وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٠٠] (١٤٥٣) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ، وَهُوَ حَلِيفُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "أَرْضِعِيهِ"، قَالَتْ: وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ، وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَقَالَ: "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ"، زَادَ عَمْرٌو فِي حَدِيثِهِ: وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ) التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٢٦) أو بعدها (ع) تقدم في "الحيض" ٢٧/ ٨٢٢.
٣ - (أَبُوهُ) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصدّيق التيميّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ٣/ ٦٩٥.
والباقون ذُكروا في الباب الماضي، والذي قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن عمّته، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة.
[ ٢٥ / ٦٥٠ ]
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - أنها (قَالَتْ: جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ) بن عمرو القرشيّة العامريّة، أسلمت قديمًا، وهاجرت مع زوجها أبي حُذيفة إلى الحبشة، فوَلَدت له هناك محمد بن أبي حذيفة، ذكره ابن إسحاق، وقال ابن سعد: أمها فاطمة بنت عبد العزّى بن أبي قيس، من رهط زوجها سُهيل بن عمرو، أسلمت قديمًا بمكة، وبايعت، ثم تزوّجت شَماخ بن سعيد بن قائف بن الأوقص السلميّ، فولدت له عامرًا، ثم تزوّجت عبد الله بن الأسود بن عمرو، من بني مالك بن حِسْل، فولدت له سليطًا، ثم تزوّجت عبد الرحمن بن عوف، فولدت له سالمًا، فهم إخوة ابن أبي حذيفة لأمه (^١). (إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -) وللنسائيّ: "إلى رسول الله - ﷺ -" (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ) حُذف منه المفعول: أي الكراهية.
و"أبو حُذيفة": هو ابن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، القرشيّ العَبْشميّ، خال معاوية، اسمه مِهْشَم، وقيل: هاشم، وقيل: قيس، كان من السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين، وصلّى إلى القبلتين، قال ابن إسحاق: أسلم بعد ثلاثة وأربعين إنسانًا، وهو ممن شهد بدرًا، وكان طُوَالًا، حسن الوجه، استُشهد يوم اليمامة، وهو ابن ستّ وخمسين سنة (^٢).
(مِنْ) تعليليّة، أي لأجل (دُخُولِ سَالِمٍ) أي عليها، وهو: ابن معقل - بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر القاف - يكنى أبا عبد الله، كان من الفرس، وكان عبدًا لثُبيتة - بضمّ الثاء المثلّثة، وفتح الباء الموحّدة، وإسكان الياء المثنّاة، من تحتُ، بعدها تاءٌ - وقيل: بُثينة - بضمّ الباء الموحدة، وفتح الثاء المثلّثة، وإسكان الياء المثنّاة، من تحتُ، بعدها نونٌ - وقيل: عمرة، وقيل: سلمى بنت يَعار - بفتح الياء المثنّاة، من تحتُ، وقيل: بالمثنّاة من فوقُ - الأنصاريّة، فأعتقته سائبةً، فانقطع إلى أبي حُذيفة، فتبنّاه، حتى جاء الشرع بإبطال ذلك، وكانا من أفاضل الصحابة - ﵃ -، واستُشهِدا باليمامة سنة اثنتي
_________________
(١) راجع: "الإصابة" ١٢/ ٣١٩ - ٣٢٠.
(٢) راجع: "الإصابة" ١١/ ٨١.
[ ٢٥ / ٦٥١ ]
عشرة، فوُجد رأس أحدهما عند رجلي الآخر (^١).
وكان أبو حذيفة أنكحه ابنة أخته فاطمة بنت الوليد بن عتبة.
وروى البخاريّ من حديث ابن عمر - ﵄ -: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين الأولين في مسجد قُباء، فيهم أبو بكر، وعمر.
وأخرجه الطبرانيّ، زاد: وكان أكثرهم قرآنًا، وأخرج الشيخان عن عبد الله بن عمرو، رفعه: "خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبيّ بن كعب، ومُعاذ بن جبل".
وأخرج ابن المبارك في "كتاب الجهاد" من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن عبد الرحمن بن سابط: أن عائشة احتبست على النبيّ - ﷺ -، فقال: ما حَبَسَك؟ قالت: سمعت قارئًا يقرأ، فذَكَرَت من حسن قراءته، فأخذ رداءه، وخرج، فإذا هو سالِمٌ مولى أبي حذيفة، فقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك".
وأخرجه أحمد، وابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم: حدثني حنظلة، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عائشة، فذكره موصولًا، وله شاهد عند البزّار بإسناد رجاله ثقات.
وروى ابن المبارك أيضًا أن لواء المهاجرين كان مع سالم، فقيل له في ذلك، فقال: بئس حامل القرآن أنا - يعني إن فررت - فقُطعت يمينه، فأخذه بيساره، فقطعت، فاعتنقه إلى أن صُرع، فقال لأصحابه: ما فعل أبو حذيفة؟ - يعني مولاه - قيل: قُتل، قال: فانتجعوني بجنبه (^٢)، فأرسل عمر ميراثه إلى معتقته ثُبيتة، فقالت: إنما أعتقته سائبةً، فجعله في بيت المال.
وذكر ابن سعد أن عمر أعطى ميراثه لأمه، فقال: كُليه. انتهى ملخّصًا من "الإصابة" (^٣).
وقولها: (وَهُوَ حَلِيفُهُ) جملة حاليّة، والحليف فيعلٌ بمعنى فاعل، بمعنى المعاهد، يقال منه: تحالفا: إذا تعاهدا، وتعاقدا على أن يكون أمرهما واحدًا
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٧/ ١٣٤.
(٢) أي اجعلوني بجواره في قبره.
(٣) راجع: "الإصابة" ٤/ ١٠٣ - ١٠٦.
[ ٢٥ / ٦٥٢ ]
في النصرة، والحِماية، وبينهما حِلْفٌ، وحِلْفةٌ بالكسر: أي عهد (^١).
