[٣٨١٩] (١٥٢٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْب، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبلُغُ بِهِ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: "لَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ"، وَقَالَ زُهَيْرٌ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -؛ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَبيِعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، نزيل الرَّقَّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٤ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، الثقة الحافظ الفقيه الإمام الحجة، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٣.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، أبو بكر
[ ٢٦ / ٦٧٠ ]
المدنيّ الإمام الحافظ المثبت الحجة الفقيه المشهور [٤] (ت ١٢٥) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٤٨.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حزن بن أبي وهب المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الإمام الفقيه الحجة المثبت المشهور [٣] (ت ٩٥) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، وقوله: (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -) أي: يبلغ بهذا الحديث إلى النبيّ - ﷺ -، بمعنى أنه رفعه إليه، وهو من كلام ابن المسيِّب، وإنما عدل عن الصيغ المعروفة للرفع، مثل"سمعت"، أو "حدّثني"، أو "أخبرني"، أو "عن النبيّ - ﷺ - "، إلى ما هذا؛ لشكّه في صيغة الرفع بعينها، هل هي "سمعت"، أو نحو ذلك، أو طلبًا للتخفيف، أو لغير ذلك مما ذكرته في "شرحي" على "ألفية الحديث" (^١). (قَالَ) - ﷺ - " (لَا يَبعْ حَاضَرٌ لِبَادٍ") " ثم إن قوله: "يبلغ به النبيّ - ﷺ - … إلخ" لشيخيه: ابن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وأما زهير بن حرب، فلم يقل ذلك، كما أشار إليه بقوله: (وَقَالَ زُهَيْرٌ) هو ابن حرب شيخه الثالث، وقوله: (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) مقول "قال" محكيّ؛ لقصد لفظه، يعني أن زهير بن حرب لَمْ يقل: "يبلغ به النبيّ - ﷺ - "، وإنما قال: "عن النبيّ - ﷺ - " (أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ) هو المقيم بالبلد (لِبَادٍ) هو البدويّ، ومعناه على ما فسّره به الشافعيّة، والحنبليّة: أن يَقْدَم غريبٌ، بدويًّا كان، أو قرويًّا بسلعته إلى البلد، يريد بيعها بسعر الوقت؛ ليرجع إلى وطنه، فيأتيه بلديّ، فيقول: ضَعْ متاعك عندي، لأبيعه على التدريج بأغلى من هذا السعر، فلم يعتدّوا الحكم بالبادي، وجعلوه منوطًا بمن ليس من أهل البلد، سواء كان باديًا، أو حاضرًا؛ لأنَّ المعنى في إضرار أهل البلد يتناول الصورتين، وذِكْرُ البادي مثالٌ، لا قيدٌ، وجعله مالك قيدًا، فحكى ابن عبد البرّ أنه قيل له: مَنْ أهل البادية؟ قال: أهل العمود، قيل له: القرى المسكونة التي لا يفارقها أهلها
_________________
(١) راجع: "إسعاف ذوي الوطر" ١/ ١٢٨.
[ ٢٦ / ٦٧١ ]
في نواحي المدينة، يَقْدَم بعضهم بالسلع، فيبيعها لهم أهل المدينة؟ قال: نعم، إنما معنى الحديث أهل العمود.
وحكى ابن عبد البرّ أيضًا عن مالك أنه قال: تفسير ذلك أهل البادية، وأهل القري، فأما أهل المدائن، من أهل الريف، فإنه ليس بالبيع لهم بأس، ممن يرى أنه يعرف السوم، إلَّا من كان منهم يشبه أهل البادية، فإني لا أحبّ أن يبيع لهم حاضر، قال: وبه قال ابن حبيب، قال: والبادي الذي لا يبيع لهم الحاضر هم أهل العمود، وأهل البوادي، والبراري، مثل الأعراب، قال: وجاء النهي في ذلك؛ إرادةَ أن يُصيب الناس ثمرتهم، ثم ذكر حديث جابر - ﵁ - الآتي بعد حديث: "لا يبيع حاضر لباد، دَعُوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض"، قال: فأما أهل القرى الذين يعرفون أثمان سلعتهم، وأسواقها، فلم يُعْنَوا بهذا الحديث.
