وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٩٧] (١٤٥٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ
[ ٢٥ / ٦٣٧ ]
الْقُرْآنِ: "عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ، يُحَرِّمْنَ"، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وقد تقدّم نفسه قريبًا أول "كتاب الرضاع"، فـ "يحيى بن يحيى" هو: التميميّ، و"مالك" هو: إمام دار الهجرة، وعبد الله بن أبي بكر، هو: ابن عمرو بن حزم الأنصاريّ، و"عمرة" هي: بنت عبد الرحمن الأنصاريّة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ -، أنها (قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ) بالبناء للمجهول، أي فيما أنزل الله من القرآن (عَشْرُ رَضَعَات) مبتدأ خبره جملة "يُحرّمن"، وقوله: (مَعْلُومَاتٍ) بالجرّ صفة و"رَضَعات"، واحترز به عما يُتوهّم، أو يُشكّ في وصوله إلى الجوف من الرضعات، وفيه أن الرضعات إذا كانت غير معلومات لم تحرّم (يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ) أي هؤلاء الكلمات (بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ) المعنى: التحريم المتعلّق بالرضاع كان شرطه أن يكون الرضيع رضع من المرأة عشر رضعات معلومات، ثم نُسخ ذلك بأنه إذا رضع منها خمس رضعات معلومات ثبت التحريم بينهما (فَتُوُفِّيَ) بالبناء للمجهول (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَهُنَّ فِيما يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ) ببناء الفعل للمفعول، والجملة في محلّ نصب على الحال، أي مات - ﷺ -، والحال أن "خمس رضعات معلومات" يُحرّمن من جملة ما يُقرأ من القرآن.
قال الطيبيّ - ﵀ -: قول عائشة - ﵂ - هذا مؤوّلٌ بأنه كان يقرؤه من لم يبلغه النسخ حتى بلغه، فترك؛ لأن القرآن محفوظ من الزيادة والنقصان، وهذا من جملة ما نُسخ لفظه، ومعناه باقٍ.
وقال التوربشتيّ - ﵀ -: يُحمَل هذا على أن بعض من لم يبلغه النسخ كان يقرؤه على الرسم الأول؛ لأن النسخ لا يكون إلا في زمان الوحي، كيف يكون النسخ بعد موت النبيّ - ﷺ -؟، ولا يجوز أن يقال: إن تلاوتها قد كانت باقيةً، فتركوها، فإن الله تعالى رفع قدر هذا الكتاب المبارك عن الاختلال والنقصان، وتولَّى حفظه، وضَمِنَ بصيانته، فقال عزّ من قائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
[ ٢٥ / ٦٣٨ ]
لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، فلا يجوز على كتاب الله أن تضيع منه آية، ولا أن يُخرَم حرف كان يُتلى في زمان الرسالة، إلا ما نُسخ منه. انتهى (^١).
وقال النوويّ - ﵀ -: وقولها: "فتُوُفِّي رسول الله - ﷺ -، وهنّ فيما يُقرأ" بضمّ الياء من يَقرأ، ومعناه: أن النسخ بخمس رضعات تأخّر إنزاله جدًّا حتّى إنه - ﷺ - تُوُفّي، وبعض الناس يقرأ خمس رضعات، ويجعلها قرآنًا متلوًّا؛ لكونه لم يبلغه النسخ؛ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يُتلى.
والنسخ ثلاثة أنواع:
[أحدها]: ما نُسخ حكمه، وتلاوته، كعشر رضعات.
[والثاني]: ما نُسخت تلاوته، دون حكمه، كخمس رضعات، وكـ "الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما".
[والثالث]: ما نُسخ حكمه، وبقيت تلاوته، وهذا هو الأكثر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠]، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحاصل أن كُلًّا من العشر، والخمس منسوخٌ، لكن الأول نسخ تلاوةً وحكمًا، بخلاف الثاني، فإنه نسخ تلاوةً فقط، دون حكمه، فيجب العمل به، فلا يُحرّم من الرضاع أقلّ من خمس رضعات، وهذا هو الراجح. وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٣٥٩٧ و٣٥٩٨ و٣٥٩٩] (١٤٥٢)، و(أبو
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٧/ ٢٢٩٦.
