإن تمنيت زواله فهو الْحَسَد. انتهى (^١).
وقال المجد - ﵀ -: الْغِبْطةُ بالكسر: حُسنُ الحال، والْمَسَرّةُ، وقد اغْتَبَطَ، والْحَسَدُ، كالْغَبْط، وقد غَبِطَه، كضربه، وسَمِعه، وتمنَّى نعمةً على أن لا تتحوّل عن صاحبها، فهو غابطٌ، جمعه غُبُطٌ، ككُتُب. انتهى (^٢).
وقال النوويّ - ﵀ -: هو بفتح التاء والباء، ولم تقع لفظة "به" في أكثر النسخ، قال أهل اللغة: الْغِبْطة: أن يُتَمَنَّى مثلُ حال المغبوط، من غير إرادة زوالها عنه، وليس هو بحسَد، تقول منه: غَبَطته بما نال أَغْبِطه بكسر الباء (^٣)،
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٢.
(٢) "القاموس المحيط" ٢/ ٣٧٥.
(٣) تقدَّم عن "القاموس" أنَّه بكسر الباء، وفتحها، من بابي ضرب، وسَمِع.
[ ٢٦ / ٢١٧ ]
غَبْطًا، وغِبْطةً، فاغْتَبَطَ هو، كَمَنَعْتُهُ، فامْتَنَعَ، وحَبَسْتُهُ فاحْتَبَسَ.
وأما إشارته - ﷺ - بنكاح أسامة - ﵁ -، فَلِمَا عَلِمه من دينه، وفضله، وحسن طرائقه، وكَرَم شمائله، فنصحها بذلك، فكرهته؛ لكونه مولًى، ولكونه كان أسود جدًّا، فكرَّر عليها النبيّ - ﷺ - الحثّ على زواجه؛ لِمَا عَلِم من مصلحتها في ذلك، وكان كذلك، ولهذا قالت: فجَعَل الله لي فيه خيرًا عظيمًا، واغتَبَطَتْ، ولهذا قال النبيّ - ﷺ - في الرواية التي بعد هذا: "طاعة الله، وطاعة رسوله خير لك"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث فاطمة بنت قيس - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٣٦٩٦ و٣٦٩٧ و٣٦٩٨ و٣٦٩٩ و٣٧٠٠ و٣٧٠١ و٣٧٠٢ و٣٧٠٣ و٣٧٠٤ و٣٧٠٥ و٣٧٠٦ و٣٧٠٧ و٣٧٠٨ و٣٧٠٩ و٣٧١٠ و٣٧١١ و٣٧١٢ و٣٧١٣ و٣٧١٤ و٣٧١٥] (١٤٨٠)، و(أبو داود) في "الطلاق" (٢٢٨٤ و٢٢٨٨ و٢٢٨٩ و٢٢٩٠)، و(النسائيّ) (٦/ ٧٥ و١٤٤ و٢٠٨) و"الكبرى" (٣/ ٤٩٥)، و(الترمذيّ) في "النكاح" (١١٣٥)، و(ابن ماجه) في "الطلاق" (٢٠٢٤ و٢٠٣٢ و٢٠٣٥ و٢٠٣٦)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٥)، و(مالك) في "الموطّإ" (١٢٣٤ و١٢٧٧)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١٨٦ و٢٧٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤١٢ و٤١٣ و٤١٤ و٤١٥ و٤١٦)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٢٧٤ و٢٢٧٥)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٤/ ٩١٣)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٧٦٠)، و(ابن حبَّان) في "صحيحه" (٤٢٩٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ١٣٥ و١٧٧ و١٧٨ و١٨١ و٤٣٢ و٤٧١)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣٨٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن المبتوتة لا نفقة لها، ولا سكنى، وفيه اختلاف بين
[ ٢٦ / ٢١٨ ]
أهل العلم، سيأتي تحقيقه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): بيان أن الكفاءة، في الدين، لا في النسب، فقد أنكح النبيّ - ﷺ - فاطمة بنت قيس، وهي قرشيّة أسامة بن زيد، وهو مولى، وقد تقدَّم بيان اختلاف العلماء في ذلك في محلّه برقم [١٥/ ٣٦٣٥]، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٣ - (ومنها): جواز طلاق البتّة، حيث لم ينكره - ﷺ - على زوج فاطمة - ﵂ -.