وحكى ابن عبد البرّ أيضًا، عن ابن القاسم أنه قال: ثم قال - يعني مالكًا - بعد ذلك: ولا يبيع مصريّ لمدنيّ، ولا مدنيّ لمصريّ، ولكن يشير عليه.
وحكى ابن الحاجب في "مختصره" الخلاف في ذلك عن مالك، فقال: وفي "الموطّإ" يحمله على أهل العمود؛ لجهلهم بالأسعار، وقيل: بعمومه؛ لقوله: ولا يبيع مدنيّ لمصريّ، ولا مصريّ لمدنيّ. انتهى.
وفسّر الحنفيّة بيع الحاضر للبادي بصورة أخرى، وهي أن يبيع الحضريّ شيئًا مما يَحتاج إليه أهل الحضر لأهل البادية؛ لطلب زيادة السعر، فقال صاحب "الهداية" بعد ذكره هذا الحديث: وهذا إذا كان أهل البلد في قحط، وعوز، وهو يبيع من أهل البدو؛ طمعًا في الثمن الغالي؛ لما فيه من الإضرار بهم، أما إذا لَمْ يكن كذلك، فلا بأس به؛ لانعدام الضرر. انتهى.
قال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: ويردّ حمل الحديث على هذه الصورة قول ابن عبّاس - ﵄ - - لَمّا سئِل عن تفسيره -: لا يكون له سِمْسَارًا، والحديثُ الذي رواه أبو داود من طريق ابن إسحاق، عن سالم المكيّ؛ أن أعرابيًّا حدّثه أنه قدم بجلوبة له، على عهد النبيِّ - ﷺ -، فنزل على طلحة بن عُبيد الله، فقال: إن النبيّ - ﷺ - نهى أن يبيع حاضرٌ لباد، ولكن اذهب إلى السوق، فانظر من
[ ٢٦ / ٦٧٢ ]
يبايعك، فشاورني حتى آمرك، وأنهاك. انتهى (^١).
وقال ابن قدامة - ﵀ -: بيع الحاضر للباد: هو أن يخرج الحضريّ، إلى البادي، وقد جلب السلعة، فيُعَرِّفه السعر، ويقول: أنا أبيع لك، فنهى النبيّ - ﷺ - عن ذلك، فقال: "دعوا الناس، يرزق الله بعضهم من بعض"، والبادي ههنا: من يدخل البلدة، من غير أهلها، سواء كان بدويًّا، أو من قرية، أو بلدة أخرى، نَهَى النبيّ - ﷺ - الحاضر، أن يبيع له، قال ابن عباس - ﵄ -: "نَهَى النبيّ - ﷺ -، أن تُتَلَقَّى الركبان، وأن يبيع حاضر لباد"، قال: فقلت لابن عباس: ما قوله: "حاضر لباد"؟ قال: لا يكون له سمسارًا. متَّفقٌ عليه.
وعن جابر - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض"، رواه مسلم، وروى مثله ابنُ عمر، وأبو هريرة، وأنس - ﵁ -.
والمعنى في ذلك: أنه متى تُرك البدويّ، يبيع سلعته، اشتراها الناس برخص، ويوسع عليهم السعر، فإذا تولى الحاضر بيعها، وامتنع من بيعها، إلَّا بسعر البلد، ضاق على أهل البلد، وقد أشار النبيّ - ﷺ -، في تعليله إلى هذا المعنى. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن أقرب التفاسير لبيع الحاضر للبادي، هو الذي فسّر به الشافعيّة، والحنبليّة؛ لأنه الموافق لإطلاق الحديث.
وحاصله أن يَقْدَم غريب بدويًّا كان، أو قرويّا بسلعة إلى البلد يريد بيعها بسعر الوقت؛ ليرجع إلى وطنه، فيأتيه بلديّ، فيطلب منه أن يضع سلعته عنده، حتى يتربّص بها غلاء السعر، فيبيعها، فهذا ممنوع؛ لإضراره باهل البلد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
_________________
(١) "طرح التثريب" ٦/ ٧٢ - ٧٦.
(٢) "المغني" ٤/ ١٥٠.
