وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٣١] (١٥٢٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، وَقُتَيْبَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ"، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زيدِ) بن درهم، أبو إسماعيل البصريّ، ثقة ثبث فقية [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتكِي) سليمان بن داود الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٤ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمَحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقة ثبتٌ [٤] (٢٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
[ ٢٧ / ٥ ]
٦ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحَمْيَريّ مولاهم، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ فقية فاضل [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر - ﵄ - المتوفّى سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ فرق بينهم بالتحويل؛ لاختلاف صيغتي الأداء، حيث قال يحيى: "حدثنا حماد بن زيد"، فنسبه إلى أبيه، وقال أبو الربيع، وقتيبة: "حدثنا حماد" فأهملاه.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو، عن طاوس.
٣ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتوى من الصحابة - ﵃ -.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ)؛ أي: اشترى، و"من" شرطيّة جوابها "فلا يبعه" (طَعَامًا) بالفتح: اسم لما يؤكل، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وإذا أطلق أهل الحجاز الطعام عَنَوا به البُرّ خاصّةً، وفي العرف: الطعام: اسم لما يؤكل، مثلُ الشراب: اسم لما يُشرب، وجمعه أَطْعِمةٌ. انتهى (^١). (فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ") وفي الرواية الآتية: "حتى يقبضه"، وفيها زيادة معنًى؛ لأنه قد يستوفيه بالكيل بأن يكيله البائع، ولا يُقبِضه للمشتري، بل يَحبسه عنده لينقُده الثمن مثلًا، ويُستفاد منه أنه لو استوفى المبيع المفصول من البائع، وأبقاه في منزل البائع، لا يكون قبضًا شرعيًّا حتى ينقله المشتري إلى مكان لا اختصاص للبائع به، كما نُقل عن الشافعيّ - ﵀ -، أفاده في "الفتح" (^٢).
وقال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: قوله: "حتى يستوفيه"، وقوله: "حتى يقبضه" بمعنى واحد، فإن الاستيفاء هو القبض، كما دلّت عليه الرواية
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٣٧٣.
(٢) "الفتح" ٥/ ٥٩٩.
[ ٢٧ / ٦ ]
الأخرى، والقبض في المنقولات يكون بالنقل، والمراد بالنقل تحويله إلى مكان، لا يختصّ بالبائع، أو يختصّ بالبائع بإذنه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ولي الدين - ﵀ - من أن الاستيفاء والقبض بمعنى واحد أظهر مما سبق في عبارة "الفتح" من الفرق بينهما، فتأمله، والله تعالى أعلم.
(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (وَأَحْسِبُ) بكسر السين المهملة، وفتحها، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وحَسِبتُ زيدًا قائمًا أَحْسَبُهُ، من باب تَعِبَ في لغة جميع العرب، إلا بني كنانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا، على غير قياس، حِسْبانًا، بمعنى ظننت. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: حَسِب بمعنى ظَنّ من الأفعال التي سُمع فتح عينها على القياس، وكسرها على الشذوذ، وقد ذكرها ابن مالك في "لاميّته" حيث قال:
وَجْهَانِ فِيهِ مِنِ احْسِبْ مَعْ وَغِرْتَ وَحِرْ … تَ انْعِمْ بَئِسْتَ يَئستَ إِوْلِهْ يَبِسْ وَهِلَا
وَفِقْتَ مَعْ وَرِيَ الْمُخُّ احْوِهَا …
وزاد الشارح محمد بن عمر اليمنيّ - ﵀ - عليها، فقال:
وَمِثْلُ يَحْسَبُ ذِي الْوَجْهَيْنِ مِنْ فَعِلَا … يَلِغْ يَبِقْ تَحِمُ الْحُبْلَى اشْتَهَتْ أُكُلَا
(كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ) بنصب "كلَّ" على أنه المفعول الأول لـ "أحسب"، و"مثله" هو المفعول الثاني.
ومعنى كلام ابن عبّاس - ﵄ - هذا: أن الحديث، وإن نصّ على الطعام، إلا أن غير الطعام يُلحق به، وهذا من تفقّهه - ﵁ -، وقد مال ابن المنذر - ﵀ - إلى اختصاص ذلك بالطعام، واحتجّ باتفاقهم على أن من اشترى عبدًا، فاعتقه قبل قبضه أن عتقه جائزٌ، قال: فالبيع كذلك.
وتُعُقّب بالفارق، وهو تشوّف الشارع إلى العتق، وسيأتي ترجيح إطلاق المنع في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٥/ ١٥٥٥.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٣٤.
[ ٢٧ / ٧ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى: حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٣٨٣١ و٣٨٣٢ و٣٨٣٣ و٣٨٣٤] (١٥٢٥)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢١٣٢ و٢١٣٥)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٤٩٧)، و(الترمذيّ) في "البيوع" (١٢٩١)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٢٨٥) و"الكبرى" (٤/ ٣٦)، و(ابن ماجه) في "التجارات" (٢٢٢٧)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ١٤٢)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٦٠٢)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٤٢١١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٧٠ و٣٦٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٩٨٠)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٦٠٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠٨٧١ و١٠٨٧٢ و١٠٨٧٣ و١٠٨٧٤ و١٠٨٧٥ و١٠٨٧٦ و١٠٨٧٧ و١٠٨٧٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٨١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣١٢ - ٣١٣) و"المعرفة" (٤/ ٣٤٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٠٨٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في النهي عن بيع الطعام قبل القبض:
اختلفوا في هذه المسألة على سبعة أقوال:
(القول الأول): اختصاص ذلك بالمطعومات، كما هو مقتضى الحديث، فأما غيره، فيجوز بيعه قبل قبضه، وهذا مذهب مالك، وحَكَى عنه ابن عبد البرّ استثناء أمرين من المطعوم يجوز بيعهما قبل القبض:
[أحدهما]: الماء، وحكى ابن حزم عنه في الماء روايتين.
[الأمر الثاني]: الطعام المشترى جزافًا، فالمشهور من مذهب مالك جواز بيعه قبل القبض، وبه قال الأوزاعيّ، ثم قال: ولا أعلم أحدًا تابع مالكًا من جماعة فقهاء الأمصار على تفرقته بين ما اشتُري جِزافًا من الطعام، وبين ما اشتُري منه كيلًا إلا الأوزاعيّ، فإنه قال: من اشترى طعامًا جزافًا، فهلك قبل القبض فهو من المشتري، وإن اشتراه مكايلةً، فهو من البائع، وهو نصّ قول
[ ٢٧ / ٨ ]
مالك، وقد قال الأوزاعيّ: من اشترى ثمرة لم يجز له بيعها قبل القبض، وهذا تناقض، ثم استدلّ ابن عبد البرّ لمالك برواية القاسم، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ -: "نهى أن يبيع أحدٌ طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه"، قال: فقوله: "بكيل" دليل على أن ما خالفه بخلافه.
وتُعُقّب بان الروايات الآتية في نهي الَّذِين يبتاعون الطعام جزافًا عن بيعه حتى ينقلوه من مكانه صريحٌ في الرّدّ على من جوّز بيع الطعام قبل قبضه، إذا كان اشتراه جزافًا، والله تعالى أعلم.
(القول الثاني): اختصاص ذلك بالمطعوم، سواء اشتُري جزافًا، أو مقدّرًا بكيل، أو وزن، أو غيرهما، وبه قال بعض المالكيّة، وحكاه عن مالك، واختاره أبو بكر الوقار، وصححه أبو عمرو ابن الحاجب، وحكاه ابن عبد البرّ عن أحمد، وأبي ثور، قال: وهو الصحيح عندي؛ لثبوت الخبر بذلك، عن النبيّ - ﷺ -، وعمل أصحابه، وعليه جمهور أهل العلم، قال: وحجّتهم عموم قوله - ﷺ -: "من ابتاع طعامًا"، لم يقل: جزافًا، ولا كيلًا، بل ثبت عنه فيمن ابتاع طعامًا جزافًا أن لا يبيعه حتى ينقله، ويقبضه، قال: وضعّفوا الزيادة في قوله: "طعامًا بكيل".
(القول الثالث): اختصاص ذلك بما اشتُري مقدّرًا بكيل، أو وزن، أو ذرع، أو عدد، سواء كان مطعومًا، أم لا؟ فإن اشتُري بغير تقدير جاز بيعه قبل قبضه، وهذا هو المشهور عن أحمد، كما قال الشيخ مجد الدين ابن تيميّة في "المحرّر"، وقال ابن عبد البرّ: رُوي عن عثمان بن عفّان، وسعيد بن المسيّب، والحسن البصريّ، والحكم بن عُتيبة، وحمّاد بن أبي سُليمان، وبه قال إسحاق ابن راهويه، ورُوي عن أحمد بن حنبل، والأول أصحّ عنه. انتهى، والمعتمد في ذلك قول ابن تيميّة، فإنه أعرف بمذهبه.
قال ابن عبد البرّ: وحجتهم أن الطعام المنصوص عليه أصله الكيل، أو الوزن، فكلّ مكيل، أو موزون، فذلك حكمه.
وتُعُقّب بأن النهي الوارد عن بيع المشترَى جزافًا قبل قبضه يردّ هذا، كما تقدّم بيانه.
[ ٢٧ / ٩ ]
وعن أحمد رواية أخرى: أن صبر المكيل والموزون خاصّة كبيعهما كيلًا، ووزنًا.
(القول الرابح): طردُ ذلك في جميع الأشياء، المطعوم، وغيره، والمقدّر، وغيره، فلا يجوز بيعها قبل قبضها، إلا العقار، وبهذا قال أبو حنيفة، وأبو يوسف.
(القول الخامس): منعُ المبيع قبل القبض مطلقًا، حتى في العقار، وبهذا قال الشافعيّ، ومحمد بن الحسن، وهو روايةٌ عن أحمد، وحكاه ابن عبد البرّ عن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله - ﵃ -، وسفيان الثوريّ، وسفيان بن عُيينة، ويدلّ لذلك أن ابن عبّاس - ﵄ -، لَمّا روى عن النبيّ - ﷺ - "أنه نهى عن بيع الطعام حتى يُستوفَى"، قال: ولا أحسب كلّ شيء إلا مثله، رواه الأئمة الستّة، وهذا لفظ البخاريّ، ولفظ مسلم: "وأحسب كلّ شيء مثله"، وفي لفظ: "وأحسب كلّ شيء بمنزلة الطعام"، وفي لفظ له: "حتى يكتاله"، وكذلك قال جابر - ﵁ -؛ أي: أن غير الطعام مثله، قال ابن عبد البرّ: فدلّ على أنهما فَهِما عن النبيّ - ﷺ - المراد والمغزى.
وعن حكيم بن حِزام - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله إني أشتري بيوعًا، فما يحلّ لي منها، وما يحرم؟ قال: "إذا اشتريت بيعًا، فلا تبعه حتى تقبضه"، رواه النسائيّ باختلاف في إسناده، ومتنه، وصححه ابن حزم، وقال ابن عبد البرّ: هذا الإسناد، وإن كان فيه مقالٌ، ففيه لهذا المذهب استظهار.
وروى أبو داود وغيره عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يحلّ بيعٌ وسلف، ولا بيع ما لم يُضْمَن، ولا بيع ما ليس عندك"، وهو حديث صحيح، وعن ابن عمر - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ -: "أنه نهى أن تباع السِّلَعُ حيث تُشترى حتى يحوزها الذي اشتراها إلى رحله"، رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، لكن فيه عنعنة ابن إسحاق.
فهذه الأحاديث حجة لهذا المذهب، وللذي قبله إلا أن صاحب المذهب الذي قبله استثنى من ذلك العقار؛ لانتفاء الغرر فيه، فإن الهلاك فيه نادر بخلاف غيره.
(القول السادس): جواز البيع قبل القبض مطلقًا في كلّ شيء، وبهذا قال
[ ٢٧ / ١٠ ]
عثمان البتّيّ، قال ابن عبد البرّ: هذا قول مردود بالسنّة، والحجة المجمعة على الطعام فقط، وأظنّه لم يبلغه الحديث، ومثل هذا لا يُلتفت إليه.
وقال النوويّ: وحكاه المازريّ، والقاضي عياض، ولم يحكه الأكثرون، بل نقلوا الإجماع على بطلان بيع الطعام المبيع قبل قبضه، قالوا: وإنما الخلاف فيما سواه، فهو شاذّ متروك. قال وليّ الدين: وحكاه ابن حزم عن عطاء بن أبي رباح.
(القول السابعٍ): منع البيع قبل القبض في القَمْح مطلقًا، وفي غيره إن ملكه بالشراء خاصّة، ويُعتبر أيضًا في القمح خاصَّة مع القبض، وهو إطلاق اليد عليه، وعدم الحيلولة بينه وبين أن ينقله عن موضعه الذي هو فيه إلى مكان آخر، فإن اشتراه بكيل لم يحلّ له بيعه حتى يكتاله، فإذا اكتاله حلّ له بيعه، وإن لم ينقله عن موضعه، وبهذا قال ابن حزم الظاهريّ، وتمسّك في القَمْح بحديث ابن عبّاس - ﵄ -: "أما الذي نهى رسول الله - ﷺ - أن يُباع حتى يُقبض، فهو الطعام"، وقال: فهذا تخصيص للطعام في البيع خاصّة، وعموم له بأيّ وجه مُلك، واسم الطعام في اللغة لا يُطلق إلا على القَمْح وحده، وإنما يُطلق على غيره بإضافة، وتمسّك في غير القَمْح بحديث حكيم بن حزام - ﵁ - المتقدّم، وقال: هذا عموم لكلّ بيع، ولكلّ ابتياع، والمذكور في حديثي ابن عمر، وابن عبّاس - ﵄ - بعض ما في حديث حكيم بن حزام - ﵁ -، فهو أعمّ، ثم حكى مثل قوله عن ابن عبّاس، وجابر، والحسن، وابن شُبْرُمة - ﵃ -، هكذا ذكر هذه الأقوال وليّ الدين - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أرجح الأقوال هو القول الخامس، وهو منع البيع قبل القبض، مطلقًا، حتى في العقار، فهو أرجح؛ لثبوت النصوص بذلك:
(فمنها): ما أخرجه النسائيّ من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يحلّ سلَفٌ، وبيعٌ، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يُضمَن"، وهو حديث صحيحٌ، فمعنى "ربح ما لم يُضْمَن" هو ربح مبيع اشتراه،
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٥/ ١٥٥٥ - ١٥٥٨.
[ ٢٧ / ١١ ]
فباعه، قبل أن ينتقل من ضمان البائع، وهو يعمّ كل شيء، الطعام، وسائر المنقولات، وغيرها.
(ومنها): حديث حكيم بن حزام - ﵁ - الذي أخرجه أحمد في "مسنده" بلفظ: "إذا اشتريت بيعًا، فلا تبعه حتى تقبضه"، فهو وإن كان في سنده راو مبهم، إلا أنه يشهد له حديث ابن عمرو المذكور.
(ومنها): ما أخرجه أبو داود، والحاكم، وابن حبّان، وصحّحاه، من حديث زيد بن ثابت - ﵁ - بلفظ: "أن النبيّ - ﷺ - نهى أن تباع السِّلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجّار إلى رحالهم"، فهو وإن كان فيه محمد بن إسحاق، وقد عنعنه، لكنه يشهد له ما تقدّم، فهذه الأحاديث كما رأيت صالحة للحجيّة، ولا سيّما حديث عبد الله بن عَمْرو - ﵄ -، فإنه بمفرده كاف للحجيّة، وأيضًا قول ابن عبّاس - ﵄ - فيما يأتي: "وأً حسب أن كل شيء بمنزلة الطعام"، وفي رواية البخاريّ: "ولا أحسب كل شيء إلا مثله".
والحاصل أن أرجح الأقوال هو القول الخامس، وهو مذهب الشافعيّ - ﵀ - وجماعة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في التصرّف في المبيع قبل القبض بغير البيع:
اختلفوا في ذلك على أربعة أقوال:
(القول الأول): قصر المنع على البيع، وتجويز غيره من التصرّفات قبل القبض، قاله ابن حزم، قال: والشركة، والتولية، والإقالة كلّها بيوعٌ مبتدأة لا يجوز في شيء منها إلا ما يجوز في سائر البيوع.
(القول الثاني): أن سائر التصرّفات في المنع قبل القبض كالبيع، قال وليّ الدين: وهذا هو الذي فهمته من مذهب الحنابلة؛ لإطلاق ابن تيميّة في "المحرّر" التصرّف من غير استثناء شيء منه.
(القول الثالث): طرد المنع في كلّ معاوضة فيها حقّ توفية، من كيل، أو شبهه بخلاف القرض، والهبة، والصدقة، وهذا مذهب مالك، وأرخص في الإقالة، والتولية، والشركة مع كونها معاوضات فيها حق توفية، قال ابن حزم: واحتجّوا بما رويناه من طريق عبد الرزّاق، قال ابن جريج: أخبرني ربيعة بن
[ ٢٧ / ١٢ ]
أبي عبد الرحمن؛ أن رسول الله - ﷺ - قال حديثًا مستفيضًا في المدينة: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه، وششوفيه، إلا أن يُشَرِّك فيه، أو يوليه، أو يقيله"، وقال مالك: إن أهل العلم اجتمع رأيهم على أنه لا بأس بالشركة، والإقالة، والتولية في الطعام وغيره - يعني قبل القبض - قال ابن حزم؛ ما نعلم رُوي هذا إلا عن ربيعة، وطاوس فقط، وقوله عن الحسن في التولية، قد جاء عنه خلافها، قال ابن حزم: وخبر ربيعة مرسل، ولو استفاضَ عن أصل صحيح، لكان الزهريّ أولى بأن يعرف ذلك من ربيعة، والزهريّ مخالف له في ذلك، قال: التولية بيع في الطعام وغيره، ثم ذكر عن الحسن أنه قال: ليس له أن يولّيه حتى يقبضه، فقيل له: أبرأيك تقوله؟ قال: لا، ولكن أخذناه عن سلفنا، وأصحابنا، قال ابن حزم: سلف الحسن هم الصحابة، أدرك منهم خمسمائة وأكثر، وأصحابه أكابر التابعين، فلو أقدم امرؤ على دعوى الإجماع هنا لكان أصحّ من الإجماع الذي ذكره مالك.
(القول الرابع): المنع من سائر التصرّفات؛ كالبيع، إلا العتق، والاستيلاد، والتزويج، والقسمة، هذا حاصل الفتوى في مذهب الشافعيّ، مع الخلاف في أكثر الصور، وأما الوقف، فقال المتولّي في "التتمّة": إن قلنا: إن الوقف يفتقر إلى القبول، فهو كالبيع، وإلا فهو كالإعتاق، وبه قطع الماورديّ في "الحاوي"، وقال: يصير قابضًا، حتى لو لم يرفع البائع يده عنه، صار مضمونًا عليه بالقيمة، فمن قصر المنع على البيع، اقتصر على مورد النصّ، ومن عدّاه إلى غيره، فبالقياس، وذلك متوقّفٌ على فهم العلّة في ذلك، ووجودها في الفرع المقيس، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح القول الأول، وهو قصر النهي على البيع فقط؛ عملًا بظواهر النصوص، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في بيع ما مُلك بغير البيع قبل القبض:
قال الحافظ وليّ الدين - ﵀ -: والذي في الحديث المنع فيما مُلك بالبيع، وهو ساكت عما مُلك بغيره، وللعلماء في ذلك خلاف أيضًا:
[ ٢٧ / ١٣ ]
قال الشافعيّة: يلتحق بالمملوك بالبيع ما كان في معناه، وهو ما كان مضمونًا على من هو في يده بعقد معاوضة؛ كالأجرة، والعوض المصالح عليه عن المال، وكذا الصداق؛ بناءً على أنه مضمون على الزوج ضمان عقد، وهو الأظهر، أما ما ليس مضمونًا على من هو تحت يده، كالوديعة، والإرث، أو مضمونًا ضمان يد، وهو المضمون بالقيمة، كالمستام، ونحوه، فيجوز بيعه قبل القبض؛ لتمام الملك فيه، ومذهب أحمد نحوه، قال ابن تيميّة في "المحرّر": وكلّ عين مُلكت بنكاح، أو خُلع، أو صلح عن دم عمدًا، أو عتق، فهي كالبيع في ذلك كله، لكن يجب بتلفها مثلها، إن كانت مثليّة، وإلا فقيمتها، ولا فسخ لعقدها بحال، فأما ما مُلك بإرث، أو وصيّة من مكيل، أو غيره، فالتصرّف فيه قبل قبضه جائزٌ.
وفرّق ابن حزم في ذلك بين القَمْح وغيره، فقال في القَمْح: إنه بأيّ وجه مَلَكه لا يحلّ له بيعه قبل قبضه، وقال في غيره: متى مَلَكه بغير البيع فله بيعه قبل قبضه. انتهى (^١).
وقال ابن قُدامة - ﵀ -: وكل عوض مُلك بعقد ينفسخ بهلاكه قبل القبض، لم يجز التصرف فيه قبل قبضه، كالذي ذكرنا، والأجرة، وبدل الصلح، إذا كانا من المكيل، أو الموزون، أو المعدود، وما لا ينفسخ العقد بهلاكه، جاز التصرف فيه قبل قبضه؛ كعوض الخلع، والعتق على مال، وبدل الصلح عن دم العمد، وأرش الجناية، وقيمة المتلف؛ لأن الْمُطْلِق للتصرف الملكُ، وقد وُجد، لكن ما يتوهم فيه غررُ الانفساخِ بهلاك المعقود عليه، لم يجز بناء عقد آخر عليه تحرزًا من الغرر، وما لا يتوهم فيه ذلك الغرر انتفى المانع، فجاز العقد عليه، وهذا قول أبي حنيفة، والمهر كذلك عند القاضي، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن العقد لا ينفسخ بهلاكه، وقال الشافعي: لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه، ووافقه أبو الخطاب في غير المتعين؛ لأنه يخشى رجوعه بانتقاض سببه بالردة قبل الدخول، أو انفساخه بسبب من جهة المرأة، أو نصفه بالطلاق، أو انفساخه بسبب من غير جهتها، وكذلك قال الشافعي في عوض الخلع، وهذا التعليل باطل بما بعد القبض، فإن قبضه لا يمنع الرجوع فيه قبل الدخول.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٥/ ١٥٥٩.
[ ٢٧ / ١٤ ]
وأما ما مُلك بإرث، أو وصية، أو غنيمة، وتعيّن ملكه فيه، فإنه يجوز له التصرف فيه بالبيع وغيره قبل قبضه؛ لأنه غير مضمون بعقد معاوضة، فهو كالمبيع المقبوض، وهذا مذهب أبي حنيفة، والشافعي، ولا أعلم عن غيرهم خلافهم، وإن كان لإنسان في يد غيره وديعة، أو عارية، أو مضاربة، أو جعله وكيلًا فيه جاز له بيعه ممن هو في يده ومن غيره؛ لأنه عين مال مقدور على تسليمها، لا يخشى انفساخ الملك فيها، فجاز بيعها كالتي في يده، وإن كان غصبًا جاز بيعه ممن هو في يده؛ لأنه مقبوض معه فاشبه بيع العارية ممن هي في يده، وأما بيعه لغيره فإن كان عاجزًا عن استنقاذه، أو ظن أنه عاجز لم يصح شراؤه له؛ لأنه معجوز عن تسليمه إليه، فأشبه بيع الآبق والشارد، وإن ظن أنه قادر على استنقاذه ممن هو في يده صح البيع؛ لإمكان قبضه، فإن عجز عن استنقاذه فله الخيار بين الفسخ والإمضاء؛ لأن العقد صح؛ لكونه مظنون القدرة على قبضه، ويثبت له الفسخ للعجز عن القبض، فأشبه ما لو باعه فرسًا، فشردت قبل تسليمها، أو غائبًا بالصفة، فعجز عن تسليمه. انتهى (^١)، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في أقوال أهل العلم في تفسير القبض:
قال ابن قُدامة - ﵀ -: وقَبْض كل شيء بحسبه، فإن كان مكيلًا أو موزونًا، بِيع كيلًا أو وزنًا، فقبضه بكيله ووزنه، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: التخليةُ في ذلك قبض، وقد رَوى أبو الخطاب، عن أحمد رواية أخرى: أن القبض في كل شيء بالتخلية مع التمييز؛ لأنه خَلَّى بينه وبين المبيع من غير حائل، فكان قبضًا له كالعقار.
ولنا ما رَوَى أبو هريرة - ﵁ -؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا بعت فكِلْ، وإذا ابتعت فاكتل"، رواه البخاريّ، وعن النبيّ - ﷺ -: "أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع، وصاع المشتري"، رواه ابن ماجه (^٢)،
_________________
(١) "المغني" ٦/ ١٩١ - ١٩٢.
(٢) رواه ابن ماجه في "سننه" (٢/ ٧٥٠) وفي إسناده محمد بن أبي ليلى، سيئ الحفظ، وحسّن الحديث الشيخ الألبانيّ - ﵀ -.
[ ٢٧ / ١٥ ]
وهذا فيما بيع كيلًا، وإن بيع جزافًا فقبضه نقله؛ لأن ابن عمر قال: "كانوا يُضرَبون على عهد رسول الله - ﷺ -، إذا اشتروا طعامًا جِزافًا، أن يبيعوه في مكانه، حتى يحوّلوه"، وفي لفظ: "كنا نبتاع الطعام جِزافًا، فبُعِثَ علينا من يأمرنا بانتقاله من مكانه، الذي ابتعناه إلى مكان سواه، قبل أن نبيعه"، وفي لفظ: "كنا نشتري الطعام من الركبان جِزافًا، فنهانا رسول الله - ﷺ - أن نبيعه حتى ننقله"، رواهنّ مسلم.
وهذا يبين أن الكيل إنما وجب فيما بيع بالكيل، وقد دل على ذلك أيضًا قول النبي - ﷺ -: "إذا سميت الكيل فكِل" (^١)، رواه الأثرم.
وإن كان المبيع دراهم أو دنانير، فقبضُها باليد، وإن كان ثيابًا باليد فقبضها نقلها، وإن كان حيوانًا فقبضه تمشيته من مكانه، وإن كان مما لا يُنقل ويحوّل، فقبضه التخلية بينه وبين مشتريه، لا حائل دونه، وقد ذكره الْخِرَقي في "باب الرهن" فقال: إن كان مما ينقل فقبضه أخذه إياه من راهنه منقولًا، وإن كان لا ينقل فقبضه تخلية راهنه بينه وبين مرتهنه، لا حائل دونه، ولأن القبض مطلق في الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى العرف؛ كالإحراز، والتفرق، والعادة في قبض هذه الأشياء ما ذكرنا. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - (^٢)، وهو بحث نفيس جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في بيان مَن عليه أجرة الكيل، والوزن:
قال ابن قُدامة - ﵀ -: وأجرة الكيّال والوزّان، في المكيل والموزون على البائع؛ لأن عليه تقبيضَ المبيع للمشتري، والقبض لا يحصل إلا بذلك، فكان على البائع، كما أن على بائع الثمرة سقيَهَا، وكذلك أجرة الذي يَعُدّ المعدودات، وأما نقل المنقولات وما أشبهه، فهو على المشتري؛ لأنه لا يتعلق به حقُّ توفية، نَصّ عليه أحمد - ﵀ -.
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٢/ ٧٥٠) وفي سنده عبد الله بن لَهِيعة، لكنه من رواية عبد الله بن يزيد المقرئ، وهو ممن روى عنه قبل اختلاطه، ولذا صحح الحديث الشيخ الألبانيّ - ﵀ -.
(٢) "المغني" ٦/ ١٨٨.
[ ٢٧ / ١٦ ]
قال: ويصحّ القبض قبل نقد الثمن وبعده، باختيار البائع، وبغير اختياره؛ لأنه ليس للبائع حبس المبيع على قبض الثمن، ولأن التسليم من مقتضيات العقد، فمتى وُجد بعده وقع موقعه كقبض الثمن. انتهى كلام ابن قدامة - ﵀ - (^١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٣٢] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ (ح) وَحَدُّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ - وَهُوَ الثَّوْرِيُّ - كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) بن موسى الضَّبّيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٥) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣.
٣ - (سُفْيَانُ) بن عيينة بن أبي عمران الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقة حافظٌ حجة إمام فقيه، من رؤوس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، له تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م دس ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٥ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء بن كُريب الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة [١٠] (٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٦ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٧ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن حبيب الثَّوْرِيُّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ
_________________
(١) "المغني" ٦/ ١٨٨.
[ ٢٧ / ١٧ ]
فقيهٌ عابدٌ إمام حجة، وربّما دلّس، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
و"عمرو بن دينار" ذُكر قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا … إلخ)؛ يعني أن كلّا من سفيان بن عيينة، وسفيان الثوريّ رويا هذا الحديث عن عمرو بن دينار.
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار هذه ساقها البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه".
(٢٠٢٨) - حدّثنا عليّ بن عبد الله، حدّثنا سفيان، قال: الذي حفظناه من عمرو بن دينار سمع طاوسًا يقول: سمعت ابن عباس - ﵄ - يقول: أما الذي نهى عنه النبيّ - ﷺ - فهو الطعام أن يباع حتى يُقْبَض، قال ابن عباس: "ولا أَحْسِبُ كلَّ شيء إلا مثله". انتهى.
وأما رواية سفيان الثوريّ، فقد ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده" (١/ ٢٧٠) فقال:
(٢٤٣٨) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا عبد الرزاق، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: قال النبيّ - ﷺ -: "من اشترى طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه"، قال ابن عباس: وأَحْسَبُ كلَّ شيء بمنزلة الطعام. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٣٣] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِع، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثنا، وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ"، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنظليّ، أبو محمد المروزيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ حافظٌ إمام حجةٌ [١٠] (٢٣٨) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ
[ ٢٧ / ١٨ ]
حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحَمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ مصنّف، شهيرٌ، عَمِيَ، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٥ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٦ - (ابْنُ طَاوُسٍ) عبد الله بن طاوس بن كيسان، أبو محمد اليمانيّ، ثقة فاضلٌ عابدٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقيان ذُكرا قبل حديثين.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبل حديثين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٣٤] (…) - (حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْب، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ"، فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ؟ فَقَالَ: ألَا تَرَاهُمْ يَتَبَايَعُونَ بِالذَّهَب، وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ؟ وَلَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ: مُرْجَأٌ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلّهم ذُكروا قبله، و"سفيان" هو الثوريّ.
وقوله: (حَتَّى يَكْتَالَهُ) قال الفيّوميّ - ﵀ -: اكتلتُ منه، وعليه: إذا أخذت، وتولّيت الكيل بنفسك، يقال: كال الدافعُ، واكتال الآخذ. قال: كِلْتُ زيدًا الطعامَ كَيْلًا، من باب باع يتعدّى إلى مفعولين، وتَدخُلُ اللام على المفعول الأول، فيقال: كِلتُ له الطعامَ، والاسم: الْكِيلة بالكسر. انتهى بتصرّف (^١).
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٥٤٦.
[ ٢٧ / ١٩ ]
فقوله: "حتى يكتاله" كنايةٌ عن القبض، أو لكون القبض عادةً يكون بالكيل، فهو بمعنى الرواية السابقة: "حتى يقبضه".
وقوله: (فَفُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ؟)؛ أي: لأيّ شيء نُهي عن بيع الطعام حتى يكتاله؟
وقوله: (وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ)؛ أي: مؤخَّر، ويجوز همز "مرجأ"، وترك همزه، ووقع في كتاب الخطابيّ بتشديد الجيم بغير همز، وهو للمبالغة، قاله في "الفتح" (^١).
قال الشوكانيّ - ﵀ - ما معناه: أنه إذا باعه المشتري قبل القبض، وتأخر المبيع في يد البائع، فكأنه باع دراهم بدراهم، ويبيّن ذلك ما في رواية مسلم، عن ابن عباس؛ أنه قال لما سأله طاوس: "ألا تراهم يبتاعون بالذهب، والطعام مرجأ"، وذلك لأنه إذا اشترى طعامًا بمائة دينار، ودفعها للبائع، ولم يقبض منه الطعام، ثم باع الطعام إلى آخر بمائة وعشرين مثلًا، فكأنه اشترى بذهبه ذهبًا أكثر منه. انتهى المقصود منه (^٢).
وقال الخطّابيّ - ﵀ -: قوله: "والطعام مرجأ"؛ أي: غائبٌ مُؤجَّلٌ في ذمة البائع، يقال رَجَّيتُ الشيءَ، وأرجاته: إذا أخرته، ومن هذا قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦].
وتفسير ذلك أن يُسْلِف نَقْدًا في طعام، ثم يبيعه بنقد قبل أن يقبضه، فيفسد البيع؛ لأن ملكه لا يستقرّ، ولا يتكامل إلا بالقبض، وقد نَهَى رسول الله - ﷺ - عن ربح ما لم يُضْمَن، فإذا كان الطعام الذي يبيعه مرجأً؛ أي: مؤخَّرًا عن ملكه، ومضمونًا على غيره، لم يجز بيعه؛ لأنهما إنما تبايعا ذَهَبًا ليس بإزائه في الحقيقة طعامٌ.
وبيان هذا في حديث له آخر، ثم أخرج بسنده عن القاسم بن محمد قال: سألت ابن عباس، فقلت: كنا نُسلف في السيائب، فنبيعها قبل أن نستوفيها، فقال: ذاك بيع ورِق بورق.
يريد أن البيع لم يقع على الثياب الذي هو مضمون على غيره، وإنما
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٥٩٦ - ٥٩٧.
(٢) راجع: "نيل الأوطار" ٥/ ٢٥٩.
[ ٢٧ / ٢٠ ]
تقابل الثمنان، فصار بيع ورق بورق، وبيعُ الورق بالورق لا يجوز إلا سواءً بسواءٍ يدًا بيد، والمعنيان جميعًا ها هنا عَدَم، فبطل البيع، فإن كان المشتري إنما باعه من البائع نفسه قبل أن يقبضه كان في الفساد مثل الأول، أو أشدّ، وكان حينئذٍ بيع ورق بورق لا غير، فإن أقاله فبطل عنه الطعام، وصار عليه ذهب تبايعا بعدُ بالذهب ما شاءا، وتقابضا قبل أن يتفرقا، والإقالة فسخ، وليس ببيع. انتهى كلام الخطّابيّ - ﵀ - (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَى قبل حديثين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٣٥] (١٥٢٦) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتى يَسْتَوْفِيَهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، من صغار [٩] (ت ٢٢١) (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة الفقيه المجتهد الحجّة، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٤ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله الصحابيّ الشهير - ﵄ - المتوفّى سنة (٣ أو ٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
و"يحيى بن يحيى" ذُكر في الباب، والسند من رباعيّات المصنّف - ﵀ -،
_________________
(١) "غريب الحديث للخطابي" ٢/ ٤٥٦ - ٤٥٧.
[ ٢٧ / ٢١ ]
كلاحقه، وهو (٢٤٧) من رباعيّات الكتاب، وأما شرح الحديث فواضحٌ يُعلم مما سبق في شرح حديث ابن عبّاس - ﵄ -.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٣٨٣٥ و٣٨٣٦ و٣٨٣٧ و٣٨٣٨ و٣٨٣٩ و٣٨٤٠ و٣٨٤١] (١٥٢٦ و١٥٢٧)، و(البخاريّ) في "البيوع" (٢١٢٤ و٢١٢٦ و٢١٣١ و٢١٣٣ و٢١٣٦ و٢١٣٧ و٢١٦٦ و٢١٦٧) و"الحدود" (٦٨٥٢)، و(أبو داود) في "البيوع" (٣٤٩٢ و٣٤٩٣ و٣٤٩٤ و٣٤٩٥ و٣٤٩٨)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٢٨٥) و"الكبرى" (٤/ ٣٥)، و(ابن ماجه) في "التجارات" (٢٢٢٦ و٢٢٢٩)، و(مالك) في "الموطإ" (١٣٣٥ و١٣٣٦)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ١٤٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٣٦٦)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٥٦ و٢/ ٦٣)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٥٢ و٢٥٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٩٧٩ و٤٩٨١ و٤٩٨٦)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٢/ ٢٣ و٣٧)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ١٧٣)، و(البزّار) في "مسنده" (١/ ٢٦٥)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٣٠٩٧ و١٣٠٩٨) و"الأوسط" (٩/ ١١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٧٩ و٢٨١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣٠٠ و٣١٤) و"المعرفة" (٤/ ٣٤٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٠٧٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٣٦] (١٥٢٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - نَبْتَاعُ الطَّعَامَ، فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم ذُكروا قبله، والسند من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، كسابقه، وهو (٢٤٨) من رباعيّات الكتاب.
[ ٢٧ / ٢٢ ]
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) - ﵄ -؛ أنه (قَالَ: "كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، نَبْتَاعُ
الطَّعَامَ) أي: جزافًا، بدليل الروايات الآتية.
قال ابن حزم: جمهور الرواة عن مالك لهذا الحديث في "الموطّإ" وغيره ذكروا فيه عنه الجزاف، كما ذكره عبيد الله، عن نافع، والزهريّ عن سالم، وإنما أسقط ذكره القعنبيّ، ويحيى فقط، توهّمًا فيه؛ لأنه خبر واحد. انتهى.
وتعقّبه وليّ الدين، فقال: وفيه نظر، فقد قال ابن عبد البرّ: لم يُختَلف على مالك فيه، ولم يقل: جزافًا. انتهى (^١).
والحاصل أن ذكر الجزاف ثابت في غير رواية مالك، فسيأتي من رواية عبيد الله، عن نافع، والزهريّ، عن سالم، والله تعالى أعلم.
(فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير رسول الله - ﷺ -، ويَحْتَمِل أن يكون مبنيًّا للمفعول، والنائب عن الفاعل قوله: (مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ) هكذا رواية المصنّف وكذا هو عند النسائيّ، وهو مشكلٌ؛ لأن "انتقل" لازم، وإنما المتعدّي نَقَلَ الثلاثيّ، قال في "المصباح": نَقَلتُهُ نقلًا، من باب قتل: حوّلته من موضع إلى موضع، وانتقل: تحوّل، والاسم النُّقلة، ونقّلته بالتشديد مبالغةٌ وتكثيرٌ. انتهى.
وقال في "القاموس": نَقَله: حوّله، فانتقل، والنُّقْلةُ بالضمّ: الانتقال. انتهى، ولعلّه أطلق الانتقال على النقل مجازًا، من إطلاق المسبَّب على السبب، والله تعالى أعلم.
(مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَا فِيهِ)؛ أي: اشتريناه (إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ)؛ أي: غير مكان الشراء (قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ)؛ أي: ليتمّ القبض على آكد الوجوه.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه في الحديث الماضي، ونتكلّم الآن على ما بقي من المسائل مما يتعلّق به.
(المسألة الأولى): في فوائده:
١ - (منها): بيان حُكْم ما يُشتَرَى من الطعام جِزافًا قبل نقله من مكانه،
_________________
(١) "طرح التثريب" ٥/ ١٥٥٢.
[ ٢٧ / ٢٣ ]
وهو المنع، فلا يجوز أن يبيعه إلا بعد قبضه، ونقله من محل الشراء إلى محلّ آخر، وفيه خلاف للعلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): أن فيه جوازَ بيع الصُّبرة جِزافًا، سواءٌ عَلِم البائع قدرها، أم لم يعلم، وعن مالك: التفرقة، فلو علم لم يصح، وسيأتي تحقيق ذلك في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): أن فيه مشروعيةَ تأديب من يتعاطى العقود الفاسدة؛ لقوله في الرواية الآتية: "رأيت الناس في عهد رسول الله - ﷺ - إذا ابتاعوا الطعام جِزَافًا يُضرَبون في أن يبيعوه في مكانهم، وذلك حتى يؤووه إلى رحالهم".
٤ - (ومنها): إقامة الإمام على الناس من يراعي أحوالهم في ذلك.
٥ - (ومنها): ما قاله السيوطيّ - ﵀ -: هذا أصل في إقامة المحتسب على أهل السوق.
٦ - (ومنها): أن هذا أصلٌ في ضرب المحتسب أهل الأسواق إذا خالفوا الحكم الشرعيّ في مبايعتهم، ومعاملاتهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في جواز بيع الصُّبْرة (^١) جِزَافًا (^٢):
قال ابن قُدامة - ﵀ -، ما حاصله: يجوز بيع الصُّبْرة جِزَافًا، مع جهل البائع والمشتري بقدرها، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعيّ، ولا نعلم فيه خلافًا، وقد نَصّ عليه أحمد، ودلّ عليه قول ابن عمر: "كنا نشتري الطعام من الركبان جزافًا، فنهانا رسول الله - ﷺ -، أن نبيعه حتى ننقله من مكانه"، مُتّفقٌ عليه، ولأنه معلوم بالرؤية، فصح بيعه كالثياب والحيوان، ولا يضرّ عدم
_________________
(١) قال في "المصباح" (١/ ٢٣١): "الصُّبْرَةُ" من الطعام: جمعها صُبَرٌ، مثلُ غُرْفة وغُرَف، وعن ابن دُريد: اشتريت الشيءَ صُبْرَةً: أي بلا كيل ولا وزن. انتهى.
(٢) "الجزاف" مثلّث الجيم: الحدس في البيع والشراء، وسيأتي البحث فيه مستوفًى في الحديث الرابع - إن شاء الله تعالى -.
[ ٢٧ / ٢٤ ]
مشاهدة باطن الصبرة، فإن ذلك يشق؛ لكون الحَبِّ بعضه على بعض، ولا يمكن بسطها حبة حبة، ولأن الحَبّ تتساوى أجزاؤه في الظاهر، فاكتُفي برؤية ظاهره بخلاف الثوب، فإن نشره لا يَشُقّ، ولم تختلف أجزاؤه، ولا يحتاج إلى معرفة قدرها مع المشاهدة؛ لأنه عَلِمَ ما اشترى بأبلغ الطرق، وهو الرؤية، وكذلك لو قال: بعتك نصف هذه الصبرة، أو ثلثها، أو جزءًا منها معلومًا جاز؛ لأن ما جاز بيع جملته جاز بيع بعضه؛ كالحيوان، ولأن جملتها معلومة بالمشاهدة، فكذلك جزؤها، قال ابن عقيل: ولا يصح هذا، إلا أن تكون الصبرة متساوية الأجزاء، فإن كانت مختلفة، مثل صبرة بَقّال القرية لم يصح، ويَحْتَمِل أن يصح؛ لأنه يشتري منها جزءًا مشاعًا، فيستحق من جيدها ورديئها بقسطه.
ولا فرق بين الأثمان والْمُثْمَنات في صحة بيعها جزافًا، وقال مالك: لا يجوز في الأثمان؛ لأن لها خطرًا، ولا يشق وزنها ولا عددها، فأشبه الرقيق والثياب، ولنا أنه معلوم بالمشاهدة، فأشبه المثمنات، والنقرةَ والْحَلْيَ، ويبطل بذلك ما قاله، أما الرقيق فإنه يجوز بيعهم إذا شاهدهم، ولم يَعُدّهم، وكذلك الثياب إذا نشرها، ورأى جميع أجزائها. انتهى كلام ابن قدامة - ﵀ - (^١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم بيع ما اشتُري جِزَافًا قبل نقله من مكانه:
قال ابن قُدامة - ﵀ -: إذا اشترى الصُّبْرة جِزَافًا، لم يجز له بيعها حتى ينقلها، نصّ عليه أحمد في رواية الأثرم، وعنه رواية أخرى: له بيعها قبل نقلها، اختارها القاضي، وهو مذهب مالك؛ لأنه مبيع متعيّن لا يحتاج إلى حق توفية، فأشبه الثوب الحاضر، ولنا قول ابن عمر - ﵄ -: "كنا نشتري الطعام من الركبان جِزافًا، فنهانا رسول الله - ﷺ - أن نبيعه حتى ننقله من مكانه"، وعموم قوله - ﷺ -: "من ابتاع طعامًا، فلا يبعه حتى يستوفيه"، متّفقٌ عليه، مع ما ذكرنا من الأخبار، ورَوَى الأثرم بإسناده عن عُبيد بن حنين، قال: قدم زيتٌ، من
_________________
(١) "المغني" ٦/ ٢٠١ - ٢٠٢.
[ ٢٧ / ٢٥ ]
الشام فاشتريت منه أبعرة، وفرغت من شرائها، فقام إليّ رجل، فأربحني فيها ربحًا، فبسطت يدي لأبايعه، فإذا رجل ياخذني من خلفي، فنظرت فإذا زيد بن ثابت - ﵁ -، فقال: لا تبعه حتى تنقله إلى رحلك؛ فإن رسول الله - ﷺ - أمرنا بذلك.
فإذا تقرر هذا، فإن قَبْضَها نَقْلُها، كما جاء في الخبر، ولأن القبض لو لم يعيَّن في الشرع، لوجب رده إلى العرف، كما قلنا في الإحياء، والإحراز، والعادةُ في قبض الصبرة النقل. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى منه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب منع بيع المشترى جزافًا، حتى يتمّ القبض بنقله من مكانه إلى مكان آخر؛ لصحّة الأحاديث بذلك، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: لا يحل لبائع الصبرة أن يَغُشها بأن يجعلها على دَكّة، أو رَبْوَة، أو حجر ينقصها، أو يجعل الرديء في باطنها، أو المبلول، ونحو ذلك؛ لما رَوَى أبو هريرة - ﵁ -؛ أن رسول الله - ﷺ - مَرّ على صبرة من طعام، فأدخل يده، فنالت أصابعه بللًا، فقال: "يا صاحب الطعام ما هذا؟ " قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: "أفلا جعلته فوق الطعام، حتى يراه الناس؟ "، ثم قال: "من غشنا فليس منا"، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
فإذا وُجد ذلك ولم يكن المشتري علم به، فله الخيار بين الفسخ وأخذ تفاوت ما بينهما؛ لأنه عيب، وإن بان تحتها حُفْرة، أو بان باطنها خيرًا من ظاهرها، فلا خيار للمشتري؛ لأنه زيادة له، وإن علم البائع ذلك، فلا خيار له؛ لأنه دخل على بصيرة به، وإن لم يكن علم فله الفسخ، كما لو باع بعشرين درهمًا، فَوَزَنها بصَنْجَة، ثم وجد الصنجة زائدة، كان له الرجوع، وكذلك لو باع بمكيال، ثم وجده زائدًا، وَيحتَمِل أنه لا خيار له؛ لأن الظاهر أنه باع ما يعلم، فلا يثبت له الفسخ بالاحتمال، قاله ابن قُدامة - ﵀ - (^٢)، وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "المغني" ٦/ ٢٠١ - ٢٠٢.
(٢) "المغني" ٦/ ٢٠٣.
[ ٢٧ / ٢٦ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٣٧] (١٥٢٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ"، قَالَ: وَكُنَّا نَشْتَرِي الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ جِزَافًا، فَنَهَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ مِنْ مَكَانِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القُرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سُنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عُمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
والباقون ذكروا قبله.
وقوله: "جِزافًا": قال المجد - ﵀ -: "الْجِزَاف"، و"الْجِزَافَةُ" - مثلّثتين، و"الْمُجَازفة" الْحَدْسُ في البيع والشراء، مُعَرَّبُ "كزاف"، وبيعٌ جزافٌ - مثلّثةً، وجَزِيفٌ، كأمير. انتهى (^١).
وقال ابن الأثير - ﵀ -: "الْجَزْفُ" و"الجِزاف": المجهول القدر، مكيلًا كان، أو موزونًا. انتهى (^٢).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: "الجزاف": بيع الشيء، لا يُعلم كيله، ولا وزنه، وهو اسم من جازف مُجازفةً، من باب قاتل، والْجُزاف - بالضمّ - خارجٌ عن
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٣/ ١٢٣.
(٢) "النهاية" ١/ ٢٦٩.
[ ٢٧ / ٢٧ ]
القياس، وهو فارسيّ تعريب "كُزاف"، ومن ثمّ قيل: أصل الكلمة دَخِيلٌ في العربيّة، قال ابن القطّاع: جَزَف في الكيل جَزْفًا: أكثر منه، ومنه الجِزاف، والمجازفة في البيع، وهو المساهلة، والكلمة دَخِيلة في العربيّة، ويؤيّده قول ابن فارس: الْجَزْفُ: الأخذُ بكثرة، كلمة فارسيّة، ويقال لمن يُرسل كلامه إرسالًا من غير قانون: جازف في كلامه، فاقيم نَهْجُ الصواب مُقام الكيل، والوزن. انتهى (^١).
وقد ترجم الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه" بقوله: "باب من رأى إذا اشترى طعامًا جزافًا أن لا يبيعه حتى يؤويه إلى رحله، والأدب في ذلك".
قال في "الفتح": أي تعزير من يبيعه قبل أن يؤويه إلى رحله، ذَكَر فيه حديث ابن عمر في ذلك - يعني المذكور في الباب - وهو ظاهر فيما ترجم له، وبه قال الجمهور، لكنهم لم يخصوه بالجزاف، ولا قيدوه بالإيواء إلى الرحال، أما الأول، فلما ثبت من النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، فدخل فيه المكيل، وورد التنصيص على المكيل من وجه آخر عن ابن عمر، مرفوعًا، أخرجه أبو داود، وأما الثاني؛ فلأن الأيواء إلى الرحال، خرج مخرج الغالب، وفي بعض طرق حديث ابن عمر عند مسلم، والنسائيّ: "كنا نبتاع الطعام، فيَبعَث إلينا رسول الله - ﷺ - مَن يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه، إلى مكان سواه، قبل أن نبيعه".
وفرّق مالك في المشهور عنه، بين الجزاف والمكيل، فأجاز بيع الجزاف قبل قبضه، وبه قال الأوزاعيّ، وإسحاق، واحتُجّ لهم بأن الْجِزَاف مَرْئيّ، فتكفي فيه التخلية، والاستيفاء إنما يكون في مكيل أو موزون.
وقد رَوَى أحمد من حديث ابن عمر مرفوعًا: "من اشترى طعامًا بكيل، أو وزن فلا يَبِعْه حتى يقبضه"، ورواه أبو داود، والنسائيّ، بلفظ: "نُهِيَ أن يبيع أحد طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه"، والدارقطنيّ من حديث جابر: "نَهَى رسول الله - ﷺ - عن بيع الطعام حتى يَجرِي فيه الصاعان: صاع البائع، والمشتري"، ونحوه للبزار من حديث أبي هريرة بإسناد حسن.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٩٩.
[ ٢٧ / ٢٨ ]
وفي ذلك دلالة على اشتراط القبض في المكيل بالكيل، وفي الموزون بالوزن، فمن اشترى شيئًا مكايلة، أو موازنة، فقبَضه جزافًا فقبْضه فاسد، وكذا لو اشترى مكايلةً، فقبَضه موازنةً، وبالعكس.
ومن اشترى مكايلةً، وقبَضه، ثم باعه لغيره لم يجز تسليمه بالكيل الأول، حتى يكيله على من اشتراه ثانيًا، وبذلك كلّه قال الجمهور.
وقال عطاء: يجوز بيعه بالكيل الأول مطلقًا، وقيل: إن باعه بنقد جاز بالكيل الأول، وإن باعه بنسيئة لم يجز بالأول، والأحاديث المذكورة تردّ عليه.
وفي الحديث مشروعية تأديب من يتعاطى العقود الفاسدة، وإقامة الإمام على الناس من يراعي أحوالهم في ذلك. انتهى ما في "الفتح" (^١)، وهو بحث مفيدُ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٣٨] (١٥٢٦) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ، وَيَقْبِضَهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبِ) بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقة حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، نزيل عَسْقَلان، ثقةٌ [٦] مات قبل (١٥٠) (خ م دس) تقدم في "الإيمان" ٣١/ ٢٣٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَيَقْبِضَهُ) عطف تفسير لـ "يستوفيه"، فقد بيّن أن معنى استيفاء المبيع قبضه.
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٥٩٩ - ٦٠٠.
[ ٢٧ / ٢٩ ]
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبل حديثين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٣٩] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَقَالَ عَلِيُّ: حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميمي النيسابوري، ثقة ثبت [١٠] تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ الْمَرْوزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسماعيل المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) الْعَدويّ مولى ابن عمر، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ [٤] (١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
و"ابن عمر - ﵄ - " ذُكر قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٤٠] (١٥٢٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُمْ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذَا اشْتَرَوْا طَعَامًا جِزَافًا، أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يُحَوِّلُوهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الأَعْلَى) بن عبد الأعلى السّاميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
[ ٢٧ / ٣٠ ]
٢ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم ابن شهاب، أبو بكر المدنيّ الإمام الحجة الفقيه الحافظ الشهير، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٣ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عمر المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ عابد فاضل، من كبار [٣] (ت ١٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٦٢٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (أَنَّهُمْ كَانُوا يُضْرَبُونَ إلخ) بالبناء للمجهول، ويُستفاد منه جواز تأديب من خالف الأمر الشرعيّ، فتعاطى العقود الفاسدة بالضرب، ومشروعيّة إقامة المحتسب في الأسواق. قاله في "الفتح" (^١).
وقال النوويّ: هذا دليلٌ على أن وليّ الأمر يعزّر من تعاطى بيعًا فاسدًا، ويعزّره بالضرب وغيره، مما يراه من العقوبات في البدن على ما تقرّر في كتب الفقه، انتهى (^٢).
وقوله: (أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ)؛ أي: كراهية أن يبيعوه في مكانه، أو لئلا يبيعوه فيه، ففيه حذف "لا"، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦].
وقوله: (حَتَّى يُحَوِّلُوهُ)؛ أي: إلى مكان آخر.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٤١] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَني سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ أَن أَباهُ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِذَا ابْتَاعُوا الطَّعَامَ جِزَافًا، يُضْرَبُونَ فِي أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ، وَذَلِكَ حَتَّى يُئْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ، قَالَ ابْنُ شِهَاب: وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَشْتَرِي الطَّعَامَ جِزَافًا، فَيَحمِلُهُ إِلَى أَهْلِهِ).
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ١٥٥ "كتاب الحدود" رقم ٦٨٥٣.
(٢) شرح النوويّ" ١٠/ ١٧٠ - ١٧١.
[ ٢٧ / ٣١ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فِي أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ) "في" هنا سببيّة، كما في حديث: "دخلت امرأة النار في هرّة حبستها … "؛ أي: إنما يُضربون بسبب بيعهم ذلك الطعام في مكان شرائهم إياه.
وقوله: (حَتَّى يُئْوُوهُ) بضمّ أوله مضارع آوى، وأصله أأوى، كأكرم، قال المجد - ﵀ -: أَوَيتُ منزلي، وإليه أُوُيًّا بالضمّ، ويكسر، وأَوَّيتُ تأويةَ، وتأوّيتُ، واتَّوَيتُ، وائتويتُ: نزلته بنفسي، وسكنته، وأَوَيته، وأَوّيتُهُ، وآويته: أنزلته، والمأْوَى - بفتح الواو - والْمَأوِي - بكسرها - والمأواة: المكان. انتهى (^١).
وقوله: (إِلَى رِحَالِهِمْ) بكسر الراء: جمع رَحْل بفتح، فسكون، وهو المنزل.
قال القرطبيّ - ﵀ -: في الحديث دليل لمن سوَّى بين الجزاف في المكيل من الطعام في المنع من بيع ذلك حتى يقبض، ورأى أن قبض الجزاف نقلُه، وبه قال الكوفيون، والشافعيّ، وأبو ثور، وأحمد، وداود، وهو على أصولهم في منعه في كل شيء إلا ما استُثْنِي حسب ما تقدم، وحَمَل مالك - ﵀ - هذه الأحاديث على الأولى والأحبِّ، فلو باع الجزاف قبل نقله جاز؛ لأنه بنفس تمام العقد، والتخلية بينه وبين المشتري صار في ضمانه، ولدليل الخطاب في قوله - ﷺ -: "من ابتاع طعامًا بكيل"، وما في معناه، وإلى جواز ذلك صار البتِّيّ، وسعيد بن المسيِّب، والحسن، والحكم، والأوزاعيّ، وإسحاق على أصولهم.
[فرع]: ألحق مالك - ﵀ - ببيع الطعام قبل قبضه سائر عقود المعاوضات كلّها، فمن حصل له طعام بوجه معاوضة؛ كأخذه في صلح من دم، أو مهر، فلا يجوز له بيعه قبل قبضه. واستثنى من ذلك الشركة والتولية، والإقالة، وقد روي عنه منعه في الشركة، ووافقه الشافعيّ، وأبو حنيفة في الإقالة خاصة.
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٤/ ٣٠١.
[ ٢٧ / ٣٢ ]
قال القرطبيّ: والذي أوجب استثناء هذه الأربعة العقود عند مالك أنها عقود؛ المقصود بها المعروف، والرِّفق، لا المشاحّة، والمكايسة، فأشبهت القرض، وأولى من هذا مرسلان صحيحان، مشهوران:
أحدهما: قال سعيد بن المسيِّب في حديث ذكره - كأنَّه عن النبيّ - ﷺ -: "لا بأس بالتولية، والإقالة، والشرك في الطعام قبل أن يُسْتَوفَى"، ذكره أبو داود (^١)، وقال: هذا قول أهل المدينة.
وذكر عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن النبيّ - ﷺ - حديثًا مستفاضًا بالمدينة قال: "من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه، ويستوفيه إلا أن يشرك فيه، أو يوليه، أو يقيله".
قال القرطبيّ: وينبغي للشافعيّ، وأبي حنيفة أن يعملا بهذين المرسلين، أما الشافعيّ فقد نصَّ على أنه يعمل بمراسيل سعيد، وأما أبو حنيفة: فانه يعمل بالمراسيل مطلقًا، كمالك. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٤٢] (١٥٢٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا زيدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنِ اشْتَرَى طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَكْتَالَهُ"، وَفي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ: "مَنِ ابْتَاعَ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ) الْعُكليّ، أبو الحسين الكوفيّ، خراسانيّ الأصل، صدوقٌ يُخطئ في حديث الثوريّ [٩] (ت ٢٠٣) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٦٠.
٢ - (الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤.
_________________
(١) أي في "مراسيله" برقم (١٩٨).
(٢) "المفهم" ٤/ ٣٧٧ - ٣٧٩.
[ ٢٧ / ٣٣ ]
٣ - (بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَشَجِّ) المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقة [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٤ - (سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ) الهلاليّ مولى ميمونة، أو أم سلمة المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ، أحد الفقهاء السبعة، من كبار [٣] مات بعد المائة، وقيل: قبلها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٩.
والباقون ذُكروا في الباب، وشرح الحديث يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٣٨٤٢ و٣٨٤٣] (١٥٢٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٢٩ و٣٣٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٨٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٤٣] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَا فَعَلْتُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاك، وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى، قَالَ: فَخَطَبَ مَرْوَانُ النَّاسَ، فَنَهَى (^١) عَنْ بَيْعِهَا، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَنَظَرْتُ إِلَى حَرَسٍ يَأْخُذُونَهَا مِنْ أَيْدِي النَّاسِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ) أبو محمد المكيّ، ثقة [٨] (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ٢٠١.
والباقون ذُكروا في الباب.
_________________
(١) وفي نسخة: "فنهاهم".
[ ٢٧ / ٣٤ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ) بن الحكم بن أبي العاص بن أُميّة، أبو عبد الملك الأمويّ المدنيّ، وَلِي الخلافة في آخر سنة أربع وستين، ولا تثبت له صحبة، بل هو من الطبقة الثانية، تقدّمت ترجمته في "الصيام" ١٣/ ٢٥٨٩، والظاهر أن كلام أبي هريرة - ﵁ - هذا كان في أيام إمرة مروان على المدينة قبل أن يتولّى الخلافة، قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا إنكار من أبي هريرة - ﵁ - على مروان، وتغليظ، وهو نصٌّ في أن أبا هريرة - ﵁ - كان يُفتي على الأمراء وغيرهم، وهو ردٌّ على من جَهِل حال أبي هريرة، وقال: إنه لم يكن مفتيًا، وهو قول باطل بما يوجد له من الفتاوى، وبالمعلوم من حاله؛ وذلك: أنَّه كان من أحفظ الناس لحديث رسول الله - ﷺ -، وألزم الناس للنبيّ - ﷺ - ولخدمته حضرًا، وسفرًا، وأغزرهم علمًا. انتهى (^١).
(أَحْلَلْتَ بَيْعَ الرِّبَا، فَقَالَ مَرْوَانُ: مَا فَعَلْتُ)؛ أي: ما أحللت بيع الربا (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَحْلَلْتَ بَيْعَ الصِّكَاكِ) قال الأبيّ - ﵀ -: المعنى: أحللت بيع طعام الصكاك، لا يعني الصكاك نفسها، وفيه أن الترك فعلٌ؛ لأنه لم يُحلل، وإنما ترك النهي، وهو إغلاظ في الإنكار، وهو يدلّ على أن أبا هريرة - ﵁ - كان مفتيًا على الأمراء وغيرهم. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لأنه لم يُحلل … إلخ" فيه نظر، فقد جاء التصريح بإحلاله، فقد أخرج أبو عوانة، والبيهقيّ بإسناد صحيح، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة أنه دخل على مروان بن الحكم، وهو بالمدينة، وكان مروان قد أحلّ بيع الصكوك التي بالآجال قبل أن تُسْتَوْفَى، فقال له أبو هريرة - ﵁ -: أحللت الربا بيع الطعام قبل أن يُستوفَى، وأشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من ابتاع طعامًا فلا يبيعه حتى يستوفيه"، فردّ مروان بن الحكم ذلك البيع. انتهى.
