وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٩٠] (١٥٠٩) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدٍ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ - حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي
[ ٢٦ / ٥٧٨ ]
حَكِيم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَرْجَانَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مؤْمِنَةً، أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ إِرْبٍ مِنْهَا إِرْبًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى البصريّ الزَّمِنُ، ثقة ثبت [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ إمامٌ قُدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ) الفزاريّ مولاهم، أبو بكر المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٦] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٣١/ ١٨٢٥.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ) القرشيّ مولاهم المدنيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن سعيد بن المسيِّب، والقاسم بن محمد، وعَبيدة بن سفيان الحضرميّ، وغيرهم.
وروى عنه مالك، وابن إسحاق، وإسماعيل بن جعفر المدنيّ، وأبو الأسود يتيم عروة، وغيرهم، ورَوَى عنه يحيى بن سعيد الأنصاريّ، وهو من أقرانه.
قال الدارميّ، عن يحيى بن معين: ثقةٌ، وقال إسحاق بن منصور عنه: صالحٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: يُكتَب حديثه، وكان عاملًا لعمر بن عبد العزيز، وقال ابن سعد: تُوُفّي سنة (١٣٠)، وكان قليل الحديث، ونقل ابن شاهين في "الثقات" عن أحمد بن صالح، قال: إسماعيل بن أبي حَكِيم عن عَبِيدة بن سفيان، هذا من أثبت أسانيد أهل المدينة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: هو أخو إسحاق، وقال الْبَرْقيّ، وابن وضاح: ثقةٌ، وقال ابن عبد البرّ في "التمهيد": كان فاضلًا ثقة، وهو حجة فيما رَوَى عنه جماعة أهل العلم.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٥٠٩) وحديث (١٩٣٣): "كلّ ذي ناب من السباع، فأكله حرام".
[ ٢٦ / ٥٧٩ ]
٥ - (سَعِيدُ ابْنُ مَرْجَانَةَ) - بفتح الميم، وإسكان الراء، بعدها جيم - هو ابن عبد الله على الصحيح، ومَرْجانة أمه، أبو عثمان الحجازيّ، وزعم الذهليّ أنه ابن يسار، ثقةٌ فاضلٌ [٣] مات قبل المائة بثلاث سنين (خ م خد ت س) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٢٦/ ١٧٧٥.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
وشرح الحديث يأتي في الحديث الرابع - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (بِكُلِّ إِرْبٍ مِنْهَا إِرْبًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ) "الإرب" بكسر الهمزة، وإسكان الراء: هو العضو، بضمّ العين، وكسرها، قاله النوويّ - ﵀ - (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٩١] (…) - (وَحَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ أَبِي غَسَّانَ الْمَدَنيِّ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَلِيُّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مَرْجَانَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ مِنَ النَّار، حَتى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) بالتصغير الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزْميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ أبُو غَسَّانَ الْمَدَنِيُّ) نزيل عَسْقلان، ثقةٌ [٧] مات بعد (١٦٠) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٥٢/ ١٥٢٥.
٤ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدويّ مولى عمر - ﵁ -، أبو عبد الله، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٥ - (عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ) بن على بن أبي طالب زين العابدين، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٥١.
[ ٢٦ / ٥٨٠ ]
فقية فاضل مشهورٌ [٣] (ت ٩٣) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٣٠/ ١٨١٨.
والباقيان ذُكرا قبله، وشرح الحديث يأتي بعدُ.
وقوله: (حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ) "حتى" هنا عاطفة؛ لوجود شروط العطف بها، كما قال في "الخلاصة":
بَعْضًا بِـ "حَتَّى" اعْطِفْ عَلَى كُلٍّ وَلَا … يَكُونُ إِلَّا غَايَةَ الَّذِي تَلَا
فيكون "فرجَه" منصوبًا عطفًا على "عُضوًا"؛ أي: حتى يُعتق فرجه بفرجه.
قيل: إنما خصّ الفرج بالذِّكر؛ لأنه محل أكبر الكبائر بعد الشرك، وقتل النفس، كما في حديث ابن مسعود - ﵁ -، قال: قلت: يا رسول الله! أيّ الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندًّا، وقد خلقك، قلت: ثمّ أيّ؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، قلت: ثمّ أيّ؟ قال: أن تزاني حليلة جارك"، متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٩٢] (…) - (وَحَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ الْهَاد، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ ابْنِ مَرْجَانَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، أَعْتَقَ اللهُ بِكُل عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّار، حَتَّى يُعْتِقَ فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ، ثقة ثبت [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الفقيه الثقة الثبت الحجة [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٣ - (ابْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدني، ثقة مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
٤ - (عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ) بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ المدنيّ الأصغر، صدوقٌ فاضل [٧].