٤ - (ومنها): أن في قوله - ﷺ - في أم شريك - ﵂ -: "يغشاها أصحابي" دليلٌ على أن المرأة المتجالّة العجوز الصالحة جائز أن يغشاها الرجال في بيتها، ويتحدّثون عندها، وكذلك لها أن تغشاهم في بيوتهم، ويرونها، وتراهم فيما يحلّ، ويَجْمُلُ، وينفع، ولا يضرّ، قال الله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠]. والغشيان في كلام العرب: الإلمام، والورود، قال حسّان بن ثابت - ﵁ -[من الكامل]:
يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلَابُهُمْ … لَا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ
فمعنى قوله: "تلك امرأة يَغشاها أصحابي"؛ أي: يُلِمّون بها، ويَرِدون عليها، ويجلسون عندها. قاله في "الاستذكار" (^١).
٥ - (ومنها): أن في قوله: "تضعين ثيابك، ولا يراك" دليلًا على عدم جواز نظر الرجل إلى المرأة؛ لما فيه من داعية الفتنة.
٦ - (ومنها): ما قاله أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: فيه دليلٌ على أن المرأة يجوز لها أن تطّلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطّلع عليه من المرأة، كالرأس، ومعلّق القرط، ونحو ذلك، فأما العورة فلا، ولكن هذا يعارضه ما ذكره الترمذيّ من قول النبيّ - ﷺ - لميمونة وأم سلمة، وقد دخل عليهما ابن أم مكتوم، فقال: "احتجبا منه"، فقالتا: إنه أعمى، فقال: "أفَعَمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ ". والجواب من وجهين:
_________________
(١) "الاستذكار" ١٨/ ٧٦ - ٧٧.
[ ٢٦ / ٢١٩ ]
[أحدهما]: أن هذا الحديث لا يصحّ عند أهل النقل؛ لأنَّ راويه عن أم سلمة نبهان مولاها، وهو ممن لا يُحتجّ بحديثه.
[وثمانيهما]: على تقدير صحّته، فذلك تغليظ منه - ﷺ - على أزواجه لحرمتهنّ، كما غلّظ عليهنّ أمر الحجاب، ولهذا أشار أبو داود وغيره من الأئمة. انتهى (^١).
وقال الحافظ - ﵀ - عند قول البخاريّ - ﵀ -: "باب نظر المرأة إلى الحَبَش، ونحوهم من غير ريبة"، ما نصّه: وظاهر الترجمة أن المصنّف كان يذهب إلى جواز نظر المرأة إلى الأجنبيّ، بخلاف عكسه، وهي مسألة مشهورة، واختَلَف الزجيح فيها عند الشافعيّة، وحديث الباب يساعد من أجاز، وقد تقدَّم في أبواب العيد جواب النوويّ عن ذلك بأن عائشة كانت صغيرةً، دون البلوغ، أو كان قبل الحجاب، وقوّاه بقوله في هذه الرواية: "فاقدروا قدر الجارية الحديثة السنّ"، لكن تقدَّم ما يعكُر عليه، وأن في بعض طرقه أن ذلك كان بعد قدوم الحبشة، وأن قدومهم كان سنة سبع، ولعائشة يومئذ ست عشرة سنة، فكانت بالغةً، وكان بعد الحجاب.