وحاصل المعنى: أن أبا حُذيفة تبنّى سالِمًا حين كان التبنّي جائزًا، فكان يُدعَى ابنه، وكان يسكن معهم في بيت واحد، فلما نزلت الآية: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، وحُرّم التبنّي، كره أبو حذيفة دخول سالم مع اتحاد المسكن، وفي تعدّده مشقّةٌ عليهم، فجاءت سهلة إلى رسول الله - ﷺ - لحلّ هذه المشكلة.
وفي رواية أبي عوانة في "مسنده": "فقالت: إن سالِمًا كان يُدْعَى لأبي حذيفة، وإن الله أنزل في كتابه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وكان يدخل عليّ، وأنا فُضْلٌ (^٢)، ونحن في مَنْزِل ضَيِّقٍ. . ." الحديث.
(فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "أَرْضِعِيهِ") وفي الرواية التالية: "أرضعيه تحرمي عليه، ويذهبِ الذي في نفس أبي حُذيفة" (قَالَتْ: وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ، وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ؟) وفي الرواية الآتية: "فقالت: إنه ذو لحية"، أرادت أنه رجل كبير، لا يصلح للإرضاع، حيث تجاوز مدّة الرضاع (فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي تعجّبًا مما قالت (وَقَالَ: "قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ) " أي فأرضعيه، وإن كان رجلًا كبيرًا.
وقوله: (زَادَ عَمْرٌو) يعني شيخه الأول، وهو عمرو الناقد (فِي حَدِيثِهِ: وَكَانَ) أي سالمٌ (قَدْ شَهِدَ بَدْرًا) هذا فيه إيضاح لكونه كبيرًا؛ لأنه لا يشهد بدرًا إلا من كان رجلًا بالغًا كبيرًا يصلح لمبارزة العدوّ (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ) يعني شيخه الثاني (فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) بدل قول عمرو: "فتبسّم رسول الله - ﷺ -".
زاد في الرواية التالية: "فرجعت، فقالت: إني قد أرضعته، فذهب الذي في نفس أبي حُذيفة"، وفي الرواية الرابعة: "فقالت: والله ما عرفته في وجه أبي حُذيفة".
تعني أنها بعد ما أرضعت سالِمًا بأمر النبيّ - ﷺ - لم تر في وجه زوجها ما كانت تراه قبل أن ترضعه، من الكراهية، وذلك لأنه عَلِم أنها صارت أمه
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٤٦.
(٢) بضمّ الفاء، وسكون الضاد المعجمة: أي وأنا متبذّلة في ثياب مِهْنتي، يقال: تفضّلت المرأة: إذا تبذّلت في ثياب مهنتها. انتهى. "طرح التثريب" ٧/ ١٣٤.
[ ٢٥ / ٦٥٣ ]
رضاعًا، فلم يبق في قلبه رِيبة في دخوله عليها، والله تعالى أعلم.
قال النوويّ: قال القاضي: لعلّها حلبته، ثم شربه من غير أن يمسّ ثديها، ولا التقت بشرتاهما، وهذا الذي قاله القاضي حسنٌ، ويَحْتَمِل أنه عُفي عن مسّه للحاجة، كما خُصّ بالرضاعة مع الكبر. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني هو القويّ؛ إلا قوله: "كما خُصّ. . . إلخ"، فسيأتي أن الأرجح عدم خصوصيّته.
وأما ما أخرجه ابن سعد، عن الواقديّ، عن محمد بن عبد الله ابن أخي الزهريّ، عن أبيه، قال: كانت تحلُبُ في مُسْعُط، أو إناء، قدر رَضْعَة، فيشربه في كلّ يوم حتى مضت خمسة أيام، فكان بعدُ يدخل عليها، وهي حاسرٌ، رخصة من رسول الله - ﷺ - لسهلة. انتهي، ففي إسناده الواقديّ شديد الضعف، وهو أيضًا مرسلٌ (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٣٦٠٠ و٣٦٠١ و٣٦٠٢ و٣٦٠٣ و٣٦٠٤] (١٤٥٣)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢٠٦١)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٦/ ١٠٤ و١٠٥) و"الكبرى" (٣/ ٣٠٣ و٣٠٤ و٣٠٥)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٩٤٣)، و(مالك) في "الموطّإ" (٢/ ٦٠٥)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٣٠٧)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٣٨٨٤)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٢٧٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٨ و٢٠١ و٢٤٩)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٢٠٠ و٢٠١)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ٢٣٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٢١٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٢٠ و١٢١ و١٢٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٢٦ - ١٢٧)، و(الطبرانيّ) في
_________________
(١) "شرح مسلم" ١٠/ ٣١.
(٢) راجع: "الإصابة" ١٢/ ٣٢٠.
[ ٢٥ / ٦٥٤ ]
"الكبير" (٢٤/ ٧٣٩ و٧٤٢) و"الصغير" (٨٩٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٤٥٩) و"المعرفة" (٦/ ٩٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز رضاع الكبير، وقد اختلف فيه العلماء كما سيأتي بيانه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): سهولة الشريعة، وسماحتها حيث سهّلت في محلّ الحاجة، فأجازت إرضاع المرأة من له صلة بها، إذا اضطرّت إلى ذلك.
٣ - (ومنها): أن من أشكل عليه حكم من الإحكام الشرعية عليه أن يسأل العلماء، سواء كان ذكرًا، أم أنثى.
٤ - (ومنها): أن التبنّي كان جائزًا، ثم نُسِخ.
٥ - (ومنها): أنه يجوز لمن لم يبلغ مبلغ الرجال من الصغار أن يدخلوا على النساء الأجنبيّات.
٦ - (ومنها): جواز الإرشاد إلى الْحِيَل المشروعة.