[ ٢٥ / ٦٣٩ ]
داود) في "النكاح" (٢٠٦٢)، و(الترمذيّ) في "الرضاع" (١١٥٠)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٦/ ١٠٠) و"الكبرى" (٣/ ١٩٨)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٩٤٢)، و(مالك) في "الموطّإ" (١٢٩٣)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ٢١)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٢٥٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٢٢١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١١٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٢٥)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٧٣)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٤/ ١٨١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٤٥٤) و"الصغرى" (٦/ ٥٠٢) و"المعرفة" (٦/ ٨٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٢٨٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان القدر الذي يحرّم من الرضاعة، وهو خمس رضعات معلومات، وفيه اختلاف بين العلماء، كما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): أن فيه جواز النسخ، ووقوعه، وأنه ثلاثة أقسام: ما نُسخ تلاوة وحكمًا، وما نُسخ حكمًا فقط، وما نُسخ تلاوةً فقط، كما سبق بيان أمثلته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه بيان تفاوت الصحابة - ﵃ - في معرفة النصوص، فهؤلاء الذين كانوا يقرءون هذه الآية المنسوخة إلى ما بعد وفاة النبيّ - ﷺ - سببه عدم بلوغ النصّ الناسخ، وهكذا سائر الأئمة، يتفاوتون في بلوغ النصوص إليهم، وفي فهم المراد منها، فيخالفونها، فلا ينبغي لمن يقلّدهم أن يتجمّد على رأيهم، بعد بلوغ النصوص التي تخالف رأيهم؛ فإنه لا عذر له، وقد بلغته، بخلافهم، فإنهم معذورون بعدم بلوغها إليهم، فتبصّر، فإن هذا أخطر ما وقع فيه بعض المتأخّرين، اللهمّ اهدنا فيمن هديت، آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مقدار ما يُحرّم من الرضاعة:
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: اختلف السلف والخلف في مقدار ما يحرّم من الرضاع:
[ ٢٥ / ٦٤٠ ]
فقال مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه، والثوريّ، والأوزاعيّ، والليث، والطبريّ: قليل الرضاع، وكثيره يُحرّم، ولو مصّةً واحدةً، إذا وصلت إلى حلقه، وجوفه.
وهو قول عليّ، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عبّاس، وسعيد بن المسيّب، والحسن، ومجاهد، وعروة، وطاوس، وعطاء، ومكحول، والزهريّ، وقتادة، والحكم، وحمّاد.
وقال الليث بن سعد: أجمع المسلمون في أن قليل الرضاع، وكثيره يُحرّم في المهد ما أفطر الصائم.
قال أبو عمر: لم يقف الليث على خلاف في ذلك.
وعند مالك في هذا الباب: عن إبراهيم بن عقبة؛ أنه سأل سعيد بن المسيّب، عن الرضاعة؟ فقال سعيد: كلّ ما كان في الحولين، وإن كانت قطرة واحدةً، فهو يحرّم، وما كان بعد الحولين، فإنما هو طعام يأكله.
قال إبراهيم بن عقبة: ثم سألت عروة بن الزبير؟ فقال مثل ما قال سعيد بن المسيّب. وعن يحيى بن سعيد أنه قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: لا رضاعة إلا ما كان في المهد، إلا ما أنبت اللحم والدم.
وعن ابن شهاب أنه كان يقول: الرضاعة قليلها وكثيرها تُحرّم، والرضاعة من قِبَل الرجال تُحرّم.
قال أبو عمر: الحجّة في هذا ظاهر قول الله - ﷿ -: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، ولم يخصّ قليل الرضاعة من كثيرها.