[ ٢٦ / ٦٧٣ ]
حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه في "كتاب النِّكَاح" برقم [٦/ ٣٤٥٩] (١٤١٣) فقد ساقه هناك مطوّلًا، فراجعه تستفد (^١)، وبالله تعالى التوفيق.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في النهي عن بيع الحاضر للبادي:
ذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، والأكثرون إلى أنه للتحريم، وذهب بعضهم إلى أنه للتنزيه، وذهبت طائفة إلى جوازه؛ لحديث: "الدين النصيحة"، وقالوا: حديث النهي عن بيع الحاضر للبادي منسوخ، وحُكي ذلك عن عطاء، ومجاهد، وأبي حنيفة.
وردّه الجمهور بأن النهي الذي هنا خاصّ، فيُقدّم على عموم الأمر بالنصيحة، ويكون هذا كالمستثنى منها، قال النوويّ: والصحيح الأول، ولا يُقبل النسخ، ولا كراهة التنزيه بمجرّد الدعوي، وقال القفّال من الشافعيّة: والإثم على البلديّ، دون البدويّ. ذكره وليّ الدين - ﵀ - (^٢).
وقال ابن قُدامة - ﵀ -: وممن كَرِه بيع الحاضر للبادي: طلحة بن عبيد الله، وابن عمر، وأبو هريرة، وأنس، وعمر بن عبد العزيز، ومالك، والليث، والشافعيّ، ونقل أبو إسحاق بن شاقلا، في جملة سماعاته؛ أن الحسن بن عليّ المصريّ، سأل أحمد عن بيع حاضر لباد؛ فقال: لا بأس به، فقال له: فالخبر الذي جاء بالنهي؛ قال: كان ذلك مرّة، فظاهرُ هذا صحة البيع، وأن
_________________
(١) ونصّه هناك:
(٢) (١٤١٣) - وحدّثني عمرو الناقد، وزهير بن حرب، وابن أبي عمر، قال زهير: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة: "أن النبيّ - ﷺ - نَهَى أن يبيع حاضر لباد، أو يتناجشوا، أو يخطب الرجل على خطبة أخيه، أو يبيع على بيع أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها؛ لتكتفئ ما في إنائها، أو ما في صحفتها"، زاد عمرو في روايته: "ولا يسم الرجل على سوم أخيه". انتهى.
(٣) "طرح التثريب" ٦/ ٧٢.
[ ٢٦ / ٦٧٤ ]
النهي اختص بأول الإسلام، لِمَا كان عليهم من الضيق في ذلك، وهذا قول مجاهد، وأبي حنيفة، وأصحابه، والمذهبُ: الأول؛ لعموم النهي، وما يثبت في حقهم، يثبت في حقنا، ما لَمْ يقم على اختصاصهم به دليل. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بهذا أن الصواب قول الجمهور، وهو أن بيع الحاضر للبادي حرام مطلقًا؛ لعموم الأدلّة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): فيما ذكره العلماء من الشروط لتحريم بيع الحاضر للبادي:
قال ابن قدامة - ﵀ -: ظاهر كلام الخرقيّ أنه يحرم بثلاثة شروط:
[أحدهما]: أن يكون الحاضر قصد البادي، ليتولى البيع له.
[والثاني]: أدن يكون البادي جاهلًا بالسعر؛ لقوله: فيعرّفه السعر، ولا يكون التعريف إلَّا لجاهل، وقد قال أحمد، في رواية أبي طالب: إذا كان البادي، عارفًا بالسعر لَمْ يحرم.
[والثالث]: أن يكون قد جلب السلع للبيع؛ لقوله: وقد جلب السلع، والجالب هو الذي يأتي بالسلع ليبيعها، وذكر القاضي شرطين، آخرين:
[أحدهما]: أن يكون مريدًا لبيعها بسعر يومها.
[الثاني]: أن يكون بالناس حاجة إلى متاعه، وضيق في تأخير بيعه.
وقال أصحاب الشافعي: إنما يحرم بشروط أربعة، وهي ما ذكرنا، إلَّا حاجة الناس إلى متاعه، فمتى اختلّ منها شرط، لَمْ يحرم البيع. انتهى (^٢).
وقال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: قال أصحابنا - يعني الشافعيّة -: إنما يحرم بشروط:
[أحدها]: أن يكون عالِمًا بالنهي فيه، وهذا شرط يعمّ جميع المناهي.
[والثاني]: أن يكون المتاع المجلوب مما تعمّ الحاجة إليه؛ كالأطعمة، ونحوها، فأما ما لا يحتاج إليه إلَّا نادرًا، فلا يدخل في النهي.
