وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٧٣] (١٤١٩) - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا تُنْكَحِ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحِ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: "أَنْ تَسْكُتَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) عن (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجَيميّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (هِشَامُ) بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكل، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم أيضًا قريبًا.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - ذُكر قبل باب.
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٤٩٨ - ٥٠٠.
[ ٢٥ / ٢١٥ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالمدنيين، ويحيى وإن كان بصريًّا، ثم يماميًّا، إلا أنه سكن المدينة مدة طويلة يطلب العلم، فقد ذكر في "تهذيب الكمال" أنه أقام بالمدينة عشر سنين في طلب العلم. انتهى (^١).
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كثِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا تُنْكَحِ) يَحْتَمِلُ أن تكون "لا" ناهية، والفعل مجزوم، وكسرت الحاء لالتقاء الساكنين، ويَحْتَمِل أن تكون نافيةً، والفعل مرفوع، وهو خبر بمعنى النهي، وهو أبلغ في المنع، كما تقدّم تحقيقه. (الْأَيِّمُ) - بفتح الهمزة، وتشديد التحتانيّة -: هو في الأصل من لا زوج لها، بكرًا كانت، أو ثيّبًا، والمراد به هنا: الثيّب، كما فسّرته الرواية الأخرى، ولمقابلته بالبكر، ولأنه الأكثر استعمالًا.
قال أبو العباس القرطبيّ - ﵀ -: اتفق أهل اللغة على أن الأيّم في الأصل هي المرأة التي لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيّبًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] تقول العرب: تأيّمت المرأة: إذا أقامت لا تتزوّج، ويقال: أيّمٌ بيّنة الأيْمَة، وقد آمت هي، وإِمْتُ أنا، قال الشاعر [من الطويل]:
لَقَدْ إِمْتُ حَتَّى لَامَنِي كُلُّ صَاحِبٍ … رَجَاءً بِسَلْمَى أَنْ تَئِيمَ كَمَا إِمْتُ
قال أبو عبيد: يقال: رجلٌ أَيّمٌ، وامرأةٌ أيّمٌ، وأكثر ما يكون في النساء، وهو كالمستعار في الرجال. انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "تهذيب الكمال" ٣١/ ٥١٠.
(٢) "المفهم" ٤/ ١١٤.
[ ٢٥ / ٢١٦ ]
وقال في "الفتح": ظاهر هذا الحديث أن الأَيِّم هي الثيب التي فارقت زوجها بموت، أو طلاق؛ لمقابلتها بالبكر، وهذا هو الأصل في الأَيِّم، ومنه قولهم: "الْغَزْوُ مَأْيَمَةٌ"، أي يَقْتُل الرجال، فتصير النساء أَيَامَى، وقد تطلق على من لا زوج لها أصلًا، ونقله عياض عن إبراهيم الحربيّ، وإسماعيل القاضي، وغيرهما أنه يُطلق على كل من لا زوج لها، صغيرةً كانت، أو كبيرةً، بكرًا كانت، أو ثَيِّبًا، وحَكَى الماورديّ القولين لأهل اللغة، وقد وقع في رواية الأوزاعيّ، عن يحيى، في هذا الحديث عند ابن المنذر، والدارميّ، والدارقطنيّ: "لا تنكح الثيب"، ووقع عند ابن المنذر، في رواية عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، في هذا الحديث: "الثيب تُشَاوَرُ". انتهى (^١).
وقال القاضي عياضٌ - ﵀ -: اختلف العلماء في المراد بالأيّم هنا، مع اتفاق أهل اللغة على أنها تُطلق على امرأة لا زوج لها، صغيرةً كانت، أو كبيرةً، بكرًا كانت، أو ثيّبًا، قاله إبراهيم الحربيّ، وإسماعيل القاضي، وغيرهما، والأيْمَةُ العُزُوبة، ورجلٌ أيّمٌ، وامرأة أيّمٌ، وحكى أبو عبيد: أيّمةٌ أيضًا.
قال القاضي: ثم اختلف العلماء في المراد به هنا، فقال علماء الحجاز، والفقهاء كافّةً: المراد الثيّب، واستدلّوا بأنه جاء مفسّرًا في الرواية الأخرى بالثيّب، وبأنها جعلت في مقابلة البكر، وبأن أكثر استعمالها في اللغة للثيّب، وقال الكوفيون، وزفر: الأيّم هنا كلّ امرأة لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيّبًا، كما هو مقتضاه في اللغة قالوا: فكلّ امرأة بلغت فهي أحقّ بنفسها من وليّها، وعقدُها على نفسها النكاح صحيح. وبه قال الشعبيّ، والزهريّ، قالوا: وليس الوليّ من أركان صحّة النكاح، بل من تمامه. وقال الأوزاعيّ، وأبو يوسف، ومحمد: تتوقّف صحّة النكاح على إجازة الوليّ.
قال القاضي: واختلفوا أيضًا في قوله - ﷺ -: "أحقّ من وليّها"، هل هي أحقّ بالإذن فقط، أو بالإذن والعقد على نفسها؟ فعند الجمهور بالإذن فقط، وعند هؤلاء بهما جميعًا. انتهى (^٢).
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٤٥٧.
(٢) راجع: "إكمال المعلم" ٤/ ٥٦٤ - ٥٦٥.