وقد روى ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر أنه قيل له: قضى ابن الزبير بألا تُحرّم المصّة، ولا المصّتان، فقال: قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير، حرّم الأختَ من الرضاعة.
وقالت طائفة منهم: عبد الله بن الزبير، وأمّ الفضل، وعائشة على اختلاف عنها: لا تحرّم المصّة، ولا المصّتان، ولا الرضعة، ولا الرضعتان، ولا الإملاجة، ولا الإملاجتان.
وبه قال سليمان بن يسار، وسعيد بن المسيّب، وإليه ذهب أحمد،
[ ٢٥ / ٦٤١ ]
وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عُبيد، ورووا في ذلك حديثًا عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "لا تحرّم الإملاجة، ولا الإملاجتان"، ومنهم من يرويه: "الرضعة، والرضعتان"، قالوا: فما زاد على ذلك حرَّم، وذهبوا إلى أن الثلاث رضعات، فما فوقها تُحرّم، ولا تحرّم ما دونها.
وذهب الشافعيّ إلى أنه لا يحرّم من الرضاع إلا خمس رضعات متفرّقات، واحتجّ بقوله - ﷺ -: "لا تحرّم الرضاعة، ولا الرضعتان، ولا المصّة، ولا المصّتان"، ومما رواه أبو بكر، قال: حدّثنا أبو خالد الأحمر، عن حجّاج، عن أبي الزبير، قال: سألت ابن الزبير، عن الرضاع؟ فقال: لا تُحرّم الرضعة، ولا الرضعتان، ولا الثلاث، قال أصحابه: وابن الزبير، رَوَى هذا الحديثَ، وفَهِمَ منه أنه لا تُحرّم الثلاث أيضًا، وأفتى به، وذكروا عن ابن مسعود، وأبي موسى، وسليمان بن يسار، وغيرهم أنهم قالوا: إنما يُحرّم من الرضاع ما أنبت اللحم والدم، وأنشز العظم، وفتق الأمعاء، وعن أبي هريرة - ﵁ -: "لا يُحرّم من الرضاعة إلا ما فتَقَ الأمعاء".
واحتجّ الشافعيّ بحديث عائشة - ﵂ - المذكور في الباب: "كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يُحرّمن، ثم نُسخن. . ." الحديث.
فكان في هذا الحديث بيان ما يُحرّم من الرضعات، وكان مفسِّرًا لقوله: "لا تحرّم الرضعة، والرضعتان"، فدلّ على أن قوله: "لا تحرّم المصّة، ولا المصّتان، ولا الرضعة، ولا الرضعتان" خرج على جواب سائل سأله عن الرضعة، والرضعتين، هل تُحرّمان؟ فقال: لا، لأن من سنّته وشريعته أنه لا يُحرّم إلا خمس رضعات، وأنها نَسَخت العشر الرضعات، كما لو سأل سائلٌ: هل يُقطع السارق في درهم، أو درهمين؟، كان الجواب لا يقطع في درهم، ولا درهمين؛ لأنه قد بيّن رسول الله - ﷺ - أنه لا يقطع إلا في ربع دينار، فكذلك بيانه في الخمس الرضعات.
[فإن قيل]: لو كانت ناسخةً للعشر رضعات عند عائشة كما روت عنها عمرة، ما كانت عائشة لتأمر أختها أم كلثوم أن تُرضع سالم بن عبد الله عشر رضعات؛ ليدخل عليها، فتستعمل المنسوخ، وتدع الناسخ، وكذلك حفصة أمرت أختها فاطمة بمثل ذلك في عاصم.