[والثالث]: أن يظهر ببيع ذلك المتاع سعة في البلد، فإن لَمْ يظهر لكبر
_________________
(١) "المغني" ٦/ ٣٠٩ - ٣١٠.
(٢) "المغني" ٦/ ٣٠٩ - ٣١٠.
[ ٢٦ / ٦٧٥ ]
البلد، أو قلّة ما معه، أو لعموم وجوده، ورخص السعر، فوجهان: أوفقهما للحديث التحريم.
[والرابع]: أن يَعرِض الحضريّ ذلك على البدويّ، ويدعوه إليه، أما إذا التمس البدويّ منه بيعه تدريجيًّا، أو قصد الإقامة في البلد لبيع ذلك، فسأل البدويّ تفويضه إليه، فلا بأس به؛ لأنه لَمْ يضرّ بالناس، ولا سبيل إلى منع المالك منه.
ولو أن البدويّ استشار البلديّ فيما فيه حظّه، فهل يرشده إلى الادّخار، أو البيع على التدريج؟ وجهان، حكى القاضي ابن كجّ، عن أبي الطيّب بن سلمة، وأبي إسحاق المروزيّ أنه يجب عليه إرشاده إليه؛ أداءً للنصيحة، وعن أبي حفص ابن الوكيل: أنه لا يرشده إليه؛ توسيعًا على الناس، وكذا اعتبر الحنابلة هذه الشروط، وعبارة ابن تيميّة في "المحرّر": وبيع الحاضر للبادي منهيّ عنه بخمسة شروط: أن يحضر البادي لبيع شيء بسعر يومه، وهو جاهلٌ بسعره، وبالناس إليه حاجةٌ، ويقصده الحاضر.
وقال مالك في البدويّ يَقْدَمُ، فيسأل الحاضر عن السعر: أكره له أن يُخبره، وقال أيضًا: لا أرى أن يبيع مصريّ لمدنيّ، ولا مدنيّ لمصريّ، ولكن يُشير عليه، وقال أيضًا: لا يبيع أهل القرى لأهل البادية سِلَعَهم، قيل له: فإن بعث بالسلعة إلى أخ له من أهل القري، لَمْ يقدم معه سلعته؟ قال: لا ينبغي له ذلك، حكى ذلك كله عنه ابن عبد البرّ، ثم حكى عن ابن حبيب أنه قال: لا يبعث البدويّ إلى الحضريّ بمتاع يبيعه له، ولا يُشير عليه في البيع، إن قدم عليه، ثم حكى عن الليث بن سعد أنه قال: لا يشير الحاضر على البادي؛ لأنه إذا أشار عليه، فقد باع له؛ لأنَّ من شأن أهل البادية أن يرخصوا إلى أهل الحضر؛ لقلّة معرفتهم بالسوق.
وقال الأوزاعيّ: لا يبيع حاضر لباد، ولكن لا بأس أن يُخبره بالسعر.
وقال الشيخ تقيّ الدين ابن دقيق العيد في "شرح العمدة": [واعلم]: أن أكثر هذه الإحكام تدور بين اتّباع المعنى، واتّباع اللفظ، ولكن ينبغي أن يُنظر في المعنى إلى الظهور والخفاء، فحيث يظهر ظهورًا كثيرًا، فلا بأس باتّباعه،
[ ٢٦ / ٦٧٦ ]
وتخصيص النصّ به، أو تعميمه على قواعد القياس، وحيث يخفي، أو لا يظهر ظهورًا قويًّا، فاتباع اللفظ أولى.
وأما ما ذكره في اشتراط أن يلتمس البدويّ ذلك، فلا يقوى؛ لعدم ظهور دلالة اللفظ عليه، وعدم ظهور المعنى فيه، فإن المذكور الذي علّل به النهي، لا يفترق الحال فيه، بين سؤال البلديّ وعدمه ظاهرًا.
وأما اشتراط أن يكون الطعام مما تدعو الحاجة إليه، فمتوسّط في الظهور وعدمه؛ لاحتمال أن يراعى مجرّد ربح الناس على ما أشعر به التعليل، من قوله: "دعوا الناس، يرزق الله بعضهم من بعض".
