(اعلم): أن "المتوفّى" بفتح الفاء المشدّدة: اسم مفعول، من توفّاه الله تعالى: إذا أماته، قال ابن منظور: الوفاة: المنيّة، والوفاة: الموت، وتُوفي فلان، وتوفّاه الله: إذا قبض نفسه، وفي "الصحاح": إذا قبض روحه، وقال غيره: تَوَفِّي الميتِ استيفاء مدّته التي وُفيت له، وعدد أيامه وشهوره، وأعوامه في الدنيا. انتهى.
وقرئ في الشواذّ: "والذين يَتَوَفّون منكم" الآية - بفتح الياء بالبناء للفاعل -: ومعناه: يستوفون آجالهم. قاله الزمخشريّ. وعلى هذه القراءة، يجوز "المتوفّي عنها زوجها" بصيغة اسم الفاعل، بمعنى المستوفي أجله.
قال السمين الحلبيّ: والذي يُحكى أن أبا الأسود كان خلف جنازة، فقال له رجل: مَن المتوفِّي؟ بكسر الفاء، فقال: الله، وكان أحد الأسباب الباعثة لعليّ - ﵁ - على أن أمر بوضع كتاب في النحو، تناقضه هذه القراءة. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٢٠] (١٤٨٣) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ (ع) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ ابْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي؛ أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: طُلِّقَتْ خَالَتِي، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأتَت النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: "بَلَي، فَجُدِّي نَخْلَك، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا").
_________________
(١) "الدرّ المصون في علوم كتاب الله المكنون" ١/ ٥٧٧ "تفسير سورة البقرة".
[ ٢٦ / ٢٧٠ ]
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ مَيْمُونٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطان، تقدّم قريبًا.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٥ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الحمّال، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الأعور المصّيصيّ، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٧ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٨ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، تقدّم قبل بابين.
٩ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ -، تقدّم أيضًا قبل بابين.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة أسانيد، فصل بينها بكتابة (ح).
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول انفرد به هو وأبو داود، والثاني ما أخرج له ابن ماجة، والثالث ما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع، وفيه جابر - ﵁ - من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عن ابْنِ جُرَيْجٍ) أنه (أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أنهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ -، رواية المصنّف فيها بيان كلّ من ابن جريج، وأبي الزبير بالإخبار، والسماع، فانتفت تهمة التدليس عن كلّ منهما (يَقُولُ: طُلِّقَتْ) قال القاري - ﵀ -: بضمّ الطاء، وتشديد اللام، وفي نسخة (^١) بفتح أوله، وضم لامه المخففة (^٢).
(خَالَتِي) لا تُعرف، وفي رواية أبي داود: "طُلّقت خالتي ثلاثًا"، فدلّ على أن
_________________
(١) يعني نسخة: "المشكاة".
(٢) "مرقاة المفاتيح" ٦/ ٤٥٠.
[ ٢٦ / ٢٧١ ]
طلقتها كانت بائنة (فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ) - بفتح التاء، وضم الجيم، بعدها دال مهملة -؛ أي: تقطف، وتقطع (نَخْلَهَا) أي: ثمارها (فَزَجَرَهَا) أي: نهاها (رَجُلٌ) لا يُعرف (أَنْ تَخْرُجَ) عن الخروج من بيتها؛ ظنًّا منه أن آية: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ يعمّها (فأتت النبي - ﷺ -) زاد في رواية أبي داود: فذكرت ذلك له؛ أي: ذكرت نهي الرجل لها عن الخروج (فقال) - ﷺ -: ("بلى) قال القاري - ﵀ -: تقرير للنفي؛ أي: أتت النبي - ﷺ -، وسألته: أليس يسوغ لي الخروج للجدادة؟ فقال: بلى. انتهى (^١)، ولفظ النسائي: "فقال: اخرجي" (فَجُدِّي) بضم الجيم؛ أي: اقطفي (نَخْلَك، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي) أصله تتصدقي بتاءين، فحذف منه إحداهما؛ تخفيفًا، كما في قوله - ﷿ -: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، وقوله: ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾ [عبس: ٦]، قال ابن مالك في "خلاصته":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَر … فِيهِ عَلَى تَا كـ"تَبَيَّنُ الْعِبَر"
ولفظ النسائيّ: "لعلّك أن تصدّقي".
قال القاري: وقوله: "أن تصدقي" تعليل للخروج، ويعْلَم منه أنه لولا المتصدق لما جاز لها الخروج. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله نظر لا يخفي، بل الحقّ لها الخروج لحاجتها، ولو لَمْ يكن التصدّق، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا") وللنسائيّ: "تفعلي معروفًا" بالواو، والظاهر أن "أو" هنا للتنويع، لا للشكّ، ويَحْتَمل أن تكون للشكّ من الراوي، والأول أظهر، وعليه فيكون من عطف العامّ على الخاصّ؛ إذ المعروف يعمّ الصدقة، وغيرها، كقضاء الديون، ونحوه.