[ ٢٥ / ٦٤٢ ]
[والجواب]: أن أصحاب عائشة الذين هم أعلم بها من نافع، وهم: عروة، والقاسم، وعمرة رووا عنها خمس رضعات، ولم يَرو أحدٌ منهم عشر رضعات، وقد رُوي عنها سبع رضعات، وقد روي عنها عشر رضعات، والصحيح عنها خمس رضعات، ومن روى أكثر من خمس رضعات، فقد وَهِم؛ لأنه قد صحّ عنها أن الخمس الرضعات المعلومات نَسخن العشر المعلومات، فمحالٌ أن تقول بالمنسوخ، وهذا لا يصحّ عنها عند ذي فهم. وفي حديثها المسند أن رسول الله - ﷺ - أمر سهلة بنت سُهيل امرأة أبي حذيفة أن تُرضع سالمًا مولى أبي حذيفة خمس رضعات، قال عروة: فأخذت بذلك عائشة، فكيف يَقبَل أحدٌ عنها أنها أفتت بعد موت النبيّ - ﷺ - بعشر رضعات؟ هذا لا يقبله من أنصف نفسه، ووُفِّق لرشده، ولو صحَّ عنها حديث نافع، عن سالم في العشر كان غيره معارضًا له بالخمس. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ - (^١).
وقال النوويّ - ﵀ - بعد ذكر الاختلافات نحو ما تقدّم -: فأما الشافعيّ وموافقوه، فأخذوا بحديث عائشة - ﵂ -: "خمس رضعات معلومات"، وأخذ مالك بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، ولم يذكر عددًا، وأخذ داود بمفهوم حديث: "لا تُحَرِّم المصّة، والمصّتان"، وقال: هو مبيّن للقرآن.
واعتَرَض أصحاب الشافعيِّ على المالكية، فقالوا: إنما كانت تحصل الدلالة لكم لو كانت الآية: واللاتي أرضعنكم أمهاتكم.
واعتَرَض أصحاب مالك على الشافعية، بأن حديث عائشة - ﵂ - هذا لا يُحْتَجّ به عندكم، وعند محققي الأصوليين؛ لأن القرآن لا يثبت بخبر الواحد، وإذا لم يثبت قرآنًا لَمْ يثبت بخبر الواحد عن النبيّ - ﷺ -؛ لأن خبر الواحد إذا توجه إليه قادح، يوقف عن العمل به، وهذا إذا لم يجئ إلا بآحاد، مع أن العادة مجيئه متواترًا توجب ريبة، والله أعلم.
واعتَرَضت الشافعية على المالكية بحديث المصّة والمصّتان، وأجابوا عنه بأجوبة باطلة، لا ينبغي ذكرها، لكن ننبّه عليها خوفًا من الاغترار بها.
_________________
(١) "الاستذكار" ١٨/ ٢٥٩ - ٢٦٧.
[ ٢٥ / ٦٤٣ ]
منها: أن بعضهم ادَّعَى أنها منسوخة، وهذا باطل، لا يثبت بمجرد الدعوى.
ومنها: أن بعضهم زعم أنه موقوف على عائشة - ﵂ -، وهذا خطأٌ فاحشٌ، بل قد ذكره مسلم وغيره من طُرُق صحاح مرفوعًا، من رواية عائشة، ومن رواية أم الفضل.
ومنها: أن بعضهم زعم أنه مضطرب، وهذا غلطٌ ظاهرٌ، وجَسَارة على رَدّ السنن بمجرد الهوى، وتوهين صحيحها؛ لنصرة المذاهب.
وقد جاء في اشتراط العدد أحاديث كثيرة مشهورة، والصواب اشتراطه.
قال القاضي عياض: وقد شَذَّ بعض الناس، فقال: لا يثبت الرضاع إلا بعشر رضعات، وهذا باطل مردود، والله أعلم. انتهى (^١).