[ ٢٥ / ٢١٧ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ ما قاله الجمهور من أن الوليّ شرط في صحّة النكاح، وليس للمرأة إلا مجرّد الإذن، إما صريحًا، وهو للثيّب، أو سكوتًا، وهو للبكر للحديث الصحيح: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل"، والله تعالى أعلم.
(حَتَّى تُسْتَأْمَرَ) بالبناء للمفعول، أصل الاستئمار طلب الأمر، فالمعنى لا يُعقَد عليها حتى يُطلب الأمر منها، ويؤخذ من قوله: "تُستأمر" أنه لا يَعقِد عليها وليّها إلا بعد أن تأمر بذلك، وليس فيه دلالة على عدم اشتراط الوليّ في حقّها، كما زعم بعض أهل العلم، بل فيه إشعارٌ باشتراطه، أفاده في "الفتح" (^١).
(وَلَا تُنْكَحِ الْبِكْرُ) بالجزم والرفع على التوجيه السابق (حَتَّى تُسْتَأْذَنَ") بالبناء للمفعول، قال في "الفتح": كذا وقع في هذه الرواية التفرقة بين الثيّب والبكر، فعبّر للثيّب بالاستئمار، وللبكر بالاستئذان، فيؤخذ منه فرق بينهما من جهة أن الاستئمار يدلّ على تأكيد المشاورة، وجعل الأمر إلى المستأمرة، ولهذا يحتاج الوليّ إلى صريح إذنها في العقد، فإذا صرّحت بمنعه امتنع اتفاقًا، والبكر بخلاف ذلك، والإذن دائرة بين القول والسكوت بخلاف الأمر، فإنه صريحٌ في القول، وإنما جعل السكوت إذنًا في حقّ البكر لأنها قد تستحيي أن تُفصح. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أخرج النسائيّ هذا الحديث من طريق أبي إسماعيل القنّاد، عن يحيى بلفظ الاستئذان في الثيّب، والاستئمار في البكر، فعندي أن هذا من تصرّفات الرواة، والظاهر أنه لا فرق بين العبارتين، كما يدلّ عليه تصرّف النسائيّ - ﵀ - في تراجمه، حيث عبّر في بعضها باستئذان البكر، وفي بعضها باستئمار الأب البكر، حسب اختلاف الروايات، فالذي يظهر أن الروايات بعضها باللفظ، وبعضها بالمعنى، فلا تعارض بينها، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١١/ ٤٥٧.
[ ٢٥ / ٢١٨ ]
(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ) وفي رواية عمر بن أبي سلمة، عن أبيه: "قلنا"، وحديث عائشة - ﵂ - صريح في أنها هي السائلة عن ذلك.
(وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟) في حديث عائشة: قلت: إن البكر تستحي (قَالَ) - ﷺ - ("أَنْ تَسْكُتَ") "أن" بالفتح هي المصدريّة، والمصدر المؤوّل خبر لمحذوف، أي إذنها سكوتها.
قال ابن المنذر - ﵀ -: يُستحبّ إعلام البكر أن سكوتها إذنٌ، لكن لو قالت بعد العقد: ما علمت أن صمتي إذنٌ لم يبطل العقد بذلك عند الجمهور، وأبطله بعض المالكيّة، وقال ابن شعبان منهم: يقال لها ذلك ثلاثًا: إن رضيتِ فاسكتي، وإن كرهتِ فانطلقي، وقال بعضهم: يُطالُ المقام عندها؛ لئلا تَخْجَل، فيمنعها ذلك من المسارعة، واختلفوا فيما إذا لم تتكلّم، بل ظهرت منها قرينة السخط، أو الرضا بالتبسّم مثلًا، أو البكاء، فعند المالكيّة إن نفرت، أو بكت، أو قامت، أو ظهر منها ما يدلّ على الكراهة لم تُزوَّج، وعند الشافعيّة: لا أثر لشيء من ذلك في المنع إلا إن قَرَنت مع البكاء الصياح ونحوه، وفرّق بعضهم بين الدمع، فإن كان حارًّا دلّ على المنع، وإن كان باردًا دلّ على الرضا، قاله في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٣٤٧٣ و٣٤٧٤] (١٤١٩)، و(البخاريّ) في "النكاح" (٥١٣٦) و"الحيل" (٦٩٦٨ و٦٩٧٠)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢٠٩٢)، و(الترمذيّ) في "النكاح" (١١٠٧)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٦/ ٨٥ و٨٦) و"الكبرى" (٣/ ٢٨١)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٨٧١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٤٦٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٢٩ و٢٥٠ و٢٧٩
_________________
(١) "الفتح" ١١/ ٤٥٨ - ٤٥٩.
[ ٢٥ / ٢١٩ ]
و٤٣٤)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢١٨٦)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٧٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٧٣ - ٧٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٨٤)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٤٠٧)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٣/ ٢٣٨)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (١/ ١٨١ - ١٨٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ١١٩ و١٢٢) و"المعرفة" (٥/ ٢٤٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب استئمار الأيِّم في النكاح، وأنها أحقّ به من الوليّ، بمعنى أنه لا بدّ من إذنها الصريح، أو ردّها، لا بمعنى أنها تزوّج نفسها، كما يقول به داود الظاهريّ.