[ ٢٦ / ٥٨١ ]
رَوَى عن أبيه، وابن أخيه جعفر بن محمد بن عليّ، وسعيد بن مَرْجانة، وأرسل عن النبيّ - ﷺ -.
وروى عنه ابناه: عليّ ومحمد، وابن أخيه حسين بن زيد بن عليّ، وابن إسحاق، ويزيد بن الهاد، والفضيل بن مرزوق، ومحمد بن عبيد الله بن أبي رافع، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: أنا مصعبٌ، قال: قيل لعمر بن عليّ: هل فيكم أهلَ البيت إنسان مفترَضٌ طاعته؟ قال: لا والله، وقال عقبة بن بَشِير الأسديّ: كان عمر بن عليّ بن حسين يُفَضَّل، وكان كثير العبادة والاجتهاد، وكان أخوه أبو جعفر يُكرمه، ويرفع من منزلته، قال ابن حبان في "الثقات": يخطئ.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف وأبو داود في "المراسيل"، والترمذيّ، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقيان ذُكرا قبله، وشرح الحديث يأتي بعده، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٩٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثنَا عَاصِمٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ - حَدَّثنَا وَاقِدٌ - يَعْني أَخَاهُ - حَدَّثَني سَعِيدُ ابْنُ مَرْجَانَةَ - صَاحِبُ عَلِيُّ بْنِ حُسَيْنٍ - قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أيُّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ". قَالَ: فَانْطَلَقْتُ حِينَ سَمِعْتُ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَذَكَرْتُهُ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْن، فَأَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ ابْنُ جَعْفَرٍ عَشْرَةَ الآفِ دِرْهَمٍ، أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ) بن المبارك الساميّ الباهليّ البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ٤) تقدم في "الجمحة" ٦/ ١٩٧٢.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبت عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
[ ٢٦ / ٥٨٢ ]
٣ - (عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيُّ) هو: عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب العمريّ العدويّ المدنيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٢.
٤ - (وَاقِدُ) بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، أخو عاصم العدويّ المدنيّ، ثقةٌ [٦] (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
والباقون ذُكروا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، وواقد، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من عاصم، والباقيان بصريّان.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث والسماع من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الأخ عن أخيه.
٦ - (ومنها): أن أبا هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
عن عاصم بْنِ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيِّ أنه قال: (حَدَّثَنَا وَاقِدٌ) أي: ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، أخو عاصم الذي رَوَى عنه، كما بيّنه بقوله: (يَعْنِي أَخَاهُ) والعناية من بعض الرواة، وَيحتَمل أن يكونَ المصنّفَ، أو شيخه (حَدَّثَنِي سَعِيدُ ابْنُ مَرْجَانَةَ) تقدّم أنه بفتح الميم، وسكون الراء، بعدها جيم، وهي أمه، واسم أبيه عبد الله، ويكنى سعيدٌ أبا عثمان، وقوله: (صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْن) بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقّب زينَ العابدين، وكان سعيد هذا منقطعًا إليه، فعُرِف بصحبته، قال في "الفتح": ووَهِم من زعم أنه سعيد بن يسار أبو الْحُبَاب، فإنه غيره عند الجمهور، وليس لسعيد ابن مَرْجانة عند مسلم إلا حديثان فقط، كما أسلفتهما في ترجمته، وقال الحافظ: وليس له في البخاريّ غير هذا الحديث، وقد ذكره ابن حبان في التابعين، وأثبت روايته عن أبي هريرة - ﵁ -، ثم غَفَلَ فذكره في أتباع التابعين، وقال: لم يسمع من أبي هريرة. انتهى، وقد قال هنا: قال لي أبو هريرة، ووقع التصريح بسماعه منه عند
[ ٢٦ / ٥٨٣ ]
مسلم، والنسائيّ، وغيرهما، فانتفى ما زعمه ابن حبان. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - (^١).
(قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَيُّمَا امْرِئٍ) "أيّما" اسم شرط، و"أعتق" فعل شرطها، وجوابها: "استنقذ الله"، وقوله: (مُسْلِمٍ) هكذا قيّده في رواية المصنّف في الموضعين، والنسائيّ، وفي رواية البخاريّ: "أيُّما رجل أعتق امرءًا مسلمًا" قيّد الثاني، دون الأول (أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللهُ) أي: خلّصه، والتاء والسين للمبالغة، يقال: أنقذه من الشرّ: إذا خلّصه منه، فَنَقِذَ نَقَذًا، من باب تَعِبَ: تخلّص، والنَّقَذُ بفتحتين: ما أنقذته، قاله الفيّوميّ - ﵀ - (^٢).