وأما اشتراط أن يظهر لذلك المتاع المجلوب سعة في البلد، فكذلك أيضًا؛ أي: أنه متوسّط في الظهور؛ لما ذكرناه، من احتمال أن يكون المقصود مجرّد تقريب الربح، والرزق على أهل البلد. وهذه الشروط منها ما يقوم الدليل الشرعيّ عليه؛ كشرطنا العلم بالنهي، ولا إشكال فيها، ومنها ما يؤخذ باستنباط المعنى، فيخرّج على قاعدة أصولتة، وهي أن النصّ إذا استُنبط منه معنى يعود عليه بالتخصيص، هل يصحّ، أم لا؟ انتهى.
وقال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": جواز الإشارة عليه هو الصواب؛ لأنه إنما نُهي عن البيع له، وليسس فيه بيع له، وقد أُمر بنصحه في بعض طرق هذا الحديث، وهو قوله - ﷺ -: "وإذا استنصح أحدكم أخاه، فلينصح له". انتهى، وبه قال ابن حزم، ذكره في "الطرح" (^١).
وقال ابن قُدامة - ﵀ -: وأما إن أشار الحاضر على البادي، من غير أن يباشر البيع له، فقد رخص فيه طلحة بن عبيد الله، والأوزاعي، وابن المنذر، وكرهه مالك، والليث، وقول الصحابي حجة ما لَمْ يثبت خلافه. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بجواز الإشارة عليه، إذا استشاره هو الأرجح؛ لعدم تناول النصّ له، مع أن النصيحة له واجبة عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٦/ ٧٣ - ٧٥.
(٢) "المغني" ٦/ ٣١١.
[ ٢٦ / ٦٧٧ ]
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في بطلان بيع الحاضر للبادي، إذا وُجدت الشروط المذكورة:
قال ابن قدامة - ﵀ -: وإن اجتمعت هذه الشروط، فالبيع حرام، وقد صرّح الخرقي ببطلانه، ونصّ عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، قال: سألت أحمد عن الرجل الحضري، ببيع للبدوي؟ فقال: أكره ذلك، وأَرُدُّ البيع في ذلك، وعن أحمد رواية أخرى: أن البيع صحيح، وهو مذهب الشافعيّ؛ لكون النهي لمعنى في غير المنهي عنه، ولنا إنه منهي عنه، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه. انتهى كلام ابن قدامة - ﵀ -.
وقال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: لو خالف الحاضر، وباع للبادي، حيث منعناه منه، كان البيع صحيحًا، عند الشافعيّ، وطائفة؛ لجمعه الأركان، والشرائط، والخلل في غيره، واختلف المالكيّة في ذلك، فقال بعضهم بالصحّة، وبعضهم بالبطلان، ما لَمْ يَفُت، والقولان عن ابن القاسم، وممن قال بالبطلان: ابن حبيب، وابن حزم الظاهريّ، وقال سحنون: وقال لي غير ابن القاسم: إنه يردّ البيع. وعن أحمد في ذلك روايتان، ومستند البطلان اقتضاء النهي الفساد، قال أصحابنا، وغيرهم: ولا خيار للمشتري، وروى سحنون، عن ابن القاسم أنه يؤدّب الحاضر إذا باع للبادي، وروى عيسى عنه إن كان معتادًا لذلك، وروى عن ابن وهب أنه لا يؤدّب، سواء كان عالمًا، أو جاهلًا. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إن القول ببطلان البيع هو الأرجح؛ لأنَّ النهي يقتضي الفساد، ولم يوجد في النصّ ما يصرفه عنه، كما وُجد في بيع المصرّاة، حيث قال - ﷺ -: "فمن ابتاع مصرّاة، فهو بخير النظرين" الحديث، فإن تخييره البائع يصرف النهي فيه عن اقتضائه الفساد، فافهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الشراء لأهل البدو:
قال الإمام ابن قُدامة - ﵀ -: فأما الشراء لهم، فيصح عند أحمد، وهو
_________________
(١) "طرح التثريب" ٦/ ٧٥.