وقال العلّامة ابن القيّم - ﵀ -: قال أصحاب الخمس: الحجة لنا حديث عائشة - ﵂ -، وقد أخبرت هي أن رسول الله - ﷺ - توفّي، والأمر على ذلك، قالوا: ويكفي في هذا قول النبيّ - ﷺ - لسهلة بنت سهيل: "أرضعي سالمًا خمس رضعات، تحرمي عليه"، قالوا: وعائشة أعلم الأمة بحكم هذه المسألة هي، ونساء النبيّ - ﷺ -، وكانت عائشة - ﵂ - إذا أرادت أن يدخل عليها أحدٌ أمرت إحدى بنات إخوتها، أو أخواتها، فأرضعته خمس رضعات، قالوا: ونفي التحريم بالرضعة، والرضعتين صريحٌ في عدم تعليق التحريم بقليل الرضاع وكثيره، وهي ثلاثة أحاديث صحيحة صريحة، بعضها خرج جوابًا للسائل، وبعضها تأسيسُ حكمٍ مبتدأ. قالوا: وإذا علّقنا التحريم بالخمس، لم نكن قد خالفنا شيئًا من النصوص التي استدللتم بها، وإنما نكون قد قيّدنا مطلقها بالخمس، وتقييد المطلق بيان، لا نسخٌ، ولا تخصيص.
وأما من علّق التحريم بالقليل والكثير، فإنه يُخالف أحاديث نفي التحريم بالرضعة والرضعتين، وأما صاحب الثلاث، فإنه وإن لَمْ يُخالفها، فهو مخالف لأحاديث الخمس.
قال من لم يُقيّده بالخمس: حديث الخمس لم تنقله عائشة لنقل الأخبار،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٢٩ - ٣٠.
[ ٢٥ / ٦٤٤ ]
فيحتجَّ به، وإنما نقلته نقل القرآن، والقرآن إنما يَثبُت بالتواتر، والأمة لم تنقل ذلك قرآنًا، فلا يكون قرآنًا، وإذا لم يكن قرآنًا، ولا خبرًا امتنع إثبات الحكم به.
قال أصحاب الخمس: الكلام فيما نقل من القرآن آحادًا في فصلين:
[أحدهما]: كونه من القرآن.
[والثاني]: وجوب العمل به، ولا ريب أنهما حكمان متغايران، فإن الأول يوجب انعقاد الصلاة به، وتحريم مسّه على المُحْدِث، وقراءته على الجُنب، وغير ذلك من أحكام القرآن، فإذا انتفت هذه الأحكام لعدم التواتر، لم يلزم انتفاء العمل به، فإنه يكفي فيه الظنّ، وقد احتجّ كلّ واحد من الأئمة الأربعة به في موضع، فاحتجّ به الشافعيّ، وأحمد في هذا الموضع، واحتجّ به أبو حنيفة في وجوب التتابع في صيام الكفّارة بقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيّام متتابعات"، واحتجّ به مالك، والصحابة قبله في فرض الواحد من ولد الأمّ أنه السدس بقراءة أُبَيّ: "وإن كان رجلٌ يُورث كلالة، أو امرأة، وله أخ، أو أخت من أمّ، فلكلّ واحد منهما السدس"، فالناس كلهم احتجّوا بهذه القراءة، ولا مستند للإجماع سواها.
قالوا: وأما قولكم: إما أن يكون نقله قرآنًا، أو خبرًا، قلنا: بل قرآنًا صريحًا. قولكم: فكان يجب نقله متواترًا، قلنا: حتى إذا نسخ لفظه، أو بقي، أما الأول، فممنوع، والثاني مسلَّم، وغاية ما في الأمر أنه قرآن نُسخ لفظه، وبقي حكمه، فيكون له حكم قوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما" مما اكتُفِي بنقله آحادًا، وحكنمه ثابت، وهذا مما لا جواب عنه.
وفي المسألة مذهبان آخران ضعيفان:
[أحدهما]: أن التحريم لا يثبت بأقلّ من سبع، كما سئل طاوس عن قول من يقول: لا يحرم من الرضاع، دون سبع رضعات، فقال: قد كان ذلك، ثم حَدَث بعد ذلك أمر جاء بالتحريم، المرّةُ الواحدة تحرّم، وهذا المذهب لا دليل عليه.