وقال المجد - ﵀ -: النَّقْذُ - بفتح، فسكون -: التخليص، والتنجيةُ، كالإنقاذ، والتنقيذ، والاستنقاذ، والتنفذ، والسلامةُ، وبالتحريك: ما أنقذته، ومصدر نَقِذَ، كفَرِح: نجا. انتهى (^٣).
(بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ") وفي الرواية السابقة: "أعتق الله بكلّ عضو منها عضوًا من أعضائه من النار، حتى فرجه بفرجه"، وللنسائيّ من حديث كعب بن مُرّة: "وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين، كانتا فِكاكه من النار، عظمين منهما بعظم، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، كانت فِكاكها من النار"، إسناده صحيح، ومثله للترمذيّ من حديث أبي أمامة، وللطبرانيّ من حديث عبد الرحمن بن عوف، ورجاله ثقات، قاله في "الفتح" (^٤).
(قَالَ) وفي رواية البخاريّ: "قال ابن مَرْجانة"، وهو موصول بالإسناد المذكور (فَانْطَلَقْتُ) وفي رواية البخاريّ: "فانطلقت به" أي: بالحديث (حِينَ سَمِعْتُ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (فَذَكَرْتُهُ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ) أي: زين العابدين - ﵀ -، زاد أحمد، وأبو عوانة من طريق إسماعيل بن أبي حكيم، عن سعيد ابن مَرْجانة: "فقال عليّ بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٣٣٦ "كتاب العتق" رقم (٢٥١٧).
(٢) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٦٢٠.
(٣) "القاموس المحيط" ١/ ٣٦٠.
(٤) "الفتح" ٦/ ٣٣٦.
[ ٢٦ / ٥٨٤ ]
فقال: نعم " (فَأَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ) اسم هذا العبد مُطَرِّف، وقع ذلك في رواية إسماعيل بن أبي حكيم المذكورة عند أحمد، وأبي غوانة، وأبي نعيم في "مستخرجيهما" على مسلم، قاله في "الفتح".
(قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ) أي: في مقابلة ذلك العبد (ابْنُ جَعْفَرٍ) هو: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، الهاشميّ، أحد الأجواد، وُلد بأرض الحبشة، وهو صحابيّ، وهو ابن عم والد عليّ بن الحسين، وكانت وفاته سنة ثمانين من الهجرة، وهو ابن ثمانين سنةً، تقدّمت ترجمته في "الحيض" ١٩/ ٧٨٠.
قال في "الفتح": ومات سعيد ابن مَرْجانة سنة سبع وتسعين، ومات عليّ بن الحسين قبله بثلاث، أو أربع، وروايته عنه من رواية الأقران. انتهى (^١).
(عَشْرَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، أَوْ ألفَ دِينَارٍ) شكّ من الراوي، وفيه إشارة إلى أن الدينار إذ ذاك كان بعشرة دراهم، وقد رواه الإسماعيليّ من رواية عاصم بن عليّ، فقال: "عشرة آلاف درهم"، بغير شك (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٣٧٩٠ و٣٧٩١ و٣٧٩٢ و٣٧٩٣] (١٥٠٩)، و(البخاريّ) في "العتق" (٢٥١٧) و"كفّارات الأيمان" (٦٧١٥)، و(الترمذيّ) في "الأيمان" (١٥٤١)، و(النسائيّ) في "الكبرى لما في "العتق" (٤٨٧٤ و٤٨٧٥ و٤٨٧٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ١١٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٢٠ و٤٢٢ و٤٢٩ و٤٣٠ و٤٤٧ و٥٢٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٩٦٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٣٠٨)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٧٢٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٢٧١ - ٢٧٢) و"المعرفة" (٥/ ٩٧)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٣٣٧.
(٢) "الفتح" ٦/ ٣٣٧.
[ ٢٦ / ٥٨٥ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل العتق، وأنه من أفضل الأعمال، ومما يحصل به: العتق من النار، ودخول الجنة.
٢ - (ومنها): بيان استحباب عتق كامل الأعضاء، فلا يكون خَصِيًّا، ولا فاقد غيره من الأعضاء، وفي الخصيّ وغيره أيضًا الفضل العظيم، لكن الكامل أولى، وأفضله أعلاه ثمنًا، وأنفسه، كما سبق بيانه في أول الكتاب، في "كتاب الإيمان" في حديث: "أَيُّ الرقاب أفضل؟ "، وقد رَوَى أبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي أمامة وغيره من الصحابة - ﵃ -، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلمًا، كان فِكاكه من النار، يجزي كلُّ عضو منها عضوًا منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين، كانتا فِكاكه من النار، يجزي كل عضو منهما عضوًا منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة، كانت فِكاكها من النار، يجزئ كل عضو منه عضوًا منها"، قال الترمذيّ: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، قال هو وغيره: وهذا الحديث دليل على أن عتق العبد أفضل من عتق الأمة.