وحجة من منع حديث أمّ سلمة الحديث المشهور: "أفعمياوان أنتما؟ "، وهو حديث أخرجه أصحاب "السنن" (^٢) من رواية الزهريّ، عن نبهان، مولى أم سلمه، عنها، وإسناده قويّ، وأكثر ما عُلّل به انفراد الزهريّ بالرواية عن نبهان، وليست بعلّة قادحة، فإن من يعرفه الزهريّ، ويصفه بأنّه مكاتب أم سلمة، ولم يجرحه أحدٌ، لا تُردّ روايته.
والجمع بين الحديثين احتمال تقدَّم الواقعة، أو أن في قصّة الحديث الذي ذكره نبهان شيء يمنع النساء من رؤيته؛ لكون ابن أم مكتوم كان أعمى، فلعلّه كان منه شيء ينكشف، ولا يشعر به.
ويقوّي الجواز استمرار العمل على جواز خروج النساء إلى المساجد،
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٧٠ - ٢٧١.
(٢) أخرجه أبو داود في "سننه" في "كتاب اللباس" رقم (٤١١٢)، والترمذيّ في "جامعه" في "الأدب" رقم (٢٧٧٨)، وأحمد في "مسنده" (٢٥٩٩٧).
[ ٢٦ / ٢٢٠ ]
والأسواق، والأسفار، منتقبات؛ لئلا يراهنّ الرجال، ولم يؤمر الرجال قطّ بالانتقاب لئلا يراهم النساء، فدلّ على تغاير الحكم بين الطائفتين، وبهذا احتجّ الغزاليّ على الجواز، فقال: لسنا نقول: إن وجه الرجل في حقّها عورةٌ كوجه المرأة في حقّه، بل هو كوجه الأمرد في حقّ الرجل، فيحرم النظر عند خوف الفتنة فقط، وإن لم تكن فتنة فلا؛ إذ لم يزل الرجال على ممرّ الزمان مكشوفي الوجوه، والنساء يخرجن منتقبات، فلو استووا لأُمر الرجال بالتنقّب، أو منعن من الخروج. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذهب إليه البخاريّ، وحقّقه الغزاليّ، وأقرّه الحافظ - رحمهم الله تعالى - هو الحقّ الحقيق بالقبول، حيث دلّ عليه صحيح المنقول، وما عداه، كحديث أم سلمة - ﵂ - المذكور يُحْمَل على الاحتياط، ولا سيّما في حقّ أزواج النبيّ - ﷺ -، فقد قال الله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٢]، وقد أمر الله تعالى أن لا يُكَلّمن إلا من وراء حجاب، متجالّات كنّ، أو غير متجالّات، والحجاب عليهنّ أشدّ منه على غيرهنّ؛ لظاهر القرآن، وحديث نبهان المذكور، كما أشار إلى ذلك ابن عبد البرّ - ﵀ - (^٢).
وكذا قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية [النور: ٣١] محمول على الاستحباب، أو على خوف الفتنة، وإلى ذلك أشار البخاريّ - ﵀ - حيث قال: "من غير ريبة".
والحاصل أن نظر المرأة إلى الرجال الأجانب جائز عند أمن الخوف من الفتنة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب.
٧ - (ومنها): أن الخِطبة المنهيّ عنها في قوله - ﷺ -: "ولا يخطب على خطبة أخيه" محمول على ما إذا كان هناك ركون وميل، ومقاربة، فأما إذا لم يوجد ذلك، فلا يُمنع، فقد قالت فاطمة: إن معاوية، وأبا جهم خطباني، فلم ينكر عليها النبيّ - ﷺ - ذلك، بل خطبها مع ذلك لأسامة بن زيد، حيث لم يحصل منها ميل إليهما، ولا إلى أحد منهما.
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٤٢٢.
(٢) راجع: "الاستذكار" ١٨/ ٨٢.