٧ - (ومنها): ما قاله ابن الرفعة: يؤخذ منه جواز تعاطي ما يُحصّل الحِلَّ في المستقبل، وإن كان ليس حلالًا في الحال. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي استنبطه ابن الرفعة محلّ نظر، والله تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): ما كان عليه أبو حذيفة من الغيرة، فيما لم يأذن به الشرع، وانقياده للحقّ بعد الرضاع، وهكذا ينبغي لكلّ مسلم أن يكون غيورًا على حُرَمه، فإذا كان هناك تسهيلٌ من الشارع انقاد له، ولا يعترض عليه، بل يقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
٩ - (ومنها): ما قاله وليّ الدين - ﵀ -: الحديث صريح في ثبوت التحريم برضاع الكبير، ومقتضى سياقه والمقصود منه ثبوت المحرمية أيضًا؛ إذ لولا ثبوت المحرمية لما حصل مقصودها من دخوله عليها حالة مهنتها، وانكشاف بعض جسدها، وبهذا قال من أثبت حكم الرضاع للكبير، إلا أن أبا العباس
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٠/ ١٨٧.
[ ٢٥ / ٦٥٥ ]
القرطبيّ نقل عن داود أن رضاعة الكبير ترفع تحريم الحجاب، لا غير، ثم حَكَى عن ابن الْمَوَّاز أنه قال: لو أخذ بهذا في الحجابة لم أَعِبْهُ، وترْكه أحب إليّ، وما علمت من أخذ به عامًّا إلا عائشة، ثم قال: وفيما ذكره ابن الموّاز عن عائشة أنها ترى رضاعة الكبير تحريمًا عامًّا نظر، فإن نص حديث الموطإ عنها إنما كانت تأخذ بذلك في الحجاب خاصّة.
وتعقّبه وليّ الدين، فقال: لا يستقيم لعالم أن يقول بجواز الخلوة مع إباحة النكاح، وهذا تناقض لا حاجة إليه، وظاهر كلام القائلين بهذا المذهب أنهم أثبتوا برضاعة الكبير كلَّ ما ثبت برضاعة الصغير من الإحكام. انتهى كلام وليّ الدين - ﵀ - (^١)، وهو تعقّبٌ وجيه، والله تعالى أعلم.
١٠ - (ومنها): أن الجمهور أجابوا عن هذا الحديث بأنه خاصّ بسالم، وامرأة أبي حذيفة، كما اقتضاه كلام أمهات المؤمنين، سوى عائشة - ﵅ - ورَوَى الشافعي - ﵀ - عن أم سلمة - ﵂ - أنها قالت في الحديث: كان رخصة لسالم خاصة، قال الشافعيّ: فأخذنا به يقينًا لا ظنًّا، حكاه عنه البيهقيّ في "المعرفة"، وقال ما معناه: إنما قال هذا؛ لأن الذي في غير هذه الرواية أن أمهات المؤمنين قُلْنَ ذلك بالظن، ورواه عن أم سلمة بالقطع.
وقال ابن المنذر: ليست تخلو قصة سالم من أن تكون منسوخة، أو خاصة لسالم، وكذا حكى الخطابيّ عن عامة أهل العلم أنهم حملوا الأمر في ذلك على أحد وجهين: إما على الخصوص، وإما على النسخ.
وقال أبو العباس القرطبيّ: أطلق بعض الأئمة على حديث سالم أنه منسوخ، وأظنه سمى التخصيص نسخًا، وإلا فحقيقة النسخ لم تحصل هنا على ما يُعْرَف في الأصول.
قال وليّ الدين: كيف يريد بالنسخ التخصيص من يُرَدِّد بينهما؟ ولم يرد قائل هذا الكلام بالنسخ ما فهمه عنه القرطبيّ حتى يَعْترِض عليه بما ذكره، وإنما أراد به أن هذا الذي أُمِرت به امرأة أبي حذيفة كان هو الشرع العامّ لكل أحد ذلك الوقت، ثم نُسخ بعد ذلك، لكن هذا يتوقف على معرفة التاريخ،
_________________
(١) "طرح التثريب" ٧/ ١٣٨.
[ ٢٥ / ٦٥٦ ]
وأن الأدلة الدالة على اعتبار الصغر في وقت الإرضاع متأخرة عن ذلك.
وردّه ابن حزم أيضًا بأن قولها للنبيّ - ﷺ -: كيف أرضعه، وهو رجل كبير؟ دال على تأخره عما دلّ على اعتبار الصغر، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله ابن حزم - ﵀ - هو الظاهر، والحقّ أنه ليس هناك نسخ، فإن كان نسخ في المسألة، فليكن النسخ للأدلة التي اعتبرت الصغر شرطًا في ثبوت التحريم بالرضاع، كما يدلّ عليه قولها: "كيف أرضعه، وهو رجل كبير؟ "، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
١١ - (ومنها): ما قيل: إنه استُشْكِل أمره - ﷺ - إياها بإرضاعه؛ لما فيه من التقاء البشرتين، وهو مُحَرَّم قبل أن يستكمل الرضاع المعتبر، وتصير محرمًا له، قال القاضي عياض: ولعلها حلبته، ثم شَرِبه من غير أن يمس ثديها، ولا التقت بشرتاهما، قال النوويّ: وهذا الذي قاله حسنٌ، ويَحْتَمِل أنه عُفي عن مسه للحاجة كما خص بالرضاعة مع الكبر. انتهى.
وجعل أبو العباس القرطبي ذلك دليلًا على الاختصاص به؛ لأن القاعدة تحريم الاطلاع على العورة، ولا يُختَلف في أن ثدي الحرة عورة، لا يجوز الاطلاع عليه، قال: ولا يقال: يمكن أن يَرْضَع، ولا يَطَّلِع؛ لأنا نقول: نفس التقام حلمة الثدي بالفم اطلاع، فلا يجوز. انتهى.
ولم يعرج على ذِكْر ما تقدم عن القاضي من شربه بعد حلبه، ولم يستصوب ابن حزم ذلك، واقتضى كلامه جوازه مطلقًا، فإنه حَكَى عن بعضهم أنه قال: كيف يحل للكبير أن يرضع ثدي امرأة أجنبية؟ ثم نقضه بقول من قال: إن للأمة الصلاة عريانة، يرى الناس ثديها، وخاصرتها، وأن للحرة أن تتعمد أن ينكشف من شفتي فرجها قدر الدرهم الْبَغْليّ، تصلي كذلك، وأن تكشف أقلّ من ربع بطنها كذلك. انتهى.
قال وليّ الدين: والحق ما ذكرناه أوّلًا من شربه محلوبًا.
وقد قال ابن عبد البر - بعد حكايته قول رجل لعطاء: سقتني امرأة من لبنها، وأنا رجل -: هكذا رضاع الكبير، كما ذكر عطاء يُحْلَب له اللبن، ويسقاه، وأما أن تُلقمه المرأة ثديها، كما يُصنع بالطفل فلا؛ لأن ذلك لا يحل
[ ٢٥ / ٦٥٧ ]
عند جماعة العلماء، وقد أجمع فقهاء الأمصار على التحريم بما يشربه الغلام الرضيع من لبن المرأة، وإن لم يمصه من ثديها. انتهى.
واعتبر ابن حزم في التحريم الامتصاص من الثدي، وحكاه عن طائفة.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن شربه بعد حلبه في الإناء هو الأولى كما قال الأولون، لكن ليس بلازم، فيجوز أن يلتقم ثدييها، فيرضع؛ لأنه - ﷺ - لم يأمرها بأن تحلب له، فيشربه، بل ظواهر الروايات تدلّ على الإطلاق، ولو كان ذلك لازمًا لما سكت عنه؛ فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
١٢ - (ومنها): أنه أطلق في هذه الرواية قوله: "أرضعيه"، ولم يقيّده بعدد، وقيّده في رواية جماعة، عن الزهريّ بقوله: "خمس رضعات"، فقد أخرج الحديث أبو داود، وغيره من طريق يونس، عن الزهري، وفيه: "فقال لها النبيّ - ﷺ -: أرضعيه، فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها. . ." الحديث، وبهذا قال الشافعيّ، وهو رواية عن أحمد بن حنبل، قال ابن تيمية في "المحرَّر": إنها المذهب، وبه قال ابن حزم، وقيل: لا بُدّ من سبع رضعات، وقيل: لا بُدّ من عشر، وهما مرويان عن عائشة - ﵂ -، وذكر الشافعي أنه لا يصح عنها، وأنها كانت تُفتي بخمس، وحَكَى ابن عبد البر العشر عن حفصة، وقال القاضي عياض: إنه شاذّ، وقيل: يكتفى بثلاث رضعات، حكاه ابن عبد البر عن أبي يوسف، وأبي عبيدة، وداود، وحكاه ابن حزم عن سليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، وهو رواية عنه، وبها قال ابن المنذر، واستروح أبو العباس القرطبيّ، فقال: لَمْ يقل به أحد فيما علمتُ إلا داود، ذكره وليّ الدين - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: القول باشتراط كون الرضاع خمس مرّات هو الأرجح؛ لقوّة حجته، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم رضاع الكبير:
ذهبت طائفة إلى أن إرضاع الكبير يثبت به التحريم، وممن قال به عليّ بن
_________________
(١) "طرح التثريب" ٧/ ١٣٩ - ١٤٠.
[ ٢٥ / ٦٥٨ ]
أبي طالب، كما حكاه عنه ابن حزم، وأما ابن عبد البرّ، فأنكر الرواية عنه في ذلك، وقال: لا يصحّ. وعائشة، وعروة بن الزبير، وعطاء بن أبي رباح، والليث بن سعد، وابن عُليّة، وحكاه النوويّ عن داود الظاهريّ، وإليه ذهب ابن حزم، ويؤيّد ذلك الإطلاقات القرآنيّة، كقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
وذهب الجمهور إلى أن حكم الرضاع إنما يثبت في الصغير، وأجابوا عن قصّة سالم بأجوبة:
(منها): أنه حكم منسوخٌ، وبه جزم المحبّ الطبريّ في "أحكامه"، وقرّره بعضهم بأن قصّة سالم كانت في أوائل الهجرة، والأحاديث الدّالّة على اعتبار الحولين من رواية أحداث الصحابة، دلّ على تأخّرها.
وهو مستندٌ ضعيفٌ؛ إذ لا يلزم من تأخّر إسلام الراوي، ولا صغره أن لا يكون ما رواه متقدّمًا.
وأيضًا ففي سياق قصّة سالم ما يُشعر بسبق الحكم باعتبار الحولين؛ لقول امرأة أبي حذيفة في بعض طرقه، حيث قال لها النبيّ - ﷺ -: "أرضعيه"، قالت: وكيف أرضعه، وهو رجلٌ كبيرٌ؟، فتبسّم رسول الله - ﷺ -، وقال: "قد علمت أنه رجلٌ كبير"، وفي رواية: قالت: إنه ذو لحية، قال: "أرضعيه". وهذا يشعر بأنها كانت تعرف أن الصغر معتبرٌ في الرضاع المحرّم.
(ومنها): دعوى الخصوصيّة بسالم، وامرأةِ أبي حُذيفة، والأصل فيه قول أم سلمة، وأزواج النبيّ - ﷺ -: ما نرى هذا إلا رخصةً أرخصها رسول الله - ﷺ - لسالم بسهلة، فلما نزل الاحتجاب، ومُنِعوا من التبنّي شقّ ذلك على سهلة، فوقع الترخيص لها في ذلك؛ لرفع ما حصل لها من المشقّة.
وهذا فيه نظرٌ؛ لأنه يقتضي إلحاق من يساوي سهلة في المشقّة، والاحتجاج بها، فتنفَى الخصوصية (^١).
وفيه أيضًا أن دعوى الخصوصيّة تحتاج إلى دليل، وقد اعترف أزواج النبيّ - ﷺ - بصحّة الحجة التي جاءت بها عائشة، ولا حجة في إبائهنّ لها، كما
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ١٨٦.
[ ٢٥ / ٦٥٩ ]
أنه لا حجة في أقوالهنّ، ولهذا سكتت أمّ سلمة لما قالت لها عائشة: أما لك في رسول الله - ﷺ - أسوةٌ حسنةٌ؟، ولو كانت هذه السنّة مختصّةً بسالم لَبَيَّنَها رسول الله - ﷺ -، كما بيّن اختصاص أبي بردة بالتضحية بالْجَذَع من المعز، واختصاص خزيمة بأن شهادته كشهادة رجلين (^١).
وذهب بعضهم إلى أن الرضاع يُعتبر فيه الصغر إلا فيما دعت إليه الحاجة، كرضاع الكبير الذي لا يستغني عن دخوله على المرأة، ويشقّ احتجابها منه، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيميّة، ورجّحه الشوكانيّ، قال: وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، وذلك بأن تجعل قصّة سالم المذكورة مخصّصةً لعموم: "إنما الرضاع من المجاعة"، و"لا رضاع إلا في الحولين"، و"لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام"، و"لا رضاع إلا ما أنشر العظم، وأنبت اللحم". وهذه طريقةٌ متوسّطةٌ بين طريقة من استدلّ بهذه الأحاديث على أنه لا حكم لرضاع الكبير مطلقًا، وبين من جعل رضاع الكبير كرضاع الصغير مطلقًا؛ لِمَا لا يخلو عنه كلّ واحدة من هاتين الطريقتين من التعسّف.
ويؤيّد هذا أن سؤال سهلة امرأة أبي حذيفة كان بعد نزول آية الحجاب، وهي مصرّحة بعدم جواز إبداء الزينة لغير من في الآية، فلا يُخصّ منها غير من استثناه الله تعالى، إلا بدليل، كقضيّة سالم، وما كان مماثلًا لها في تلك العلّة التي هي الحاجة إلى رفع الحجاب، من غير أن يقيّد ذلك بحاجة مخصوصة من الحاجات المقتضية لرفع الحجاب، ولا بشخص من الأشخاص، ولا بمقدار من عمر الرضيع معلوم، وقد ثبت في حديث سهلة أنها قالت للنبيّ - ﷺ -: "إن سالمًا ذو لحية، فقال: "أرضعيه". انتهى كلام الشوكانيّ - ﵀ - (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن هذا القول الثالث المفصِّل كما ذهب إليه ابن تيميّة، ورجحه الشوكانيّ - رحمهما الله تعالى - هو الأرجح؛ إذ به يحصل التوفيق بين الأدلة، وحاصله أن رضاع الكبير محرّمٌ، إذا كانت هناك حاجة مثل حاجة سهلة، وسالم، حيث إنه لا يستغني عن دخوله عليها، ويشقّ
_________________
(١) "نيل الأوطار" ٦/ ٣٣٢ - ٣٣٣.
(٢) "نيل الأوطار" ٦/ ٣٣٣ - ٣٣٤.
[ ٢٥ / ٦٦٠ ]
عليها الاحتجاب عنه، فإذا رضع منها خمس رضعات، كما أمر - ﷺ - سهلة بأن تُرْضع سالمًا خمس رضعات ثبت التحريم.
قال العلامة ابن القيّم - ﵀ -: حديث سهلة ليس بمنسوخ، ولا مخصوص، ولا عامّ في حق كل أحد، وإنما هو رخصة للحاجة، لمن لا يَستغني عن دخوله على المرأة، ويَشُقّ احتجابها عنه، كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أَثَّرَ رضاعه، وأما من عداه فلا يؤثر إلا رضاع الصغير، وهذا مسلك شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -، والأحاديث النافية للرضاع في الكبير إما مطلقة، فتُقَيَّد بحديث سهلة، أو عامّة في الأحوال، فتخصيص هذه الحال من عمومها، وهذا أولى من النسخ، ودعوى التخصيص بشخص بعينه، وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين، وقواعد الشرع تشهد له. انتهى كلام ابن القيّم - ﵀ -، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): اختلف القائلون بعدم تحريم رضاع الكبير في السنّ الذي يختصّ التحريم بالإرضاع فيه على أقوال:
(القول الأوّل): أنه حولان على طريق التحديد من غير زيادة، فمتى وقع الرضاع بعدهما، ولو بلحظة لم يترتّب عليه حكم، وهذا مذهب الشافعيّ، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وإسحاق بن راهويه، وأبي عُبيد، وأبي ثور، وحكاه ابن عبد البرّ عن الحسن بن حيّ، وحكاه ابن حزم عن ابن شُبْرُمة، وسفيان الثوريّ، وداود، وأصحابهم، وحكاه ابن عبد البرّ عن داود أيضًا، وهذا يُخالف نقل النوويّ عن داود، قال ابن حزم: ورواه ابن وهب، عن مالك، ثم رجع عنه.
واحتجّ هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣]. وبقوله - ﷺ -: "إنما الرضاعة من المجاعة (^٢) "،
_________________
(١) "زاد المعاد" ٥/ ٥٩٣.
(٢) أي إن الرضاعة التي تحصل بها الحرمة ما كانت في الصغر، والرضيع طفلٌ يقوته اللبن، ويسُدّ جوعه، بخلاف ما بعد ذلك من الحال التي لا يشبعه فيها إلا الخبز واللحم، وما في معناهما، قاله في "طرح التثريب" ٧/ ١٣٦.
[ ٢٥ / ٦٦١ ]
متّفقٌ عليه، قال ابن عبد البرّ: وهو خلاف رواية أهل المدينة عن عائشة - ﵂ -، ولكن العمل بالأمصار على هذا. انتهى.
وبما رواه الترمذيّ، والنسائيّ، عن أم سلمة - ﵂ -، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يُحَرِّم من الرضاع إلا ما فَتَقَ الأمعاء (^١)، من الثدي، وكان قبل الفطام"، قال الترمذيّ: حسنٌ صحيح.
وروى الدارقطنيّ من طريق الهيثم بن جَمِيل، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عبّاس - ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين"، قال الدارقطنيّ: لم يسنده، عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ. انتهى، وهذا الحديث نصّ في هذه المسألة، قاله وليّ الدين (^٢).
(القول الثاني): أنه يُعتبر حكمه، ولو كان بعد الحولين بمدّة قريبة، وهو مستمرّ الرضاع، أو بعد يومين من فصاله، وهذا هو المشهور من مذهب مالك، وفي القريبة عندهم أقوالٌ: قيل: أيام يسيرة، وقيل: شهرٌ، وقيل: شهران، وقيل: ثلاثة، قال أبو العباس القرطبيّ: وكان مالكًا - ﵀ - يشير إلى أنه لا يفطم الصبيّ دفعة واحدة في يوم واحد، بل في أيام، وعلى تدريج، فتلك الأيام التي يحاول فيها فطامه حكمها حكم الحولين؛ لقضاء العادة بمعاودته الرضاع فيها.
(القول الثالث): تقدير ذلك بسنتين ونصف، وهو قول أبي حنيفة، وجعل قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] دالًّا على تقدير كلّ من الحمل، والفصال بذلك كالأجل المضروب للمدتين، وقال صاحباه، والشافعيّ: هذه المدّة للمجموع، وقد دلّ قوله تعالى: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ على حصّة الفصال من ذلك، فصارت بقيّة المدّة، وهي ستة أشهر للحمل، وهي أقلّه، مع أن أبا حنيفة لا يقول: أكثر الحمل سنتان ونصفٌ، وإنما يقول: إنه سنتان.
_________________
(١) قوله: "فَتَقَ الأمعاء" بالفاء، والتاء: أي وسّعها؛ لاغتذاء الصبيّ به وقت احتياجه إليه.
(٢) "طرح التثريب" ٧/ ١٣٦ - ١٣٧.
[ ٢٥ / ٦٦٢ ]
(القول الرابع): تقديره بثلاث سنين، وهذا قول زُفَر، كذا أطلق النقل عنه غير واحد، منهم صاحب "الهداية"، وقيّد ابن عبد البرّ عنه بأن يجتزئ باللبن، ولا يطعم.
(القول الخامس): أنه إن فَطَمَ قبل الحولين فما رضع بعده لا يكون رضاعًا، ولو أرضع ثلاث سنين لم يفطم كان رضاعًا، حكاه ابن عبد البرّ عن الأوزاعيّ، وحُكي أيضًا عن ابن القاسم أنه لو فطمته أمه قبل الحولين، واستغنى عن الرضاع، فأرضعته أجنبيّة قبل تمام الحولين لم يعد رضاعًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال كلّها للقائلين بعدم تحريم رضاع الكبير، وقد تقدّم ذلك في المسألة السابقة أن الأرجح أنه محرّم إذا كانت هناك حاجة مثل حاجة سالم مع سهلة، وكان خمس رضعات، كما أثبته الشارع لهما لشدّة حاجتهما، وأَمَر سهلة أن تُرضعه خمس رضعات، وأما إذا لم توجد حاجة شديدة فقول من حدّده بحولين أرجح؛ لوضوح أدّلته. فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٠١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، جَمِيعًا عَن الثَّقَفِيِّ، قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَن الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، كَانَ مَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ وَأَهْلِهِ، فِي بَيْتِهِمْ، فَأَتَتْ - تَعْنِي ابْنَةَ سُهَيْلٍ (^١) - النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: إِنَّ سَالِمًا قَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ، وَعَقَلَ مَا عَقَلُوا، وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْنَا، وَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: "أَرْضِعِيهِ، تَحْرُمِي عَلَيْهِ، وَيَذْهَبِ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ"، فَرَجَعَتْ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُهُ، فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ).
_________________
(١) وفي نسخة: "تعني: سهلة بنت سُهيل".
[ ٢٥ / ٦٦٣ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والبابين قبله، و"إسحاق بن إبراهيم الْحَنْظليّ" هو: ابن راهويه، و"ابن أبي عمر" هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، و"عبد الوهّاب الثقفيّ" هو: ابن عبد المجيد، و"أيوب" هو: السختيانيّ، و"ابن أبي مُليكة" هو: عبد الله بن عُبيد الله بن أبي مُليكة زُهير بن عبد الله، و"القاسم" هو: ابن محمد بن أبي بكر الصدّيق.
وقوله: (تَعْنِي ابْنَةَ سُهَيْلٍ) وفي بعض النسخ: "تعني سهلة بنت سُهيل"، العناية من بعض الرواة.
وقوله: (تَحْرُمِي عَلَيْهِ) بالجزم على أنه جواب الأمر، أي تصيري حرامًا عليه بذلك الرضاع.
وقوله: (وَيَذْهَبِ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ) و"يذهب" بالجزم عطفًا على "تحرمي"، وكُسرت الباء لالتقاء الساكنين، يعني يذهب بسبب إرضاعك له ما وقع في نفس أبي حذيفة من الغيرة.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى البحث فيه مستوفًى في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٠٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَهُ، أَن عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، جَاءَت النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ سَالِمًا - لِسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ - مَعَنَا، فِي بَيْتِنَا، وَقَدْ بَلَغَ مَا يَبْلُغُ الرِّجَالُ، وَعَلِمَ مَا يَعْلَمُ الرِّجَالُ، قَالَ: "أَرْضِعِيهِ، تَحْرُمِي عَلَيْهِ". قَالَ: فَمَكَثْتُ سَنَةً، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، لَا أُحَدِّثُ بِهِ، وَهِبْتُهُ (^١)، ثُمَّ لَقِيتُ الْقَاسِمَ، فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ حَدَّثْتَنِي حَدِيثًا مَا حَدَّثْتُهُ بَعْدُ، قَالَ: فَمَا هُوَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَحَدِّثْهُ عَنِّي، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْنِيهِ).
_________________
(١) وفي نسخة: "رَهِبْتُهُ".
[ ٢٥ / ٦٦٤ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَالَ: فَمَكَثْتُ سَنَةً) من باب قتل: أي أقمت، وتَلَبَّثتُ، والقائل هو ابن أبي مليكة.
وقوله: (لَا أُحَدِّثُ بِهِ) أي بهذا الحديث، والظاهر أن سبب عدم تحديث ابن أبي مليكة به، ومكثه سنةً، أو قريبًا منه، خوفه أن لا يُقبَل منه؛ لكون أكثر أهل العلم على خلافه، حيث إنهم لا يرون تحريم رضاع الكبير، ثم لما لقي القاسم حثّه على التحديث به، وعدم الخوف منه؛ لثبوته عن النبيّ - ﷺ -، فإنه إذا ثبت الحديث عنه، وجب نشره، والعمل به، دون أن يُلتَفَتَ إلى عدم عمل الأكثرين به؛ لأن السنة إذا ثبتت فإنها حاكمة، وليست محكومًا عليها، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَهِبْتُهُ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في بعض النسخ: "وَهِبْته" من الهيبة، وهي الإجلال، وفي بعضها: "رَهِبته" بالراء، من الرهبة، وهي الخوف، وهي بكسر الهاء، وإسكان الباء، وضم التاء، وضبطه القاضي، وبعضهم: "رَهْبَتَهُ" بإسكان الهاء، وفتح الباء، ونصب التاء، قال القاضي: هو منصوب بإسقاط حرف الجر، والضبط الأول أحسن، وهو الموافق للنُّسخ الأُخر: "وَهِبْتُهُ" بالواو. انتهى (^١).
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٠٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٣٢.
[ ٢٥ / ٦٦٥ ]
لِعَائِشَةَ: إِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ الْغُلَامُ الْأَيْفَعُ الَّذِي مَا أُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ، قَالَ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَمَا لَكِ فِي رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أُسْوَةٌ؟، قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ سَالِمًا يَدْخُلُ عَلَيَّ، وَهُوَ رَجُلٌ، وَفِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَرْضِعِيهِ، حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر، تقدم قريبًا.
٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ) الأنصاريّ، أبو أفلح المدنيّ، مولى صفوان بن أوس، ويقال: ابن خالد الأنصاريّ، ويقال: مولى أبي أيوب، قال البخاريّ: يقال له: حميد صُفَيرا (^١)، ثقة [٣].
رَوَى عن أبي أيوب، وعبد الله بن عمرو، وزينب بنت أبي سلمة، وغيرهم.
وروى عنه ابنه أفلح، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وبكير بن الأشجّ، وأيوب بن موسى القرشيّ، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم، وشعبة، وغيرهم.
وقال النسائيّ: حميد بن نافع ثقةٌ، ووثَّقه أبو حاتم، وذكره ابن حبّان في "الثقات".
وفرّق ابن المديني بين حميد بن نافع الذي يروي عن زينب بنت أم سلمة، وبين الذي يروي عن أبي أيوب، وعبد الله بن عمرو، وجعلهما أبو حاتم واحدًا، ورجح البخاري قول ابن المدينيّ، وذكر أن الأول قول شعبة، وكذا أشار مسلم إلى ترجيح ذلك في "الطبقات"، وتبعهما ابن حبان في "الثقات" في التابعين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (١٤٥٣) وأعاده بعده و(١٤٨٦) وكرّره ثلاث مرّات، و(١٤٨٧)، و(١٤٨٨)، و(١٤٨٩).
_________________
(١) الصواب بالفاء، لا بِالغين المعجمة.
[ ٢٥ / ٦٦٦ ]
٤ - (زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ) - ﵂ -، تقدّمت قبل بابين.
والباقيان ذُكرا في الباب، وقبله.
وقولها: (الْغُلَامُ الْأَيْفَعُ) بالياء المثناة من تحتُ، وبالفاء، وهو الذي قارب البلوغ، ولم يبلغ، وجمعه أيفاع، وقد أيفع الغلام، ويَفَعَ، وهو يافع، قاله النوويّ - ﵀ - (^١).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: الْيَفَاعُ، مثلُ سَلَامٍ: ما ارتفع من الأرض، وأيفع الغلامُ: شَبّ، وَيفَعَ يَيْفَعُ بفتحتين يُفُوعًا، فهو يافع، ولم يُستَعمل اسم الفاعل من الرباعيّ، وغُلامٌ يَفَعَةٌ، وزانُ قصَبَة، مثل يافع، ويُطلق على الجمع، وربّما جُمِع على أيفاع. انتهى (^٢).
وقال ابن الأثير - ﵀ -: أَيْفَعَ الغلامُ، فهو يافع: إذا شارف الاحتلامَ، ولَمّا يحتلم، وهو من نوادر الأبنية، وغلام يافع، ويَفَعَةٌ، فمن قال: يافع ثَنَّى، وجَمَعَ، ومن قال: يَفَعَةٌ لم يُثَنِّ، ولم يَجْمَع (^٣).
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٠٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَني مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ نَافِعٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - تَقُولُ لِعَائِشَةَ: وَاللهِ مَا تَطِيبُ نَفْسِي أَنْ يَرَانِي الْغُلَامُ، قَدْ اسْتَغْنَى عَن الرَّضَاعَةِ، فَقَالَتْ: لِمَ؟ قَدْ جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَأَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "أَرْضِعِيهِ"، فَقَالَتْ: إِنَّهُ ذُو لِحْيَةٍ، فَقَالَ: "أَرْضِعِيهِ، يَذْهَبْ مَا فِي
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٣٣.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٨١.
(٣) "النهاية في غريب الأثر" ٥/ ٢٩٨.
[ ٢٥ / ٦٦٧ ]
وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ"، فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا عَرَفْتُهُ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) تقدّم قريبًا.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ) تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (أَبُوهُ) بُكير بن عبد الله بن الأشجّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (يَذْهَبْ مَا فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ) بجزم "يَذْهَبْ" على أنه جواب الأمر، يعني أنه إذا عَلِم أبو حُذيفة أنه قد حُكِم له بحكم ذوي المحارم، وقد رُفع عنه ما كان يخافه من الحرج والمأثم لم يبق له كراهية، ولا نفَرة تغيّر وجهه، وكذلك كان.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام البحث فيه قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٠٥] (١٤٥٤) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ، أَنَّ أُمَّهُ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - كَانَتْ تَقُولُ: أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَ أَحَدًا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللهِ مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخْصَةً أَرْخَصَهَا (^١) رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِسَالِمٍ خَاصَّةً، فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ، وَلَا رَائِينَا).