[ ٢٦ / ٦٧٨ ]
قول الحسن، وكرهت طائفة الشراء لهم، كما كرهت البيع، يُروَى عن أنس - ﵁ -، قال: كان يقال: هي كلمة جامعة، يقول: "لا تبيعنّ له شيئًا، ولا تبتاعنّ له شيئًا"، وعن مالك في ذلك روايتان، ووجه القول الأول، أن النهي غير متناول للشراء بلفظه، ولا هو في معناه، فإن النهي عن البيع؛ للرفق بأهل الحضر؛ ليتسع عليهم السعر، ويزول عنهم الضرر، وليس ذلك في الشراء لهم، إذ لا يتضررون؛ لعدم الغبن للبادين، بل هو دفع الضرر عنهم، والخَلْق في نظر الشارع على السواء، فكما شَرَع ما يدفع الضرر عن أهل الحضر، لا يلزم أن يلزم أهل البدو الضرر. انتهى (^١).
وقال وليّ الدين - ﵀ -: أما شراء الحاضر للبادي، فاختلف فيه قول مالك، فمرّة منعه، ومرّة قال: لا بأس به، وقال ابن حبيب: الشراء للبادي مثل البيع، ألا ترى قوله - ﷺ -: "لا يبيع بعضكم على بيع بعض"، إنما هو لا يشتري أحدكم على شراء بعض، قال: فلا يجوز للحضريّ أن يشتري للبدويّ، ولا أن يبيع له، وبه قال ابن حزم الظاهريّ، وقد عرفت الردّ عليه في حمل البيع في ذلك الحديث على الشراء قريبًا، ولم يتعرّض أصحابنا لمنع شراء الحاضر للبادي. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن القول بجواز الشراء هو الأرجح؛ إذ الظاهر عدم تناول قوله: "ولا يبع حاضر لباد" للشراء هنا؛ لأنَّ علّة منع البيع هو التوسعة لأهل المدينة ببيع سلعته بسعر يومه، وهذا لا يوجد في الشراء، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): بوّب الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه" بقوله: هل يبيع الحاضر للبادي بغير أجر، وهل يُعينه، أو ينصحه؟ قال رسول الله - ﷺ -: "إذا استنصح أحدكم أخاه، فلينصح له"، قال: ورخّص فيه عطاء، ثم روى حديث جرير - ﵁ -: "بايعت رسول الله - ﷺ - على شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، والسمع والطاعة، والنصح لكلّ مسلم"، ثم روى حديث ابن عباس - ﵄ -: "لا يبيع حاضر لباد"، فقيل لابن عباس: ما قوله: "لا يبيع
_________________
(١) "المغني" ٦/ ٣١١.
(٢) "طرح التثريب" ٦/ ٧٥.
[ ٢٦ / ٦٧٩ ]
حاضر لباد؟ "، قال: "لا يكون له سمسارًا"، ثم بوّب"من كره أن يبيع حاضر لباد بأجر"، وروى فيه حديث ابن عمر - ﵄ -: "نهى رسول الله - ﷺ - أن يبيع حاضر لباد"، قال: وبه قال ابن عبّاس، ثم بوّب: "لا يبيع حاضر لباد بالسمسرة" قال: وكره ابن سيرين، وإبراهيم للبائع والمشتري، وقال إبراهيم: إن العرب تقول: بع لي ثوبًا، وهي تعني الشراء، ثم روى حديث أبي هريرة - ﵁ -: "لا يبيع حاضر لباد".
وقال ابن بطّال: أراد البخاريّ أن يُجيز بيع الحاضر للبادي بغير أجر، ويمنعه إذا كان باجر، واستدلّ على ذلك بقول ابن عبّاس: لا يكون له سمسارًا، فكأنه أجاز ذلك لغير السمسار، إذا كان من طريق النصح، قال: ولم يراع الفقهاء في السمسار أجرًا، ولا غيره، والناس في هذا على قولين: فمن كره بيع الحاضر للبادي كرهه بأجر، وبغير أجر، ومن أجازه أجازه بأجر، وبغير أجر. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول بتحريم بيع الحاضر للبادي مطلقًا - كما هو مذهب الجمهور - هو الأرجح؛ لأطلاق النصوص الواردة فيه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٢٠] (١٥٢١) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكبَانُ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، قَالَ: فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُنْ لَهُ سِمْسَارًا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام، تقدّم أيضًا قريبًا.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٦/ ٧٥ - ٧٦.
[ ٢٦ / ٦٨٠ ]
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله، أبو محمد اليمانيّ، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٦ - (أَبُوهُ) طاوس بن كيسان، أبو عبد الرَّحمن اليمانيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر - ﵄ - المتوفى سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤، وشرح الحديث يُعلم مما سبق.