[ ٢٦ / ٢٢١ ]
٨ - (ومنها): أن من أخبر بعيب أخيه لمن استنصحه عند الخِطبة، أو نحوها ليس بمغتاب له، بل جائز، من باب النصيحة التي هي الدين، لما في "صحيح مسلم" من حديث تميم الداريّ - ﵁ -، مرفوعًا: "الدين النصيحة"، قلنا: لمن؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم"، ولحديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: "حقّ المسلم على المسلم ستٌّ"، وفيه: "وإذا استنصحك، فانصح له. . ." الحديث.
٩ - (ومنها): أن في قوله: "صُعلوك، لا مال له" دليلًا على أن المال من مستحقّات النكاح، وخصال الناكح، وأن الفقر من عيوبه، وأنه لو بُيِّن في العقد، أو عَرفت المرأة منه ذلك، ورضيت به جاز كسائر العيوب.
١٠ - (ومنها): أن كثرة ضرب النساء عيب يمنع من النكاح، إلا إذا رضيت المرأة به، كما سبق في الذي قبله.
١١ - (ومنها): جواز طلاق الغائب.
١٢ - (ومنها): جواز التوكيل في الحقوق في القبض والدفع.
١٣ - (ومنها): جواز سماع كلام الأجنبية، والأجنبيّ في الاستفتاء ونحوه.
١٤ - (ومنها): جواز الخروج من منزل العدّة للحاجة.
١٥ - (ومنها): جواز التعريض لخطبة المعتدّة البائن بالثلاث.
١٦ - (ومنها): جواز الْخِطبة على خِطبة غيره إذا لم يحصل للأول إجابة؛ لأنها أخبرته أن معاوية وأبا الجهم وغيرهما خطبوها.
١٧ - (ومنها): جواز استعمال المجاز؛ لقوله - ﷺ -: "لا يضع العصا عن عاتقه، ولا مال له".
١٨ - (ومنها): استحباب إرشاد الإنسان إلى مصلحته، وإن كرهها، وتكرار ذلك عليه؛ لقولها: قال: "انكحي أسامة، فكرهته، ثمَّ قال: انكحي أسامة، فنكحته".
١٩ - (ومنها): قبول نصيحة أهل الفضل والانقياد إلى إشارتهم، وأن عاقبتها محمودة.
٢٠ - (ومنها): الحرص على مصاحبة أهل التقوى والفضل، وإن دَنَئت أنسابهم.
[ ٢٦ / ٢٢٢ ]
٢١ - (ومنها): جواز إنكار المفتي على مفتٍ آخر خالف النصّ، أو عمّم ما هو خاصّ؛ لأنَّ عائشة أنكرت على فاطمة بنت قيس تعميمها أن لا سكنى للمبتوتة، وإنما كان انتقال فاطمة من مسكنها لعذر من خوف اقتحامه عليها، أو لبذاءتها، أو نحو ذلك.
٢٢ - (ومنها): استحباب ضيافة الزائر، وإكرامه بطيب الطعام والشراب، سواء كان الضيف رجلًا، أو امرأة،.
٢٣ - (ومنها): أن من أفرط في الوصف لا يلحقه الكذب، والمبالغ في النعت بالصدق لا يدركه الذمّ، ألا ترى إلى أن النبيّ - ﷺ - قال في أبي جهم: "لا يضع عصاه عن عاتقه"، وهو قد ينام، ويُصلّي، ويأكل، ويشرب، ويشتغل بما يحتاج إليه من شغله في دنياه، وإنما أراد المبالغة في وصفه بتأديب النساء.
قال الحافظ أبو عمر - ﵀ -: وإنما أراد المبالغة في أدب النساء باللسان واليد، وربما يحسن الأدب بمثله، كما يَصنع الوالي في رعيته. وقد روي عن النبيّ - ﷺ - أنَّه قال لرجل أوصاه: "لا ترفع عصاك عن أهلك، وأخفهم في الله - ﷿ - " (^١).
وروي عنه - ﷺ - أنَّه قال: "علّق سوطك حيث يراه أهلك" (^٢).