قال القاضي عياض: واختَلَف العلماء أيما أفضل، عتق الإناث، أم عتق الذكور؟ فقال بعضهم: الإناث أفضل؛ لأنها إذا عَتَقَت كان ولدها حرًّا، سواء تزوجها حرّ، أو عبدٌ، وقال آخرون: عتق الذكور أفضل؛ لهذا الحديث، ولما في الذَّكر من المعاني العامة المنفعة التي لا توجد في الإنات، من الشهادة، والقضاء، والجهاد، وغير ذلك، مما يختص بالرجال، إما شرعًا، وإما عادةً، ولأن من الإماء من لا ترغب في العتق، وتَضِيع به، بخلاف العبيد، قال النوويّ: وهذا القول هو الصحيح.
٣ - (ومنها): أنه يستفاد من تقييد الرقبة بكونها مسلمة أن هذا الفضل الخاصّ إنما هو في عتق المسلمة، وأما غير المسلمة ففيه أيضًا فضل بلا خلاف، ولكن دون فضل المؤمنة، ولهذا أجمعوا على أنه يُشترط في عتق كفارة القتل كونها مؤمنة، وحَكَى القاضي عياض عن مالك أن الأغلى ثمنًا أفضل، وإن كان كافرًا، وخالفه غير واحد من أصحابه، وغيرهم، قال:
[ ٢٦ / ٥٨٦ ]
وهذا أصحّ (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: فيه ما يدل على أن هذا الفضل العظيم إنما هو في عتق المؤمن، ولا خلاف في جواز عتق الكافر تطوّعًا، فلو كان الكافر أغلى ثمنًا، فرُوي عن مالك: أنه أفضل من المؤمن القليل الثمن؛ تمسكًا بحديث أبي ذر - ﵁ -، وخالفه في ذلك أكثر أهل العلم؛ نظرًا إلى حرمة المسلم، وإلى ما يحصل منه من المنافع الدينية، كالشهادات، والجهاد، والمعونة على إقامة الدين، وهو الأصح، والله تعالى أعلم. انتهى (^٢).
٤ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": إن في قوله: "أعتق الله بكل عضو منه عضوًا" إشارةً إلى أنه لا ينبغي أن يكون في الرقبة نقصان؛ ليحصل الاستيعاب، وأشار الخطابيّ إلى أنه يُغتفر النقص المجبور بمنفعة؛ كالخصيّ مثلًا إذا كان يُنتفع به فيما لا يُنتفع بالفحل، قال الحافظ: وما قاله في مقام المنع، وقد استنكره النوويّ وغيره، وقال: لا شك أن في عتق الخصيّ، وكل ناقص فضيلة، لكن الكامل أولى، وقال ابن الْمُنيِّر: فيه إشارة إلى أنه ينبغي في الرقبة التي تكون للكفارة أن تكون مؤمنة؛ لأن الكفارة مُنقذة من النار، فينبغي أن لا تقع إلا بمنقذة من النار. انتهى (^٣).
٥ - (ومنها): أنه استَشْكَل ابن العربيّ قوله: "فرجه بفرجه"؛ لأن الفرج لا يتعلق به ذنب يوجب له النار، إلا الزنا، فإن حُمِل على ما يتعاطاه من الصغائر؛ كالمفاخذة، لم يُشكل عتقه من النار بالعتق، وإلا فالزنا كبيرة لا تُكَفَّر إلا بالتوبة، ثم قال: فَيَحْتَمِل أن يكون المراد أن العتق يُرَجّح عند الموازنة، بحيث يكون مرجِّحًا لحسنات المعتق ترجيحًا يوازي سيئة الزنا. انتهى.
قال الحافظ: ولا اختصاص لذلك بالفرج، بل يأتي في غيره من الأعضاء، مما آثاره فيه، كاليد في الغصب مثلًا، والله أعلم. انتهى (^٤).
٦ - (ومنها): ما كان عليه السلف من الحرص على فعل الخير، والمبادرة
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٥١ - ١٥٢.
(٢) "المفهم" ٤/ ٣٤٣.
(٣) "الفتح" ٦/ ٣٣٧.
(٤) "الفتح" ٦/ ٣٣٧ "كتاب العتق" رقم (٢٥١٧).
[ ٢٦ / ٥٨٧ ]
إذا سمعوا قول رسول الله - ﷺ -، وما كان عليه عليّ بن الحسين: من حبّه للخير، حيث بادر في عتق عبده الذي أعطي به ثمنًا غاليًا، فاختار ما عند الله على متعة الدنيا الفانية، فرحمه الله ما أشدّ حرصه على الجنّة، وأقوى زهده، في الدنيا، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ [الأعلى: ١٧]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