وقوله: (أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ) ببناء الفعل للمفعول، و"الركبان" مرفوع على أنه نائب الفاعل.
وقوله: (لَا يَكُنْ لَهُ سِمْسَارًا) بمهملتين، الأولى مكسورة، قال في "الفتح": هو في الأصل الْقَيِّم بالأمر، والحافظ له، ثم استُعْمِل في مُتَوَلِّي البيع والشراء لغيره. انتهى (^١).
وقال في "اللسان": السِّمْسَارُ: الذي يبيع البُرّ للناس، وقال الليث: السِّمْسار: فارسيّة معرَّبةٌ، والجمع السَّماسِرة، قال: وقيل: السِّمسار: القيّم بالأمر الحافظ له، وهو في البيع اسم للذي يدخل بين البائع والمشتري، متوسّطًا لإمضاء البيع، والسَّمْسَرةُ البيع والشراء. انتهى باختصار (^٢).
وقال في "المشارق": قوله: "لا يكون سمسارًا"؛ أي: دلالًا، وأصل السمسار: القَيِّم بالأمر الحافظ له، ثم استعمل في متولي البيع والشراء لغيره، قال ابن سِيده: وأصله فارسيّ، وهي السَّمْسَرة، وأنشد الجوهريّ في "الصحاح" للراجز [من الرجز]:
قَدْ وَكَّلَتْنِي طَلَّتِي (^٣) بِالسَّمْسَرَهْ … وَأَيْقَظَتْنِي لِطُلُوعِ الزَّهَرَهْ
وقال في "الفتح": وفي هذا التفسير تعقُّب على من فسر الحاضر بالبادي: بأن المراد نهي الحاضر أن يبيع للبادي في زمن الغلاء شيئًا يَحتاج إليه أهل
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٦٣٣.
(٢) "لسان العرب" ٤/ ٣٨٠ - ٣٨١.
(٣) الطلّة: تطلق على الزوجة، وعلى الخمرة اللذيذة، وعلى النعمة. راجع: "لسان العرب" ١١/ ٤٠٦.
[ ٢٦ / ٦٨١ ]
البلد، فهذا مذكور في كتب الحنفية. انتهى (^١).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٣٨٢٠] (١٥٢١)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢١٥٨ و٢١٦٣) و"الإجارة" (٢٢٧٤)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٤٣٩)، و(النسائيّ) في "البيوع " (٧/ ٢٥٧)، و"الكبرى" (٦٠٩١)، و(ابن ماجة) في "التجارات" (٢١٧٧)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٨/ ١٩٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٤٥٤)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٦٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٦٤ و٢٧٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٤٧)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٣٨٢١] (١٥٢٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْر، عَن جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ"، غَيْرَ أَنَّ في رِوَايَةِ يَحْيَى (^٢): "يُرْزَقُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيميُّ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد الله بن يونس التميميّ الكوفيّ، نُسب لجدّه، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٣ - (أَبُو خَيْثَمَةَ) هو زهير المذكور في السند الثاني، وهو زهير بن معاوية بن حُديج الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٦٣٣.
(٢) وفي نسخة: "غير أن رواية يحيى" بحذف كلمة "في".
[ ٢٦ / ٦٨٢ ]
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، تقدّم قريبًا.
٥ - (جَابِرُ) بن عبد الله الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، تقدّم أيضًا قريبًا.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٤٥) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ) "دَعُوا" أمر بمعنى اتركوا، و"يرزق" مرفوع على الاستئناف المفيد للتعليل، فكأنه قال: دعوهم؛ لأنَّ الله تعالى يرزق بعضهم من بعض، وَيجوز أن يكون مجزومًا على أنَّه جواب الأمر.
والمعنى: اتركوا الناس يتعاملون فيما بينهم، ولا تتدخّلوا في شؤونهم، فإن الله تعالى يرزق المشتري من البائع، ويرزق البائع من المشتري، فلا يحل لأحد التدخل بينهما، فإن البائع إذا ورد من خارج المدينة ببضاعته؛ ليبيعها بما يراه من السعر، فاشتراه منه أهل البلد بما هو مناسب لهم، فقد حصل رزق بعضهم من بعض، وإذا تدخّل غيرهما في ذلك، بأن قال بعض أهل البلد للبائع: إن بضاعتك هذه سيكون لها ثمن أغلى مما تريده الآن، فلتضعها عندي، حتى أنتظر غلاء السعر، فأبيعها لك، فقد أَدخل على أهل المدينة ضررًا بذلك، فلذلك نهى النبيّ - ﷺ - عن ذلك، فقال: "لا يبع حاضر لباد"، والله تعالى أعلم.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى) وفي نسخة: "غير أن رواية يحيى" بحذف كلمة "في".