قال: ومعنى العصا في هذين الحديثين الإخافة والشدّة بكلّ ما يتهيّأ، ويمكن مما يَجمُلُ، ويَحسُنُ من الأدب فيما يجب الأدب فيه.
وقد قال بعض أصحابنا: إن فيه إباحة ضرب الرجل امرأته ضربًا كثيرًا؛ لأنه قصد به قصد العيب له، والضرب القليل ليس بعيب؛ لأنَّ الله تعالى قد
_________________
(١) ذكره الحافظ أبو بكر الهيثميّ: في "مجمع الزوائد" (٨/ ١٠٦) عن ابن عمر - ﵂ -، وقال: رواه الطبرانيّ في "الصغير"، و"الأوسط"، وفيه الحسن بن صالح بن حيّ وثقه أحمد، وغيره، وضعّفه الثوريّ وغيره. انتهى.
(٢) حديث حسنٌ، أخرجه أبو نعيم من حديث ابن عمر - ﵄ - بلفظ: "عَلِّقوا السوط حيث يراه أهل البيت"، وأخرجه الطبرانيّ من حديث ابن عبّاس - ﵄ - بلفظ: "عَلِّقوا السوط حيث يراه أهل البيت، فإنَّه أدبٌ لهم"، راجع: "الصحيحة" للشيخ الألبانيّ - ﵀ - (٣/ ٤٣١ - ٤٣٢) رقم (١٤٤٦ و١٤٤٧).
[ ٢٦ / ٢٢٣ ]
أباحه، قال: ولَمّا لم يغيّر رسول الله - ﷺ - على أبي جهم ما كان عليه من ذلك، كان في طريق الإباحة، وفيما قال من ذلك - والله أعلم - نظر، قال ابن وهب: ذمُّهُ لذلك دليلٌ على أنَّه لا يجوز فعله، ومن هذا قالت العرب: فلان ليّن العصا، وفلان شديد العصا، يقولون ذلك في الوالي، وما أشبهه، وقال الشاعر [من الطويل]:
لِذِي الْحِلْمِ قَبْلَ الْيَوْمِ مَا تَقْرَعُ الْعَصَا … وَمَا عُلِّمَ الإِنْسَانُ إِلَّا لِيَعْلَمَا
وقال معن بن أوس، يصف راعي إبله [من الطويل]:
عَلَيْهَا شَرِيبٌ وَادِعٌ لَيِّنُ الْعَصَا … يُسَائِلُهَا عَمَّا بِهِ وَتُسَائِلُهْ
والعرب تُسمّي الطاعة، والأُلفة، والجماعة العصا، ويقولون: عصا الإِسلام، وعصا السلطان، ومن هذا قول الشاعر [من الطويل]:
إِذَا كَانَتِ الْهَيْجَاءُ وَانْشَقَّتِ الْعَصَا … فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
ومنه قول صلة بن أشيم: إياك وقتيل العصا، يقول: إياك أن تقتل، أو تُقتل قتيلًا إذا انشقّت العصا.
والعرب أيضًا تسمّي قرار الظاعن عصًا، وقرار الأمر، واستواءه عصًا، فإذا استغنى المسافر عن الظعن، قالوا: قد ألقى عصاه، وقال الشاعر [من الطويل]:
فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى … كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالإِيَابِ الْمُسَافِرُ
ورُوي أن عائشة - ﵂ - تمثّلت بهذا البيت حين اجتمع الأمر لمعاوية - ﵁ -. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البرّ - ﵁ - (^١)، وهو بحث نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان ما وجّه إلى حديث فاطمة بنت قيس - ﵂ - هذا، من المطاعن، والجواب عنه:
وقد أشبع الكلام في هذه المسألة العلّامة ابن القيّم: في كتابه الممتع "زاد المعاد"، وقد ذكر قبل ذكر المطاعن وأجوبتها كون حديثها موافقًا لكتاب الله - ﷿ - فقال:
_________________
(١) "التمهيد" ١٩/ ١٦١ - ١٦٢.