وقال النوويّ - ﵀ -: الصِّكاك: جمع صَكّ، وهو الورقة المكتوبة بدَين، ويُجمع أيضًا على صكوك، والمراد هنا الورقة التي تخرج من وليّ الأمر بالرزق
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٧٩ - ٣٨٠.
(٢) "شرح الأبيّ" ٤/ ١٩٣.
[ ٢٧ / ٣٥ ]
لمستحقه، بأن يكتب فيها للإنسان كذا وكذا، من طعام أو غيره، فيبيع صاحبها ذلك لإنسان قبل أن يقبضه.
وقد اختَلَف العلماء في ذلك، والأصح عند أصحابنا وغيرهم: جواز بيعها، والثاني: منعها، فمن منعها أخذ بظاهر قول أبي هريرة - ﵁ -، وبحجته، ومن أجازها تأول قضية أبي هريرة، على أن المشتري ممن خرج له الصك باعه لثالث قبل أن يقبضه المشتري، فكان النهي عن البيع الثاني، لا عن الأول؛ لأن الذي خرجت له مالك لذلك مُلكًا مستقرًّا، وليس هو بمشتر، فلا يمتنع بيعه قبل القبض، كما لا يمتنع بيعه ما ورثه قبل قبضه، قال القاضي عياض بعد أن تأوله على نحو ما ذكرته: وكانوا يتبايعونها، ثم يبيعها المشترون قبل قبضها، فنهوا عن ذلك، قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فردّه عليه، وقال: لا تبع طعامًا ابتعته حتى تستوفيه. انتهى.
هذا تمام الحديث في "الموطإ"، وكذا جاء الحديث مفسَّرًا في "الموطإ" أن صكوكًا خرجت للناس في زمن مروان بطعام، فتبايع الناس تلك الصكوك، قبل أن يستوفوها، وفي "الموطإ"، ما هو أبين من هذا، وهو أن حكيم بن حزام - ﵁ - ابتاع طعامًا أَمر به عمرُ بن الخطاب - ﵁ -، فباع حكيم الطعام الذي اشتراه قبل قبضه، والله أعلم. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: "الصكاك": هي التواقيع السُّلطانية بالأرزاق، وهذا البيع الذي أنكره أبو هريرة - ﵁ - للصُّكوك إنما هو بيع من اشتراه ممن رُزِقه، لا بيع مَن رُزِقه؛ لأن الذي رُزقه وصل إليه الطعام على جهة العطاء، لا المعاوضة.
ودليل ذلك ما ذكره مالك في "الموطأ"، قال: إن صكوك الجار خرجت للناس في زمن مروان من طعام الجار، فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها، وذكر الحديث في "الموطأ" أيضًا: أن حكيم بن حزام ابتاع طعامًا أمر به عمر للناس، فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه، فبلغ ذلك عمر، فردَّه، وقال: لا تبع طعامًا ابتعته قبل أن تستوفيه.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٧١ - ١٧٢.
[ ٢٧ / ٣٦ ]
[فإن قيل]: فما في "الموطأ" يدل على فسخ البيعين: بيع المعطى له، وبيع المشتري منه؛ إذ فيه: أن مروان بعث الْحَرَس لينتزعوا الصكوك من أيدي الناس، ولم يفرّق.
فالجواب ما قد بيّنه بتمام الحديث، حيث قال: ويردُّونها إلى من ابتاعها، وكذلك فَعَل عمر بحكيم، فإنه ردَّ الطعام عليه؛ لأنه هو الذي كان اشتراه من الذي أُعطيه، فباعه قبل أن يستوفيه كما قد نصَّ عليه فيه.
والجار موضع معروف بالسَّاحل (^١) كان يجتمع فيه الطعام فيُرزَقُ الناس منه (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى ضه: هذا التأويل الذي ذكره النوويّ، والقرطبيّ وغيرهما لأثر أبي هريرة - ﵁ - المذكور حسنٌ جدًّا.
وحاصله أن النهي إنما هو لمن اشترى ممن خرجت له الصكوك أن يبيعها قبل أن يقبضها، لا أن أصحاب الصكوك يُمنعون من بيع صكوكهم؛ لأنها ملكهم المستقرّ، لا تحتاج إلى قبض، كما إذا ملكه بإرث، أو وصيّة، أو نحو ذلك، فتأمله، ويوضّح هذا قصّة حكيم بن حزام - ﵁ - المذكورة، فتأمله، والله تعالى أعلم.
(وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُسْتَوْفَى) بالبناء للمفعول؛ أي: حتى يقبضه المشتري من بائعه، ويحوزه في ملكه (قَالَ) سليمان بن يسار: (فَخَطَبَ مَرْوَانُ النَّاسَ، فَنَهَى) وفي بعض النسخ: "فنهاهم" (عَنْ بَيْعِهَا، قَالَ سُلَيْمَانُ) بن يسار: (فَنَظَرْتُ إِلَى حَرَسٍ) بفتحتين: أعوان السلطان، قال الفيّوميّ - ﵀ -: حَرَسَهُ يَحْرُسه، من باب قتل: حَفِظَهُ، والاسم الْحِرَاسةُ، فهو حارسٌ، والجمع: حَرَسٌ، وحُرّاسٌ، مثلُ خادم وخَدَمٍ وخُدَّام، وحَرَسُ السلطان أعوانه، جُعل عَلَمًا على الجمع لهذه الحالة المخصوصة، ولا يُستعمل له واحد من لفظه، ولهذا نُسب إلى الجمع، فقيل: حَرَسيّ، ولو جُعِل الْحَرَسُ
_________________
(١) "الجار" بتخفيف الراء: مدينة على ساحل بحر القلزم - الأحمر - بينها وبين المدينة النبويّة يوم وليلة. انتهى. "معجم البلدان" (٢/ ٩٢).
(٢) "المفهم" ٤/ ٣٨٠ - ٣٨١.
[ ٢٧ / ٣٧ ]
هنا جمع حارس لقيل: حارسيّ، قالوا: ولا يقال: حارسيّ إلا إذا ذُهب به إلى معنى الحراسة دون الجنس. انتهى (^١). (يَأْخُدُونَهَا) أي: تلك الصكاك (مِنْ أَيْدِي النَّاسِ) أي: الذين اشتروها ممن اشتراها ممن رُزقها، وليس المراد أنهم يأخذونها من أيدي أصحاب الصكاك الذين خرجت لهم من ولاة الأمور، فإنه كما سبق تحقيقه يجوز لهم بيعها، فتنبّه.
وقال ابن عبد البرّ - ﵀ - في "الاستذكار": مالك، عن نافع؛ أن حكيم بن حزام ابتاع طعامًا أمر به عمر بن الخطاب للناس، فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، فردّه عليه، وقال: لا تبع طعامًا ابتعته حتى تستوفيه.
قال: ورَوَى هذا الحديث معمر، عن أيوب، عن نافع: أن حكيم بن حزام كان يشتري الأرزاق في زمن عمر بن الخطاب، فنهاه عمر أن يبيعها حتى يقبضها.
مالك؛ أنه بلغه أن صكوكًا خرجت للناس في زمان مروان بن الحكم من طعام الجار، فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها، فدخل زيد بن ثابت، ورجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - على مروان بن الحكم، فقالا: أتحل بيع الربا يا مروان؟ فقال: أعوذ بالله، وما ذاك؟ فقالا: هذه الصكوك تبايعها الناس، ثم باعوها قبل أن يستوفوها، فبعث مروان الْحَرَسَ يَتْبعونها ينزعونها من أيدي الناس، ويردّونها إلى أهلها.
قال أبو عمر: قد روَى ابنُ عيينة وغيره، عن الزهريّ، عن عبد الله بن عمرو؛ أنه كان لا يرى ببيع الصكوك إذا خرجت بأسًا، ويكره لمن اشتراها أن يبيعها حتى يقبضها، وعن معمر، عن الزهريّ، عن زيد بن ثابت مثله. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح في تأويل النهي عن بيع الصكاك هو بيع من اشترى تلك الصكاك عن أهلها قبل أن يقبض الطعام، لا بيع أصحاب الصكاك صكاكهم، فإنه جائز، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٢٩.
[ ٢٧ / ٣٨ ]
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٣٨٣١] و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٤٤] (١٥٢٩) - (حَدَّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، حَدَّثنا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَني أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "إِذَا ابْتَعْتَ طَعَامًا فَلَا تَبِعْهُ حَتى تَسْتَوْفِيَهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (رَوْحٌ) بن عُبادة القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقة فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦.
٢ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالدًا لمكيّ، ثقة فقيه، فاضل، يدلّس، ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٣ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٤ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ - ﵄ - المتوفّى بعد السبعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
و"إسحاق بن إبراهيم" هو: ابن راهويه ذُكر قبله، وشرح الحديث يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
[ ٢٧ / ٣٩ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٣٨٤٤] (١٥٢٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٧٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٣١٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.