وقوله: ("يُرْزَقُ") أي: ببناء الفعل للمفعول، يعني يحيى بن يحيى رواه مبنيًّا للمفعول، وأما أحمد بن يونس، فقد رواه بلفظ: "يرزق الله بعضهم من بعض"، بالبناء للفاعل، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٣٨٢١ و٣٨٢٢] (١٥٢٢)، و(أبو داود) في
[ ٢٦ / ٦٨٣ ]
"البيوع" (٣٤٤٢)، و(الترمذيّ) في "البيوع" (١٢٢٣)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٢٥٦) و"الكبرى" (٤/ ١٢)، و(ابن ماجة) في "التجارات" (٢١٧٦)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٨/ ٢٠٠)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١٧٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٣٤٦)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٤١)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢/ ٥٤٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٠٧ و٣١٢ و٣٨٦ و٣٩٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٧٣ و٢٧٥)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ١٢٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٤٧) و"الصغرى" (٥/ ١٧٩) و"المعرفة" (٤/ ٣٨٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٣٨٢٢] (…) - (حَدَّثَنَا أَ"بو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وهو أيضًا من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٢٤٦) من رباعيّات الكتاب.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير ساقها الترمذيّ في "جامعه" ٣/ ٥٢٦ فقال:
(١٢٢٣) حدّثنا نصر بن عليّ، وأحمد بن منيع قالا: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض"، وقال: حديث حسنٌ صحيح.
وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" مصرّحًا بسماع أبي الزبير عن جابر ٣/ ٣٠٧ فقال:
(١٤٣٣٠) - حدَّثنا عبد الله (^١)، حدّثني أبي، ثنا سفيان بن عيينة، ثنا أبو الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يبيع
_________________
(١) هو ابن الإمام أحمد، راوي المسند عنه، فتنبّه.
[ ٢٦ / ٦٨٤ ]
حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٢٣] (١٥٢٣) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار العبديّ، أبو عبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ وَرِعٌ [٥١] (ت ١٣٩) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
٢ - (أنسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ الشهير - ﵁ -، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب، وما قبله.
وقوله: (نُهِينَا … إلخ) هكذا رواية ابن سيرين بإبهام الناهي، وقد أخرج الحديث النسائيّ من طريق يونس بن عُبيد عن الحسن البصريّ، عن أنس - ﵁ - بلفظ: "أن النَّبِيّ - ﷺ - نهى أن يبيع حاضر لباد، وإن كان أباه، أو أخاه"، قال الحافظ - ﵀ -: فعُلم بهذه الرواية أن الناهي المبهم في الرواية الأولى هو النبيّ - ﷺ -، وهو يقوّي المذهب الصحيح أن لقول الصحابيّ: "نهينا عن كذا" حكم الرفع، وأنه في قوّة قوله: "قال النبيّ - ﷺ -". انتهى (^١).
وقوله: (وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ) ولفظ النسائيّ: "وإن كان أباه، وأخاه"؛ أي: وإن كان الذي يبيع لأجله أقرب الناس إليه، وإنما جعله غاية؛ تأكيدًا للنهي، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٣٨٢٣ و٣٨٢٤] (١٥٢٣)، و(البخاريّ) في
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٦٣٦ رقم (٢١٦١).
[ ٢٦ / ٦٨٥ ]
"البيوع" (٢١٦١)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٤٤٠)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٢٥٦) و"الكبرى" (٤/ ١٢)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٨/ ١٩٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٣٤٧ و٧/ ٣٢٤)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٥/ ٢٢٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٧٤)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ١٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٤٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٣٨٢٤] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَنَسٍ (ع) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: نُهِينَا عَنْ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، و"معاذ": هو ابن معاذ بن نصر البصريّ، والحديث تقدّم البحث فيه في الذي قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.