[الثاني]: التحريم إنما يثبت بعشر رضعات، وهذا يُروى عن حفصة، وعائشة - ﵄ -.
[ ٢٥ / ٦٤٥ ]
وفيها مذهب آخر، وهو الفرق بين أزواج النبيّ - ﷺ -، وغيرهنّ. قال طاوس: كان لأزواج النبيّ - ﷺ - رضعات محرّمات، ولسائر الناس رضعات معلومات، ثم تُرك ذلك بعد.
وقد تبيّن الصحيح من هذه الأقوال، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن القيّم - ﵀ - (^١).
وقال الشوكانيّ - ﵀ -: أجاب القائلون بتحريم قليل الرضاع وكثيره عن الأحاديث التي استدلّ بها القائلون بخمس رضعات بأجوبة:
[منها]: أنها متضمّنة لكون الخمس الرضعات قرآنًا، والقرآن شرطه التواتر، ولم يتواتر محلّ النزاع.
وأجيب بأن كون التواتر شرطًا ممنوعٌ، والسند ما أسلفنا عن أئمّة القراءات، كالجزريّ وغيره في "باب الحجّة في الصلاة بقراءة ابن مسعود، وأُبيّ" من أبواب الصلاة، فإنه نقل هو وجماعة من أئمة القراءات الإجماع على ما يُخالف هذه الدعوى، ولم يُعارضه نقله ما يصلح لمعارضته، كما بيّنّا ذلك هناك.
وأيضًا اشتراط التواتر فيما نُسخ لفظه على رأي المشترطين ممنوعٌ.
وأيضًا انتفاء قرآنيّته لا يستلزم انتفاء حجّيّته على فرض شرطيّة التواتر؛ لأن الحجّة ثبتت بالظنّ، ويجب عنده العمل، وقد عَمِلَ الأئمة بقراءة الآحاد في مسائل كثيرة، منها: قراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات"، وقراءة أُبيّ: "وله أخٌ أو أختٌ من أمّ"، ووقع الإجماع على ذلك، ولا مستند له غيرها.
وأجابوا أيضًا بأن ذلك لو كان قرآنًا لحُفِظ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
وأجيب بأن كونه غير محفوظ ممنوعٌ، بل قد حفظه الله برواية عائشة له.
وأيضًا المعتبر حفظ الحكم، ولو سُلّم انتفاء قرآنيّته على جميع التقادير لكان سنّة؛ لكون الصحابيّ راويًا له عنه - ﷺ -؛ لوصفه له بالقرآنيّة، وهو يستلزم
_________________
(١) "زاد المعاد" ٥/ ٥٧٢ - ٥٨٤.
[ ٢٥ / ٦٤٦ ]
صدوره عن لسانه، وذلك كاف في الحجيّة؛ لِمَا تقرّر في الأصول من أن المرويّ آحادًا إذا انتفى عنه وصف القرآنيّة لم ينتف وجوب العمل به، كما سلف.
واحتجّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، وإطلاق الرضاع يُشعر بأنه يقع بالقليل والكثير، ومثلُ ذلك حديثُ: "يحرم من الرضاع ما يحرُم من النسب".
ويُجاب بأنه مطلقٌ مقيّد بما سلف.
واحتجّوا بما ثبت في "الصحيحين" عن عقبة بن الحارث - ﵁ - أنه تزوّج أم يحيى بنت أبي إهاب، فإن النبيّ - ﷺ - لم يستفصله عن الكيفيّة، ولا سأل عن العدد حين أمره بفراقها.
ويُجاب أيضًا بأن أحاديث الباب اشتملت على زيادة على ذلك المطلق المشعور به من ترك الاستفصال، فيتعيّن الأخذ بها، على أنه يمكن أن يكون ترك الاستفصال لسبق البيان منه - ﷺ - للقدر الذي يثبت به التحريم.
[فإن قلت]: حديث: "لا يُحرّم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء" يدلّ على عدم اعتبار الخمس؛ لأن الفتق يحصل بدونها.