٢ - (ومنها): بيان وجوب استئذان البكر، وأنه لا يجب عليها التصريح بالقول، بل يكفي سكوتها.
٣ - (ومنها): أنه يدلّ على أنَّ السكوت على الشيء بعد العلم به يكون رضًا به، لكن بشرط أن لا يكون السكوت عن خوف ونحوه.
٤ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى أن البكر التي أُمِر باستئذانها هي البالغة؛ إذ لا معنى لاستئذان من لا تدري ما الإذن، ومن يستوي سكوتها وسخطها.
٥ - (ومنها): أنه يدلّ على أن البكر إذا أعلنت بالمنع لم يجز النكاح عليها، وإن أعلنت بالرضا جاز بطريق أولى، وشذّ بعض أهل الظاهر، فقال: لا يجوز أيضًا، وقوفًا عند ظاهر قوله: "وإذنها أن تسكت"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: نقل ابن عبد البرّ عن مالك أن سكوت البكر اليتيمة قبل إذنها، وتفويضها لا يكون رضًا منها، بخلاف ما إذا كان بعد تفويضها إلى وليّها، وخصّ بعض الشافعيّة الاكتفاء بسكوت البكر البالغ بالنسبة إلى الأب والجدّ، دون غيرهما؛ لأنها تستحيي منهما أكثر من غيرهما، والصحيح الذي عليه الجمهور استعمال الحديث في جميع الأبكار بالنسبة لجميع الأولياء، والله تعالى أعلم.
[ ٢٥ / ٢٢٠ ]
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم تزويج الأب البكر البالغة بغير إذنها:
ذهب الأوزاعيّ، والثوريّ، والحنفيّة، ووافقهم أبو ثور: إلى اشتراط استئذانها، فلو عقد عليها بغير استئذان لم يصحّ.
وذهب آخرون إلى أنه يجوز للأب أن يزوّجها، ولو كانت بالغة بغير استئذان، وهو قول ابن أبي ليلى، ومالك، والليث، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.
ومن حجّتهم مفهوم حديث الباب؛ لأنه جعل الثيّب أحقّ بنفسها من وليّها، فدلّ على أن وليّ البكر أحقّ بها منها.
واحتجّ بعضهم بحديث يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، مرفوعًا: "تُستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها"، قال: فقيّد ذلك باليتيمة، فيُحْمَل المطلق عليه.
وفيه نظر - كما قال الحافظ - لحديث ابن عباس الآتي بلفظ: "والبكر يستأمرها أبوها" فنصّ على ذكر الأب.
وأجاب الشافعيّ بأن المؤامرة قد تكون عن استطابة النفس، ويؤيّده حديث ابن عمر - ﵄ -، رفعه: "آمروا النساء في بناتهنّ"، أخرجه أبو داود، قال الشافعيّ: لا خلاف أنه ليس للأمّ أمرٌ، لكنه على معنى استطابة النفس.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الحديث ضعيفٌ (^١)؛ لجهالة الراوي عن ابن عمر - ﵄ -، فلا يصلح للاستدلال به، والله تعالى أعلم.
وقال البيهقيّ: زيادة ذكر الأب في حديث ابن عباس غير محفوظة، قال الشافعيّ: زادها ابن عُيينة في حديثه، وكان ابن عمر، والقاسم، وسالم يزوّجون الأبكار لا يستأمرونهنّ. قال البيهقيّ: والمحفوظ في حديث ابن عباس: "البكر تُستأمر"، ورواه صالح بن كيسان بلفظ: "واليتيمة تُستأمر"،
_________________
(١) إنما الصحيح ما رواه الطبرانيّ، والبيهقيّ عن العرس بن عميرة بلفظ: "آمروا النساء في أنفسهن، فإن الثيب تُعرب عن نفسها، وإذن البكر صمتها"، راجع: "صحيح الجامع" للشيخ الألبانيّ - ﵀ - ١/ ٦٦.
[ ٢٥ / ٢٢١ ]
وكذلك رواه أبو بردة، عن أبي موسى، ومحمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فدلّ على أن المراد بالبكر اليتيمة.
قال الحافظ: وهذا لا يدفع زيادة الثقة الحافظ بلفظ الأب، ولو قال قائلٌ: بل المراد باليتيمة البكر لم يُدفع، و"تُستأمر" بضمّ أوله يدخل فيه الأب وغيره، فلا تعارض بين الروايات.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كلام الحافظ - ﵀ - هذا حسنٌ جدًّا.
وحاصله أن رواية "يستأذنها أبوها" صحيحة؛ لأنها زيادة ثقة حافظ، وهو سفيان بن عيينة، وأيضًا إن رواية "تُستأذن" لا تنافيها، إذ الاستئذان يعمّ الأب، وغيره، وأما رواية "اليتيمة" فتردّ إلى معنى "البكر" جمعًا بين الروايات.
والحاصل أن ما ذهب إليه الأولون - وهو عدم جواز تزويج البكر البالغة بغير إذنها - هو الأرجح، لظهور أدلّته، والله تعالى أعلم.
وأما قول الحافظ: ويبقى النظر في أن الاستئمار، هل هو شرط في صحّة العقد، أو مستحبّ على معنى استطابة النفس، كما قال الشافعيّ؟ كلٌّ من الأمرين مُحْتَمِل. انتهى.
ففيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ الاحتمال الثاني - وهو الاستحباب - ضعيف؛ لمخالفته لظواهر الأحاديث المذكورة؛ وأما حديث أبو داود المذكور، فلا يصلح للاحتجاج به؛ لأنه ضعيفٌ، كما مرّ آنفًا، فالاحتمال الأول - وهو كون الاستئمار شرطًا في صحّة العقد - أقوى، لظواهر الأحاديث.
وقد حقّق المسألة العلامة ابن القيّم - ﵀ -، فقال في "الهدي" - بعد ذكر حديث الاستئذان - ما نصّه: ومُوجَب هذا الحكم أنه لا تُجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تُزوّج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف، ومذهب أبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القول الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول الله - ﷺ -، وأمره، ونهيه، وقواعد شريعته، ومصالح أمّته.
أما موافقته لحكمه، فإنه حكم بتخيير البكر الكارهة، وليس رواية هذا الحديث مرسلةً بعلّة فيه، فإنه قد روي مسندًا، ومرسلًا، فإن قلنا بقول الفقهاء: إن الاتصال زيادة، ومن وصله مقدّمٌ على من أرسله، فظاهر، وهذا تصرّفهم في
[ ٢٥ / ٢٢٢ ]
غالب الأحاديث، فما بال هذا، خرج عن حكم أمثاله؟ وإن حكمنا بالإرسال، كقول كثير من المحدّثين، فهذا مرسلٌ قويّ، قد عضدته الآثار الصحيحة الصريحة، والقياس، وقواعد الشرع - كما سنذكره - فيتعيّن القول به.
وأما موافقة هذا القول لأمره، فإنه قال: "والبكر تُستأذن"، وهذا أمرٌ مؤكّد؛ لأنه بصيغة الخبر الدّالّ على تحقّق المخبر به، وثبوته، ولزومه، والأصل في أوامره - ﷺ - أن تكون للوجوب، ما لم يقم إجماع على خلافه.
وأما موافقته لنهيه، فلقوله: "لا تُنكح البكر حتى تُستأذن"، فأمر، ونهى، وحكم بالتخيير، وهذا إثباتٌ للحكم بأبلغ الطرق.
وأما موافقته لقواعد شرعه، فإن البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرّف أبوها في أقلّ شيء من مالها إلا برضاها (^١)، ولا يُجبرها على إخراج اليسير منه بدون رضاها، فكيف يجوز أن يُرقّها، ويُخرج بُضعها منها بغير رضاها إلى من يريده هو، وهي من أكره الناس فيه، وهو من أبغض شيء إليها؟ ومع هذا فيُنكحها إياه قهرًا بغير رضاها إلى من يريده، ويجعلها أسيرةً عنده، كما قال النبيّ - ﷺ -: "اتقوا الله في النساء، فإنّهنّ عوان عندكم" (^٢)، أي أسرى، ومعلومٌ أن إخراج مالها كلّه بغير رضاها أسهل عليها من تزويجها بمن لا تختاره بغير رضاها، ولقد أبطل من قال: إنها إذا عيّنت كفؤًا تحبّه، وعيّن أبوها كفؤًا، فالعبرة بتعيينه، ولو كان بغيضًا إليها، قَبِيح الخِلْقة.
وأما موافقته لمصالح الأمّة، فلا يخفى مصلحة البنت في تزويجها بمن تختاره وترضاه، وحصول مقاصد النكاح لها به، وحصول ضدّ ذلك بمن تبغضه، وتنفر عنه، فلو لم تأت السنّة الصريحة بهذا القول، لكان القياس الصحيح، وقواعد الشريعة لا تقتضي غيره، وبالله التوفيق.
_________________
(١) قال الجامع: في هذا الإطلاق نظر لا يخفى؛ لأن الأب يجوز أن يأكل من مال ولده إذا احتاج إليه بغير رضاه؛ للحديث الصحيح الذي أخرجه أحمد، وأصحاب السنن عن عائشة - ﵂ - مرفوعًا: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه"، والبنت يشملها لفظ الولد، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٢) أخرجه الترمذيّ برقم (١١٦٣) وقال: حسنٌ صحيحٌ.
[ ٢٥ / ٢٢٣ ]
[فإن قيل]: فقد حكم رسول الله - ﷺ - بالفرق بين البكر والثيّب، وقال: "لا تُنكح الأيّم حتى تستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن"، وقال: "الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها، والبكر يَستأذنها أبوها"، فجعل الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها، فعُلم أن وليّ البكر أحقّ بها من نفسها، وإلا لم يكن لتخصيص الأيّم بذلك معنىً.
وأيضًا فإنه فرّق بينهما في صفة الإذن، فجعل إذن الثيّب النطق، وإذن البكر الصَّمت، وهذا كلّه يدلّ على عدم اعتبار رضاها، وأنها لا حقّ لها مع أبيها.
[فالجواب]: أنه ليس في ذلك ما يدلّ على جواز تزويجها بغير رضاها مع بلوغها، وعقلها، ورُشدها، وأن يزوّجها بأبغض الخلق إليها إذا كان كفؤًا، والأحاديث التي احتججتم بها صريحةٌ في إبطال هذا القول، وليس معكم أقوى من قوله: "الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها". هذا إنما يدلّ بطريق المفهوم، ومنازعوكم يُنازعونكم في كونه حجّةً، ولو سُلّم أنه حجّةٌ، فلا يجوز تقديمه على المنطوق الصريح، وهذا أيضًا إنما يدلّ إذا قلت: إن للمفهوم عمومًا، والصواب أنه لا عموم له؛ إذ دلالته ترجع إلى أن التخصيص بالمذكور لا بدّ له من فائدةٍ، وهي نفي الحكم عما عداه، ومعلومٌ أن انقسام ما عداه إلى ثابت الحكم ومنفيّه فائدة، وأن إثبات حكم آخر للمسكوت فائدة، وإن لم يكن ضدّ حكم المنطوق، وأن تفصيله فائدة، كيف، وهذا مفهومٌ مخالفٌ للقياس الصريح، بل قياس الأولى، كما تقدّم، ويخالف النصوص المذكورة.
وتأمّل قوله - ﷺ -: "والبكر يستأذنها أبوها"، عقب قوله: "الأيّم أحقّ بنفسها من وليّها"، قطعًا لتوهّم هذا القول، وأن البكر تُزوّج بغير رضاها، ولا إذنها، فلا حقّ لها في نفسها البتّة، فوصل إحدى الجملتين بالأخرى، دفعًا لهذا التوهّم، ومن المعلوم أنه لا يلزم من كون الثيّب أحقّ بنفسها من وليّها أن لا يكون للبكر حقّ في نفسها البتّة.
وقد اختلف الفقهاء في مناط الإجبار على ستّة أقوال:
(أحدها): أنه يُجبر بالبكارة، وهو قول الشافعيّ، ومالك، وأحمد في رواية.
[ ٢٥ / ٢٢٤ ]
(الثاني): أن يُجبر بالصغر، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد في الرواية الثانية.
(الثالث): أنه يُجبر بهما معًا، وهو الرواية الثالثة عن أحمد.
(الرابع): أنه يجبر بأيهما وُجد، وهو الرواية الرابعة عنه.
(الخامس): أنه يجبر بالإيلاد، فتُجبر الثيّب البالغ، حكاه القاضي إسماعيل عن الحسن البصريّ، قال: وهو خلاف الإجماع، قال: وله وجهٌ حسنٌ من الفقه.
قال ابن القيّم: فيا ليت شعري ما هذا الوجه الأسود المظلم؟.
(السادس): أنه يجبر من يكون في عياله، ولا يخفى عليك الراجح من هذه المذاهب. انتهى كلام ابن القيّم - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا يخفى أن الأرجح القول بأن الإجبار بهما معًا؛ فلا تُجبر البكر البالغة، ولا الثيّب الصغيرة؛ عملًا بمقتضى الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قال في "الفتح" ما حاصله: استُدلّ بحديث الباب على أن الصغيرة الثيّب لا إجبار عليها؛ لعموم كونها أحقّ بنفسها من وليّها، وعلى أن من زالت بكارتها بوطء، ولو كان زنًا لا إجبار عليها، لأب ولا غيره؛ لعموم قوله: "الثيّب أحقّ بنفسها".
وقال أبو حنيفة: هي كالبكر، وخالفه صاحباه، واحتُجّ له بأن علّة الاكتفاء بسكوت البكر هو الحياء، وهو باق في هذه؛ لأن المسألة مفروضة فيمن زالت بكارتها بوطء، لا فيمن اتخذت الزنا ديدنًا وعادة.
وأجيب بأن الحديث نصّ على أن الحياء يتعلّق بالبكر، وقابلها بالثيّب، فدلّ على أن حكمهما مختلفٌ، وهذه ثيّبٌ لغةً وشرعًا، بدليل أنه لو أوصى بعتق كلّ ثيّب في ملكه دخلت إجماعًا، وأما بقاء حيائها كالبكر فممنوعٌ؛ لأنها تستحيي من ذكر وقوع الفجور منها، وأما ثبوت الحياء من أصل النكاح فليست فيه كالبكر التي لم تُجرّبه قط.
_________________
(١) "زاد المعاد في هدي خير العباد" ٥/ ٩٥ - ٩٩.
[ ٢٥ / ٢٢٥ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الأولون هو الأرجح؛ لعموم الحديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): أن بعضهم استدلّ بقوله: "أحقّ بنفسها" على أن للثيّب أن تتزوّج بغير وليّ، ولكنها لا تزوّج نفسها، بل تجعل أمرها إلى رجل، فيزوّجها، حكاه ابن حزم عن داود، وتعقّبه بحديث عائشة - ﵂ -، مرفوعًا: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل"، وهو حديث صحيح، وهو يبيّن أن معنى قوله: "أحقّ بنفسها من وليّها" أنه لا ينفذ عليها أمره بغير إذنها، ولا يُجبرها، فإذا أرادت أن تتزوّج لم يجز لها إلا بإذن وليّها، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٧٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ (ح) وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى، يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ، عَن الْأَوْزَاعِيِّ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ (ح) وَحَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، كلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثِ هِشَامٍ، وَإِسْنَادِهِ. وَاتَّفَقَ لَفْظُ حَدِيثِ هِشَامٍ، وَشَيْبَانَ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ سَلَّامٍ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: ستة عشر:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة، تقدّم قريبًا.
٢ - (الْحَجَّاجُ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ) ميسرة، أو سالم الصوّاف الكِنْديّ مولاهم، أبو الصَّلْت البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٢/ ٣١٨.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التميميّ، أبو إسحاق الفرّاء الرازيّ، يُلقّب بالصغير، ثقةٌ حافظٌ [١٠] مات بعد (١٢٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢١.
[ ٢٥ / ٢٢٦ ]
٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مُرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٥ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ جليلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٦ - (حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن بَهْرَام التميميّ، أبو أحمد، أو أبو عليّ الْمَرُّوذيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [٩] (ت ٢١٣) أو بعدها (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٥٦/ ١٥٤٣.
٧ - (شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميميّ مولاهم، أبو معاوية النحويّ (^١) البصريّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ صاحب كتاب [٧] (ت ١٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقنديّ، ثقةٌ حافظ فاضلٌ متقنٌ [١١] (ت ٢٥٥) وله (٧٤) سنةً (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٩ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) البصريّ، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٨) (خ م د ت س) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٣.
١٠ - (مُعَاوِيةُ بْنُ سَلَّامِ) بن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، كان يسكن حمص، ثقةٌ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣٠٩.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ) يعني أن هؤلاء الخمسة، وهم: الحجاج بن أبي عثمان، والأوزاعيّ، وشيبان النحويّ، ومعمرٌ، ومعاوية بن سلّام رووا هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير.
[تنبيه]: رواية الحجّاج بن أبي عثمان، عن يحيى بن أبي كثير هذه، ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده" ٣/ ٧٣ فقال:
(٤٢٣٩) - حدّثنا أبو عمران التستريّ موسى بن زكريا بالبصرة، قثنا (^٢) مُؤمَّل بن هشام، قثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن الحجاج بن أبي عثمان، عن
_________________
(١) يقال: إنه نسبة إلى نحوة بطن من الأزد، لا إلى علم النحو، فتنبّه.
(٢) هي في الموضعين مختصرة من "قال: حدّثنا"، فتنبّه.
[ ٢٥ / ٢٢٧ ]
يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال النبيّ - ﷺ -: "لا تُنكح الثيِّب حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن". انتهى.
وأما رواية الأوزاعيّ، عن يحيى، فساقها الترمذيّ، فقال:
(١٠٢٥) - حدّثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا محمد بن يوسف، حدّثنا الأوزاعيّ، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تُنكح الثيب حتى تستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن، وإذنها الصُّمُوت". انتهى.
وأما رواية شيبان النحويّ عن يحيى، فساقها البخاريّ، فقال:
(٦٥٦٩) - حدّثنا أبو نُعَيْمٍ، حدثنا شَيْبَانُ، عن يحيى، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُرَيْرَةَ قال: قال رسولِ اللهِ - ﷺ -: "لَا تُنْكَحُ الْأيِّمُ حتى تُسْتَأْمَرَ، ولا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حتى تُسْتَأْذَنَ"، قالوا: كَيْفَ إِذْنُهَا؟ قال: "أَنْ تَسْكُتَ". انتهى.
وأما رواية معمر، عن يحيى، فلم أجد من ساقها، وكذا رواية معاوية عنه، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٧٥] (١٤٢٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَن ابْنِ جُرَيْجٍ (ح) وَحَدَّثَنَا اِسْحَاقُ بْنُ اِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: قَالَ ذَكْوَانُ مَوْلَى عَائِشَةَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَن الجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا أهْلُهَا، أَتُسْتَأْمَرُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "نَعَمْ، تُسْتَأْمَرُ"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّهَا تَسْتَحْيِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "فَذَلِكِ إِذْنُهَا، إِذَا هِيَ سَكَتَتْ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع و(٧٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ) عبد الله بن عُبيد الله بن أبي مُليكة زُهير بن عبد الله التيميّ المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٢.
[ ٢٥ / ٢٢٨ ]
٣ - (ذَكْوَانُ مَوْلَى عَائِشَةَ) أبو عمرو المدنيّ، ثقةٌ [٣] (خ م د س) تقدم في "الحج" ١٧/ ٢٩٣١.
٤ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق - ﵄ -، ماتت سنة (٥٧) (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه إسنادان بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، وذكوان.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَن ذَكْوَانَ مَوْلَى عَائِشَة، أنه قال: (سَمعْتُ عَائِشَةَ - ﵂ - (تقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَن الْجَارِيَةِ يُنْكِحُهَا) بضمّ أوله، من الإنكاح (أَهْلُهَا) بالرفع على الفاعليّة (أَتُسْتَأْمَرُ) بالبناء للمجهول (أَمْ لَا؟) أي: أم لا يُحتاج إلى استئمارها؟ (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "نَعَمْ، تُسْتَأْمَرُ") بالبناء للمفعول: أي يُطلب أمرها (فَقَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵂ - (فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّهَا تَسْتَحْيِي) بياءين، وفيه لغة أخرى، بياء واحدة، فيقال: استَحْيَيْتُ منه، واستَحَيْتُ منه، قال الفيّوميّ - ﵀ -: حَيِيَ فلانٌ حيَاءً بالفتح والمدّ، فهو حَيِيٌّ، على فعلي، واستحيا منه، وهو الانقباض، والانزواء، قال الأخفش: يتعدَّى بنفسه، وبالحرف، فيقال: استحييتُ منه، واستحييته، وفيه لغتان: إحداهما لغة الحجاز، وبها جاء القرآن بياءين، والثانية لتميم، بياء واحدة. انتهى (^١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "فَذَلِكِ) بكسر الكاف خطابًا للمؤنّث، والإشارة إلى السكوت المفهوم من المقام، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ - الماضي: "أن تسكت"، وفي رواية البخاريّ: "رضاها صَمْتها"، وفي حديث ابن عبّاس
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٦٠.
[ ٢٥ / ٢٢٩ ]
الآتي: "وإذنها صُماتها"، واسم الإشارة مبتدأ، خبره قوله: (إِذْنُهَا، إِذَا هِيَ سَكَتَتْ") جواب "إذا" دلّ عليه السابق: فقد أذِنت، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٣٤٧٥] (١٤٢٠)، و(البخاريّ) في "النكاح" (٥١٣٧) و"الإكراه" (٥٩٤٦) و"الحيل" (٦٩٧١)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢٠٩٣)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٣٢٦٧) وفي "الكبرى" (٥٣٧٦)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦/ ١٤٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ١٣٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٥ و١٦٥ و٢٠٣)، و(الطحاويّ) في (مشكل الآثار" (١٤/ ٤٣٦)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٧٠٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٠٨٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٧٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٨٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ١١٩ و١٢٢ و١٢٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٢٥٥)، والله تعالى أعلم.
وأما بقية المسائل المتعلّقة بالحديث، فقد تقدّمت في شرح حديث أبي هريرة - ﵁ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٧٦] (١٤٢١) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا"؟، قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّف [١٠] (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨.
[ ٢٥ / ٢٣٠ ]
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (مَالِكُ) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قبل باب.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْفَضْلِ) بن العبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب الهاشميّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٧.
٦ - (نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ) بن مُطْعِم النوفليّ، أبو محمد، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٣] (ت ٩٩) (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٨٢.
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر - ﵄ -، تقدّم قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُمَاسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى يحيى، فما أخرج أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من مالك.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن عباس - ﵄ - من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَن يَحْيَى بْن يَحْيَى التميميّ، وقوله: (وَاللَّفْظُ لَهُ) أي لفظ الحديث المسوق هنا ليحيى، وأما سعيد، وقتيبة، فروياه بالمعنى (قَالَ) يحيى (قُلْتُ لِمَالِكِ) بن أنس (حَدَّثَكَ) بتقدير أداة الاستفهام، أي: أحدّثك (عَبْدُ اللهِ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالَ: "الْأَيِّمُ) تقدّم ضبط الأَيِّم، وتفسيرها في شرح حديث أبي هريرة - ﵁ - الماضي (أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا) أي تنطق بنفسها، ولا ينطق الوليّ عنها، وفي الرواية التالية: "الثيّب أحقّ بنفسها من وليّها".
وقال النوويّ: يَحْتَمِل من حيث المعنى أن المراد: أحقّ من وليّها في كلّ شيء، من عقد، وغيره، كما قاله أبو حنيفة، وداود.
ويَحْتَمِل أنها أحقّ بالرضا، أي لا تُزوّج حتى تنطق بالإذن، بخلاف
[ ٢٥ / ٢٣١ ]
البكر، ولكن لَمّا صحّ قوله - ﷺ -: "لا نكاح إلا بوليّ" مع غيره من الأحاديث الدّالّة على اشتراط الوليّ تعيّن الاحتمال الثاني.
[واعلم]: أن لفظة "أحقّ" هنا للمشاركة، معناه: أن لها في نفسها في النكاح حقًّا، ولوليّها حقًّا، وحقّها أوكد من حقّه، فإنه لو أراد تزويجها كفؤًا، وامتنعت لم تُجبر، ولو أرادت أن تتزوّج كفؤًا، فامتنع الوليّ أُجبر، فإن أصرّ زوّجها القاضي، فدلّ على تأكيد حقّها، ورجحانه. انتهى.
(وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا) ببناء الفعل للمفعول: أي يُطْلَب إذنها في تزويجها، وفي الرواية التالية: "والبكر تُستأمر".
قال القرطبيّ - ﵀ -: هكذا وقع في حديث ابن عباس - ﵄ -: "والبكر تُستأمر"، وفي حديث أبي هريرة - ﵁ -: "الأيّم تُستأمر، والبكر تُستأذن"، وهو أتقن مساقًا من حديث ابن عباس لأن "تُستأمر" معناه: يُستدعَى أمرها، وهذا يظهر منه أن يصدر منها بالقول ما يُسمّى أمرًا، وهذا ممكن من الثيّب؛ لأنها لا يَلحقها من الخجل، والانقباض ما يَلحق البكر، فلا يُكتفى منها إلا بنطق يدلّ على مرادها صريحًا، وأما "تُستأذن" فإنه يقتضي أن يظهر منها ما يدلّ على رضاها، وإذنها بأيّ وجه كان، من سكوت، أو غيره، ولا تُكلّف النطقَ، ولذلك لما قال في حديث ابن عباس: "لا تُنكح البكر حتى تُستأذن" أشكل عليهم إذنها، فسألوا، فأجيبوا بقوله (وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا") بضم الصاد المهملة، ويقال فيه: الصّمت - بالفتح - والصّموت - بالضمّ -: ومعناها السكوت، وإلى هذا أشرت بقولي:
الصَّمْتُ وَالصُّمَاتُ والصُّمُوتُ … مَصَادِرٌ يُعْنَى بِهَا السُّكُوتُ
كَالْقَتْلِ وَالصُّرَاخِ وَالسُّكُوتِ … فَاحْفَظْ فَمَا حُفِظَ ذُو ثُبُوتِ
قال الفيّوميّ - ﵀ -: والأصل: وصُماتها كإذنها، فشُبِّهَ الصُّماتُ بالإذن شرعًا، ثم جُعِل إذنًا مجازًا، ثم قُدّم مبالغةً، والمعنى: هو كاف في الإذن، وهذا مثل قوله: "ذكاة الجنين ذكاة أمّه"، والأصل: ذكاة أمّ الجنين ذكاته، وإنما قلنا: الأصل: صماتها كإذنها؛ لأنه لا يُخبرُ عن شيءٍ إلا بما يصحّ أن يكون وصفًا له حقيقةً، أو مجازًا، فيصحّ أن يقال: الفرس يطير، ولا يصحّ أن يقال: الحجر يطير؛ لأنه لا يوصف بذلك، فصُماتها كإذنها صحيح، ولا يصحّ
[ ٢٥ / ٢٣٢ ]
أن يكون "إذنها" مبتدءًا؛ لأن الإذن لا يصحّ أن يوصف بالسكوت؛ لأنه يكون نفيًا له، فيبقى المعنى: إذنها مثل سكوتها، وقبل الشرع كان سكوتها غير كاف، فكذلك إذنها، فينعكس المعنى. انتهى (^١).
وقوله: (قَالَ: نَعَمْ)، أي قال مالك بعد أن عرض عليه يحيى بن يحيى الحديث، حيث قال: حدّثك عبد الله بن إلخ فقال: نعم حدّثني به.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عباس - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
[تنبيه]: قال الدارقطنيّ - ﵀ - في "التتبّع" (١٧٦): وأخرج مسلم حديث عبد الله بن الفضل في الأَيِّم، من طريق مالك، وزياد بن سعد، ولا علّة له، ولا عُذر للبخاريّ في تركه. انتهى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٣٤٧٦ و٣٤٧٧ و٣٤٧٨] (١٤٢١)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢٠٩٨ و٢١٠٠)، و(الترمذيّ) في "النكاح" (١١٠٨)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٣٢٦١ و٣٢٦٢ و٣٢٦٣ و٣٢٦٤ و٣٢٦٥) وفي "الكبرى" (٥٣٧١ و٥٣٧٢ و٥٣٧٢ و٥٣٧٣ و٥٣٧٤)، و(ابن ماجه) في "النكاح" (١٨٧٠)، و(مالك) في "الموطّإ" (٢/ ٥٢٤ - ٥٣٥)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ١٢)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٠٢٨٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ١٣٦)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٩ و٢٤١ و٢٤٢ و٢٧٤ و٣٤٥ و٣٥٥ و٣٦٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢١٨٨ و٢١٨٩ و٢١٩٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٠٨٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠/ ١٠٧٤٢)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٧٠٩)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (٥٥٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٧٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ٨٦)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ١١٨ و١٢٢) و"الصغرى" (٦/ ١١٥) و"المعرفة" (٥/ ٢٤٠ و٤٤٨)، و(البغويّ) في "شرح
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٤٧.
[ ٢٥ / ٢٣٣ ]
السنّة" (٢٢٥٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٧٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زِيادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ، سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ، يُخْبِرُ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل بابين.
٢ - (زِيادُ بْنُ سَعْدِ) بن عبد الرحمن الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثم اليمن، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى البحث فيه قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٤٧٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَالَ: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا"، وَرُبَّمَا قَالَ: "وَصَمْتُهَا إِقْرَارُهَا").
رجال هذا الإسناد: اثنان:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدّم قبل بابين.
و"سفيان" هو: ابن عيينة، ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية ابن أبي عمر، عن سفيان هذه ساقها البيهقيّ - ﵀ - في "الكبرى" ٧/ ١١٥ فقال:
(١٣٤٤١) - أخبرنا أبو عليّ الروذباريّ، أنبأ محمد بن بكر، ثنا أبو داود، ثنا أحمد بن حنبل، ثنا سفيان (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا
[ ٢٥ / ٢٣٤ ]
محمد بن الحسن بن منصور، ثنا هارون بن يوسف، ثنا ابن أبي عمر، ثنا سفيان، عن زياد بن سعد، عن عبد الله بن الفضل، عن نافع بن جُبير، عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الثيب أحقّ بنفسها من وليها، والبكر يَستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها"، وربما قال: "وصُماتها إقرارها"، لفظ حديث ابن أبي عمر، وفي رواية أحمد: "الثيب أحقّ بنفسها من وليها، والبكر يستأمرها أبوها". انتهى.
[تنبيه آخر]: تقدّم أن بعضهم ادّعى أن رواية: "يستأذنها أبوها" ليست بمحفوظة، والصحيح أنها محفوظة؛ لأن من زادها إمام حافظ معتمد، وهو سفيان بن عيينة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.