قوله: "أو تفعلي معروفًا" أي: من التطوع، والهدية، والإحسان إلى الجيران، ونحوها، و"أو" للتنويع، يعني إن يبلغ مالك نصابًا، فأدِّي زكاته، وإلا فافعلي معروفًا، من المتصدق، والتقرب، والتهادي، وفيه أن حفظ المال، واقتناءه لفعل المعروف مرخصٌ. انتهى.
قال الخطّابيّ: - ﵀ - ما حاصله: الحديث يدلّ على جواز خروج المتوفّى
_________________
(١) "مرقاة المفاتيح" ٦/ ٤٥٠.
[ ٢٦ / ٢٧٢ ]
عنها، أو المبتوتة نهارًا، ووجه ذلك أن جداد النخل في غالب العرف لا يكون إلَّا نهارًا، وقد نُهي عن جداد الليل، ونخل الأنصار قريبٌ من دورهم، فهي إذا خرجت بُكرة للجداد أمكنها أن تُمسي في بيتها؛ لقرب المسافة. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ: قوله: "فلعلّك أن تصدّقي الخ" ليس تعليلًا لإباحة الخروج لها بالاتفاق، وإنما خرج هذا مخرج التنبيه لها، والحضّ على فعل الخير. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي فيما قاله نظر، فما المانع أن يكون تعليلًا؟ مع أن سياق الحديث ظاهر فيه، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٣٧٢٠] (١٤٨٣)، و(أبو داود) في "الطلاق" (٢٢٩٧)، و(ابن ماجة) في "الطلاق" (٢٠٣٤)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٣٥٧٧) و"الكبرى" (٥٧٤٤)، و(أحمد) في "مسنده" (١٤٠٣٥)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٢٨٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٨٨ - ١٨٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٧١)، و(البيهقيّ) في "السنن الصغرى" (٦/ ٤٦٣) و"المعرفة" (٦/ ٥٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة خروج المتوفّى عنها زوجها من بيتها أثناء العدّة؛ لحاجتها.
٢ - (ومنها): جواز خروج المبتوتة من بيتها؛ للحاجة.
٣ - (ومنها): الحثّ على التصدّق، وفعل الخير.
_________________
(١) راجع: "معالم السنن" ٣/ ١٩٧.
(٢) "المفهم" ٤/ ٢٧٩.
[ ٢٦ / ٢٧٣ ]
٤ - (ومنها): أن النساء كالرجال في فعل الخير؛ لأنهنّ شقائق الرجال، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥].
٥ - (ومنها): مشروعيّة العناية بحفظ المال، واقتنائه لفعل الخير، والمواساة به.
٦ - (ومنها): استحباب الصدقة من التمر عند جداده، والهديّة منه.
٧ - (ومنها): استحباب التعريض لصاحب التمر بفعل ذلك، وتذكيره بالمعروف، والبرّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في خروج المعتدّة من بيتها:
قال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: هذا الحديث دليلٌ لمالك، والشافعيّ، وأحمد، والليث على قولهم: إن المعتدّة تخرج بالنهار في حوائجها، وإنما تلزم منزلها بالليل، وسواء عند مالك كانت رجعيّةً، أو بائنة.
وقال الشافعيّ في الرجعيّة: لا تخرج ليلًا، ولا نهارًا، وإنما تخرج نهارًا المبتوتة.
وقال أبو حنيفة: ذلك في المتوفّى عنها زوجها، وأما المطلّقة، فلا تخرج ليلًا ولا نهارًا.
وقال الجمهور بهذا الحديث (^١) إن الجداد بالنهار عرفًا، وشرعًا، أما العرف، فهو عادة الناس في مثل ذلك الشغل، وأما الشرع، فقد نهى - ﷺ - عن جداد الليل.
ولا يقال: فيلزم من إطلاقه أن تخرج بالليل، إذ قد يكون نخلها بعيدًا، تحتاج إلى المبيت فيه؛ لأنا نقول: لا يلزم ذلك من هذا الحديث؛ لأن نخلهم لَمْ يكن الغالب عليها البعد من المدينة، بحيث يُحتاج إلى المبيت، وإنما هي بحيث يُخرَج إليها، ويُرجَع منها في النهار. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن المتوفّى عنها زوجها،
_________________
(١) كذا نسخة: "المفهم"، والعبارة فيها ركاكة، ولعل الصواب: وقال الجمهور: المراد بهذا الحديث الخروج نهارًا؛ لأن الجداد بالنهار … إلخ، والله تعالى أعلم.
(٢) "المفهم" ٤/ ٢٧٩.
[ ٢٦ / ٢٧٤ ]
والمطلّقة طلاقًا بائنًا لهنّ الخروج لحوائجهنّ مطلقًا، ليلًا، أو نهارًا، ثم يَعُدْن إلى بيوتهنّ؛ لإطلاق حديث جابر - ﵁ -، فإنه - ﷺ - لما قال لها: "اخرجي، فجدّي" ما قيّده، لا بليل، ولا بنهار، فيُعْمَل بعمومه، وأما المطلّقة طلاقًا رجعيًّا، فلا تخرج مطلقًا، إلَّا لما استثناه الله تعالى في كتابه حيث قال - ﷾ -: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الآية [الطلاق: ١] (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.