[قلت]: أجيب عن ذلك بأن الحديث منقطع؛ لأنه من رواية فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة، ولم تسمع منها شيئًا.
فالظاهر ما ذهب إليه القائلون باعتبار الخمس.
وأما حديث: "لا تُحرّم الرضعة والرضعتان"، ونحوه من الأحاديث، فمفهومها يقتضي أن ما زاد عليها يوجب التحريم، كما أن مفهوم أحاديث الخمس أن ما دونها لا يقتضي التحريم، فيتعارض المفهومان، ويُرجع إلى الترجيح، ولكنه قد ثبت عند ابن ماجه بلفظ: "لا يُحرّم إلا عشر رضعات، أو خمس"، وهذا مفهوم حصر، وهو أولى من مفهوم العدد.
وأيضًا قد ذهب بعض علماء البيان كالزمخشريّ إلى أن الإخبار بالجملة الفعليّة المضارعيّة يفيد الحصر، والإخبار عن الخمس الرضعات بلفظ يُحرّمن كذلك، ولو سلم استواء المفهومين، وعدم انتهاض أحدهما كان المتوجّه تساقطهما، وحمل ذلك المطلق على الخمس، لا على ما دونها، إلا أن يدلّ
[ ٢٥ / ٦٤٧ ]
عليه دليلٌ، ولا دليل يقتضي أن ما دون الخمس يحرم إلا مفهوم قوله: "لا تحرّم الرضعة والرضعتان"، والمفروض أنه قد سقط، نعم لا بدّ من تقييد الخمس الرضعات بكونها في زمن المجاعة؛ لحديث عائشة - ﵂ -: "فإن الرضاعة من المجاعة".
وأما حديث ابن مسعود - ﵁ - عند أبي داود، مرفوعًا: "لا رِضاع إلا ما أنشز العظم، وأنبت اللحم".
فيجاب بأن الإنبات والإنشاز إن كانا يحصلان بدون الخمس، ففي حديث الخمس زيادة يجب قبولها، والعمل بها، وإن كانا لا يحصلان إلا بزيادة عليها، فيكون حديث الخمس مقيّدًا بهذا الحديث، لولا أنه من طريق أبي موسى الهلاليّ، عن أبيه، عن ابن مسعود، وقد قال أبو حاتم: إن أبا موسى، وأباه مجهولان، وقد أخرجه البيهقيّ من حديث أبي حَصِين، عن أبي عطيّة، قال: جاء رجلٌ إلى أبي موسى، فذكره بمعناه، وهذا يدلّ على فرض أنه يفيد ارتفاع الجهالة عن أبي موسى، لا يفيد ارتفاعها عن أبيه، فلا ينتهض الحديث لتقييد أحاديث الخمس بإنشاز العظم، وإنبات اللحم. انتهى كلام الشوكانيّ - ﵀ - ببعض تصرّف (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما تقدّم من الأدلة أن ما ذهب إليه القائلون باعتبار الخمس، ومنهم الشافعيّ - ﵀ - هو الأرجح؛ لوضوح أدلّته، وأنظر ما كتبه ابن حزم - ﵀ - في كتابه الممتع "الْمُحلّى" منتصرًا لهذا المذهب، فقد حقّق الموضوع تحقيقًا جيّدًا مفيدًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٩٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى، وَهُوَ ابْن سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ، وَهِيَ
_________________
(١) "نيل الأوطار" ٧/ ١٦٤.
[ ٢٥ / ٦٤٨ ]
تَذْكُرُ الَّذِي يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، قَالَتْ عَمْرَة: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ: "عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ"، ثُمَّ نَزَلَ أَيْضًا: "خَمْسٌ مَعْلُومَاتٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْن بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥١] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
والباقيتان ذُكرتا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٥٩٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ: بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الوهّاب، عن يحيى بن سعيد هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ٢٥ / ٦٤٩ ]