[ ٢٦ / ٢٢٤ ]
[موافقة هذا الحكم لكتاب الله - ﷿ -]:
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١].
فأمر الله - ﷿ - الأزواج الذين لهم عند بلوغ الأجل الإمساكُ، والتسريح بأن لا يُخرجوا أزواجهم من بيوتهم، وأمر أزواجهنّ أن لا يخرجوهن، فدلّ على جواز إخراج من ليس لزوجها إمساكها بعد الطلاق، فإنَّه - ﷾ - ذكر لهؤلاء المطلقات أحكامًا متلازمة، لا ينفك بعضها عن بعض:
[أحدها]: أن الأزواج لا يخرجوهن من بيوتهنّ.
[والثاني]: أنهنّ لا يخرجن من بيوت أزواجهنّ.
[والثالث]: أن لأزواجهنّ إمساكهنّ بالمعروف قبل انقضاء الأجل، وترك الإمساك، فيُسرّحوهنّ بإحسان.
[والرابع]: إشهاد ذوي عدل، وهو إشهادٌ على الرجعة إما وجوبًا، وإما استحبابًا، وأشار سبحانه إلى حكمة ذلك، وأنه في الرجعيّات خاصّةً بقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، والأمر الذي يُرجى إحداثه ههنا هو المراجعة، هكذا قال السلف، ومن بعدهم. قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن داود الأوديّ، عن الشعبيّ: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، قال: لعلّك تَنْدَمُ، فيكون لك سبيل إلى المراجعة. وقال الضحّاك: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، قال: لعله أن يراجعها في العدّة. وقاله عطاء، وقتادة، والحسن، وقد تقدَّم قول فاطمة بنت قيس: أيُّ أمر يحدث بعد الثلاث؟
فهذا يدلّ على أن الطلاق المذكور هو الرجعيّ الذي ثبتت فيه هذه الأحكام، وأن حكمة أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، اقتضته لعل الزوج أن يندم، ويزول الشرّ الذي نزغه الشيطان بينهما، فتتبعها نفسه، فيراجعها، كما قال عليّ بن أبي طالب - ﵁ -: لو أن الناس أخذوا بأمر الله في الطلاق، ما أتبع رجل نفسه امرأة يُطلّقها أبدًا.
ثمَّ ذكر - ﷾ - الأمر بإسكان هؤلاء المطلّقات، فقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، فالضمائر كلّها يتّحد مفسّرها، وأحكامها كلها متلازمة،
[ ٢٦ / ٢٢٥ ]
وكان قول النبيّ - ﷺ -: "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة"، مشتقًّا من كتاب الله - ﷿ - ومفسّرًا له، وبيانًا لمراد المتكلّم به منه، فقد تبيّن اتحاد قضاء رسول الله - ﷺ -، وكتاب الله - ﷿ -، والميزان العادل معهما أيضًا، لا يُخالفهما، فإن النفقة إنما تكون للزوجة، فإذا بانت منه صارت أجنبيّة حكمها حكم سائر الأجنبيّات، ولم يبق إلا مجرّد اعتدادها منه، وذلك لا يوجب لها نفقة، كالموطوءة بشبهة، أو زنى، ولأن النفقة إنما تجب في مقابلة التمكن من الاستمتاع، وهذا لا يمكن استمتاعه بها بعد بينونتها، ولأن النفقة لو وجبت لها عليه لأجل عدّتها، لوجبت للمتوفّى عنها من ماله، ولا فرق بينهما البتّة، فإن كلّ واحدة منهما قد بانت عنه، وهي معتدّةٌ منه، قد تعذّر منهما الاستمتاع، ولأنها لو وجبت لها السكنى، لوجبت لها النفقة، كما يقوله من يوجبها، فأما أن تجب لها السكنى دون النفقة، فالنصّ، والقياس يدفعه.
ثمَّ قال رحمه الله تعالى: