وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أول الكتاب قال:
[٣٧٩٤] (١٥١٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبيِ هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا، فَيَشْتَرِيَهُ، فَيُعْتِقَهُ"، وَهي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: "وَلَدٌ وَالِدَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، والبابين قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يَجْزِي) بفتح أوله، من الجزاء الذي هو بمعنى المجازاة؛ أي: لا يكافئ (وَلَدٌ وَالِدًا) أي: إحسان والد، يعني أنه لا يقوم بما له عليه من الحقوق حتى يفعل معه ذلك (إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ) أي: يصادفه (مَمْلُوكًا) منصوب على الحال من المفعول (فَيَشْتَرِيَهُ، فَيُعْتِقَهُ") بضمّ أوله، من الإعتاق رباعيًّا، وظاهره أنه لا يَعتِق عليه بمجرد الملك، بل حتى يعتقه هو، وإليه ذهب أهل الظاهر، وقالوا: لا يَعتق أحدٌ من القرابة بنفس الملك، ولا يلزم ذلك فيهم، بل إن أراد أن يُعتق فحسن، وخالفهم في ذلك جمهور علماء الأمصار، غير أنهم في تفصيل ذلك مختلفون،
[ ٢٦ / ٥٨٨ ]
وسيأتي تفصيل مذاهبهم في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
وقال في "المرقاة": قال القاضي - ﵀ -: ذهب بعض أهل الظاهر إلى أن الأب لا يَعتق على ولده إذا تملّكه، وإلا لم يصح ترتيب الإعتاق على الشراء، والجمهور على أنه يَعتق بمجرد التملك من غير أن يُنشئ فيه عتقًا، وأن قوله: "فيُعتقه" معناه: فيعتقه بالشراء، لا بإنشاء عتق، والترتيب باعتبار الحكم دون الإنشاء، وفي "شرح السنة" قالوا: إذا اشترى الرجل أحدًا من آبائه، وأمهاته، أو أحدًا من أولاده، وأولاد أولاده، أو ملكه بسبب آخر يَعتِق عليه، من غير أن ينشئ فيه عتقًا.
قال المظهر: فعلى هذا الفاء في "فيُعتقه" للسببية، يعني فيعتقه بسبب شرائه، ولا يحتاج إلى قوله: أعتقتك بعد الشراء، بل عَتَق بنفس الشراء، ومن ذهب أنه لا يَعتق بسبب الشراء، يجعل الفاء في "فيعتقه" للتعقيب، لا للسببية، وإذا صحّ الشراء أثبت الملك، والملك يفيد التصرف.
قال الطيبيّ - ﵀ -: هذا وأمثاله مما لا يَشفي الغليل؛ لأن الأبوة تقتضي المالكية، كما سبق في حديث عمرو بن شعيب: "أنت ومالك لوالدك"، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، والشراء من مقدمات الملك، والعتق من مقتضياته، كما تقرر في علم الأصول أن من قال: أعتق عبدك عني يقتضي تمليكه إياه، ثم إعتاقه عنه، فالجمع بينهما جمع بين المتنافيين، فالحديث من باب التعليق بالمحال؛ للمبالغة، والمعنى لا يَجزي ولد والده، إلا أن يملكه، فيُعتقه، وهو محال، فالمجازاة محال، كما في قوله تعالى - ﷻ -: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه، فلا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه، وسدّ الطريق إلى إباحته، كما يُعَلَّق بالمحال، ويجوز أن تكون الفاء كما في قوله تعالى جل شانه: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] إذا جُعِلت التوبةُ نفسَ القتل. انتهى (^١).
وقوله: (وَفي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: "وَلَدٌ وَالِدَهُ") أشار به إلى بيان
_________________
(١) "مرقاة المفاتيح" ٦/ ٥١٠.
[ ٢٦ / ٥٨٩ ]
اختلاف شيخيه: ابن أبي شيبة، وزهير، فقال زهير: "لا يَجزي ولدٌ والدًا"، وقال ابن أبي شيبة: "لا يجزي ولدٌ والده"، بضمير الوليد، ولا فرق بينهما من حيث المعنى، وإنما هذا من ورع المصنّف - ﵀ - وشدة احتياطه في مراعاة ألفاظ شيوخه، والعناية بأدائها، كما سمعها؛ أداء للأمانة العلميّة، وإحرازًا لفضل ما ورد عن النبيّ - ﷺ -: "نضّر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فحفظه حتى يبلّغه غيره … " الحديث، وهو حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ، وغيره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧/ ٣٧٩٤ و٣٧٩٥] (١٥١٠)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (١٠)، و(أبو داود) في "الأدب" (٥١٣٧)، و(الترمذيّ) في "البرّ" (١٩٠٦)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٧٣)، و(ابن ماجه) في "الأَدب" (٣٦٥٩)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤٠٥)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٥٣٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٠ و٢٦٣ و٣٧٦ و٤٤٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٩٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٢٤)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٢٤٤)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٣/ ٢٨١ و٦/ ٢٧٢ و٨/ ٢٦٠ و٢٨٤)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٣/ ١٠٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٢٨٩) و"الصغرى" (٩/ ٢٩٥) و"المعرفة" (٧/ ٥٠٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٤٢٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم من ملك والديه، أو أقاربه:
قال النوويّ - ﵀ -: اختلفوا في عتق الأقارب إذا مُلِكوا، فقال أهل الظاهر: لا يَعتق أحدٌ منهم بمجرد الملك، سواء الوالد والولد، وغيرهما، بل لا بدّ من إنشاء عتق، واحتجوا بمفهوم هذا الحديث، وقال جماهير العلماء: يَحصل العتق في الآباء، والأمهات، والأجداد، والجدات، وإن عَلَوا،
[ ٢٦ / ٥٩٠ ]
وعَلَوْنَ، وفي الأبناء، والبنات، وأولادهم، الذكور، والإناث، وإن سَفَلُوا، بمجرد الملك، سواء المسلم والكافر، والقريب والبعيد، والوارث وغيره، ومختصره أنه يَعتق عمود النسب بكل حال، واختلفوا فيما وراء عمودي النسب، فقال الشافعيّ وأصحابه: لا يَعتق غيرهما بالملك، لا الإخوة، ولا غيرهم.
وقال مالك: يَعتق الإخوة أيضًا، وعنه رواية: أنه يَعتق جميع ذوي الأرحام المحرّمة، ورواية ثالثة كمذهب الشافعيّ.
وقال أبو حنيفة: يعتق جميع ذوي الأرحام المحرّمة.
وتأويل الجمهور الحديث المذكور على أنه لما تسبب في شراء الذي يترتب عليه عتقه أضيف العتق إليه، والله أعلم. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: ذهب مالك فيما حكاه ابن خوازمنداد إلى أن الذي يَعتق بالملك عمودا النسب علوًّا وسفلًا خاصة، وبه قال الشافعيّ، ومشهور مذهب مالك عمودا النسب، والجناحان، وهما الإخوة، وذكر ابن القصَّار عن مالك: ذوو الأرحام المحرمة، وبه قال أبو حنيفة.
ومتعلق الظاهرية من الحديث ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى قد أوجب علينا الإحسان للأبوين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، فقد سوَّى بين عبادته وبين الإحسان للأبوين في الوجوب، وليس من الإحسان أن يبقى والده في ملكه، فإذًا يجب عتقه، إما لأجل الملك؛ عملًا بالحديث، أو لأجل الإحسان؛ عملًا بالآية، والظاهرية لجهلهم بمقاصد الشرع تركوا العمل بكل واحد منهما للتمسك بظاهرٍ لم يحيطوا بمعناه.
ومعنى الحديث عند الجمهور: أنَّ الولد لَمَّا تسبب إلى عتق أبيه باشترائه إيَّاه: نسب الشرع العتق إليه نسبة الإيقاع منه، ودل على صحة هذا التأويل فهم معنى الحديث والتنزيل.
وأما اختلاف العلماء فيمن يعتق بالملك، فوجه القول الأول والثاني:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٥٣.
[ ٢٦ / ٥٩١ ]
إلحاق القرابة القريبة المحرمة بالأب المنصوص عليه في الحديث، ولا أقرب للرجل من أبيه؛ فيحمل على الأب، والأخ يقاربه في ذلك؛ لأنه يُدْلِي بالأبوَّة، فإنه يقول: أنا ابن أبيه.
وأما القول الثالث: فمتعلقه الحديث الثابت في ذلك؛ الذي خرَّجه أبو داود، والترمذيّ من طرق متعددة، وأحسن طرقه: ما خرَّجه النسائيّ في كتابه من حديث ضمرة، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مَن مَلَك ذا رَحِم محرم، فقد عتق".
قال القرطبيّ: وهذا الحديث ثابت بنقل العدل عن العدل، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بعلة توجب تركه، غير أن بعضهم قال: تفرد به ضمرة، وهذا لا يُلتفت إليه؛ لأن ضمرة عدل، ثقة، وانفراد الثقة بالحديث لا يضره على ما مهَّدناه في الأصول، فلا ينبني أن يعدل عن هذا الحديث، بل: يجب العمل به لصحته سندًا، ولشهادة الكتاب له معنى، وذلك: أن الله - ﷿ - قد قال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦]، وليس من الإحسان إلى الأبوين، ولا للقرابة استرقاقهم، فإن نفس الاسترقاق، وبقاء اليد على المسترق إذلال له وإهانة، ولذلك فسخنا على النصرانيّ شراءه للمسلم على رواية، ولم نُبق ملكه عليه في الأخرى، وإذا ثبت أن بقاء الملك إذلال، وإهانة؛ وجبت إزالته ورفعه عن الآباء والقرابة؛ لأنه نقيض الإحسان؛ الذي أمر الله به.
فإن قيل: فهذا يلزم في القرابات كلّهم وإن بَعُدوا؛ قلنا: هذا يلزم من مطلق القرآن، لكن النبيّ - ﷺ - قد خصَّ بعض القرابات بقوله: "من ملك ذا رحم محرم"، فوصفه بالمحرمية، فمن ليس كذلك لا تتضمنه الآية، ولا الحديث، والله أعلم.
قال: ثم حيث قلنا بوجوب العتق، فهل بنفس الملك، أو يوقف ذلك على حكم الحاكم؟ قولان عندنا، والأول أولى؛ لظاهر الحديث، ولأنه قد جاء من حديث الحسن عن سمرة: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر"، وهذا اللفظ يكاد أن يكون نصًّا في الفرض، ولأن بقاء الأب تحت يد الملك إلى أن ينظر الحاكم؛ فيه إذلال يناقض الإحسان المأمور به، فيجب وقوع العتق مقارنًا للملك، وإنما صار إلى إبقائه على الحكم في القول الثاني للاختلاف الذي في أصل المسألة.
[ ٢٦ / ٥٩٢ ]
قال بعض الأصحاب: فإذا حكم الحاكم بذلك وجب التنفيذ، وارتفع الخلاف.
وهذا ليس بشيء؛ لأنه يلزم منه إيقاف مقتضيات الأدلة على نظر الحكَّام وحكمهم، وهذا باطل بالإجماع، ولأنه ترك للدليل لما ليس بدليل، فإن حكم الحاكم ليس بدليل، بل الذي يستند إليه حكمه هو الدليل، فإن اقتضى دليله وجوب العتق بنفس الملك؛ فقد حصل المطلوب، وإن اقتضى دليله إيقاف العتق على الحكم؛ فإما إلى حكمه، وهو دَوْرٌ، وإمَّا إلى حكم غيره ويتسلسل. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الأرجح هو ما ذهب إليه القائلون بوقوع العتق بنفس الملك، ولا يحتاج إلى أن يُعتق باللفظ؛ لصحّة حديث: "من ملك ذا رحم محرم فهو حرّ"، وفي لفظ: "فقد عتق"، رواه أحمد، وأصحاب السنن، وهو حديث صحيح.
والحاصل أن الحقّ أن من ملك والديه، أو ذوي أرحامه المحرّمة يَعتقون عليه بنفس ملكه، ولا يحتاج إلى إنشاء العتق باللفظ؛ لما ذُكر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٧٩٥] (…) - (وَحَدثنَاهُ أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالُوا: "وَلَدُ وَالِدَهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أبُو أَحْمَدَ الزبَيْرِيُّ) محمد بن عبد الله بن الزبير الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٤.
والباقون تقدّموا قريبًا، و"سفيان" هو: الثوريّ.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٤٤ - ٣٤٦.
[ ٢٦ / ٥٩٣ ]
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن سهيل هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" ٣/ ٢٤٤ فقال:
(٤٨٣٢) - حدّثنا الحسن بن أبي الربيع، قثنا عبد الرزاق، قال: أنبا الثوري (ح) وحدّثنا أبو العباس الغزيّ، قثنا الفريابي (ح) وحدّثنا أبو أمية، قثنا يعلى بن عبيد قالا: ثنا سفيان الثوريّ، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يَجزي ولد والده، إلا أن يجده مملوكًا، فيشتريه، فيعتقه". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
* * *
[ ٢٦ / ٥٩٤ ]