_________________
(١) وفي نسخة: "رَخَّصَهَا".
[ ٢٥ / ٦٦٨ ]
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ) بن الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصيّ القرشيّ الأسديّ، صدوقٌ (^١) [٣].
رَوَى عن أبيه، وأمه زينب بنت أبي سلمة، وجدّته أم سلمة زوج النبيّ - ﷺ -، وأم قيس بنت مِحْصن، وحمزة بن عبد الله بن عمر.
وروى عنه ابنه رُكَيح، وموسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة، والأعرج بن عبد الله بن زياد، والزهريّ، ومحمد بن إسحاق.
قال أبو زرعة: لا أعرف أحدًا سماه.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
والباقون تقدّموا، فمن عبد الملك إلى ابن شهاب تقدّموا قبل بابين، والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ (أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - كَانَتْ تَقُولُ: أَبَى) قال الفيّوميّ - ﵀ -: أَبَى الرجل يَأْبَى إِبَاءً - بالكسر، والمدّ - وإباءةً: امتنع، فهو آبٍ، وأَبِيّ على فاعل وفَعِيلٍ، وتأبّى مثلُهُ، وبناؤه شاذّ؛ لأن فَعَلَ يَفْعَلُ - بفتحتين - يكون حلقيّ العين، أو اللام، ولم يأت من حَلقيّ الفاء إلا أبَى يأبَى، وعَضَّ يَعَضّ في لغة، وأَثَّ الشعرُ يَأَثَّ: إذا كثُر، والْتَفَّ، وربّما جاء في غير ذلك، قالوا: وَدَّ يَوَدُّ في لغة، وأما لغة طيّئ في باب نَسِيَ يَنْسَى: إذا قَلَبُوا، وقالوا: نَسَى ينسَى، فهو تخفيف. انتهى (^٢).
وذكر بعضهم أن ابنَ سِيدَهْ حَكَى عن قوم: أَبِيَ يَأْبَى - أي من باب عَلِمَ - كنَسِيَ يَنْسَى. وحكى ابن جنّي، وصاحب "القاموس": أَبَى يَأْبِي، كضرب يَضرب، فعلى هذا يجوز أن يكون أَبَى يَأْبَى - بالفتح فيهما - من باب تداخل
_________________
(١) قال في "التقريب": مقبول، وما هنا أولى؛ لأنه روى عنه جماعة، وأخرج له مسلم هنا، ولم يجرحه أحدٌ، فهو صدوقٌ، والله تعالى أعلم.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٣.
[ ٢٥ / ٦٦٩ ]
اللغتين، أي أن المتكلّم بالفتح فيهما أخذ الماضي من لغة، والمضارع من لغة. انتهى (^١).
والمعنى هنا: امتنع (سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أي باقي أزواجه - ﷺ - رضي الله تعالى عنهنّ، غير عائشة - ﵂ -، فإنها كانت تعَمِّمُ الحكم كل من رضع كبيرًا، ولا تخصّه بسالم (أَنْ يُدْخِلْنَ) بضمّ أوله، من الإدخال (عَلَيْهِنَّ أَحَدًا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ) زاد في رواية أبي داود: "حتى يَرْضَعَ في المهد" (وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ: وَاللهِ مَا نَرَى) بضم النون: أي نَظُنُّ، أو بفتحها: أي نعتقد (هَذَا) أي إرضاع سهلة لسالم، مع كبره (إِلَّا رُخْصَةً) أي تيسيرًا (أَرْخَصَهَا) وفي نسخة: "رَخّصها" (رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِسَالِمٍ خَاصَّةً، فَمَا هُوَ) "ما" نافية عاملة عمل "ليس"، و"هو" ضمير الشأن اسمها (بِدَاخِلٍ) الباء زائدة في خبر "ما"، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "مَا" و"لَيْسَ" جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ … وَبَعْدَ "لَا" وَنَفِيِ "كَانَ" قَدْ يُجَرْ
(عَلَيْنَا) متعلّق بـ "داخل"، قوله: (أَحَدٌ) مرفوع على الفاعليّة لـ "داخل" (بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ) أي التي حصلت في الكبر (وَلَا رَائِينَا) معطوف على "داخل"، أي ولا نُجيز أن يرانا.
قال الزرقانيّ: أي لأنها قضيّة عين، لم تأت في غيره، واحتفّت بها قرينة التبنّي، وصفات لا توجد في غيره، فلا يُقاس عليه، قال المازريّ: ولها أن تُجيب بأنه ورد متأخّرًا، فهو ناسخ لما عداه، مع ما لأمهات المؤمنين من شدّة الحكم في الحجاب، والتغليظ فيه، قال الزرقاني: كذا قال، وفيه نظرٌ لا يخفى (^٢).
وقال السنديّ - ﵀ - في "شرح النسائيّ": ولو كان الأمر إلينا لقلنا بثبوت ذلك الحكم في الكبير، عند الضرورة، كما في الْمَوْرِدِ، وأما القول بالثبوت مطلقًا كما تقول عائشة - ﵂ - فبعيدٌ، ودعوى الخصوصيّة لا بدّ من إثباتها. انتهى (^٣).
_________________
(١) من هامش "المصباح" ١/ ٣.
(٢) "شرح الزرقانيّ على الموطّأ" ٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
(٣) "شرح السنديّ على النسائيّ" ٦/ ١٠٧.
[ ٢٥ / ٦٧٠ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله السنديّ: حسنٌ جدًّا، وقد تقدّم تحقيقه.
والحاصل أن الأرجح أن هذا الحكم لا يخُصّ سالمًا، بل هو رخصة لكلّ من كان على مثل حال سالم من الضرورة، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة - ﵂ - هذا موقوفٌ، وهو من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٣٦٠٥] (١٤٥٤)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٦/ ١٠٦) و"الكبرى" (٣/ ٣٠٤)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٩٤٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣١٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٢٢ - ١٢٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٢٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٤٦٠) و"المعرفة" (٦/ ٩٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.